ثمة من يجد إن الحكـم بالإعدام المستعجل لم يكن عادلاً أمام كثافة الاتهامات والأدلة التي تدين الطاغية ، حيث ستتوقف بقية القضايا المثارة عليه ، كما أن الإعدام سيكون الخلاص الطبيعي للطاغية الذي سيتخلص من بقية أيامه وعذاباته وجرائمه التي ارتكبها بحق العراقيين ، حيث سيكتب التاريخ جرائمه وأفعاله بما يذكر الإنسانية بفداحة الجرائم التي يرتكبها الطغاة بحق شعوبهم ، وثمة من يجد أن الإعدام يكون مخالفاً لحقوق الإنسان ، وأن السجن المؤبد المقترن بالأشغال الشاقة ربما يكون أكثر عدالة وأنسجاما مع حقوق الأنسان في الزمن الحاضر ، والأمر في كل الأحوال سابقاً لأوانه حيث سيبقي العديد من الأتهامات والجرائم دون كشف أو فصل من قبل المحكمة المختصة ، والتي سيكون قرارها ليس فقط متفقاً مع قانون العقوبات العراقي ووفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية ، وأنما سيكون قرارها عراقياً نابعاً من ضمير العدالة العراقية وبأقلام عراقية سيذكرها التاريخ بالتقدير ،ولهذا فأن قرار الحكم النهائي لهذه القضايا التي تتم محاكمة الدكتاتور العراقي البائد بموجبها قراراً وطنياً صادراً باسم الشعب وموقع من قبل كل جماهير العراق التي أضاع الطاغية أعمارها ومستقبلها ، وباسم الشهداء الذين وضعوا أرواحهم ودمائهم فداءاً للعراق ، ولهذا كان قرار المحكمة الفيصل الحكم لما يتضمنه من شكل العقوبة التي تضمنتها الإدانة .
ويأتي أعدام الطاغية بعد أكتساب قرار الحكم الصادر بحقه في قضية الدجيل أنسجاما ما تمليه الظروف في العراق ، بالنظر لأن الوضع العراقي وضع استثنائي جراء الهجمة الإرهابية والتي تقوم بها تنظيمات إرهابية ومتطرفة وتتعاون معها تنظيمات سياسية وزعامات دول وفضائيات وصحافة ، نجد أن الإبقاء على عقوبة الإعدام في ظل هذه الظروف أمراً لازماً وأساسياً في سبيل حماية المجتمع من الجريمة والمجرم ، وحسناً فعل المشرع العراقي حين أعاد العمل بعقوبة الإعدام في ظل الظروف العراقية الحالية ، كما أن انتشار ظاهرة الجريمة في العراق يكون من ضمن أسبابه التهاون في تنفيذ قرارات الحكم بإعدام المدانين من القتلة في هذه القضايا ، ولعل عقوبة الجاني بانتزاع ممارسته اللاأنسانية في الجرائم من وسط المجتمع وسيلــة من وسائل الردع المادي وطريقة من طرق حماية المجتمع من الجريمة والمجرم ، وقطع الطريق على المجرمين في التمادي والانفلات والخلاص من العقوبة ، بعد أن اخذ الجناة يشيعون بعدم أمكانية تنفيذ الإعدام في العراق بسبب سياسة المحتل وهيمنته على تنفيذ قرارات الإعدام من عدمها ، وزعماً منهم بأن إعداما لن يتم في محاولة لاستمالة العديد ممن ينزلقون في مهاوى الإرهاب والجريمة المنظمة في العراق الى مجموعاتهم الإجرامية والإرهابية .
أن التفكير برفع عقوبة الإعدام في العراق ضمن هذه الفترة الحرجة من تاريخ التحول العراقي يتخلله خلل كبير في عدم معرفة الحقيقة التي تجري على الأرض العراقية ، وابتعادا عن الواقع العراقي في ظل هذه الظروف التي يمر بها العراق ، ومن الممكن أن يتم التفكير برفع هذه العقوبة أذا ماعاد العراق لأهله وأستقر الحال أمنياً وساد القانون والعدالة ، وعادت الحياة العراقية الى شكلها الطبيعي بعد خلاص العراق من الطغيان .
وعلى هذا الأساس يقول البروفسور محمود شريف بسيوني – أستاذ القانون ورئيس المعهد الدولي لحقوق الإنسان ورئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية : ( لن تكون المحكمة الجنائية الدولية بمثابة الدواء الشافي لكل ما تعاني منه البشرية ، فأنها لن تحد من الصراعات ولن تعيد الحياة للأموات ولن ترجع للضحايا ما فقدوه ، كما أنها لن تقتص من كل مرتكبي الجرائم ، لكنها سوف تتفادى سقوط بعض الضحايا ، كما أنها تسمح بمثول بعض مرتكبي الجرائم في محراب العدالة ، وبهذا سوف تدعم المحكمة الجنائية الدولية النظام العالمي بالإضافة الى المشاركة في حفظ السلم والأمن الدوليين ، فالمحكمة الجنائية الدولية مثل أي كيان دولي أو وطني سوف تضيف إسهاماتها للجانب الآدمي من حضارتنا . )
ولذا فقد آل الأمر الى تشكيل المحكمة الجنائية العراقية التي أوردت ضمن الفصل الخاص بضمانات المتهم في المادة 19 بفقراتها الأربعة .
وللفائدة نعرض أن قانون المحكمة الجنائية العليا الذي أقرته الجمعية الوطنية طبقاً للفقرتين ( أ و ب ) من المادة الثالثة والثلاثون والمادة السابعة والثلاثون من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والمنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد 4006 في 18 / 10 / 2005 أصبح هذا القانون اعتبارا من تاريخ نشره نافذاً وملزماً ، كما اعتبرت قواعد الإجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية العليا ملحقة لقانون المحكمة اعتبارا من تاريخ نشرها بنفس التاريخ ، وهي قواعد إجرائية وتفصيلية تضمنت ( 69 ) قاعدة تفصل عمل المحكمة ، والغي هذا القانون حكماً قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية رقم ( 1 ) لسنة 2003 وقواعد الإجراءات الصادرة وفقاً لأحكام المادة ( 16 ) منه اعتبارا من تاريخ نفاذ القانون الجديد في 18/10 .
أن هذا القانون جاء مؤسساً للمحكمة وهيكلها التنظيمي وطريقة اختيار القضاة والادعاء العام ، واختصاصات المحكمة وقواعد الإجراءات وجمع الأدلة وضمانات المتهم وإجراءات المحاكمة وطرق الطعن ، وجاء القانون محدداً لصلاحية المحكمة الجنائية العراقية العليا ومفسراً للعديد من اختصاصاتها وولايتها التي حددها حصراً في الجرائم التالية :
1- جريمة الإبادة الجماعية
2- الجرائم ضد الإنسانية
3- جرائم الحرب
4- انتهاكات القوانين المتمثلة بالتدخل في شؤون القضاء أو محاولة التأثير في أعماله وهدر الثروة الوطنية وتبديدها وسوء استخدام المنصب والسعي وراء السياسات التي تؤدي الى التهديد بالحرب أو استخدام القوات المسلحة العراقية ضد دولة عربية .
وأكد قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا التمسك بمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته ، مثلما أكد على مساواة المواطنين أمام هذه المحكمة تماشياً مع ما أكده الدستور العراقي الذي نص على أن العراقيون متساوون أمام القانون ، وأن حق التقاضي مصون ومكفول للجميع كجزء مهم من ضمانات المتهم .
وتأسيساً على أن لكل فرد الحق في أن يتم التعامل معه معاملة عادلة في الإجراءات القضائية ، فقد فصلت المحكمة أن للمتهم الحق أن يصل علمه بمضمون التهمة الموجهة إليه بتفاصيلها وأسبابها وطبيعتها ، وأن يتاح له الوقت ويمنح التسهيلات الكافية لتمكينه من إعداد دفاعه وأن تتاح له الحرية في الاتصال بمحام يختاره بملء إرادته ويجتمع به على إنفراد ، ويحق للمتهم أن يستعين بمحام غير عراقي أيضاً وفقاً للقانون .
وضمنت نصوص قواعد الإجراءات للمتهم الحق في المساعدة بمحض اختياره بما في ذلك تلك المساعدة القانونية التي يقدمها مكتب الدفاع أذا لم تكن لديه القدرة على دفع مقابل المساعدة ، وكما له الحق في خدمة ترجمة مجانية أذا لم يكن يفهم أو يتكلم اللغة التي يتم فيها الاستجواب ، وللمتهم أن يتنازل بمحض أرادته عن حقه في المساعدة القانونية أثناء الاستجواب على أن يبين قاضي التحقيق أن التنازل قد تم بحرية وأدراك ، وإذا مارس المتهم حقه في المساعدة القانونية فلا يجوز لقاضي التحقيق استجوابه دون حضور محام مالم يتنازل المتهم طوعيا عن هذا الحق .
وأن تلتزم المحكمة بأجراء محاكمة المتهم دون تأخير غير مبرر بأسباب مقبولة ، وأن تجري المحاكمة حضورية وأن يكون للمتهم الحق في طلب المساعدة القضائية أذا لم يكن لديه محام ولم تكن له المقدرة المالية حيث يمكن له إن يقوم بتوكيل محام دون إن يتحمل أجور المحاماة .
أن للمتهم كامل الحق في طلب شهود الدفاع وشهود الإثبات ومناقشتهم ، كما أن بإمكانه تقديم أي دليل يعزز دفاعه لدفع التهمة وفقاً للقانون .
ولايجوز أن يتم أرغام المتهم على الأعتراف ، حيث أن له الحق في الصمت وعدم الإدلاء بأية أقوال دون أن تفسر المحكمة هذا الصمت دليلاً على الإدانة والبراءة ، حيث أن المحكمة ملزمة بتدقيق وتمحيص ما توفر لها من الأدلة في القضية المعروضة أمامها ، وما ورد من ضمانات يشكل مبادئ جديدة التزمت بها المحكمة الجنائية فيما يخص الضمانات الخاصة بالمتهم والتي لم يكن العديد منها موجوداً في القوانين العراقية .
أن قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا جاء منسجماً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 كانون الأول 1948 والذي أكد على عدم جواز إخضاع الإنسان للتعذيب ولا المعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة ، وأن لكل إنسان الحق في أن تنظر قضيته من قبل محكمة مستقلة ومحايدة وعلنية وتوفر له جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه ، وأن لا يدان أي شخص بسبب عمل أو امتناع عن عمل مالم يكن في حينه يشكل جرماً بمقتضى القانون الوطني أو الدولي .
وبهذا الانسجام يكون القانون العراقي امتدادا للقانون الدولي وملتزماً بأسسه ومعاييره ومنسجماً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر بتاريخ 16 كانون الأول 1966 الصادر عن الجمعية العامة في الأمم المتحدة والنافذ اعتباراً من 23 آذار 1976 .
