زهير كاظم عبود
المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين
2007
مقدمة
المشكلة لاتكمن في كيفية معرفة الحق والحقوق ، فلهذه المسألة عدة طرق وأساليب للمعرفة والأقتناع ، المشكلة تكمن في إنكار الإنسان للحق ، والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة اكتشافها ، وفي هذا الزمن المرير ينبري من يصر على إنكار الحق والحقيقة ويساهم في تغطيتها وتبرير الجرائم المرتكبة بحقها وفق تبريرات واهية ، ولعل محاولات أنكار أو تخفيف مالحق الفيلية من جرائم وظلم من هذه الوسائل التي يعتمدها فاقدي المروءة ومنكري الحقائق .
فأذا كانت وظيفة القوانين في المجتمع حماية الحريات والحقوق ، فأنها تساهم أيضاً في أستقرار الحياة الأجتماعية ، ولايمكن ان تكون القوانين مصدراً من مصادر القلق والأسلحة التي تستغلها السلطات في ترويع المواطن ، وإشهارها بوجهه وجعل حياته قلقة ومستقبله غامض وأيامه ممتلئة بالهواجس ً ، في أجراءات غير عادلة وتطبيقات متطرفة وظالمة ، بالإضافة إلى تعديها على مبدأ المساواة والحقوق والواجبات والحريات التي تعرضت لها الدساتير العراقية ، ضمن أبواب الحقوق المدنية والسياسية .
ولطالما واجه الكرد الفيلية مايقلل من تضحياتهم أو يغمز في انتسابهم وارتباطهم التاريخي وفي تراثهم القومي وحقيقتهم ، ولطالما تم التقليل من مآساتهم ومحاولة تبرير الأفعال الجرمية المرتكبة بحقهم بقصد تضييع صوتهم وإلغاء خصوصيتهم ، وتلك المحاولات البائسة بهدف المساهمة في طمس معالم حقوقهم وشراكتهم في الحياة العراقية ، والتقليل من دورهم المهم في الحياة السياسية والأجتماعية ، كما تمارس تلك الجهات أساليب أخرى من خلال خلق مزاعم وأدعاءات زائفة تطعن في عراقيتهم وعلاقتهم بالتراب العراقي ، وتصويرها على انها حقيقة قائمة ، القصد منها وبالنتيجة إحداث شرخ عميق في صميم المكونات الأنسانية في العراق ، من خلال تحجيمهم وعزلهم عن أبناء جلدتهم لكونهم أكراد ، او محاولة إلصاقهم ضمن الأحزاب الدينية لكونهم من أتباع المذهب الجعفري ، أو إحتسابهم على حركة سياسية معينة ، لكونهم شكلوا على الدوام عنصراً مهماً من عناصر معارضة السلطات الدكتاتورية في العراق ، ولم يهادنوا ولم يستكنوا ، وثبتوا على جهادهم طيلة السنوات الحالكة التي مرت على العراق .
والحقيقة التي لايمكن لأحد ان ينكرها أن عطاؤهم كان لكل الحركة الوطنية دون تحديد ، ولكل العراق دون أن يقفوا مع قومية محددة فقط .
ما تعرض له الكرد الفيلية يجعلنا ندرك أن السلطات التي مرت في تأريخ العراق الحديث تعكزت على قوانين ونصوص لم يتم استعمالها وتطبيقها على غيرهم ، فهذه النصوص كان يراد لها أن تكون السيف الحاد الذي يمكن ان يذبحهم أو على الأقل يفتت تواجدهم وجمعهم في أي زمان تريده وتختار توقيته، تلك السلطات التي تعاقبت على حكم العراق عقاباً لهم على مواقفهم الوطنية المشرفة، وإضعافاً للموقف الوطني الشعبي العراقي .
ومن بين أهم الحقائق التي تتجسد عملياً في العراق وجود عدة قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات ، ولايمكن بأي حال من الأحوال أن نقر أونقبل و نسلم بسيطرة قومية على أخرى ، فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي ان كل قومية منها لها تأريخهاوحقوقها ، وأن للقومية الأخرى مثل تلك الحقوق ، وتداول العرب والمسلمين مقولة أن تحب لأخيك ماتحب لنفسك ، ووفق هذا السياق فأن إهدار الحقوق ومنع المحاكم من النظر في القضايا التي تخص الجنسية والتعسف في التطبيقات القانونية ، وقضايا التسفير الهمجي الظالم والجمعي ، وسلب الحقوق ومصادرتها التي طالت شرائح عديدة من العراقيين ، ولعل من اكبرها واهمها شريحة الكرد الفيلية ، كان مخططاً لها بقصد احداث ردة فعل من مواقف الكرد الفيلية الوطنية ، سواء منها المساندة لحركة المقاومة المسلحة ، ضمن قوات البيش مركة الذراع المسلح للأحزاب الكردية التي ناضلت ضد سلطات الدكتاتورية من أجل حقوق شعب كردستان في العراق ، او من ضمن صفوف الحركة الوطنية التي عارضت النهج الدكتاتوري بكل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح .
ولم تأخذ محنة الكرد الفيلية حجمها الطبيعي في الأعلام ، العراقي منه أو الدولي ، فقد تعرضت الفيلية إلى حالة ليس فقط من الأستلاب والتعتيم ، وأنما إلى تمكن السلطة حينها إلى رش الرماد في عيون العديد من الجهات لتصوير الكرد الفيلية وكأنهم أجانب أقتضت الظروف السياسية في العراق أن يعودوا إلى بلادهم التي جاء اجدادهم منها ، وروجت للمسألة وكأنها ترتيب لحماية وضع البيت الوطني ، وحماية العراق من الدخلاء والمقيمين بشكل غير شرعي وقانوني ، وعملية تزوير التأريخ ليس غريباً على تلك السلطة التي شرعت تدعو لأعادة كتابة التأريخ وفق رغبتها وغاياتها ، ومع كل هذا التزوير والتزييف ، فقد سقطت سلطة صدام فاضحة نفسها ، حين تصدت في عمليات تهجير كبيرة صاحبتها عمليات أحتجاز وتعذيب ونفي مواطنين عراقيين من الأكراد الفيلية يملكون السندات الرسمية التي تثبت عراقيتهم ، وصاحب ذلك القيام بمصادرة للأموال والعقارات لاأساس لها من القانون ولاسند لها من الشرعية ، كلها تم تطبيقها على الكرد الفيلية في العراق ، اعتقاداً من السلطة انها انتصرت على الحق ، وأنتقمت منهم شر إنتقام .
عملية الأقرار بحقوق الآخرين تحتاج ليس فقط إلى شجاعة وأيمان بحق الأنسان في الخيار والأختيار ، وليس فقط الجرأة في تقبل قضية الحقوق ، ولايحتاج أصحاب الضمائر الحية والمؤمنين بحقوق الأنسان إلى كل هذا ، فهم أصلاً يحترمون خيار الأنسان وكونه خلق حراً لايمكن أستعباده ، فلكل انسان شخصية قانونية ويتمتع بحماية النظام القانوني ، وأن جميع البشر أحرار ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وأن الحقيقة لاتموت ، كما أن اهل العراق والمتخصصين في دراسة التأريخ والسياسة يعرفون يقيناً أصالة الكرد الفيلية وثبات وجودهم العراقي ، أنما يتطلب الأمر حقا الأيمان بمدى تطابق وجودهم التأريخي مع كل القوانين والأعراف في العراق ، وأن عملية تهجيرهم كانت من جهات نزعت عنها الضمير فباتت ميتة ودون وازع يردعها من إتمام الأفعال التي طالت الفيليين وغيرهم من أهل العراق .
جاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي في الصفحة 1129 أن الحق من أسماء الله تعالى ، أو من صفاته ، ضد الباطل ويعني العدل وواحد الحقوق والحقة أخص منه .
وأكد سبحانة وتعالى على قضية الحق وكررها مرات عديدة في سور القرآن الكريم ، ويكفي أن يرد في سورة البقرة لوحدها من القرآن الكريم كلمة الحق 22 مرة .
والأسلام من الأديان التي تدعو لأحقاق الحق وتحث عليه ، ومن يطالع كلمات القرآن المجيد يدرك أهمية الحق والحقوق لدى الأسلام ، وأذا كان الأعلان العالمي لحقوق الأنسان قد صدر في نهاية عام 1948 ، فأن الأسلام أقر المباديء العامة للحقوق قبل الف واربعمائة سنة ، وقبل الأسلام أكدت الديانات جميعها على أحترام قضية الحق والحقوق وتقديس الأنسان .
وجاء الأعلان العالمي لحقوق الأنسان رداً على التجاهل المتعمد لهذه الحقوق وأحتقارها مما أدى الى اعمال أثارت بربريتها الضمير الأنساني ، وكان البشر قد تنادوا ببزوغ عالم يتمتعون به بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة والأستعباد كأسمى ماترنو اليه نفوسهم .
وحتى في حال انكار وقائع التاريخ في تواجد الكورد الفيلية في الجانب العراقي على الشريط الحدودي مع العراق ، فأن الواقع العراقي حتى بعد تأسيس ماسمي بالحكم الوطني يمنحهم الحق في المواطنة ، وضمان كامل الحقوق التي اقرها القانون الأساس وأقرتها العهود الدولية ، و معاهدات الدول التي وافقت عليها بما فيها العراق ، الا أن السلوك الغريب الذي نهجته سلطة صدام من أنشاء قواعد قانونية باطلة تخالف القانون الدولي ولا تلتزم بالمعاهدات الدولية التي أبرمتها وتعاهدت على الالتزام بها ، ولا ألتزمت بالقانون الانساني ولا أحترمت نصوص الدساتير العراقية ، ولاتجد هذه القواعد سنداً لها وشرعية في اسقاط الجنسية وسحب المستمسكات ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة عن الكرد الفيلية ، مع العلم أن السلطات التي اسقطت الجنسية عن يهود العراق أحتفظت لهم باموالهم تحت رعاية دائرة رسمية ( دائرة مراقبة وأدارة أموال الأشخاص المسقطة جنسيتهم ) ، وجمدت التصرف بها والتي نظمها القانون رقم 5 لسنة 1951 ، أحترمت تلك الحقوق ، في حين كانت المؤسسة الأمنية المتمثلة بدوائر الأمن والمخابرات والأستخبارات والأمن الخاص وحدها من تتصرف بكل حرية ودون رقابة قضائية أو قانونية بأموال وأسلاب الكرد الفيلية الذين استبيحت حياتهم وأموالهم بعد إن كانوا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة العراقية .
