لمحة عن تطور الكورد منذ أقدم العصور حتى الآن - د. زهدي الداوودي

كتب أنجلز في 21-22 أيلول 1890 رسالة الى جوزيف بلوخ يقول فيها:"إننا نصنع تأريخنا بأنفسنا, ولكن تحت ظروف ومسلمات محددة جداً, من ضمنها الاقتصادية التي هي الحاسمة أساساً. بيد أن السياسة وغيرها, بل وحتى التقاليد التي تسكن رؤوس الناس تلعب أيضا دورها, وإن كان غير حاسم".
بهذه الجمل القليلة يرسم لنا أنجلز ملامح النظرة الواعية الى التاريخ وكيفية صنعه, وبأن اليوم هو إمتداد للأمس. وقد بقي في أسره وتخلفه الموروث لفترة غير قصيرة من الزمن, ينتظر الظروف المواتية حتى ينطلق من ذلك الأسر.

إن الوعي التاريخي لماضي أي شعب يمكن أن يرسم الطريق المستقبلي لتطوره على أسس علمية مدروسة. ومن هنا ينبغي أن نكون واعين للماضي التاريخي للشعب. أن نعلم بأن الأمس يواصل تأثيره على اليوم. وأن الوضع الراهن هو تواجد تأريخي. ويجب أن يحلل تاريخياً.
إن الماضي التاريخي يؤكد نفسه كعامل موضوعي يجب أن يتعامل معه الانسان بوعي. وقد ترك, من حيث نريد أو لانريد, جملة تقاليد متداخلة لو تزل تسكن في رؤوس الناس. وسبق أن تطرق ماركس إلى هذه المسألة أيضاً محددا إياها بعبارات دقيقة :"إن الناس يصنعون تاريخهم الخاص بأنفسهم, ولكنهم لايصنعونه من قطع حرة ولا مما يختارونه هم, بل من أوضاع مسلم بها ومعطيات مباشرة . إن تقاليد كل الاجناس الميتة تجثم مثل كابوس على أدمغة الأحياء".
عبر هذه المطلق العلمي التاريخي نلقي نظرة سريعة إلى تطور المجتمع الكوردي الذي اضطرته ظروف تاريخية وموضوعية معينة لأن يعاني التخلف والتأخر والتمزق في كثير من الجوانب حياته عبر التاريخ, وكيف يمكن لتلك العوامل السلبية أن تتحول الى سلم, ينتقل عبره هذا الشعب الى مرحلة نوعية جديدة في مجال تقرير مصيره بنفسه. وهو ألان, حيث يناضل ببسالة في جميع أجزاء كوردستان من أجل حقوقه القومية المشروعة ومن أجل الديمقراطية والفدرالية, ينبغي أن نعود الى الماضيه ونتعرف على خصائصه, لعلنا نستطيع بذلك أن نسلط بعض الأضواء على واقع ومتطلبات هذا الشعب في يومنا هذا, حيث تجري محاولات خطيرة من بعض حلفاء الأمس لعرقلة تطور هذا الشعب في يومنا هذا ودفعه باسم الدين إلى ظلمات العصور الوسطى.
يمتاز الشعب الكوردي, كسائر شعوب الشرق الجبلية, كونه يحب الحرية إلى درجة الفناء في سبيلها وأنه لم يمر بمرحلة الرق أو بما يسمى بالمجتمع الطبقي الأول لذلك فإن عملية تطوره مرت بتشعبات وتعقيدات متداخلة غير موحدة, لعب فيها العامل الجغرافي دوراً كبيراً, الأمر الذي جعل مرحلة إنتقاله من المجتمع المشاعية البدائية إلى مجتمع شبه إقطاعي تجري بشكل بطيء, تحمل في طياتها بهذه الدرجة أو تلك بقايا و عناصر مراحل التاريخ المختلفة, تلك البقايا التي ظاهرة في العلاقات الاجتماعية الراهنة في بعض مناطق كوردستان. وربما تعود هذه الخصوصية إلى كون الكورد كانوا يعيشون على أطراف الامبراطوريات, ويرفضون الخضوع إلى هيمنتها.