كما إن للمحكمة الجنائية العراقية العليا أن تستعين بأحكام المحاكم الجنائية الدولية عند تفسيرها لأحكام النصوص القانونية الخاصة بجريمة الإبادة الجماعية ، وجريمة التحريض والشروع فيها ، والتي فصلها القانون الإنساني الدولي ضمن قانون المحكمة الجنائية الدولية وقراراتها ، أو ضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في روما سنة 1998 ، أو النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بيوغسلافيا ، أو براوندا ، أو نظام نورمبرج في العام 1945 ، مع التغييرات التي طرأت في الفعل والمنهج .
المحكمة ملتزمة بتطبيق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 ، بالنسبة لأجراء المحاكمة دون أن يخل ذلك بنصوص قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، وقواعد الإجراءات القانونية الملحقة به ، حيث جاءت القوانين منسجمة ومكملة لبعضها في هذا المجال .
أن علنية جلسات المحاكمة من القواعد العامة في المحاكم والتي نصت عليها المادة 152 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي ، مالم تقرر المحكمة سرية الجلسة كلها أو بعضها ، لأسباب منها مراعاة للأمن أو المحافظة على الآداب العامة أو المحافظة على أمن المحكمة ، أو أن نشر المعلومات يضر بالأمن الوطني للعراق أو أن العلنية تضر بالعدالة ، أو المحافظة على خصوصية الأشخاص كما في حالات الاعتداء الجنسي .
كما إن للمحكمة الجنائية أن تستبعد أي شخص من المحاكمة لغرض حماية حقوق المتهم في المحاكمة العادلة والعلنية ولايجوز أبعاد المتهم عن الجلسات ، إلا أذا وقع منه ما يخل بنظام المحكمة ، وعلى المحكمة أن تحيطه علما بما تم بغيابه من الإجراءات .
بالإضافة لما وفره القانون للمتهم من حق الطعن بالقرارات الصادرة من قضاة التحقيق أمام الهيئة التمييزية ، أو في ضد قرارات الحكم الصادرة من المحكمة الجنائية أذا أعتقد المدان أن خطأ حصل في الإجراءات أو أن قرار الحكم جاء مخالفاً للقانون أو مجحفاً بحقه أو شابه خطأ في التفسير أو خطأ في الوقائع يؤدي الى الإخلال بالعدالة ، كما إن على المحكمة إن ترسل الدعوى الخاصة بالمدان الى الهيئة التمييزية إذا كان الحكم الو جاهي بالإعدام أو السجن المؤبد خلال عشرة أيام من تاريخ صدور قرار الحكم للنظر فيه تمييزا ولو لم يقدم طعنا فيه من قبل المدان أو وكيله ، وفي كل الأحوال فان للمدان أو وكيله الحق في الطعن تمييزا بقرار المحكمة الجنائية امام الهيئة التمييزية خلال 30 يوما تبدا من اليوم التالي لصدور قرار الحكم تبدا من اليوم التالي للنطق به اذا كان وجاهيا او من تاريخ اعتباره بمنزلة الحكم الوجاهي إن كان غيابيا .
قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا أورد نصوص وردت في الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق منها الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية المعاقب عليها والمؤرخة في 9 كانون الأول – ديسمبر – 1948 المصادق عليها بتاريخ 20 كانون الثاني 1959 واتفاقية جنيف في 12 آب 1949 ، إلا أن القانون وضع المتهم امام القانون الوطني العراقي المتمثل بقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ونصوص قانون العقوبات البغدادي لسنة 1919 وقانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 وأصول المحاكمات العسكرية رقم 44 لسنة 1941 ، تشكل ضمانة أكيدة للتطبيق السليم على ألأفعال التي أحيل المتهم بموجبها على المحكمة الجنائية العراقية لمحاكمته ، وتشكل نصوص القانون تأكيداً على الالتزام بحقوق الإنسان التي أوردها البيان العالمي أو التي ذكرتها العهود والمواثيق الدولية والتي أكد عليها القانون الإنساني الدولي وما أوردته المحاكم الجنائية الدولية من ضمانات للمتهمين الذين تتم أحالتهم على القضاء لمحاكمتهم عن الجرائم التي اتهموا بارتكابها .
والمحكمة الجنائية العراقية العليا تتمتع بالاستقلالية التامة وهذه الاستقلالية تمنحها حرية القرار ونزاهة الحكم ، بالإضافة الى توسيع قاعدة هيئات الحكم التي دأبت محاكم الجنايات أن يكون تشكيلها من ثلاثة قضاة ، بينما تكون في المحكمة الجنائية من خمسة قضاة ، وتكون في الهيئة التمييزية من تسعة قضاة .
ومنح القانون لقضاة التحقيق الاستقلالية التامة باعتباره جهازاً منفصلاً حتى عن المحكمة ذاتها ولا يخضع جهاز التحقيق أو يستجيب لأية طلبات أو أوامر صادرة من أية جهة من الجهات الحكومية ، كما أشارت النصوص أيضا على استقلالية هيئة الادعاء العام ، كما نصت الفقرة ثانيا من المادة 31 على وجوب تعامل المحكمة مع المتهم المعاملة الضرورية لضمان أدائها لوظائفها بما فيها الأشخاص الآخرين .
أن ضمانات المتهم التي كفلها قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، وما سارت عليه آلية عمل المحاكم الجنائية في العراق ، استرشاداً بنصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية ضمن النظام القضائي العراقي ، يمنح المتهم ضمانات أكثر واكبر من تلك التي تضمنتها الأنظمة الأخرى ، كما أن هذه الضمانات جميعها تقع ضمن دائرة حقوق الإنسان والإقرار بكرامته وإنسانيته مهما كانت الجريمة المتهم بها ، كما وضعت تلك الآلية الاعتبارات الإنسانية الدولية في أظهار المستوى الفعال للعدالة العراقية في اعتماد سلطات التحقيق على الوسائل والطرق القانونية التي نص عليها القانون ، ضمن نصوص وجوبيه أشارت الى عدم جواز تحليف المتهم اليمين ، وعدم إجباره على الشهادة ، وعدم استعمال أية وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم ، للحصول على إقراره سواء منها إساءة المعاملة او التهديد بالإيذاء ، والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي ، واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير في التحقيق ، حيث اعتبرت المادة 218 من قانون اصول المحاكمات الجزائية ان الاقرار الصادر تحت الاكراه المادي او الادبي او الوعد او الوعيد باطلا .
وبهذا الأمر نستطيع أن نخلص الى أن النصوص التي أوردها قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا يحتوي من الضمانات الأكيدة للمتهم ما يمكن أن يكون أكثر مما تضمنته محاكم جنايات أخرى في بلدان عديدة عالجت قضية محاكمة متهمين بقضايا جرائم الحرب والأنتهاكات المريرة لحقوق الأنسان وجريمة الأبادة الجماعية ، بالأضافة الى ضمانة أخرى من أن جميع قضاة التحقيق والهيئة التمييزية وأعضاء المحكمة الجنائية العراقية العليا هم من القضاة العراقيين ممن تحلوا بالسمو الأخلاقي والنزاهة والأستقامة بالأضافة الى توفر الخبرة القضائية في القانون الجنائي وشروط التعيين التي نص عليها قانون التنظيم القضائي العراقي رقم 160 لسنة 1979 وقانون الأدعاء العام رقم 159 لسنة 1979 .
وأذ تشير الدلائل الى عدم التمكن من حصر أعداد الضحايا العراقيين المرتكبة بحقهم جرائم من قبل نظام صدام البائد ، فأن الأمر يدعو لحصر أعداد الضحايا من الكرد الفيلية ، بالرغم من إن العديد من ابناء هذه الشريحة لم يتم التعرف على قبورهم أو اماكن دفنهم أو مصيرهم منذ اكثر من ربع قرن من الزمان ، مما يمكن إن يستنتج أنهم ضحايا النظام البائد ، وحيث إن المحاكمات والتي يسبقها التحقيق القضائي ، جرت بصدد الجرائم المرتكبة بحق العراقيين سواء منها في الأنفال والتي شملت ابناء الكرد الفيلية أيضاً ، أو في حلبجة والأنفال وغيرها من الجرائم ، فأن تحقيقاً قضائياً بصدد جرائم التعذيب والأعتقال والتشريد والتسفير والسجن والأغتصاب ينبغي الأهتمام به ومنحه المكانة الإنسانية مع الأعتبار لضخامة عدد الضحايا والمتضررين من المجني عليهم وذويهم والمتضررين ، لمعرفة الأبعاد القانونية للجرائم المرتكبة وتحديد العقوبات المفروضة على الجناة بعد أدانتهم .
وبعد إن ركنت ليس ملفات الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية ، وأنما حقوقهم التي سبق وأن تعهدت بها الأحزاب والشخصيات العراقية قبل أن يحل زمان التسابق على المراكز والمناصب ، والفيلية ينتظرون ماذا سيحل عليهم ولهم ، وماذا سيحمل لهم الغد !! ولم تزل جراحهم ندية ، ولم تزل أمهات الشهداء في حزنهن الأبدي لم نفعل لهن ما يمسح تلك الدمعات السخية ، ولم نجد من بين تلك الملفات ملف الكرد الفيلية ، لنتأكد أن الأوان آن ليعلم العالم بالجريمة التي تسترت عليها جهات عديدة في العالم ، من اجل إن لاتفضح عنصرية وشوفينية وطائفية صدام ونظامه الظالم ، ولنتأكد إن الوقت قد حان ليتعرف على الحقائق الدفينة والقضايا الخفية في قضية الكرد الفيليين الذين حملوا أسم العراق بأمانة في ضمائرهم ، وأرضعوه حليباً لأطفالهم ، وشكل لهم الهاجس الذي بات معهم في محنتهم وجوعهم وظلمهم أينما حلوا .
ولم تزل التحقيقات الجارية بحق من ارتكب الجرائم ضد الكرد الفيلية مبتورة وناقصة ، حيث لم تطال العديد من الأسماء المعروفة بسبب النقص في الخبرة والكفاءة المطلوبة من سلطات التحقيق ، كما إن السلطات العراقية لم تعرف لحد اليوم أماكن دفن مئات من الشباب الذين تم اعدامهم أو قتلهم من الكرد الفيلية ، بالأضافة الى عدم نشر ملفات وأضابير تخص الأساليب التي اعتمدتها السلطة البائدة ، وتم تكليف بعض الأسماء بأرتكابها .
لم تزل العديد من مواجع الكرد الفيلية ، ولم تزل دموع المهات جارية لم تتوقف بأنتظار أي حلم أو بارقة أمل يعيد لها اولادها وأحبتها ، ولم تزل المنظمات الفيلية والتجمعات الخاصة بهم تركض يمينا ويسارا لعل أحد من أصحاب الضمائر ما يلبي حاجتها ويجعل الضمائر تصحو لأستعادة حقوقها المشروعة .