أن الأساس الذي أستندت اليه اللائحة الدولية في وجوب أن يتمتع الأنسان بحماية نظام قانوني من أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساووين في الكرامة والحقوق ، ولكل انسان الحق في الحياة والحرية والآمان على شخصه ، وأن لكل أنسان الحق في التعبير عن رأيه وأفكاره وأختيار شكل الحياة التي يريد وتضمنت النصوص الخاصة بالأعلان العديد من الحقوق غير أن مايهمنا في هذا البحث الموجز هو ما اوردته المادة الأولى من الجزء الأول من العهد الدولي الخاص بالحقوق والذي ينص :
( لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها ، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي في السعي لتحقيق نمائها الأقتصادي والأجتماعي والثقافي ) ، ويورد في الفقرة الثالثة منه مايلي : ( أن على الدول الأطراف في العهد الدولي والتي تقع على عاتقها مسؤولية الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية أن تعمل على تحقيق المصير وأن تحترم هذا الحق ) .
كما أن الجنسية حق من حقوق الإنسان تستوجب النصوص القانونية توفيرها لجميع البشر دون استثناء مهما كان نوعه في العقيدة أو الدين أو القومية أو المذهب أو اللون أو الجنس ، ولذا فقد اتفقت المنظومة البشرية ضمن إتفاقياتها والدولية على عدم تجريد الإنسان من جنسيته وعدم ابقاءه دون جنسية مطلقاً ، وليس فقط سلب الجنسية وحق المواطنة ، وانما سلب الحقوق المنقولة وغير المنقولة دون وجه حق ، وسلب الحياة والأستقرار ، وهو ما حصل للكرد الفيلية في زمن الدكتاتور البائد صدام في العراق .
كما ينص مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي ان لكل انسان الحق اينما وجد في إن يعترف بشخصيته القانونية ، وأن حقه في الحياة يحميه القانون ، كما إن لكل أنسان الحق في الجنسية وله الحق في تغييرها والأحتفاظ بها مع أي جنسية أخرى ، ولايجوز الطرد الجماعي لمواطني أي بلد عربي ، ولايمكن في حالة الحرب الفعلية أو الخطر الداهم أو أية أزمة تهدد أستقلاله وأمنه أن يعلن حالة الطواريء وأن يتخذ في أضيق الحدود الأجراءات التي يتطلبها الظرف الطاريء والتي تجيز التحلل من بعض الالتزامات المترتبة على الميثاق ، ووفق هذا لايجوز التحلل من احترام الحق في الحياة والسلامة الشخصية والحق في الأعتراف بالشخصية القانونية وبالجنسية .
ولعل حالة ماجرى للكرد الفيلية من بين حالات فريدة في التأريخ الحديث ، من بين شرائح المجتمعات التي تم انتزاع جنسيتها وأنكار مواطنتها من قبل سلطات غاشمة ، دون رأي الشعب ودون تطبيق نزيه لنصوص الدستور ، ودون أي أعتبار لقرارات الأمم المتحدة والعهود الدولية والمواثيق والمعاهدات ، وتجاوزاً لحقائق التأريخ والجغرافية .
وتأتي القضية الكردية من بين أهم القضايا العراقية ، والتي استوجبت الأجتهاد في وضع الحلول الناجعة لها ، وإذا كانت القضية الكردية تأخذ منا ذلك الأهتمام بالنظر لأهميتها في الحياة العراقية ، فأن قضية الكرد الفيلية تعد من ضمن المهم من هذه القضية ، بالنظر لأبعادها وتداخلاتها ونتائجها المأساوية ، حيث تم الأمعان في ألحاق الأذى مادياً ومعنوياً بالفيلية من قبل السلطات على مدى سنوات طوال ولأسباب عدة ، بالرغم من ثبوت كون المناطق التي سكنها الكرد الفيلية جزء لاتتجزأ من الأرض العراقية ، وكانوا وحتى اليوم جزء لاينفصل من حضارته وتأريخه .
ولهذا فأن وجوب وضرورة أن نصل الى الحق ونتحقق من الأدلة والقرائن التي توصلنا اليه ، وأن نتمعن في الشكل الدستوري الذي يحقق العدالة والحقوق للعراقيين بشكل عام ، هذا الأمر يتوجب علينا أن نعترف أن الأكراد الفيلية من العراقيين الأصلاء أولاً ولم يأتوا من المجهول ثانياً وأنهم شركاء في هذا الوطن ثالثاً وأن تضحياتهم العراقية على مسار التأريخ تشهد لهم ، وأنهم جزء مهم وفاعل ضمن صفحات التأريخ العراقي القديم والحديث ، مثلما لهم حقوق كبقية البشر أخيراً .