إن أي تحليل للعلاقات الاجتماعية في المجتمع الكوردي يكون ناقصاً مالم نرجع الى الجذور التاريخية لتطورها. وينطبق هذا الرأي ليس على المجتمع الكوردي فحسب, بل كل مجتمع نريد أن نعرف فيه طبيعة القوى والعلاقات.
في تحليلنا هذا اعتمدنا بالدرجة الأولى على المصادر الاغريقية والرومانية, رغم أنها نادراً ما تتطرق الفترة ماقبل 400 ق.م . ولعل الاراء التي تدعي بأن ولوج ميدان دراسة التاريخ الكوردي لما قبل تلك الفترة هو مجرد دوران في حلقة مفرغة, لا تنفي حقيقة وجود معلومات تلقي الاضواء على تاريخ هذا الشعب الممتد الى عصور سحيقة في القدم. إذ نقش عليهما نص سومري, سبق لإرنانا, الوزير ألاكبر للملك السومري سوشين(2037-2029ق.م) أن أمر بوضعهما تحت مفصلة (قاعدة)الباب العائد لمعبد جديد تم بنائه في جرسو (حالياً تيللو) في جنوب العراق. وبعد أن يذكر إرنانا سلسلة من ألقابة ومناصبه, يذكر بأنه محافظ عسكري لأربيلوم (حالياً أربيل), ومحافظ كل من خماسي وكره خار(حالياً قره خان/ السعدية), وكذلك القائد العسكري لأهالي سو وبلاد كوردا (حالياً كوردستان الكبرى) إن هذه المناطق كلها تقع ضمن كردستان الحالية كما نرى. وفي فترة كتابة النص, كان يسكن في معضمها الحوريون وهم من العناصر غير السامية. وكانت منطقة قرة خان المزكورة, والواقعة على أعالي نهر ديالى, تعتبر من أحد أهم مراكزهم السياسية.
ومن الجدير بالذكر أن هذين اللوحين المتواجدين في متحف اللوفر في باريس, قد تم التنقيب عنهما من قبل بعثة فرنسية في تيللو في جنوب العراق. وقد ساعدني في العثور على نسخة النص السومري وترجمته الى اللغة الألمانية كل من أ.د. مانفريد ميللر و أ.د. أولنسر وذلك من حولية:6-5 Jena Revue d Assyriologie
وهناك بعض اللوحات الطينية الآشورية التي تعود إلى 1300و 1500 ق.م .تؤكد على الخصائص البدنية القوية للرجال والجمال المتميز للنساءعند قبائل لولو أو لور الكوردية في جبال زاكروس, الأمر الذي كان يشجع الآشوريون لشن حملاتهم العسكرية على هذه المناطق وأخذ الشباب كعبيد لأعمال السخرة. وكانت زوجة الاشوري التي لاتنجب تمنح زوجها إمرأة من لولو, كزوجة ثانية, لإنجاب الاطفال. وكانت أسعار هؤلاء العبيد, بالمقارنة مع الأقوام ألاخرى غالية جداً.
ورغم أن إسلوب الإنتاج يلعب الدور الحاسم في التطور, فإننا كما أكدنا في البداية, لا نستطيع أن نهمل تأثير العامل الجغرافي الكبير عند دراسة المجتمع الكوردي, حيث الانهار والجبال الشاهقة تعزل المناطق عن بعضها بشدة. وعند التحليل الفيلولوجي لكلمة"كورد" وجدنا أن مصادر الاغريقية والرومانية قد استعملت ثلاثة أشكال لهذه الكلمة وهي : "كوردوخ, كورتيي, كوردا" وكانت هذه الكلمات الثلاثة تطلق على ثلاثة مجموعات من الكورد تعيش كقبائل متفرقة عن بعضها بسبب الموانع الجبلية الصعبة, وكانت لكل مجموعة درجة من التطور, تختلف عن الاخرى.