يقول البروفسور محمود شريف بسيوني انه في جميع الأنظمة الاستبدادية التي أسفرت عن وقوع عدد هائل من الضحايا ، فهذه الأنظمة دمرت وخربت باديء ذي بدء المجتمع المدني ، ثم أسست السلطة على أيديولوجيات تنطوي على التمييز والتعصب ، في حين تضع في الوقت نفسه في المناصب أو مواقع النفوذ أشخاصاً ارتكبوا الأخطاء التي أوقعت ضحايا ، وفي معظم الحالات كان هؤلاء الأشخاص أما من بين أسوأ العناصر في المجتمع أو اعتمدوا على بعض أسوأ العناصر في المجتمع للقيام بأعمال مريعة ، ومن ثم فأن غياب المجتمع المدني والافتقار الى الرقابة الاجتماعية هو الذي خلق الفراغ الذي نفذت فيه السياسات والممارسات التي أوقعت ضحايا .
وفي كثير من هذه الحالات أتاح إهمال المجتمع المدني أيضاً تعاظم الفساد الذي حدث في مناخ من إفلات الجناة من العقاب ، ووسط توقع الإفلات من العقاب في المستقبل ، وهو نفس المناخ الذي أحدثت فيه هذه الأنظمة خسائر بشرية ، ومن هنا تصبح المحاسبة على الأفعال بعد زوال هذه الأنظمة لازمة وضرورية كي لتتكرر مثل هذه الإحداث في المستقبل . ومن ثم فأن عودة المجتمع المدني والديمقراطي يجب إن يكون مصحوباً دائماً بالمحاسبة أيا كان الشكل الذي تتخذه على ضوء الأهداف المستقبلية لكل مجتمع .
أن الجرائم السابقة لن تترك أبداً معلقة في ذمة التأريخ ، بل تظل محصورة داخل حاضر مستمر ، فإما أن تنادي بالقصاص أو تأمل في الإصلاح .
أن تصفية الماضي عنصر لاغني عنه في المصالحة المستقبلية ، وإذا حدث عكس ذلك فهو يعني كما قال الفيلسوف جورج سنتايانا بعبارات أخرى أن يحكم علينا بتكرار أخطاء الماضي .
حالات من التصفية والأعدامات خارج اطار القضاء والمحاكم طالت الكرد الفيلية ، ففي العام 1991 صدرت عن الأمم المتحدة وثيقة برقم E/ST/CSDHA/012 تتحدث عن الإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة ، عمليات الإعدام خارج نطاق القانون ودون محاكمة ودون توثيق ، وهو منطبق تماماً لما جرى على الكرد الفيلية في العراق ، ولانطباق هذه الوثيقة التاريخية على الأفعال المرتكبة بحق الفيلية نجد من الضرورة أن نشير الى بعض ما ورد فيها .
تفصل الوثيقة عمليات الإعدام هذه : 1- الاغتيالات السياسية 2- الموت نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة في السجن والاعتقال 3- الموت نتيجة الاختفاء ألقسري للأفراد 4- الموت نتيجة للاستعمال المفرط للقوة من جانب العاملين في الضبط القضائي من شرطة ومن سائر الجهات الأمنية 5- الإعدام دون الإجراءات القانونية الواجبة الأتباع 6- الإبادة الجماعية .
وحيث إن العديد من معايير حقوق الإنسان تحظر الحرمان التعسفي من الحياة ، فقد صدرت الاتفاقية التي تجرم عمليات الإعدام خارج القانون ، أذ لايجوز حرمان فرد من حياته عن عمد ماعدا في حالة تنفيذ حكم صادر من محكمة بسبب إدانته بارتكاب جريمة تقررت لها هذه العقوبة في القانون .
وأقرت الأمم المتحدة بوجود ثغرة في الحماية الدولية من عمليات الإعدام التعسفي أو دون محاكمة ، ولم تقتصر هذه الوثيقة على حث جميع الدول الأطراف على حظر التعذيب في التشريعات الوطنية ، وإنما أشارت بصراحة الى انه لايجوز التذرع بأمر من مسئول أعلى أو بظروف خاصة لتبرير التعذيب ، وجوزت الوثيقة الدولية محاكمة من قام بالتعذيب أينما وجد في إقليم أية دولة طرف في الاتفاقية ، حيث يجوز محاكمتهم في أي دولة من تلك الدول الأطراف ، كما يجوز تسليمهم الى لدولة التي ارتكبوا جرائمهم فيها .
كما تتعهد الوثيقة من قبل جميع إطرافها أن تنص نظمها القانونية على حصول ضحايا التعذيب على تعويض عادل ومناسب ، بما في ذلك رد الاعتبار الكامل بقدر الإمكان .
وأن من ضمن الوسائل التي يمكن بها للحكومات أن تبرهن على أنها تريد القضاء على هذه الظاهرة الشنيعة التي تتمثل في عمليات الإعدام دون محاكمة ، إن تتقصى وتحقق وتستجوب وتحاكم وتعاقب المذنبين ، مع ضرورة إيجاد معايير دولية تهدف للتأكد من جميع حالات الوفاة المشبوهة وبخاصة التحريات والتحقيقات التي تقوم بها وكالات الضبط القضائي في جميع الأوضاع . ويجب إن تتضمن هذه المعايير التشريح الوافي وأعتبارالوفاة في أي حالة من حالات الاحتجاز باديء ذي بدء إعداماً دون محاكمة أو إعداماً تعسفياً ، مما يوجب أجراء التحريات والتحقيقات الملائمة على الفور لتأكيد أو نفي هذه القرينة .
ومع أن العديد من المتهمين بارتكاب الجرائم بحق الشعب العراقي بشكل عام والفيلية بشكل خاص غادر العراق ، وحيث أن الغاية السامية التي يدعو لها المجتمع الدولي تتطلب التعاون ومكافحة الجريمة كظاهرة تتعارض مع السلوك الإنساني ، يستوجب الأمر وفق هذا المنظور أن يتم تنسيق الجهود للقبض على المتهمين المذكورين وتسليمهم الى الجهات التحقيقية التي أصدرت أوامر بالقبض عليهم ، وهي بهذا العمل لاتخرق سيادتها وأنما تقوم بالوسائل القانونية تطبيق قواعد وأحكام مبادئ تسليم المجرمين ، ويحكم هذا الأمر مبادئ عامة منها الموقف الدولي التضامني في تضييق الخناق على المجرمين ، ومبدأ المعاملة بالمثل .
و أركان جريمة الإبادة الجماعية تتطلب أن يرتكب الجاني جريمة قتل مواطن أو أكثر ، وأن يكون المجني عليهم منتمين الى جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية معينة ، وأن تتجه النية الى إهلاك تلك الجماعات كلياً أو جزئياً ـ وأن يكون هذا السلوك ألأجرامي في سياق نمط سلوك مماثل واضح موجه ضد تلك الجماعات أو من شأنه أن يحدث بحد ذاته هلاكاً .
سواء بإخضاع الجماعة لأحوال معيشية يقصد بها أهلاكهم فعلياً كلياً أو جزئياً ، وما تم ارتكابهم أفعال إجرامية بحق الكرد الفيلية منطبق تماماً مع هذا السلوك حيث توفرت أركان جريمة الإبادة الجماعية .
وشكلت بقية الأفعال المرتكبة جريمة من الجرائم ضد الإنسانية والتي تعني الهجوم الواسع النطاق أو المنهجي الموجه ضد الكرد الفيلية وهم من المدنيين العراقيين ، عملاً بسياسة السلطة الصدامية التي تقضي بارتكاب ذلك الهجوم وتعزيزاً لسياسة الدكتاتور صدام في هذا المجال ،سواء في عمليات القتل الجماعي أو الفردي أو أجبار السكان على العيش في ظروف تؤدي الى الموت ، ويتجسد فعل إبعاد السكان أو النقل ألقسري تسفيرهم ورميهم على نقاط الحدود البرية قسراً وانتزاعاً من بيوتهم ومناطقهم التي يقيمون بها ودون سابق قرار أو معرفة أو إنذار ، وبالقوة ودون مبررات يسمح بها القانون الدولي .
بالإضافة الى وجود أعداد من الضحايا في المعتقلات والسجون وأماكن الاحتجاز غير القانوني والشرعي وحرمانهم من الحرية البدنية والالتحاق بعوائلهم ، وأن تصل جسامة الإخفاء والحجز الى الحد الذي يشكل انتهاكا للقواعد الأساسية للقانون الدولي ، وحالات الاختفاء ألقسري للأشخاص منذ اعتقالهم في العام 1980 ولغاية سقوط النظام الصدامي في نيسان 2003 ، وبالرغم من مضي ما يقارب الربع قرن على ذلك الاختفاء بعد احتجازهم من قبل السلطة البائدة لم يتم التعرف على معلومات عن مصيرهم أو أماكن حجزهم وتواجدهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لهم ، وعدم التعرف على مصيرهم ونهايتهم وأماكن دفنهم إن كان قد تم إعدامهم خارج نطاق القانون أو ماتوا تحت التعذيب .
ومع ممارسة التعذيب يتم إلحاق الأذى الجسيم والمعاناة الشديدة البدنية أو العقلية بشخص منهم أو مجموعة من الأشخاص ، دون وجود قضية تحقيقيه أو إبهام في قضية جنائية ودون مبرر منطقي ومقبول لهذا التعذيب ، بالإضافة الى عمليات الاغتصاب التي رافقت الحجز والتحقيقات غير المشروعة واستعمال القوة والتهديد ، واضطهاد وحرمان الكرد الفيلية عموماً ، حرماناً متعمداً وشديداً من الحقوق السياسية والدستورية بما يخالف القانون الدولي ، وذلك بسبب هويتهم الدينية والقومية ، مما يشكل تداخلاً في الجريمتين المرتكبتين ، جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية .
ومن المتعارف عليه في القانون الدولي ، وما التزمت به المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية العراقية من أن الأحكام الواردة تطبق على جميع الأشخاص دون تمييز بسبب الصفة الرسمية ، وهوما أكدته المحكمة في قانونها ضمن أحكام الفقرة ثالثاً من المادة 15 من قانون المحكمة الجنائية العراقية ، والواردة ضمن المادة 27 من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية ، والصفة الرسمية لاتعفي بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية ، كما لأتشكل تلك الصفة في حد ذاتها سبباً لتخفيف العقوبة .
كما لاتحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص ، سواء كانت في إطار القانون العراقي أو الدولي ، دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص .
ويؤكد القانون الدولي على عدم سقوط تلك الجرائم بالتقادم بالنظر لخطورتها وكونها تشكل تهديدا كبيراً للإنسانية ، وهو ما أكدت عليه النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 29 ، وما أكدته المحكمة الجنائية العراقية في الفقرة رابعاً من المادة 17 من قانون المحكمة ، ومع إن الجرائم الجنائية في العراق غير مشمولة بالتقادم المسقط للعقوبة ، الا إن تأكيد المحكمة أشارة الى أستمرار ذلك الألتزام القانوني في القوانين العراقية .