وأذا وضعنا الرواسب الشوفينية التي كان لها الدور الأساس والفاعل في بروز ظاهرة التنكر للحق ، ورفض منح أي حق للكرد عموماً وللفيلية خصوصاً على جانب ، فأننا سنجد أن هذا الشعب تحمل مالاتتحمله الجبال من الظلم والضيم ، الذي لم يكن له ما يبرره سوى سيادة العقل الشوفيني المبتلي بالأمراض التي تراكمت على مدى زمن ليس بالقصير ، ومحاولته الدفع بأتجاه أنكار الحق بزعم حماية الوطن وسيادة التراب من خلال سياسة الوهم المتمثلة في سيادة قومية على أخرى ، وأشاعة نظرية أن الوطن أغلى من الأنسان ، وهذه السياسة المريضة والتي تمارسها العقليات الشوفينية والمتطرفة لايمكن أن تتعكز على اللعبة الدولية والمصالح السياسية التي كان الشعب الكردي أحد ضحاياها لنجزم بالتسليم للأمر الواقع ، لأن المصالح الدولية واللعب السياسية لاتغير من حقائق الشعوب ، فالكرد شعب له من الحقوق ماللشعوب الأخرى وعليه ما للبشر دون منّة من احد ، بل ودون أن ينتظر من احد منحه هذه الحقوق ، فقضية الحق لاتقبل المساومة مثلما ليس لها حلول وسطية .
فأذا أعتقدنا بماورد نكون قد خطونا الخطوة الأولى في أحقاق الحق الذي دعا اليه الأسلام قبل أعلان حقوق الأنسان الصادر من المجتمع الدولي .
ونعرف كلنا حقيقة أن الأكراد الفيلية جزء من الأمة الكردية ، مثلما هم جزء مهم وفاعل من المجتمع العراقي ، وهذه الحقيقة لاغبار عليها ، وهم شريحة كردية لهم لهجتهم وتاريخهم وخصوصيتهم وسكنوا هذا الجزء من أرض العراق منذ أن وجد الأنسان على هذه الأرض ، وحين نشر الفتح الأسلامي جيوشة كان الكرد الفيلية يقيمون في تلك المناطق التي ألتزمت بالدين الجديد ، بالنظر لتفهم حقيقة الدين ومايحققه من أسس ومفاهيم وقيم أنسانية للشعوب الأسلامية منها أو غير الأسلامية .
أن الأكراد الفيلية الذين عرفوا بتجمعاتهم المتمركزة في مدن وقصبات عراقية وفي محلات معينة من بغداد ، أنتشروا في مساحة من الأرض توزعت وفقاً لخرائط الجغرافية والتقسيمات السياسية لايمكن أن يغفل أحد وجودهم الأنساني ، وكما لايمكن إن يسكت أحد عن حقائق التأريخ الأنساني حيث كانوا ضمن تأثيراته وصفحاته المشرقة ، بالرغم مما لحقهم من تهميش وغض النظر في الفترات القديمة والحديثة التي كانوا فيها ، حيث تم تغييبهم عند كتابة التاريخ في الزمن الصدامي الذي كتب وفقاً لرغبات السلطات الحاكمة .
ساهم الأكراد الفيلية سوية مع العرب في مناطق عديدة من العراق جنباً الى جنب في تحملهم نصيبهم من أضطهاد الحكومات التي كان ولاتها يتسلطون على البشر بأسم الدين الأسلامي ، وحمل سلاطينها وخلفائها وملوكها ورؤسائها ألقاب (( أمير المؤمنين )) ، والتي توالت على حكم العراق وانتهت مع حقبتها التأريخية ، وما تحمله الشعب من جور وظلم السلطات العثمانية والفارسية والصدامية البائدة .
وحين قامت ثورة العشرين في حزيران 1920 كان الكرد الفيلية ضمن جموع الأكراد في مقدمة من أستجاب لنداء العلماء المسلمين والقادة السياسيين المتنورين وشيوخ العشائر في الفرات الأوسط ، حيث تلاحمت الأخوة العراقية بحق في هذه المواقف التي سجلها التاريخ العراقي بفخر للعرب وللأكراد والتركمان بالرغم من الظلم الذي كان يعانيه الكرد من الدولة العثمانية ، الا أن الأستجابة الوطنية في رفض الأحتلال مهما كان شكله ونوعه ، كان الدافع الذي دفع الشعب الكردي وقياداته في التصدي المسلح ، والمساهمة جنباً إلى جنب مع العرب والتركمان ضد الأحتلال الأنكليزي للعراق .
وخلال الحكم الوطني العراقي ساهم الكرد الفيلية مساهمة فعالة في رفد الأقتصاد العراقي وحركة التجارة العراقية والحركة العمالية رفداً فعالاً ومهماً ، أذ تمتع الكرد الفيلية بعقليات تجارية وصناعية قادرة على المساهمة في ترسيخ قاعدة أقتصادية متينة للعراق ، ولما تمتعوا به من ذكاء فطري وتراكم عملي في فهم العلاقات التجارية والمالية ، ولما أشتهر عنهم من خصال الأمانة والثقة والصدق والأخلاص في تعاملهم وعملياتهم التجارية والمالية ، مما سبب أستقرار ورسوخ قيم السوق التجارية الناجحة والرصينة ، بالأضافة الى تطلعاتهم بأتجاه المستقبل العراقي ، حيث ساهموا في التخطيط لهذا المستقبل ، وانصهروا ضمن النضال السياسي الوطني ليشكلوا قادة وقواعد تطالب بالحق والديمقراطية لكل العراق قبل أن يطالبوا بحقوقهم المشروعة .