وعند تحليلنا لكتابات الاغريق نتوصل إلى الاستنتاجات التالية بالنسبة الى الحياة الاجتماعية للكورد القدماء, حيث أننا من خلال أربعة علامات مختلفة ,نجد طابع التطور لفترة أربعة قرون من الزمن وحتى الانتقال الى الألف الاول الميلادي كما يلي:
1- إن قسماً من الكورد القدماء, كان يعيش في ظل علاقات المرحلة الاخيرة من المجتمع المشاعية البدائية:يقول ديودور:" كان الكوردوخيون يعيشون في الكهوف, يقتاتون البلوط و الفطر ولحم الحيوانات الوحشية المملح".
2- يؤكد سترابون بأنهم كانو يعيشون في مساكن محصنة.."كان الكورداير الذين كانوا يسمون فيما مضا بالكوردوخيين يعيشون في مناطقهم الواقعة على نهر دجلة من مدنهم "ساريسة, ساتالكة, بينه كه" وهي تشكل حصناً منيعاً بثلاثة أبراج, لكل منه سوره الخاص به بحيث أنها تشكل وحدة بثلاثة مدن ".
ونجد عند زنفون القرى والمستوطنات فقط, دون أن يأتي إلى ذكر الأسوار. وبعد أن يصف قدراتهم العسكرية الهائلة وأسلحتهم الفريدة, وكيفية إجتيازهم الجبال ووصولهم إلى القرى الواقعة على سفوح الجبال. وكان يمكن للمرء أن يعثر في بيوتهم على كميات كبيرة من الاغذية إلى جانب أواني متقنة الصنع ".
إن هذا العرض المتباين لحياة الكورد القدماء ضمن فترة تاريخية قصيرة(300سنة) بالنسبة الى تطور إجتماعي البطيء الى تلك الفترة ,يدعنا الى أن نستنتج بأن مستوى التطور لم يكن موحدا. وظل هذا التباين الى يومنا هذا. وهذه الخصوصية ليست مجرد ميزة كوردية فقط, بل أنها ضاهرة عامة تتصف بها كافة شعوب الشرق .
3- غالباً مايجري الحديث عن القوة العسكرية لهذا الشعب في الدفاع عن نفسه, وفي هذا الصدد يقول زنفون:
"وكان الرماة خطيرين جداً وكانت سهامهم تخترع دروعنا و تروسنا. وكانت هذه السهام ثقيلة وطويلة بحيث أن الجنود الاغريق راحو يستعملونا فيما بعد كرماح"
كان إسلوب الانتاج الحرفي موجوداً عند الكورد القدماء, ولاسيما حرفة صنع الأدوات الحربية والأسلحة التي كانوا يحتاجونها للدفاع عن أرضهم ضد الامبراطوريات المجاورة في تلك الدولة كالدولة الاشورية والفارسية. ورغم أن أجدادنا الكورد القدماء أوجدوا المنجل والمحراث وتربية الحيوان منذ الالف التاسع قبل الميلاد في المنطقة المعروفة باسم شهرزور, يمكننا أن نقول بأن الزراعة لم تلعب دوراً حاسماً في تطور المجتمع الكوردي القديم, إذ أن المساحات الصغيرة الواقعة بين الجبال كانت تشكل الارضية الوحيدة للزراعة التي كانت تعتمد على الامطار ومياه العيون. ولما كان الشرط الاول لتطوير الزراعة هو فتح القنوات والري, فإن مثل هذه الحاجة لم تكن متوفرة بسبب عدم وجود مساحات واسعة من الأرض والأيدي العاملة, بخلاف جنوب وادي الرافدين, حيث أدى هذا الشرط إلى الإنتقال الى مرحلة المجتمع الطبقي الأول المتمثلة بدويلات المدنت السومرية. وهناك ظاهرة لابد من الإشارة إليها وهي أن أجداد الكورد القدماء الذين سكنوا أرض كوردستان الحالية, كانوا مع تطور أدواتهم الزراعية وتنامي نفوسهم ينزحون بشكل مستمر بإتجاه الجنوب حيث السعة والخصوبة في الاراضي. وإستغرقت عملية الهجرة المستديمة هذه لعدة آلاف من السنين, ولذلك لايستبعد بأن أصل من يسمون بالفراتيين الأوائل والسومريين الذين جائوا بعدهم هو نفس أجداد الكورد القدماء, وإلا فإنه ليس من المعقول أنهم هبطو من السماء.