حري بالعراق أن يضع هذه الشريحة الاجتماعية في مكانها المميز لما تتميز به من تضحيات وعطاء ، وحين نفتش بين ضحايا العراق سنجد أن مايميز الكرد الفيلية هو ما وقع عليهم من ظلم بسبب قوميتهم الكردية ، وظلمهم مذهبياً وسياسياً واجتماعيا وطول مدة الزمن الذي بقوا فيه مظلومين، وقد آن الأوان أن نتخذ من القرارات مايعيد الحق الى نصابه ، وأن نجعل هذه الشريحة العراقية الكريمة أن تشعر بأن تضحياتها لم تذهب سدى أو هباء الريح ، وأن العديد من الأقلام والضمائر المنصفة تقف معهم وتنتصر لقضيتهم ، لم ينسهم أحد ولم تضيع تضحياتهم في زحمة التنافس والتطاحن ، وأن العراق الجديد سوف لن يغمض عينيه عنهم ولاعن جسامة التضحيات التي قدموها بصمت ودون صراخ .
فهل نستطيع أن نعطي بعض ما أعطاه الفيلية للعراق ؟
الفصل الثالث
أين صارت حقوق الكرد الفيليين ؟
وبعد إن سقط صدام ، وعادت أعداد وشرائح كبيرة من العراقيين الى بيوتهم ، لم يتمكن الكرد الفيلية من استعادة حقوقهم ، ولم تجد قضيتهم الأهتمام الذي يليق بها ، ليرفع عن كاهلهم تلك التراكمات من العذاب والظلم ، فقبعت محنة الكورد الفيلية في أعماق النسيان ، ومرة أخرى يتم خذلانهم بعد تلك التضحيات الجسام .
مرة أخرى يتم التنكيل بشهداء الكورد الفيلية ويستهان بكل ما قدمته هذه الشريحة للعراق من تضحيات ، ويقينا أن محنة الكورد الفيلية شكلت الأرضية التي تم تأسيس نهاية الطاغية عليها حيث سطروها بتضحياتهم الجسام وبدماء شبابهم الزكية وإصرارهم الواضح في العمل والمساهمة على إسقاط سلطة الطاغية .
مرة أخرى بعد إن تعرض الكورد الفيلية تحت سمع ومرأى بصر العالم وأسماعه ، لأبشع عملية استلاب أنساني سجلها التاريخ الحديث ، لم تزل صورتها تخجل الإنسانية لصمتها وسكوتها المريب ، وصورتها أقمارهم الاصطناعية وشبكات الأعلام الدولي الذي تم إخراسه بثمن بخس ، وأمام مهادنة مع النظام حول الجريمة الإنسانية التي تهز الوجدان ، فلم يسبق لشعب إن تم تجريده من هويته وجنسيته وأمواله المنقولة وغير المنقولة ، وتم تعريض شبابه للتجارب الكيماوية ، وتم أبعاد الشيوخ والعجائز الى الصحارى ، وتم حجز ألاف الشباب ومن ثم إعدامهم والقضاء عليهم بصمت ، وفر الباقين بجلودهم الى منافي الأرض ، أمام قوانين العالم ومنظماته الدولية ولوائح حقوق الإنسان التي كانت حينها تداري لغة الطاغية وسيولة أمواله التي تتدفق على مكاتب المهتمين بقضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي وتملأ حقائب السياسيين ، نفس القانون الدولي الذي يمنع أبقاء مواطن واحد دون جنسية ، في حين أصيب هؤلاء بدهشة المقابر وأصابهم صمت الموتى مع الكورد الفيلية حين أصبحوا دون جنسية .
الكورد الفيلية الذين لم تجد قضيتهم فسحة إنسانية في الأعلام العروبي المتشدق بالحرية والرأي الأخر واحترام حقوق الإنسان وكرامته ، ولا وجدوا من صحافة الأعراب ودول الجوار ما ينشر حقيقتهم ، وكأن الجميع أتفق على غض النظر عن أظهار بشاعة الجريمة الإنسانية التي اقترفها طاغية العراق بحق هذه الشريحة الممتلئة عبقاً وطيباًُ وعطاء للعراق .
ونفس المحنة التي تعرضوا لها أيام الطاغية من قبل دوائره المنية والمختصة بالجنسية ، تعيدها عليهم اليوم دوائـــر وسفارات حين تطالبهم بشهادة الجنسية ( العثمانية ) ، شهادة السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وشهادة الجنسية التي مزقناهم ووضعناها تحت أقدام اخياتنا من أمهات الشهداء وحرائر العراق ، وشهادة الجنسية تلك الوثيقة البائدة التي استعملها صدام البائد للتنكيل بالعراقيين وتسفير العوائل العراقية العفيفة وتشتيتها ، لم تزل تلك الشهادة موضع اعتزاز وتقديس من دوائر الدولة والسلطات الجديدة ، ولم تزل تتصدر قائمة المطالب في كل ظرف أو معاملة .
مرة أخرى رغم سقوط الطاغية وتبجحنا برحيل نظامه لم تزل أموال الكورد الفيلية محجوزة ومسلوبة بانتظار قرارات يتذكرهم فيها مجلس النواب العراقي ، وتستذكرهم فيها الحكومة ، فتعاد الحقوق الى من سلبت منه ، ويتم ترتيب ما ضاع من حقوق لهم وما فاتهم من حقوق الانتفاع طيلة هذا الزمن المرير ، وأن يتم الارتفاع بمستوى المحنة التي لحقت بحياتهم ودمرتهم وشردتهم .
مرة أخرى يتم خذلان الكورد الفيلية ، وهم لم يفكروا باستلام السلطة ، ولا نافسوا أحدا على وزارة سيادية ، ولأوقفوا بباب الأحزاب يريدون تشكيل ميلشيات تابعة لهم ، ولا استغلوا محنة العراق كما أستغلها غيرهم ، ولم تزل عيون الأمهات اللواتي ودعن عشرات الشهداء من عائلة واحدة ، يترقبن قراراً ينصف الشهداء ويعلن حقاً للعالم أنهم أعطوا أرواحهم لهذا العراق الذي نريد .
مرة أخرى لم تزل رغم كل هذه السنوات الممتلئة بالمرارة والعنف والموت تضيع قضايا الكورد الفيلية ، ليس ضياعاً وتنكراً فقط أنما هناك من ينبري يطالبهم بالصمت ، فيقول : أليسوا كورداً وقد تحققت الفيدرالية لهم ؟؟ أليسوا شيعة وقد صارت الأحزاب الشيعية في السلطة ؟؟ أليسوا مع الحركة الوطنية وقد صاروا وزراء ونواب في البرلمان ، فليصمتوا فأنهم أخذوا أكثر من حقوقهم !! فأي مغالطة تلك وأي ظلم بشع تتعرض له الكورد الفيلية !
لم تزل اللجان التي تم تشكيلها تحيك لهم الطرق التقليدية والوسائل البائدة والقوانين العتيقة التي ستحقق لهم ضمان حقوقهم بعد سنوات أخرى ، فليصبروا حتى تحل هذه السنوات الجمر قضيتهم التي نسيها العديد من المسؤولين اليوم في العراق .
ولكنهم لحد اللحظة لم يزل بعض أولادهم دون سندات ودون جوازات سفر ، ولم تزل دوائر متعددة تطالبهم بشهادة الجنسية ( السيف ) الذي شحذه صدام وجز رقابهم وأستباح حلالهم ، ولكنهم لم يزلوا ينظرون لأملاكهم وبيوتهم ومتاجرهم بعيون ممتلئة بالدمع ، وهم يشاهدون عناصر وضباط الأمن العام والخاص تحتلها وتستغلها وتشغلها وتعمل بها ولا يريدون إن يخرقوا القانون وهو اليوم أبطأ من سير السلحفاة في التطبيق .
مرة أخرى نتنكر لهم ولا نستذكر معهم المحنة الإنسانية الكبيرة التي تعرضوا لها ، ولا نداوي جراحهم بإيجاد العلاج السريع والشافي ، ولا وجدوا من يهدأ وجعهم ويكفكف دموعهم فيقرر النواب على الأقل تخصيص راتب تقاعدي رمزي للشهداء .
مرة أخرى نخذلهم ونتنكر لكل الوعود التي قطعناها لهم ، ومرة أخرى نكلفهم أن يضعوا الحقوق في مجمدات النسيان ، وأن يصبروا فلعل الزمن القادم كفيل أن يجعل قلوبنا أكثر رقة وإحساسا فنقر لهم بالحقوق ، ويقرر مجلس النواب إن لهم شهداء هم حطب العراق ، ويقرر النواب أن لهم حقوق لايمكن تأجيل إعادتها إليهم ، ويقرر النواب أنهم ملح العراق ، ويقرر النواب مايميزهم من مكانة عراقية ننشف بها دموع من لم تجد رفات وليدها حتى اليوم ، وأن مقابرهم الجماعية لم تزل مجهولة حتى اللحظة ، وأنهم في ضمائر أهل العراق عربه وكورده وتزكمانه وكلدانه وآشورييه وأرمنه ، وأن تكون القرارات التي يصدرها البرلمان لاتحيلهم على قائمة انتخابية أو حزب سياسي ، فقد كان عطاؤهم للعراق ، وأن تكون القرارات متناسبة مع ما تحمله الكورد الفيلية من جرائم الطاغية ، وحين نستطيع إن نعيد ابتسامة الأمهات حين نبرهن لهن إننا أولادهن وأننا إخوانهن بحق ، وان الغربة التي أرادها لهم البائد صدام والتي بعثرت حياتهم لايمكن إن تكون حاجزاً يشتت حياتهم ، فالعراق وطنهم وأهلهم وأرضهم وحقهم ، كل العراق دون استثناء فهم كانوا لكل العراق ، حينها نكون قد أعدنا لهم بعض ما في ضمير العراق من دين لهم .
كان لحضور الكرد الفيلية أشخاصاً ومجموعات ، تنظيما وجمعيات ، في مؤتمرات المعارضة العراقية ضد النظام الدكتاتوري حضوراً مؤثراً وفاعلية ، وكانت أطراف المعارضة تثمن هذا الدور وتقر أيضا بحقوق الكرد الفيلية ، وتعدهم بتلبية حقوقهم في أول أيام سقوط النظام الصدامي ، ولكن هذه الأحزاب التي استلمت السلطة تناستهم وجعلت ورقتهم الأخيرة ، وكررت وعودها زمن بعد آخر ، غير أن مظالم الكرد الفيلية لم تزل كما هي ، ولم تزل عيون أولادهم الذين ولدوا في المنافي ممتلئة بالدموع تراقب ما يحدث في العراق ، والعراق هو الوطن الغافي في تلافيف أرواحهم ، ولم تستطع أوربا وكل بلدات الدنيا أن تمسحه من ذاكرة حتى أولادهم الذين أشبعوهم كلاماً وحكايات وتأريخ عن هذا العراق المتعدد الأطياف .