والمنصف الذي يقرأ التاريخ العراقي بحيادية ينظر بعين الأعجاب للمساهمة الوطنية والتلاحم العراقي والشراكة الحقيقية في سبيل تحقيق طموحات الشعب العراقي بكل أطيافه وشرائحة ، وبجهادها ونضالها الذي جسدته في ثورة 14 تموز 58 19 التي أنهت الحكم الملكي في العراق ، ومن ثم في المواقف الثابتة والرصينة المناهضة للسلطات الدكتاتورية والشوفينية التي تعاقبت .
كانت مشكلة الأكراد الفيلية في العراق قائمة مع السلطات التي رسمت علاقتها بهم من خلال التشكيك بوطنيتهم ، واتهامهم بالأنحياز الى دولة إيران بأعتبارهم جزء من التهمة الكاذبة والرخيصة التي يتم قذف الشيعة الجعفرية في العراق بها ، وأستحضار أتهامات لاأساس لها من الواقع ، وتشريع النصوص سيئة القصد التي يراد في تطبيقاتها تحطيم حياتهم وإستقرارهم في يوم ما ومحاربتهم بشفرات نصوصها ، حيث بقيت تلك النصوص متوارثة تحرص على بقاءها الأنظمة المتنافرة مع الشعب التي حكمت العراق ، لم تتغير بتبدل الزمان وتغير السلطات على الحكم في العراق ، والتي لم تستوعب مطالبهم الأنسانية ولاوضعهم القانوني ، ولا أ قرت بحقوقهم المشروعة فأستغلت مواقعها وقدراتها العسكرية وامكاناتها المادية ، وشنت عليهم حملات هوجاء تلقي القبض عليهم بوسائل الخديعة وتهاجم بيوتهم وتنتهك حرمتها وهتك ستر عوائلهم ، في التسفير الكيفي والهمجي المخطط له سلفاً ، ولأغراض مسبقة ومدروسة ، فطحنت أبناء العراق من الكرد الفيلية وروعت عوائلهم الآمنة والمستقرة وشردت أعدادهم وتجمعاتهم ، وفرقت اطفالهم عن أمهاتهم وزوجاتهم ورجالهم عن نساؤهم ، وأستولت دون وجه حق على كل ما جمعته تلك العوائل في حصيلة أعمارها وتأريخها بعرق جبينها وبكدحها بشرف ، وبالنتيجة فقد خسر العراق الكثيرفي تلك الممارسة الأجرامية الحاقدة ، يقيناً أن السلطة البائدة حين أقدمت على ممارسة تلك الأفعال الأجرامية بحق الفيلية كانت تعتقد أن بأستطاعتها القضاء على حقوق الشعوب و تطلعها لحقها في الحياة ، وأنها تنتقم من الفيلية لأيقاع الأذى مزدوجاً على الشعب العراقي بالنظر للتداخل بين الشرائح وامتزاجها ، وكما أعتقدت أنها قد تؤذي إيران لما التبس في عقلها من وجود روابط مذهبية أو دينية ، دون أن يتم أعمال العقل في دراسة الحق والحقوق والتوصل الى محطات يمكن أن تكون قواعد وأسس للحياة العراقية الجديدة ضمن الأطار الأنساني بصرف النظر عن قوميته أو مذهبة ، ولم يشكل الكرد الفيلية أية مشكلة مع بقية مكونات الشعب العراقي ، بل سجلوا أنسجاماً وتلاحماً مصيرياً مشهوداً لهم ، ولهذا كانت قضية الكرد الفيلية احد اسباب سقوط العديد من السلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق .
التضحيات التي قدمها الأكراد الفيلية لم تكن نوعاً من الترف السياسي أو من أجل مواقف ذاتية أو لمصلحة قائد سياسي أو حزب من الأحزاب ، فقد كانوا يشعرون حقاً بما يلحقهم من غبن في الحقوق ، وكما كانوا يشعرون بأن عطاؤهم لايتجانس مع حقوقهم المتعلقة بخيوط النصوص الواهية التي وضعتها السلطات والتي غمزت من مواطنتهم وأرتباطهم بالعراق .
ومع كل هذا القهر والعذاب الأنساني الذي عاشته جماهير الكرد الفيلية ، فقد كانوا ينتظرون أن تخلص كل نزعات السلطات الشوفينية وتنتهي من صب حقدها الأعمى وشرورها المستطيرة ، حتى يمكن التأمل برهة للزمن العراقي القادم بديلاً عن تلك النزعات التي تعمي البصر والبصيرة وتنشر مساحة الدم والرعب فوق كل حقول العراق ، والعطاء الفيلي في التضحية بالأشتراك مع بقية المكونات العراقية لم يتوقف ولااستكثر الأرواح من اجل ان ترتفع راية الحق التي لابد ان تزهو عالية ترتفع وخفاقة فوق الجباه التي افتدت العراق ومستقبله بارواحها النقية والطاهرة لتسجل اروع الملاحم بين شعب يستمد ايمانه من حقه في الحياة وبين طغمة لم تفهم معاني الحياة ولاجماليتها الا مغمسة بالدماء والرعب وملطخة بالظلم والظلام .
