اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ضحايا جرائم التطهير العرقي، الكورد الفيليون نموذجاً !‏ (3 )- د. مهند البراك
شنّت سلطة البعث العفلقي باستلامها السلطة عام 1963، وتحقيقها لهدف اسقاط الحكم الوطني ‏التقدمي وضرب وتحطيم الأحزاب الوطنية والنقابات والمنظمات الجماهيرية ، شنّت حملات شوفينية ‏دموية ضد القوميات غير العربية والأقليات القومية والدينية، وسعت لتكريس وتعميق الطائفية. وقد ‏سيق عشرات الألوف من النساء والرجال الى مسالخ الموت والسجون الكثيرة القائمة منذ السابق والتي ‏اقيمت على عجل في النوادي الرياضية والملاعب والقصور، وتفننت بصياغة مفاهيم اتهام كانت تؤدي ‏الى الموت بمجرد الأشتباه، كاتهام مثلث اعداء البعث : ش3 (شيوعي، شروكي(1)، شيعي)، واتهام ‏الأعداء الألداء للـ (العروبة والأسلام) على حد وصفهم : (مسيحي موصلي)، (كوردي) و(كوردي فيلي) ‏‏. . التي بضوئها السئ الصيت قتل الوف من البشر دون تهم محددة . . بعد اعدامات الشوارع بتهمة ‏مقاومة الأنقلاب، حيث تمت تصفية عوائل بكاملها في المناطق التي قاومت، وخاصة عوائل الفيلية في ‏عقد الأكراد ببغداد، اضافة الى الأخرى . ‏

ويرى الباحثون ان من الضروري الأشارة الى ان مقاومة الكورد الفيلية العنيفة لأنقلاب شباط ‏الدموي، كانت اضافة لأهدافها الوطنية ـ مع الأطراف الشعبية الأخرى ـ في حماية مكتسبات الحكم ‏التقدمي، كانت مقاومة للدفاع عن النفس، عن هويتهم العراقية ووجودهم في ارض الآباء والأجداد، ‏امام الخطر الذي تمثّل باستلام غلاة القوميين الشوفينيين الذين اجمع غالبية الناس آنذاك على مخاطر ‏ماسيقومون به بحق العراقيين على الأساس القومي المتعجرف والطائفي البغيض .

ثمّ بدأت سلطة شباط بشنّ حملة دموية وحشية على كردستان العراق تميزت ولأول مرة بطابع ‏الأبادة الجماعية للقرى ولأحياء كاملة في المدن وللتجمعات السكانية الكردستانية على اساس العرق ‏القومي ـ كورد ـ والأنتماء الديني بحق ابناء وبنات المسيحيين الكلدان والأيزيديين ( اضافة لعدد غير ‏قليل من قرى ومدن الجنوب بتهمة ـ الأنتماء الطائفي ـ اضافة الى الصابئة والمسيحيين) وادخلت بذلك ‏نظام العقوبات الجماعية والأعدامات الجماعية بتهمة الأنتماء القومي والديني والطائفي ـ دع عنك ‏السياسي ـ التي لم ينج منها النساء والأطفال، اضافة الى مسح القرى والمدن بالأرض، الذي كان يجري ‏لأول مرة بذلك الشكل الهمجي الواسع ( منذ سنوات ثورة العشرين، ثم مذبحة الآثوريين في ثلاثينات ‏القرن الماضي . . التي كانت رغم وحشيتها اقل دموية واقل سعة بما لايقاس بما اقترفته سلطة شباط ‏‏1963 بتقدير الباحثين)، وبدأت بتطبيق جريمة التطهير العرقي النكراء المحرّمة دولياً، ووضعت اساسا ‏وحشياً لجرائم التطهير العرقي الهائلة التي اقترفت بعدئذ على ايدي نفس الطغم وورثتها وعلى النهج ‏‏(العروبي) الشوفيني ـ والعرب منه براء ـ، فكراً وممارسة . ‏

ثم بدأت بتغيير قانون الجنسية العراقية مجدداً والغت بموجبه ماتحقق من اجراءات تقدمية في ‏عهد ثورة تموز، ولتطلق يدها باسقاط الجنسية العراقية عن (غير المرغوب بهم) وعلى اساس ‏‏(مقتضيات المصلحة العامة) لتعود الى اعتماد الجنسية العثمانية في منح الجنسية العراقية ـ التي ‏تجاوزتها قوانين ثورة تموز 1958 ـ والى اسقاطها عمن حاز عليها في عهد الجمهورية الأولى، الأمر ‏الذي اوقع الفيليين بمحنة جديدة تمثلت باستمرار وجودهم القلق المُهَدد في وطنهم من جهة، اضافة الى ‏ما واجهه نشطاؤهم السياسيون الذين ان فلتوا من الموت فانهم لم يفلتوا من السجون والتشرد بلا ‏جنسية، مواطنين بلا وطن .‏