مرة أخرى يتناساهم البعض ويحاول تبرير هذا النسيان والإجحاف بإحالة ملفاتهم على حكومة إقليم كردستان ، ومرة أخرى نعود لقضية التبريرات والالتفافات لكنها جميعاً لاتعيد لهم حقاً مسلوب ولا أعمارا ذهبت دون عودة ولاظلماً أزيح عن كاهلهم ، ولاغصة في القلب صارت متحجرة لم تزل جاثمة فوق صدورهم ، ولا قبوراً وشواهد معروفة لأولادهم ، مرة أخرى نعود بهم الى الوعود التي ما تحققت وما تبرعمت فعلاً تحت زحمة الانشغال بمكافحة الإرهاب وضجة الكراسي والمناصب والمحاصصة ، لكنهم يقفون دون ضجيج فقد قدموا النفس والمال والاستقرار لهذا العراق .
وحتى تأخذ الجريمة التي ارتكبت بحقهم أطارها القانوني العام ضمن استكمال أجراءات التحقيق ، بالرغم من معرفتنا بأن القضايا التي عرض قاضي التحقيق المختص والمتهم فيها صدام حسين لاتمثل جميع القضايا ، ولاتمثل حصراً الاتهامات بالجرائم التي تم التحقيق مع المتهم الطاغية وفقها والتي طالها التحقيق وتمت إحالتها الى المحكمة الجنائية العراقية .
وبالرغم من معرفتنا أن موجبات الاتهام القانونية في جريمة جنائية لاتختلف عن جريمة أخرى مادامت توازيها في الحجم والنتائج الكارثية .
ولكن مالفت أنتباهنا أن لاتكون جريمة التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وما تم ممارسته من وسائل وطرق التسفيرات والأبعاد ومالحق الكرد الفيلية من جرائم يندى لها الجبين وتروع في قصصها الضمائر الأنسانية ولم تأخذ للأسف حقيقيتها الأعلامية لتهز مشاعر البشرية ، وتحمل ماتحمل من ويلات ومظالم لم يعهدها العالم ولا عرفتها البشرية في بشاعتها مع ما لحقها من تستر وصمت دولي مريب .
أن مالحق الكرد الفيلية يمكن أن يكون من الجرائم الفريدة في العالم والتي لم تلتفت إليها الإنسانية ، فلم تنحصر قضية محاربة هذه الشريحة بسبب قوميتها الكردية ، ولافي جرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الرجال والنساء منهم ، ولافي غياب أماكن قبورهم وجثث أبنائهم وبناتهم ، ولافي تهجير شيوخهم وأمهاتهم عبر الحدود ، ولافي إجبارهم على تخطي حقول الألغام بين العراق و آريان للموت وسطها ، ولافي أبعادهم الى منطقة ( نقرة السلمان ) الصحراوية والنائية في الصحراء الجنوبية ، ليلقوا حتفهم وقدرهم ويدفنوا إعدادهم تحت الرمال الحارقة حيث تيبست جثثهم وتبخرت سوائل أجسادهم فباتوا كالريش في رياح صحراء البادية الجنوبية في العراق . .
ولم تكن بسبب اعتبارهم نماذج تجارب للسموم والكيمياويات في القضاء عليهم ، ولافي سلب ممتلكاتهم وأموالهم وتجريدهم من مستنداتهم الرسمية ، ولافي ترحيلهم عبر الحدود باتجاه دول الجوار وبالأخص آريان المسلمة التي عاملتهم بكل حذر وجعلتهم يعيشون حياة مزرية في المخيمات بشكل مأساوي بعيد عن الاعتبارات الإنسانية ، ولا بسبب التزامهم بالمذهب الجعفري الذي يتباهون بالالتزام به وإخلاصهم له ، ولا بسبب أنتماءاتهم السياسية حيث كانوا ولم يزلوا رافد أساسي من روافد الحركة الوطنية السياسية في العراق .
أن مالحق الكرد الفيلية جدير بالمراجعة والانتباه بسبب نومة الظهيرة التي كان فيها المجتمع الدولي يغط فيها ، وكانت الإنسانية تنام في سباتها وتؤجل حقوق الإنسان عنهم ، والمنظمة الدولية في شغلها الشاغل عنهم ، فقد تم تجريدهم من مواطنتهم دون وجه حق وتم إسقاط جنسيتهم دون وجه حق وتم سلب حقوقهم دون وجه حق ، وتم اعتبارهم شريحة إنسانية دون جنسية ، فهل يعي المجتمع الدولي بقاء شريحة كبيرة من الشعب العراقي دون هوية ودون جنسية ودون وطن دون أن تلقى الاهتمام والمعالجة من الاختصاصيين في القانون الدولي والمنظمات الإنسانية والمنظمات الدولية المختصة !!!
علماً إن المادة ( 15 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 كانون الأول 1948 قد نصت على حق الفرد في التمتع بجنسية ما ، كما لم تجوز تعسفا حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته ، وأن ما جرى للكورد الفيلية لايعد تعسفاً فحسب ، بل تجاوزاً على إنسانية العراقيين ، وتحدياً لكل القيم والاعتبارات الإنسانية ، فقد تم تجريدهم من جنسيتهم ، كما تم سلب مستمسكا تهم القانونية ، بالإضافة الى أخفاء معالم الأسس والسجلات التي تثبت مواطنتهم وأصالتهم ، وبالإضافة أيضاً الى مصادرة وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة دون وجه حق ، ودون وجود أية قرارات قضائية بل ودون أية قضية منظورة في محاكم العراق ، بالإضافة الى ممارسة السلطة الصدامية طرقاً خسيسة ودنيئة في التنكيل بهم وسرقة ممتلكاتهم ومصادرة حقوقهم وكأنها أسلاب كفار والتي لايقرها قانون ولاشرع ولادين ، ولم تتم ممارسة ما يماثلها من أدنى السلطات وأكثرها انحطاطاً .
الصمت الذي لاحق الكرد الفيلية وتجاهلهم من قبل المجتمع الدولي هو الذي ينبغي أن يزاح عنه الغطاء ونتعرف على الأسباب الحقيقية والدفينة في اللعبة السياسية التي كانت شريحة العراقيين من الكورد الفيلية الوقود الذي أشتعل تحت سمع وبصر المنظومة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان فيها ، دون أن يجدوا ما يساندهم من الوثائق العالمية والإقليمية في الاتفاقيات الدولية فصاروا الضحية والمجني عليهم دون أن يتم تشخيص الجناة في حينها ، ولو كانت هناك حكومة واحدة في العالم تطالب بحقوقهم أو تساندهم وتدافع عنهم لربما اختلفت موازين اللعبة السياسية ، ولربما لو كانت هذه الشريحة من غير الكورد الفيلية ( من الأكراد الشيعة والمنحازين الى جبهة القوى الوطنية المعارضة لسلطة الدكتاتور ) لصارت الأمور غير ماصارت وماجرت عليهم من نتائج تحملتها الكورد الفيلية بصبر الجبال وعزيمة المتمسكين بالحق .
وعلى هذا الأساس بادرنا لمخاطبة رئيس المحكمة الجنائية العراقية العليا القاضي والزميل عارف عبد الرزاق الشاهين نقول فيها :
حماك الله وسدد خطاك
جميع القضايا التحقيقية التي يستكمل التحقيق فيها يتم احالتها على أحدى محاكم الجنايات التابعة لمحكمتكم الموقرة ، وتابعنا بأهتمام قضية جريمة الدجيل التي انتهت بالحكم على المجرمين ، ولم نزل نتابع مجريات قضية الأنفال .
والحق أقول لك إن قضية الأنفال لم تأخذ مداها وحجمها الحقيقي ، ولم توضح المحاكمة للعالم جرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ولا أنتهاكات القوانين العراقية بشكلها الذي يمكن إن تبقى في ذاكرة العالم في هذه القضية ، وكلنا يعرف إن ما جرى في جرائم الأنفال كان بقصد ابادة شعب كوردستان ، وما جرى من وقائع وتفاصيل لم يتم استيعابه من قبل سلطات التحقيق ، لأسباب لايمكن التخمين بها ، وقضية مثل الأنفال لسنا مسرورين لنهايتها والحكم على من يتم اثبات أدانته ، لأنها لم تفضح دور الطاغية وعقله المريض في هذه القضية ، ولا فصلت ووضحت لنا دور وأسماء الجناة ممن كان يستعمله الطاغية سوطا وسيفا وآلة لقتل البشر والتنكيل بهم وتعذيبهم وأهلاك الأطفال الرضع وقتل الشيوخ العجزة والنساء الحوامل ودفن الأحياء في المقابر الجماعية ، لم نتعرف الا عدد قليل من المتهمين لايمكن إن يتم أختزال هذه الجريمة الإنسانية بهم .
في قضية الأنفال ثمة أسماء نزعت عنها الضمير وباتت تشبه البشر شكلا ، وقرأت النوازع المريضة في عقل الدكتاتور ، وشرعت في تنفيذ تلك النوازع بمخططات وعمليات وحفلات أعدام ، تلك الأسماء لم تتعرض لها سلطة التحقيق ولا وردت ضمن سياق جلسات المحكمة ، ولم نسمع إن قضايا فرقت بحقهم لتجري محاكمتهم غيابيا أن كانوا هاربين .
نثمن عاليا دور الأدعاء العام بأعتباره المعبر الحقيقي عن تمثيل الحق العام ، ونثمن دور القضاة في ادوار التحقيق وفي المحاكمات وفي عضوية الهيئة التمييزية .
وانتم تعرفون وضع العراقيين الذين انتشروا في كل بقاع الارض ، واستقر العديد منهم في تلك المدن النائية التي وفرت لهم الكرامة والامان التي سلبها منهم الطاغية ، هؤلاء من بينهم مشتكين لهم شكاوى تتضمن صور لجرائم ووقائع تفتت الصخر ، كما لهم بينات وسندات ليس بقصد تسجيل اسماؤهم أو تعويضهم على الضرر الجسيم ، أنما بقصد توضيح الصورة الحقيقية لما جرى في واقعة الانفال .
هذه الاعداد حرمت من تسجيل الشكوى والادلاء بالشهادة بسبب عدم تمكنها من الحضور ،لأسباب مالية أو أمنية أو مرضية أو لظروف خاصة ، كما إن السفارات العراقية الفتية تفتقر للمستشارين القانونيين مما اعجز السفارات من تدوين اقوال المشتكين وارسالها الى المحكمة لربطها باضبارة القضية في موعدها المقرر ، وستبقى تلك الشهادات مطمورة في صدور اصحابها لاتقيدها محاضر التحقيق والمحاكمة ، ولاتشخص افعال بعض المتهمين الخسيسة بحق شعب كوردستان ، ولاتفضح دور بعض الاسماء التي لم يطلها التحقيق والاجراءات القانونية .
كما ستتكرر المشكلة مع القضايا الاخرى ، فثمة عراقيين يطلبون توفير السبل التي تمكنهم من تدوين اقوالهم المنتجة في القضايا التي ستعرض إمام المحكمة ، لذا نناشدكم إن تجدوا مع وزارة الخارجية العراقية ما يقم بتسهيل تدوين تلك الشهادات .