يتطلع الكرد الفيلية في كل تضحياتهم للأنسان ولحياة وكرامة تليق به وتتفاعل ضمن الحياة البشرية ، وتتامل التطلع نحو مستقبل يلحق به الأنسان في العراق بركب المدنية والتطور ، وأن لاأحد فوق الآخرين والبشر سواسية ، وأن الجميع يخضعون للقانون ، ويتطلع الكرد الفيلية في تضحياتهم للتعبير عن أصرارهم الأنساني والمشروع في ابقاء صوتهم عالياً ، وأن يكون لهم الحق في بقاء هذا الصوت حالهم حال أي شعب بالعالم .
وبقي الكرد الفيلية شوكة في حلق الطاغية البائد لم يستطع أن يذلهم ولاأستطاع أن يقهرهم ، وكانت مواقفهم وتضحياتهم وأصرارهم الشرارة والمنارة التي لم تهدأ ولم تنطفيء في أنارة دروب أسقاط سلطة الطاغية بالتكاتف والتعاون مع أحزاب الحركة الوطنية العراقية ومن خلالها .
وبعد أن تحقق سقوط الطاغية ورحيله دون رجعة ، وبعد ان كنست الدكتاتورية من الزمن العراقي ، وبعد أن استعادت الجماهير حقها في الحياة يتحتم على أصحاب الوجدان والضمائر الحية أن يستذكروا أن الاكراد الفيلية لهم من الحقوق المهدورة والمسلوبة ما يستوجب العمل على أعادتها دون تأجيل ، وان نعمل على تمجيد شهداؤهم لكثرتهم وقساوة طرق القضاء عليهم ، وأن نسعى بضمير صاف لوضعهم في الأطار الوطني الصحيح ، وان الكرد الفيلية كانوا السند المجاهد والدائم وحطب الثورة المستمرة على الطاغية ، والصرخة الإنسانية التي شكلت الأرضية الثابتة للحركة الوطنية العراقية التي يجب الأقرار بمواقفها ومساهماتها الوطنية .
ومثلما يكون للكرد الفيلية في العراق الحقوق التي تتناسب مع الوضع العراقي ، فأن هذا الأمر لايخل بحقوق بقية مكونات الشعب العراقي ، وحق علينا أن نستذكر بوجدان العراقي النزيه وبضمير العراقي المناضل ماقدمه الأكراد الفيلية من تلك التضحيات العراقية الجسام ، وأن نحقق ما أمرنا الله به من أعطاء كل ذي حق حقه ، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه المبين في سورة البقرة :
(( ولاتلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )) .
زهير كاظم عبود
الفصل الأول
الكرد الفيليون
ضمن التقسيمات القومية لشرائح المجتمع في العراق ترد كلمتين تشيران الى مجموعات بشرية تشكل جزء مهم وفاعل من تاريخ العراق الحديث وتدخل كشرائح أجتماعية لها حضورها ضمن القوميات التي تسكن العراق ، هما الفيلية والشبك ، يجمع بينها ما نالها من الأتهامات الباطلة في خلط الأنتساب والأصل ، كما يجمع بينها توحد المذهب ، بالأضافة الى استمرار وإصرار السلطات التي تعاقبت على حكم العراق على ظلمهما وتهميشهما والتنكيل بهما سوية ، ثمة من يحسم أنتساب الكرد الفيلية الى القومية الكردية ، وثمة من يختلف في نسبة الشبك جميعهم الى القومية الكردية ، حيث ينسبهم بعض الى خليط متشابك من القومية العربية والكردية والتركمانية والفارسية .
المجموعة الأولى التي حسمت وأكدت حقائق التاريخ فيما يخص قوميتهم وأصالة أرتباطهم بالأكراد كقومية هم شريحة الأكراد الفيلية ، أما الثانية والتي لاتقل عنهم عطاءاً وأصالة فهم الشبك في العراق ، وسبق لنا الخوض في قضية الشبك ، حيث كنا قد أصدرنا كتابين بحق هذه الشريحة العراقية الفاعلة ، الأول بعنوان ( لمحات عن الشبك ) اصدار دار الرافد في لندن 2000عام ، والثاني ( الشبك في العراق ) أصدار دار أيزيس للأبداع والثقافة في القاهرة عام 2006 ، ودار سردم في كردستان العراق عام 2006 ودار هافيبون في ألمانيا عام 2006 معاً ، بحثنا فيه عن أصل الشبك وحقيقة الدين والقومية ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومناطقهم التي يقيمون بها ولعلنا أسهمنا في خدمة الحقيقة .