ورغم كلّ الصعاب بقى الكورد الفيليون بأعمالهم ونشاطهم وامكاناتهم التجارية والمالية في ‏بغداد والمدن الأخرى ـ اضافة الى مشاركتهم الفعلية ـ قاعدة مالية وسياسية وجماهيرية قوية للثورة ‏الكردية المندلعة في ارياف وجبال كوردستان العراق، وللديمقراطية في العراق. وقد احتل بجدارة عدد ‏من وجوههم نساءاً ورجالاً، مواقع هامة في صفوف الثورة الكردية واحزابها القومية التحررية اضافة ‏الى الأحزاب الوطنية عامة. ‏

وبعد انقلاب تموز 1968 ومجئ البعث العفلقي ثانية واتباعه اسلوباً اكثر مراوغة وديماغوجية‏ في التعامل ومواجهة القوى الوطنية، توصّل الى الموافقة على الجلوس الى مائدة المفاوضات مع ‏الثورة الكردية المتصاعدة، والتحضير لأعلان بيان 11 آذار 1970 الذي شكّل اعلانه بعدئذعيداً حقيقياً ‏للكورد (ولعموم العراقيين) ، حين تم الأعتراف رسمياً ولأول مرة بحقهم في الحكم الذاتي ضمن اطار ‏الدولة العراقية .‏

وفي الوقت الذي اعتبرت غالبية القوى الوطنية العراقية ذلك التقارب خطوة كبيرة تؤشّر لفتح ‏طريق لنجاح نضالها وركيزة هامة نحو الديمقراطية في العراق . قامت سلطة البعث العفلقي بهجوم ‏اعدت له بدقة وجاء مفاجئاً على احياء الكورد الفيليين في بغداد وخانقين والكوت وغيرها من المدن ‏التي تسكنها عوائل فيلية، وقامت قوات خاصة وبشكل سريع بالقبض على كلّ فيلي وفيلية ضمن ‏قوائمها المعدّة واحرقت اوراقهم الثبوتية ووثائق عائديتهم العراقية، وحمّلت مئات الشاحنات العسكرية ‏بعشرات الآلاف ممن وُجد والقي القبض عليه ( 2) من ابناء وبنات العوائل الفيلية بشيوخها ونسائها ‏وحواملها واطفالها ومرضاها ، بملابسهم فقط دون ابسط الحاجات . . والقت بهم على الحدود ‏العراقية الأيرانية مطلقة عليهم النار لأجبارهم على اجتياز الحدود نحو ايران، وسط الصراخ والعويل ‏والبكاء على النفس وعلى الوطن المفقود والخوف من الغربة !‏

لقد جاءت تلك الضربة الغادرة للفيليين، واطراف القوى الوطنية ( منشغلة كلّ منها بهمومها) ‏في ظرف آفاق كانت تتفتح ببطء وسط انواع العراقيل، بعد سنوات الستينات الحافلة بالمصائب، ‏الصاخبة بالنداءات، التي فتح البعث العفلقي ومَن ورائه في مطلعها حمم الموت والدمار واندحر، ليعود ‏في نهاياتها (فاتحاً صفحاته الجديدة كما ادّعى)، في وقت زاد ادراك القوى الوطنية العراقية فيه، وهي ‏تعيش الألم وتلملم جراحاتها العميقة، بأن لا معين لها سوى تعاونها وسعيها لكسب الشعب وتمثيل ‏ارادته . ‏

ويرى كثيرون ان القوى التحررية الكردية مدعومة بالقوى الوطنية آنذاك، كانت مشغولة ‏بتثبيت اسس للحكم الذاتي الذي كان مازال وعداً ، وتحاول ان لاتنجر الى صراعات قد تنسف ماتجري ‏التهيئة له. اضافة الى ان القوى الوطنية والشيوعي والديمقراطية مشغولة بـ (حوار الجبهة) الذي كان ‏‏(الأشقاء) يدفعون بقوة نحوه رغم التضحيات، الأمر الذي جعلها تحاول التغاضي عن تجاوزات كانت ‏تجري (سعياً لأفق افضل ـ كما جرى التنظير حينه ـ)، اضافة الى الأخرى التي كانت محطمة تواًّ وتلملم ‏جراحها.‏