وإذا كنا قد كتبنا وعلقنا الكثير عن تلك القضايا التي عرضت على الملأ من خلال علانية المحاكمة وتوفير كل الضمانات التي وفرها للمتهمين قانون اصول المحاكمات الجزائية وقانون المحكمة وقواعد جمع الأدلة فيها ، فأننا نود إن نلفت انتباهكم الى مسألة غاية في الأهمية .
ستكتمل في الفترة اللاحقة بقية القضايا التحقيقية ، وستكون الجريمة المرتكبة بحق الكورد الفيلية أوسع مما يمكن إن يستوعبه التحقيق القضائي ، حيث كان التحقيق الأبتدائي اصلا يفتقر للعديد من الأسس التي تجعل هذه القضية بمستوى الحد الأدنى من الجريمة المرتكبة .
ما جرى للكورد الفيلية لايتحدد ضمن أطار التسفير ومصادرة الأموال ونزع الحقوق ، ولافي احتجاز الالاف منهم في سجون صدام دون تهمة ودون وجود جرم ارتكبوه ، جريمة الكورد الفيلية تبدأ من أخضاع اعداد كبيرة من شبابهم للتجارب الكيمياوية ، وهذه الجريمة الإنسانية التي اودت بحياة الالاف منهم بحاجة لتبصير وتأني ، وان نستوعب أسماء المتهمين الذين اشتركوا بتنفيذها ، وأن يتعرف العالم على نوع تلك الجريمة التي لم تمارسها ابشع السلطات وأكثرها همجية بحق المدنيين من شعوبها ، وأن يتم التعرف على أماكن دفن تلك الجثث ، فثمة أسماء لم تزل طليقة وتعرف كل الأسرار .
والقوافل التي سيرت من رجال الكورد الفيلية وسط حقول الالغام لم تكن ياسيدي لغرض العبور الى الأراضي الايرانية بقصد تهجيرها ، وأنما كان لغرض تفجير تلك الأجساد في حقول الالغام والتخلص منها وسط تلك الحقول وبقاء تلك الجثث مرمية ومكشوفة تحت تلك الظروف ، وجميع الشهداء من ابناء الكورد الفيلية من الطاقات والكفاءات العراقية المتميزة ومن المدنيين ، ثمة من نزع ضميرة وسحب عليه الماء وبقي منزوع الضمير من قام بتلك الأفعال الشنيعة ، من نزع ضميره ساهم بأقسى ما يستطيع بالتنكيل وأيذاء الكورد الفيلية ، ولم نزل نترقب إن توافينا سلطة التحقيق ليس بأعداد الشهداء ، وانما باسماء منفذي تلك الجرائم من ذيول الحاكم المشنوق ، وان تكشف لنا تفاصيل تلك العمليات التي ربما لم يعرفها أو يسمع بها العالم .
لم تزل امهات الكورد الفيلية تناشدكم ايها الزميل أن يتم الالتفات الى المحنة الفيلية التي تعرض لها العراق في زمن هجين وبذيء ، وينطلق صوتهن يناديكم للأستماع الى تلك الشهادات الدامغة ، مثلما يطالب أخضاع الأسماء المعروفة في مديرية جنسية بغداد والمسؤولين عن التسفير في حينها الى التحقيق ، ممن تصوروا إن ارتكاب الجرائم المنحطة ضد الكورد الفيلية سيرفع من شأنهم عند الحاكم الدكتاتور .
هذه الاسماء التي تركت جرحا غائرا في ارواح الشهداء واهاليهم ، واوغلت في خستها بعد إن نزعت الضمير ، هذه الأسماء اليوم مطالبة إن يتم اخضاعها للتحقيق ، وليست الغاية إن يتم الحكم فقط على الجناة ، فمن يعيد كل تلك الأرواح اذاماتم اعدام الجاني ، وكيف نجعل الصبر والقناعة يحلان في صدور الأمهات اللواتي لم يزلن ينتظرن بعيون تحجرت دموعها كل تلك الوجوه العبقة وهي تحمل شهاداتها الجامعية وارواحها البريئة التي دفنت سرا في قبور مجهولة .
الله الله في قضية الكورد الفيلية ، فهم بحاجة لتبيان حقيقة ما جرى لهم قبل إن يطالبوا بالحكم على القلة من الجناة الذي طالهم التحقيق ، والله الله في قضية هؤلاء ممن تقطعت بهم السبل وزاد من حزنهم انه لم يتم الالتفات الى محنتهم حتى اليوم ، ويزيد حزنهم أكثر انتشارهم في كل ارجاء الدنيا يطرزون مدنها بأرواحهم الباسلة والمشرفة وهم اهل العراق .
جئتك بهذه الكلمات بحكم كوني زميلا لك ومن دورة قضائية واحدة ، و صديقا أعتز بصداقته ، وسوية كنا نشكو هموم العراق في الزمن الصدامي ، وبحكم كونك الرئيس الأعلى للمحكمة اليوم ورئيسا لهيئتها التمييزية ، ولما عهدته فيك من السمو الأخلاقي والتواضع والأستقامة ، اعرض لك إن الحقيقة هي ماتريده الناس وأن يتم توضيح ما جرى لهذه الشريحة التي غبنها الأعلام وكتم على حقيقتها النظام البائد .
لم تزل كل الناس تريد توثيق الحقيقة للتاريخ ، فثمة أجيال قادمة ينبغي عليها إن تتعرف على ما حل بالعراق ، ولماذا تعرض الكورد الفيلية لمثل ما تعرضوا له ؟ ولماذا تمت مصادرة اموالهم ونزعت املاكهم بطرق غير قانونية وغير شرعية ؟ ولم تزل الجهات المسؤولة تطالبهم إن يسلكوا طريق القانون في استعادة ما سلبته منهم الدكتاتورية بالطريق غير القانوني وتلك معادلة غير عادلة .
وستبقى محاضر التحقيق والمحاكمة مرجعا تأريخيا يكشف الحقيقة ويثبت الأحداث وتفاصيل مجرياتها في زمن غابت فيه الحقيقة وماتت فيه القيم والمروءة وعز فيه الرجال ، ولهذا نتطلع الى إن تلتفتوا الى هذا الجانب قبل إن يتم احالة القضية مجردة من تلك الروابط المهمة في التحقيق ، بل إن يتم اختزال كل تلك الجريمة الإنسانية التي حصلت بقصد اهلاك جميع الكورد الفيلية اهلاكا كليا ، وقتل اعداد كبيرة منهم لم تزل جثامين المئات منهم غير معروفة المصير وأماكن الدفن مجهولة ، بالأضافة الى قتل الأطفال وحجز العوائل في المحاجر وفي سجن نقرة السلمان الصحراوي ، وموت العديد من النساء والشيوخ تحت تلك الظروف المناخية القاسية ، بالأضافة الى التدابير القاسية وغير القانونية التي مورست بحقهم ، ليتم اختزالها بعدد صغير من المتهمين يتم تحميلهم وزر الجريمة الكبرى .
لقد أكملت ياسيدي كتابا عن المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيلية ، ولظروفي المالية لم استطع إن اطبع الكتاب بالسرعة التي يمكن إن يحقق منها الغرض المنشود ، ليس لي علاقة بريعه وتوزيعه ، فقد تبرع اهل الخير بذلك دون إن ننتظر شكرا سوى الثواب من الله في مناصرة هذه الشريحة ، وعلى امل إن نقوم بتوزيعه في اقرب فرصة ممكنة ، ليطلع الناس على المعالم القانونية للخروقات التي مارستها سلطة البائد صدام بحق أهل العراق من الكورد الفيلية وما لهم وماعليهم من حقوق .
الفت عنايتكم الى أهمية ما خفي في هذه القضية حيث إن الأدلة والقرائن في بقية القضايا واضح وملموس ، أما ما حصل في قضية الكورد الفيلية ، فقد تم التعتيم عليه تحت انظار جميع المنظمات الإنسانية المتباكية على حقوق الإنسان ، وتحت انظار الأمم المتحدة ، ويكفي للعلم انه لم تزل حتى اليوم ، وأكرر حتى اليوم أعداد كبيرة من الكورد الفيلية تسكن الخيام في الاراضي الآيرانية بحالة مزرية وبائسة .
الظلم الذي عم قضية الكرد الفيلية لم يكن من طاغيتنا العراقي البائد ولامن السلطة الشوفينية ولامن حكام المنطقة ودول الجوار فقط ، وأنما كان من المجتمع الدولي الذي أهتزت شواربه لأحداث في اندنوسيا والفلبين ودار فور ، وتفاعل مع أحداث في افريقيا والشيشان ، دون أن يجد الفرصة لمعرفة أسباب تدمير هذه الشريحة الأجتماعية العراقية الأصيلة .
لذا لن نستغرب حين يتم تأجيل التحقيق مع الطاغية في شأن الجرائم التي ارتكبها بحق الكرد الفيلية ، ولن نستغرب من حكومتنا الجديدة أن تضعهم على الرف لينتظروا زمن آخر يمكن أن تفكر بعد حين في أن نعيد لهم حقوقهم وماترتب لهم بذمتنا !! ولينتظر جيلهم الذي ولد في المخيمات وفي بلدان اللجوء والمنافي ودون جنسية ودون مأوى ودون معرفة بلغتهم القومية ، ولينتظر من لم يزل يعيش في العراق وبيته مصادر ويسكن فيه بعثي أو عنصر أمن أو مخابرات فالدنيا صيف والجو جميل ولا ضرورة للنظر في قضاياهم في الوقت الحاضر ، وهناك ما هو أهم من قضية الكرد الفيلية ، والأهمية درجات وكما أن الناس مقامات ودرجات ، ولم يزل الكرد الفيلية في أدنى درجات الأهمية في عراقنا الجديد .
لم تكن سلطة معينة من وقفت موقفاً معادياً من الأكراد الفيلية ، ولم يكن الاتجاه العروبي الشوفيني وحده من وقف يدعو لتهميشهم وإلغائهم وحصرهم في زوايا منسية ضمن القضايا التي تخص الشأن العراقي ومحاربتهم صراحة أو علناً .
لم تكن هذه السلطات التي ابتليت بالتفكير الشوفيني المتعصب و المحدد المسار والظالم الذي لايرى الحقيقة ولايريد أن يعترف بها ، لم تكن وحدها هذه السلطات من قام بوضع أطنان من العذابات الإنسانية والتهميش والظلم والنصوص التي وردت ضمن القرارات التشريعية التي تجعل الكرد الفيلية مواطنين من الدرجة الثانية في العراق .
كان معهم كل المتطرفين من غلاة الدين ومن وعاظ السلاطين ، وكان معهم كل من يعتقد أن بقاء الكرد الفيلية على هذا النهج من الصمود والعطاء لن يقضي عليهم ، وكان معهم من يريد استغلال الكرد الفيلية لمصلحته سياسياً أو اقتصادياً واعتبارهم ورقة يتم اللعب بها في أوقات الحاجة ، فقد تجمعت كل القوى التي تنزع نحو الشر والتعصب والتطرف بوجههم .