كان الكورد القدماء في هذه المرحلة قد بلغوا في تطورهم التاريخي المرحلة الاخيرة من المشاعية البدائية(نيوليتكوم - العصر الحجري - البرونزي). وكانوا لايزالون يستعملون الحجر كسلاح وأداة إنتاج بلإضافة إلى المعدن. وكان قسم كبير من الكورد لايزال يعيش في مرحلة الصيد و جمع القوت وتدجين الحيوان. وهنا لابد من الاشارة إلى التعبير المزدوج(مرحلة تربية الحيوان والزراعة)التي يعتبرها معضم المؤرخين مرحلة واحدة, في حين أنها عبارة عن مرحلتين مستقلتين, إذ أن مرحلة تدجين الحيوان فتربيه أقدم من مرحلة الزراعة بألاف السنين ,حتى أن بعض الشعوب, نتيجة لظروفها الذاتية والموضوعية, ظلت متمسكة بتربية الحيوان دون الزراعة, حتى يومنا هذا ومثال ذلك المغول وبعض الشعوب الاسيوية والافريقية.
كانت العلاقات القبلية في هذه المرحلة, مرحلة إنهيار العلاقات المشاعية البدائية, لم تزل قوية ومتماسكة, وقد استمرت هذه الميزة حتى منتصف القرن الماضي, حيث بدأت العلاقات العشائرية تنصهر لتصب في تكوين الشعب الكوردي الموحد, ولايمكن نسيان دور حركة الكوردية المسلحة التي قادها المرحوم ملا مصطفى البارزاني في تبلور هذه العملية التاريخية. وهذا كله لا يعني بأن العلاقات العشائرية زالت نهائياً, إذ إننا أمام عملية معقدة متشابكة غير معزولة عن مجمل التطور الاجتماعي في المنطقة, ناهيك عن علاقاتها الجدلية بالنظم السياسية ومدى تخلفها وتقدميتها.
وتؤكد التنقيبات عن المرحلة الاخيرة للمشاعية البدائية بشكل قاطع على قوة ووحدة العمل الجماعي القبلي في هذه المرحلة إذ إن الحروب المتكررة في هذه المرحلة أدت إلى تعزيز التماسك داخل القبيلة من جهة وبناء التحصينات الدفاعية كالأسوار من الجهة الثانية.
وبهذا نرى بأن الكورد القدماء كانوا يعيشون ضمن ضمن مجتمع قبلي تسوده العلاقات الباترياركية (الابوية) دون أن يعرفوا الاستغلال. ويمكن أن نستنتج من دفاعهم الجماعي عن موطنهم وجود قيادة مركزية ضمن مجلس القبائل, يضم ممثلا عن كل قبيلة. وكانت لكل قبيلة حسب ظروفها الموضوعية والذاتية درجة معينة من التطور ,وتعيش غالباً منعزلة عن بعضها.
ونتيجة للعيش في أطراف الامبراطورات المجاورة وأنعزالها عنها وعدم وجود وحدة متكاملة لاتحاد القبائل وبالنظر للاعتماد على الاقتصاد الطبيعي والاكتفاء الذاتي , بدأت العلاقات الاجتماعية تتطور ببطء وبدرجات متفاوتة, الأمر الذي لم يؤد إلى نشوء مدن كلاسيكية تمثل جوهر المجتمع الطبقي الأول مثل "أور , أكد , أرديو... الخ "والتي كانت نتيجة منطقية للنزوح التدريجي لأجداد الكورد القدماء بأتجاه الجنوب , حيث الاراضي الواسعة والخصوبة.ٍ
3- كانت الحروب والغارات على القوافل المار بكردستان, ضرورية لحياة الكورد القدماء, ولها صلة مباشرة بعلاقاتهم الاقتصادية, إذ إن العلاقات الاقتصادية كانت قاعدة لكل العلاقات القائمة بينهم. وكانت هذه العلاقات ليست سوى أشكالا ضرورية لتحقيق نشاطاتهم المادية والشخصية. وبما أن الحروب لعبت دوراً كبيراً في حياة هذا الشعب, نستنتج بانه كانت تتواجد ثمة ديمقراطية عسكرية. كان واجب القادة العسكريين هو الدفاع عن الوطن وتنظيم الغزوات والغارات وتوفير المواد الغذائية الضرورية لحياة الناس. ويبدو أن الغنائم لم تكن من الوفرة بحيث تساعد على ظهور طبقة غنية وارستقراطية متميزة.