وأذ فكرت السلطة العراقية البائدة في أجبار الشبك على تغيير قوميتهم بالنظر للأختلاف في نسبتهم وأختلاط قوميتهم ، ومارست بحقهم أسوأ الأساليب والطرق التي تدفعهم قسراً الى تغيير قوميتهم ، وتسعى الى تغيير خارطة مدنهم وقراهم البائسة التي امعنت في ابقاءها عتيقة وخربة لايصلها العمران والحضارة والخدمات التي توفرها ابسط السلطات لمواطنيها ، أو تهديم بيوتهم ومصادرة مزارعهم وأموالهم ، وسعت الى تشويه تاريخهم وأنتسابهم القومي في محاولة لألغاء تراثهم وحقيقة ديانتهم ومذهبهم وأصولهم ، وكما سعت الى تهجيرهم وتشريدهم ، الا أن السلطة نفسها لم تستطع أن تلعب لعبتها مع الأكراد الفيلية لعدم تمكنها من أيجاد خلاف لدى الباحثين في كرديتهم ، فسعت لأتهامهم بالفارسية بالنظر لوجود العديد من عشائرهم في الجانب الأيراني المحادد للعراق ، والتي لم يتم اتهامها بأية تهمة من قبل آيران ، ولكنها لم تستطع ضمهم الى قومية السلطة لعدم وجود عشيرة أو فخذ منهم ينتسب للقبائل والعشائر العربية ليتم التعكز عليه ، بل العكس حدث من ذلك فثمة عشائر كردية أندمجت مع العشائر العربية بعد أن سكنت مناطق الفرات الأوسط منذ زمن قديم .
فأن سنحت لنا الفرصة للتعرف على الشبك ، فقد كانت لنا علاقات إنسانية وطيدة مع العديد من إبناء الكرد الفيلية ، وتحفظ ذاكرتنا لهم ذكريات لم نزل نضعها في جوانح القلب ، وقد امتلأ ت روحنا بطيبتهم وكرمهم وأخلاصهم وبساطتهم وتواضعهم ، وكنا قد كتبنا مقالات عدة عنهم اقتضتها ظروف حينها ، سواء قبل أن يسقط الطاغية ، أو بعد أن رحل الى الأبد بعد أن خلف فينا جراحاً عميقة ونزفاً لم يزل طرياً ، والكرد الفيلية أحد الجراح الندية التي لم تزل في جسد العراق .
وعرفهم أخوتهم أهل العراق بالنخوة والشجاعة والشهامة ، وفوق كل هذا ولا أعتقد أن احداً من اخوتي اهل العراق من يختلف معي من كونهم أشتهروا بالأخلاص وتمسكهم بثقة بالكلمة التي يعطونها ويتعاملون بها دون الحاجة الى سندات وتوثيق وشهادات في تعاملهم ومعاملاتهم التجارية ، وينعكس ذلك ايضاً على في ديونهم وثقتهم بغيرهم من إبناء العراق .
ولأعتبارات سياسية كانت على الدوام تـثار قضية التشكيك في قومية الكرد الفيلية ، كما يشاع ظلماً أنهم ليسوا بأكراد وأنما نتاج هجين للمجتمعات المتجاورة بين ايران والعراق ، وهذا الزعم لايعوزه المنطق والأثبات ولايخالف الحقيقة فقط ، وأنما يشكل واحد من الأتهامات العديدة التي الصقت بالكرد الفيلية والمجتمع العراقي .
يقول الدكتور زهير عبد الملك عن الكرد الفيلية في مقالة له نشرت في مواقع الأنترنيت على صفحة العراق للجميع :
(( شريحة من أقدم سكان الجزء الجنوبي الشرقي من بلاد ما بين النهرين،وهم السكان الأصليون للمدن و القرى والقصبات الممتدة إلى الشرق من مجرى نهر دجلة،من خانقين شمالا إلى الكوت والعمارة ثم البصرة جنوبا ، فضلا عن مدينة بغداد . ويذكر الباحث العراقي عباس العزاوي عن تاريخ مدينة العمارة العراقية : "أن هذه المدينة تكونت عام1860 ميلادية، 1278 هجرية، وكانت تسكنها عشيرة (دوزاوه) من اللور الفيلية، وجملة عشائر بدوية ". ويلاحظ أن هذه المناطق أصبحت بحكم ترسيم الحدود الدولية ما بين العثمانيين والفرس في مطلع القرن الماضي جزءا من الإمبراطورية العثمانية أي ضمن الأراضي التي أنشئت عليها الدولة العراقية الحديثة (المملكة العراقية) في العشرينات. وعاش الفيليون في وسط البلاد وجنوبها، واندمجوا على نحو متكامل اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا بالمجتمعات العربية، دون أن يفقدوا حسهم بالانتماء القومي إلى الأمة الكردية، كما حافظوا على تقاليدهم المذهبية (الجعفرية) ولهجتهم الكردية- الفيلية، شأنهم في ذلك شأن العديد من الأقليات القومية والدينية الصغيرة التي تكون منها المجتمع العراقي تاريخيا . ))
التأريخ يدون احداثه من خلال أعتماده على الحقائق التي مرت والتي تركت خلفها الاثر الملموس على الإنسان في الزمان والمكان ، والتأريخ ما يستند على الوثائق والرقم والكتابات والوجود الأنساني ، ولايمكن إن يكون رغبة من رغبات السلطان أو الحاكم ، كما لايمكن إن يمرر حتى النهاية المزور من الأحداث ، ولذا فأن مايتم أعتماده في الوجود الكردي الفيلي لايتعلق برغبة الحاكم المستبد والطاغية الشوفيني في العراق ، ولايمت بصلة للمزيف الذي يتم التعكز عليه للتوصل الى نتائج يراد تحقيقها ، وحيث إن الحقائق المدونة في التأريخ العراقي القديم منه والحديث ، تثبت وجود الكرد الفيلية على الأرض العراقية قبل أن تصل الموجات العربية الى مناطقهم ،حين كان العرب يتحددون ضمن رقعة جغرافية معروفة ، وتثبت ايضاً أثرهم الملموس في خضوعهم الى الولاة الفيلية والى السلطات الفارسية والعثمانية ومن ثم الانكليزية التي حكمت العراق ، شأنهم شأن كل أهل العراق ، ولذا فأن حقائق التأريخ تبقى متألقة وناصعة لايمكن تدنيسها.