وثمة من يقول أن الكرد الفيلية هم من الأكراد ، فلماذا هذه الخصوصية في مطالبهم وحقوقهم ؟ أليسوا هم جزء من هذه الأمة الكردية العظيمة ونالهم مانالهم بسبب هذا الانتماء ؟
نعم أنهم جزء من تلك الأمة التي تحملت الظلم ولم تستكن ، وتحملت التهميش ولم تسكت ، وتحملت التحدي وأعطت قوافل من الشهداء ولم تتوقف ولن تتوقف .
نعم أنهم الجزء الذي لايتجزأ والذي أمتزج فيه الزمن العراقي بالوجود التاريخي ، وكما صاروا جزء من الملحمة العراقية الإنسانية فباتوا بعض حروف أسم العراق لايمكن أقتطاعهم منه لأن الأسم سيبدو مبتوراً ودون معنى .
لكن الكرد الفيلية وهم من هذه الأمة تحملوا ما لاتتحمله الأمم ، ولاأستطاعت أن تتحمله الجماعات والمجموعات البشرية وهم الشريحة الطيبة والفاعلة ، ليس فقط أسقاط الجنسية عنهم ، فالجنسية هي العلاقة العقدية بين المواطن والبلد الذي يعيش فيه ، وبالرغم من كل أساليب السلطات الجائرة في أسقاط جنسياتهم واعتبارهم من التبعية الفارسية ، إلا أنهم بقوا ملتصقين بالعراق يجاهدون بكل السبل من أجل العراق الفيدرالي والديمقراطي .
ولحق الأكراد الفيلية من الظلم بسبب سافر وواضح في التزامهم الديني بالمذهب الجعفري فنالهم أكثر مما نال أخوتهم من المسفرين لأسباب طائفية .
وعلى مدى الأزمنة الغابرة والمقبورة لم يكن بإمكان أبناء الكرد الفيلية أن يصيروا قادة وزعماء في المجال الحكومي ، ولم يكن في قدرة الأكراد الفيلية أن يصيروا ضباطاً كبار في الدورات الخاصة والعامة ، ولم يكن بمقدورهم أن يتم اعتمادهم كبناة لاقتصاد العراق من قبل الدولة ، ولادعمهم ومساندتهم في البناء الأٌقتصادي ، فقد كانوا موضع شك السلطات في كل حين .
فقد أعتبرتهم جميع السلطات التي تعاقبت على حكم العراق الخطر الكامن والمعارض الدائم للسلطات التي تبرقعت بالفكر الشوفيني والطائفي المتستر بعباءة الوطن والقومية والدين في كل فترة من فترات الزمن العراقي .
فأذا كان الكرد بشكل عام تحملوا الظلم من السلطات بسبب قوميتهم ، والمسلمين الشيعة بسبب مذهبهم الأسلامي ، والمعارضين بسبب معارضتهم لنظام الموت والقتل المتمثل في سلطة صدام البائد ، الإ ان الكرد الفيلية تحملوا كل هذه الأسباب ، فهم أكراد وشيعة ومعارضين وقد جمعوا كل تلك الصفات العراقية .
وتميز الكرد الفيلية في تقديمهم قرابين للحرية والديمقراطية في العراق ، وبالغت السلطة الجائرة في عذاباتهم الانسانية ، فسلخت الوليد عن صدر أمه ، وأبعدت الطفل عن والديه ، والشاب عن والدته وأجداده ، وأمعنت في إذلال الشيوخ والعجائز ، وأسكنت مجاميع منهم في مجاهل صحراء السلمان بأطراف البادية التي عافتها حتى الحيوانات البرية وطمرت أعداد منهم تحت الرمال وفي ثنايا زوايا سجن النقرة المهجور إلا منهم ، في حين أكلت منهم التجارب الكيمياوية والأجساد البشرية التي تفجر حقول الألغام في حرب الطاغية مع إيران .
وأمعنت السلطة في تشتيت شملهم وعدم أبقائهم في المناطق التي تمركزوا بها وتجمعوا منذ الزمن الغابر يزرعونها وينتجون بها ويعيشون بها بسلام وتآخي يلفت النظر .
وتميز الكرد الفيلية في العمل السياسي ضمن التنظيمات السياسية التي قارعت السلطات البائدة بتفانيهم وشجاعتهم وأقدامهم على التضحية . .
ولذا حق أن نقول أن للكرد الفيلية حقوق ينبغي الالتفات اليها ، وهي أن نرفع أول مانرفع عنهم مالحقهم من ظلم وبطلان في سحب الجنسية عن أعداد كبيرة منهم ، واعتبار القرار أصلاً باطلاً لاقيمة قانونية له لعدم استناده على أسس موجبة لهذا الإصدار .
بالإضافة الى بطلان إجراءات وقرارات أبطال شهادات الجنسية الصادرة لهم وفق القانون ، مع إلغاء كل المطالبات بشهادة الجنسية التي لامو جب ولا مبرر لها إطلاقا .
كما ينبغي أن يتم رد حقوقهم المسلوبة والمستباحة المادية منها والمعنوية ، وأن يتم تشكيل لجان خاصة بهذا الأمر فقد كان الكرد الفيلية العمود الأساس في العمل التجاري وحركة الأسواق ، وكانت البيوت الفيلية المنتشرة في العراق والمتميزة بكرمها وطيبتها ومحبتها للعراق وتفانيها في خدمة الشعب ، قد بنت بعرقها وجهدها الناصع كل تلك البيوت والمحلات التي تساهم في إثراء الحياة الأجتماعية في العراق ، وكان أبناء الكرد الفيلية تمتلك مالا تمتلك الأسماء الهجينة الطارئة التي ولجت العمل التجاري مربوطاً بحبال السلطة ، فقد توارثت العمل والمال والخبرة الاقتصادية وبنت مواقعها دون تعكز على سلطة أو مؤسسة حاكمة .
وعلى هذا الأساس بادرنا لمخاطبة السيد وزير الداخلية العراقي برسالة تخص الشأن الكردي الفيلي نصها :
مع أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات تفضيلا ، الا إن حكام العراق البائدين رفضوا هذا التكريم وصنفوا البشر وفق رغباتهم وعقولهم ، وصار تصنيفهم للإنسان في العراق وفقاً للقومية والمذهب ، بدرجات وفقاً لقومية ومذهب الحاكم .
وعكست القوانين العراقية البائدة صورة بائسة لامتهان الناس حين صار أهل العراق من التابعية العثمانية ( عراقيين أصلاء ) ، بينما صار أهل العراق من التابعية الفارسية ( عراقيين دخلاء ) ، مع أن كلا الدولتين الفارسية والعثمانية احتلتا العراق في أزمان متفاوتة وظروف مختلفة ، كان فيها أهل العراق تحت نير احتلال تلك الدولتين متمسكين بعراقيتهم .
وجميعنا نعرف أن ذلك التصنيف لم يكن الا لأسباب طائفية مقيتة ، ولأسباب شوفينية مرفوضة ، وبقي الأمل في صدور أهل العراق أن تلتفت حكومة عراقية وطنية لهذه الشروخ العميقة التي وضعتها تلك القوانين في التصنيف الأثني وتزيلها وتلغيها وتحرر العراقيين من قيودها ، وتعيد لهم الاعتبار الوطني والإنساني ، وان يعاد النظر في العودة الى تكريم الإنسان الذي فضله الله على الكثير من المخلوقات .
وتأريخ العراق القديم والحديث غير خافيا على أحد ، وسكان العراق الأصلاء معجونين في تراب العراق ، وجزء لايتجزأ من تأريخه ونضاله الوطني ، ولهذا فأن تصنيف العراقيين درجات لايمكن أن يستمر في عهد سقط فيه أخر الطغاة وانتهت معه حقبة مظلمة من تأريخ العراق .
وإذا كانت بعض شرائح العراق عانت مرارة تلك القوانين الجائرة ، فأن قانون الجنسية وشهادة الجنسية العراقية كانت الخنجر المسموم الذي ذبح مئات الآلاف من العوائل العراقية ظلما وبهتانا تحت تلك الذريعة الواهية .
وجاء الدستور العراقي وهو أعلى القوانين ورأسها الهرمي ليؤكد في باب الحقوق والحريات بأن العراقيين متساوون إمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العراق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي ، وخلاف ذلك النص لايعدو الا باطلا ومخالفة صريحة للدستور .
وللحقيقة فأن جميع العراقيين متساوون إمام القانون باستثناء ( الكورد الفيلية ) ، فلم تشملهم المساواة لأسباب قد تدركها القيادة السياسية سواء مجلس النواب منهم أو الوزارة أو الأحزاب التي تشترك في العملية السياسية أو التي تعارضها .
الكورد الفيلية الذين ذاقوا مرارة الهوان والعذاب ، وخصص لهم صدام مؤسسات متخصصة في تعذيبهم وقتلهم وتسفيرهم وتجريدهم من ممتلكاتهم ، لم يشعروا أنهم قد تساووا مع العراقيين ضمن هذا النص ، مع أنهم من العراقيين الأصلاء دون غبار ، ومع أنهم قدموا لهذا العراق دون أن ينتظروا مكافأة من أحد ، ومع أنهم في صلب الحركة الوطنية في كل أصنافها الا أنهم أضعف الشرائح في نيل ابسط حقوقهم الإنسانية .
الجنسية حق لكل مواطن عراقي وهي أساس مواطنته باستثناء الكورد الفيلية ، فهم من طينة غير طينة العراق ، وشريحة كانت غافية لاجنسية لهم ولاوطن ولاتاريخ ، بدليل إن وزارة الداخلية تطالبهم حتى اليوم بإثبات عراقيتهم وفقا لشهادة الجنسية العراقية ، تلك الوثيقة التي استعملتها السلطات البائدة خنجرا مسموما للطعن في وطنية وإنسانية العراقي ، وبدليل أنه تتم أحالة الكوردي الفيلي على مديرية الإقامة باعتباره مقيما في العراق وتنطبق عليه ما تنطبق على كل مقيم ( أجنبي ) في العراق لإضفاء الشرعية على وجوده في العراق .
رسالتي هذه الى السيد وزير الداخلية أن يتمعن في تاريخ العراق مليا ويعالج وضع الكورد الفيلية وفقا لهذا التأريخ ، وأن يقرأ ما جرى على الكورد الفيلية ويقرر وفقاً لذلك ، وأن يتعرف على الأوضاع المأساوية التي تحصل لهم حتى اليوم ، وبعد مضي اربع سنوات على سقوط حكم الصنم ، لم تستطع وزارة الداخلية ولا مديرية الجنسية والإقامة أن تستوعب عراقية الكورد الفيلية .