إذ اعتبرنا الانتاج المحدود هو أحد عوامل الانتقال إلى مجتمع الرق, فيمكننا أن نعتبر تنظيم الزراعة الواسعة أحد العوامل الإنتفال إلى المجتمع الطبقي الاول في وادي الرافدين, التي نشأت في حضنه الدولة التي تقوم بواجب الحفاظ على أشكال الملكية الجديدة وتطوير العلاقات الاجتماعية للنظام الجديد. ولما كان المجتمع الكوردي لم يستطع بلوغ واجتياز هذه التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية كما قلنا, لذلك فأنه لم يعرف الدولة. ولعل أحد أسباب الانهيار السريع للدولة الميدية والدولة الكوتيين هو فقدان هذا السبب. ومن الجدير بالذكر إننا لايمكننا إعتبار الدويلات أو الإمارات التي تكونت في تاريخ هذا الشعب دولا بالمعنى الذي نقصده.
ولعبت الامبراطوريتان. الايرانية والعثمانية دورا كبيراًفي عرقلة التطور الطبيعي للشعب الكوردي وتجزئة بلاده, ورغم ذلك فأنهما لم يتمكنا من الحيلولة دون ظهور الحركة القومية الكوردية التي نشأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع ظهور حركات قومية للشعوب الاخرى التي كانت خاضعة للسيطرة العثمانية. بيد ان الحركة القومية الكردية لم تتطور بمستوى تطور الحركات القومية لتلك الشعوب بفعل عوامل تأريخية وإقتصادية واستراتيجية معينة.
مما تقدم نرى أن تطور الشعب الكردي لم يكن متساوية أو موحدا, إذ لعبت العوامل الجغرافية دوراً كبيراً في عزل القبائل عن بعضها بحيث لم يتم إتحاد القبائل نموزجي , الامر الذي له ضرورته في صب التطور في إتجاه واحد.
كان الاتحاد فوقياً وبقيت كل قبيلة شبه مستقلة سواء في علاقاتها أم في تطورها. ولم تبدأ العلاقات شبه الاقطاعية بالظهور في كوردستان إلا بعد مجيء السلاجقة (1040-1157م), بيد أن العلاقات ماقبل الاقطاعية ظلت تسير بصورة موازية إلى جانب العلاقات الجديدة ومازالت بقاياها وعناصرها موجودة. كما قلنا حتى يومنا هذا.
وإذا كان العامل الجغرافي قديما قد لعب دوره الكبير في انعزال القبائل عن بعضها, فإن العامل السياسي قد كرس تقسيم كردستان إدارياً ولأول مرة بين الدولتين ولاسيما بعد معركة جالديران 1514م. وأما التقسيم الدولي الثاني قصم ظهر الامة الكردية وجعلها فريسة لمصالح الدول الكبرى, فجرى من خلال تطبيق بنود إتفاقية سايكس- بيكو(16مايس1916) السرية التي قطعت كردستان الى خمسة أجزاء. إن مثل هذا التقطيع التاريخي المنتظم لأمة لم تجر إستشارتها حول مصيرها, لم يسبق أن مرت به أمة أُخرى في التاريخ, ولذلك فإن الشعب الكردي يحتفظ بحقه المشروع لتصحيح التعسف الذي مورس ضد إرادته ومصيره وحقه, وله الحق كل الحق في تشكيل دولة كردستان الكبرى التي ضحى صلاح الدين الايوبي في سبيل إعلاء راية الاسلام. وإذا كانت دول المنطقة تقدس حدود التي رسمها كل من سايكس وبيكو بقلم والمسطرة, وتعتبرها من المسلمات التي لن تتغير, فإن الشعب الكردي لايقدس سوى حريته. ولعل هذا السبب كان هو الباعث على ما آل إليه من التمزق والتأخر واللذين آن الاوان للتغلب عليهما وإزالتهما عن طريق تطوره الحتمي.