جاء اقتلاع عشرات الآلاف من الكورد الفيليين من قلب العاصمة بغداد في ليل بهيم، والجميع ‏تقريباً كان مشلولاً بهموم وموازنات اكبر ان صحّ التعبير، وان اهتم بشئ، كان غير قادر بكفاية وقد ‏لايلوي على شئ آنذاك، في بغداد والمدن الأخرى التي جرى فيها ذلك الهجوم بتقدير عديد من المراقبين ‏‏. بل كانت كردستان العراق تترقب لعرس نصر انتظرته برغبة عارمة بعد ان حرمت منه طويلاً، كما مر. ‏ويرى عدد من المحللين ان تلك الضربة الوحشية، كانت مدروسة بكل شيطنة على اساس ان لايتحول ‏‏(تنازل البعث) بالأعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، الى حقوق ثابته للكورد وان لايؤدي الى دفع ‏العملية الديمقراطية في عموم البلاد الى الأمام ( بمنطق حقود مغالط كان يفيد :انتم تريدون اخذ ‏كردستانكم، ونحن لنا كل العراق) (3). في اشارة الى ان الدكتاتورية كانت ماضية منذ البدء في ‏مخططها الشوفيني الداعي الى ( تنقية اعراق) الجزء العربي من العراق ـ كبداية على الأقل كما رددت ـ ‏من (الأغراب الأنجاس) وان ( موضوعة ديمقراطية البعث، والطريق الخاص للثورة) لم تكن الاّ خطة ‏كانت ترمي الى بقائه وحده في السلطة، وكي (لايخسرها)، بعد ان قدم ضحايا دونها؟! (4). لقد كانت ‏الدكتاتورية بتلك الجريمة تطمئن غلاة المتعصبين الكلاسيكيين الغاضبين جراّء (تنازلها للكورد)، بانها ‏ساهرة! على ( نقاوة العرق من الشوائب)، وفق الزمان والمكان، على حد تعبير متعصّب التطهير ‏العرقي (الأكثر تحديثاً ) صدام التكريتي .

‏وعلى نفس الوجهة تلك، رمى اقتلاع الكورد الفيليين من بغداد الى قطع ارتباط الثورة الكردية ‏بالعاصمة بغداد شعبيا واجتماعياً، في محاولة غبية لحصر الكورد في (منطقة الحكم الذاتي التي ستقرر) ‏لتسهيل السيطرة عليهم من جهة ولتطويق تأثيرالحركة التحررية الكردية الديمقراطي وحصره في ‏منطقة واحدة آنذاك، حتى مرحلة لاحقة . ويرى مراقبون ان الجريمة تلك هدفت الى محاولة تمزيق ‏الحركة الكردية واحراج موقفها باثارة صعوبات و عراقيل لجعلها تنسحب من المفاوضات، وسط اجواء ‏عراقية وكردستانية كانت تميل نحو السلام، وان لم تنسحب من المفاوضات فهي محاولة لأجبارها ‏واجبار كل القوى الوطنية على السكوت عن تجاوزات، الأمر الذي سيؤدي الى اضعافها(5) . الاّ انها لم ‏تسكت، بل اصدر الفرع الخامس للحزب الدمقراطي الكردستاني في بغداد، بياناً ندد بتلك الجريمة ‏الهمجية ودعى لأيقافها، في تحدي لمنع الأعتراض علناً في الظروف الحرجة تلك، واصدرت كل القوى ‏الوطنية وخاصة الحزب الشيوعي بيانات ادانت تلك الجريمة ودعت الى صدّها ، فيما انطلقت مظاهرات ‏صاخبة تجمّعت باعداد متزايدة في نهاية شارع الكفاح ـ ساحة التحرير، قمعت بعدئذ بوحشية سادية بعد ‏ان اشتبكت مع قوى الأمن قرب سينما غرناطة، وبعد ان انتشرت اخبار واستنكار الجريمة تلك بحق ‏الكورد الفيلية، الأمر الذي ادىّ الى توقف (تأجيل) استكمال الجريمة، بعد ان هجّر عشرات الآلاف حتى ‏ذلك الحين، كما مرّ .‏

ومن الضروري الأشارة الى ان السلطة المجرمة قد قامت آنذاك، بالأستيلاء على اموال ‏المهجّرين الكورد الفيليين، فيما وزّعت محتويات الدور والمحلات على افراد عصابات صدام ، كما نقل ‏ابناء المنطقة وفق ما شاهدوه ولمسوه بانفسهم . (يتبع)‏

‏20/ 7 / 2004 ، مهند البراك‏ 

‏1.‏ ‏ شروكي، شرقي ـ لقب اطلق على عشائر مناطق الأهوار والمحيطة بها، اطلقت التسمية على ‏المهاجرين من الريف الى المدينة . .‏
‏2.‏ لقد ادىّ تسفير من وقع ساعة الهجوم بيد القوات الخاصة آنذاك، الى بقاء ابناء وبنات العوائل ‏الذين كانوا في اماكن غير بيوتهم ولم يقعوا بأيديهم، ادى الى بقائهم وحيدين دون عوائلهم ‏المسفّرة، وقد انقسمت كثير من العوائل بفعل تلك الجريمة، الأمر الذي اضاف محناً وضياعاً ‏وفقراً واضاف آلاماً على الآلام ، يرى كثيرون انها كانت مقصودة، بفعل هستيريا الشوفينية ‏والتطهير العرقي، التي هندسها والمسؤول الأول عنها صدام التكريتي .‏
‏3.‏ ـ على حد تصريحات المجرم صدام آنذاك لشبكة كادر البعث في مقر جريدة الثورة، وتناقلته ‏وسائل الأعلام حينها.‏
‏4.‏ ـ وكما كان يردد (وطن تشيده الجماجم والدمُ تتحطم الدنيا ولايتحطمُ) .‏
‏5.‏ ـ وفق الوثائق الداخلية لحزب السلطة، التي سقطت بيد البيشمه ركة الأنصار.
Designed by NOURAS
Managed by Wesima