رسالتي هذه الى السيد وزر الداخلية من إن الكورد الفيلية لايستجدون الجنسية العراقية وإنما يريدون أيمانا مطلقا بدولة تعتمد معايير القانون وتحترم دستورها ، وان لايتمسك بعض بقوانين صدام حتى اليوم ، وأن الدستور يمنح الحق لكل من أسقطت عنه الجنسية العراقية أن يستعيدها ، وانه لايمكن إن تسقط الجنسية العراقية عن العراقي بالولادة ، فكيف بالكوردي الفيلي الثابت التاريخ والقومية والدين والمذهب والأنتساب الوطني ؟
وإذا كانت حالة اللاجنسية التي حصلت للكورد الفيلية وحدهم في هذا العالم ، فأن قرارات الأمم المتحدة وقبلها الشرائع السماوية منعت تجريد أي شخص من الجنسية أذا كان هذا التجريد يجعله عديم الجنسية ( المادة 8 من قرار الجمعية العامة 896 في 4 كانون الأول 1954 ) ، كما منعت إسقاط لجنسية التي مارسها صدام ضد الكورد الفيلية ضمن مخطط بعيد عن الوطنية والمروءة والشهامة حين سلط قدرات المؤسسات الأمنية للانتقام منهم .
واليوم ياسيادة وزير الداخلية حل الدستور الذي يعيد الاعتبار لكل عراقي وفقا للنصوص التي تضمنها باب الحقوق والحريات ، ليس من الأنصاف ولا من العدالة إن يتم إحالة الكوردي الفيلي الى مديرية الإقامة لأجراء معاملة تجنس الأجانب ، لأن الكوردي الفيلي ليس أجنبيا ، ولأن الكوردي الفيلي سلب حقه القانوني والدستوري ، ولأن السلطة البائدة تجاوزت على حقوقه الاعتبارية والمادية ، ولذا يترتب على كل صاحب ضمير وطني وعراقي أصيل أن يساهم في أعادة الاعتبار لكل كوردي فيلي أسقطت عنه الجنسية ، وان تساهم مؤسسات وزارة الداخلية في الإسراع بإعادة تلك الوثيقة للكورد الفيلية بأسهل الطرق وأقصرها ، وأن تمنح الجنسية لأولادهم المولودين ضمن فترة التهجير القسري الصدامي ، وأن تنظر لهم السلطة الحالية التي نفترض أنها تطبق القوانين وتعتمد الدستور على أساس مواطنتهم وإنسانيتهم كعراقيين ضحايا ، والضحية ياسيادة الوزير لايطالب بأن يثبت عدم صحة الأجراء الظالم القسري ، لأن الأمر سيؤدي الى إن تكون السلطة معترفة ضمنا بصحة تلك الإجراءات .
ياسيادة الوزير أن أحالة الكورد الفيلية الى نفس الإجراءات الظالمة يشكل ظلما آخر يتحمله أبناء الكورد الفيلية ، وهؤلاء لم تزل عوائلهم حتى اليوم تسكن مخيمات اللجوء في دول الجوار ، وفي ذلك ليس فقط مخالفة دستورية وإنما امتهان للكرامة والحقوق ، كما أن منح الكوردي الفيلي وثيقة أقامة مؤقتة تدلل على عدم قناعة السلطة التنفيذية بعراقية هذه الشريحة ، وهذا الأمر يتطابق مع نظرة المؤسسات الأمنية الصدامية الظالمة وقوانين صدام التي اعتقدنا أنها رحلت مع الطاغية .
ياسيادة الوزير من الغريب أن تستكمل محكمة التحقيق في المحكمة الجنائية العراقية العليا الخاصة قضية جنائية تخص الكورد الفيلية باعتبارهم عراقيين من ضحايا النظام البائد ، في حين لاتتم مساواتهم مع العراقيين بالفعل في الجنسية ، ترى هل فكر أحد منا بحجم قدسية ( شهادة الجنسية ) التي تمنح المواطنة من الدرجة الأولى وتميز العراقيين وفق الأسس المذهبية ؟ وهل نهجت دولة أخرى في العالم تقوم بإصدار هوية الأحوال المدنية لمواطنيها ، أن تقوم أيضا بإصدار شهادة لصحة تلك الهوية أو أن الأمر مقتصر على شريحة من شرائح العراق ؟
لنضع كل القوانين والنصوص الدستورية النافذة والقرارات التي أصدرتها الجمعية العامة والاتفاقيات الدولية جميعها على جهة ، ونحتكم الى ضمير العراق وتأريخه ، حتى يمكن إن نقرأ ما للكورد الفيلية وما عليهم ، ولماذا تتحمل هذه الشريحة كل هذا العذاب البشري دون إن تجد من ينتصر لتأريخها ووطنيتها وإنسانيتها في الإقرار بحق المواطنة الذي هم أحق من غيرهم به ، فهم أهل العراق وبناته وفدائييه والمضحين في سبيله ، وهم شهداء العراق وخيرة رجاله والسباقين لرفع المعارضة ضد كل الأنظمة الظالمة والدكتاتورية التي مرت على تاريخ العراق ، هل يمكن لهؤلاء إن يحملوا كل تلك الإسهامات الإنسانية من أجل العراق ليقفوا أذلاء إمام موظفي الجنسية يثبتون عراقيتهم ؟؟
كنا نأمل من مجلس النواب أن يلتفت لكل هذا ويشرع قانونا بإعادة الاعتبار لكل الكورد الفيلية ، وان يعيد لهم حقوقهم المادية وما سلبه منهم الطاغية وما أستغلته من أملاكهم المؤسسات الأمنية والحزبية ، وأن يشرع قانونا يضمن لهم التعويض الاعتباري المعنوي لما فقدوه من حياتهم وما أصابهم من ضرر نتيجة ما حصل لهم من مأساة لم تزل مستمرة حتى اليوم .
كنا نأمل من مجلس النواب أن يلتفت الى وجع العراقيات من الكورد الفيلية الساكنات في مخيمات اللجوء يتحسرن على قنينة النفط حتى اليوم ويعيد لهم الاعتبار في إعادتهم لوطنهم وأهلهم ، وكنا نأمل كثيرا ولكن وجعنا يزداد حين نعلم من إخوتنا الكورد الفيلية أنه تتم أحالتهم على مديرية الإقامة ، وتمنح لهم بطاقات هوية مؤقتة لاتليق بالعراقي .
ومن الغريب أن تقوم وزارة الداخلية في الزمن الصدامي البغيض بتحمل وزر تنفيذ الجريمة ضد الكورد الفيلية ، وان تقوم وزارة الداخلية في زمن العراق الجديد بتدقيق عراقيتهم التي سلبها صدام وتشك في أصالتهم بعد كل هذه المرارة .
للكورد الفيلية حق ومن يسلب هذا الحق سيحاكمه التاريخ قبل إن تحاكمه جماهير العراق ، وقد مضت فترة طويلة كانت المرارة تملأ القلب ، ونحن ننتظر أن يلتفت ضمير أو ينتفض حر ليعيد لهم ما سلبته الدكتاتورية وسلطات الطغيان الشوفينية .
لذا نأمل منكم التفاتة في إن تجسدوا نصوص الدستور وهي أعلى من القوانين ولا يجوز مخالفتها ، ونأمل أيضا إن تقدموا على ما يعيد الاعتبار لتلك الأعداد من العراقيين بما يجعل عملكم هذا مسجلا كموقفا وطنيا ضمن فترة عملكم كوزير للداخلية ، فالوزارات متغيرة والمراكز متغيرة وهي فرصة أخي الكريم في أن تتفحص معهم الألم الذي يشعر به الكوردي الفيلي حين يتم التعامل معه حتى اليوم وفق الأسس الخاطئة ، وان تتمسك مؤسسات وزارتكم بكل النصوص التي حرص عليها الطاغية بقصد إيقاع أكبر الأذى بهم .
وأخيرا تقول مقدمة الدستور انه نحن أبناء وادي الرافدين عقدنا العزم على نصنع عراق المستقبل دون نعرة طائفية ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولاتمييز ولا أقصاء ، فهل يمكن إن نحقق ذلك مع الكورد الفيلية ؟
وحق أن نقول أن للكرد الفيلية حقوق لما لحقهم من تهميش وظلم وأن نعيد لهم الأعتبار بالكيفية التي نراها ويرونها متناسبة مع حجم الظلم الذي وقع وطول مدة بقاءه وتأثيره على حياتهم وحياة العراقيين ، فقد تعرضت نفوس العديد منهم الى الإحباط والعذاب النفسي الكبير بالإضافة الى التشتت والتباعد بين أبناء الكرد الفيلية والذي حتمته الظروف التي صاروا زوارق في لجة بحرها .
وبقيت النقطة الأخيرة التي ينبغي أن تستقر في ضمائر أي مواطن يتبوأ مركزاً دستورياً أو قانونياً أو سياسياً في العراق الجديد ، بأن يضع الكرد الفيلية أمام ضميره ويضع لهم الاعتبار الذي يليق بهم في مناحي العمل السياسي والاجتماعي في العراق الجديد ، فمثل هذه الشريحة التي أعطت ولم تزل تعطي جديرة بأن تأخذ مكانها اللائق في بناء الخراب العراقي .
ومع أن المواطن سيصبح متساوياً مع الجميع في الحقوق والواجبات ، إلا أننا نذكر بأن التضحيات الجسام التي قدمتها هذه الشريحة العراقية التي ما فتأت تناضل وتعمل بكل قوة من اجل عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي يميزهم ويجعل عطاءهم كبيرا بحجم المحنة العراقية .
ولطالما بقيت البدعة القانونية والأكذوبة التي اخترعها دعاة الشوقينية المقيتة في العراق المتجسدة في شهادة الجنسية العراقية ، الى درجة انه ربط الوطنية والوطني بحيازته لهذه الشهادة وفق حروفها المقيتة وقانونها الأحول .
وإذا كانت الجنسية بحد ذاتها عقد قانوني بين المواطن والدولة ، وإذا كانت الجنسية العراقية تمنح للعراقي وفق القانون الخاص بالأحوال المدنية وفق الاعتبارات والفقرات الخاصة بهذا المنح ، فأن شهادة الجنسية العراقية كانت على الدوام الخنجر الذي يمكن أن يطعن خاصرة شريحة معينة من شرائح المجتمع العراقي .
من أين جاءوا بمشروعية التبعية العثمانية ؟ ومن أين جاءوا بعدم مشروعية التبعية الآيرانية ؟ وكيف يمكن التمايز بين أحتلالين بغيضين للعراق ؟ وفقاً لشهادة وسند صادر من السلطات العراقية التي تعاقبت وهي تحرص على التمسك بهذه الشهادة المقيتة التي ليس لها ادنى قيمة قانونية .
والجنسية هي إحدى الخصائص الشخصية التي تميز المواطن في دولة ما عن غيره من المواطنين في الدول الأخرى ، وهي بموجب القوانين عنصر من عناصر الشخصية التي تميزه ، ولم تظهر أهمية الجنسية العراقية إلا بعد قيام النظام الملكي في العراق حين أصدرت السلطة الملكية قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924 بتاريخ 23 آب 1924 ، ومن غرابة هذا القانون انه جاء قبل إعداد الدستور العراقي ( القانون الأساس ) الذي صدر في العام 1925 .
يتبع- الجزء الرابع