كما لاتوجد أمم هجينة تنتج من تزاوج الأمم ، وهذه الفرية يعوزهاالمنطق ، وتعارضها المراحل التأريخية في الحياة البشرية ، ولم ينتج بأي حال من الأحوال التزاوج الحديث بين العرب والفرس كيان أنساني هجين مطلقاً .
وليس غريبا إن يكون من اوائل الذين طعنوا بكردية وعراقية الكرد الفيلية هو ممثل الأدارة البريطانية في العراق ( أدمونز ) عند إحتلال العراق ، تماشياً مع السياسة البريطانية في تفكيك وتشتيت صفوف المجتمع العراقي لأضعافه وبث الفرقة بين ابناءه ، وهو الذي بدأ بأحياء نغمة الجنسية وشهادة الجنسية التي ألتزمتها السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وأستعملتها أبشع استعمال ضد العراقيين من الكرد الفيلية بعد سنوات قليلة من الأحتلال .
ومن خلال تحليل القصد الذي دفع ممثل الأدارة البريطانية المحتلة للعراق الى تقسيم المجتمع العراقي ، والتفريق بين الشرائح العراقية ، ندرك انه لم يكن بقصد تنظيم المجتمع بقدر ماكان يسعى لأضعاف الشرائح الفاعلة والتي يراها تشكل خطورة على الوجود البريطاني الأجنبي في العراق ، وكما ليس غريباً أن تحرص العقليات الشوفينية المبتلية بالتعصب القومي على ما قرره المستشار البريطاني ( السير برسي كوكس ) بالتعاون مع ( عبد الرحمن النقيب ) من تبني ذلك المشروع ، حيث تم تجسيده وتحويله الى نصوص قانونية صدرت قبل إن يصدر القانون الأساس للبلاد ( الدستور الدائم لعام 1925 ) .
الشوفينيون الذين تسلطوا على الحكم في العراق ارتكبوا بحق الكرد الفيلية جرائم ثلاث لايمكن أن تعفيهم من العقاب ، أولها أنكارهم أن شريحة الكرد الفيلية جزء لايتجزأ من الأمة الكردية التي يراد لها أن تتشرذم وتصمت وتضعف على الدوام وفق رغبات السلطات الشوفينية المتعصبة وأن لاترفع صوتها تطالب بحقها وحقوقها ، وأن الأفتراء كونهم فرس يجانب الحقيقة ويتعارض مع حقائق التأريخ والجغرافية حيث ثبت أنهم اقاموا في الشريط المحادد لآيران منذ فجر التأريخ ، يراد من تلك التهمة سلخهم عن أمتهم وحصرهم في زوايا لأضعافهم وخسارة أمتهم ، وثانيهما أنهم من أتباع آل البيت ومن تابعي المذهب الجعفري تحديداً وهذا الأعتناق المذهبي عرفه الفيلية من العراق قبل إن تكون إيران معتقدة بالالتزام بهذا المذهب ، وكما ليس من المنطق أن يكون أتباع هذا المذهب من تابعي إيران ، لأن حقائق التأريخ تقول أن الايرانيين هم من أتبعوا مذهب الأمامية في العراق وليس العكس ، ومايلاقيه أتباع هذا المذهب من محاربة وتهميش وأضعاف من قبل السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ تأسيس الحكم الوطني حتى سقوط سلطة الطاغية لأسباب طائفية مقيتة ونوازع مريضة تسيطر على ارواح وعقول الكثير من المتسلطين على الحكم في العراق ، وثالثها أن الأكراد الفيلية أنخرطوا منذ وقت مبكر في الحركة الوطنية السياسية العراقية وخصوصاً في الأحزاب اليسارية منها بالنظر لشعورهم بالحيف والظلــم الذي لحقهم من السلطات الحاكمة ، ولذا لايمكن تناسي دورهم المهم في هذا التاريخ حيث سعت السلطات الى طمس معالم هذه الصفحات المشهودة في التاريخ العراقي الحديث .
وهذه الأتهامات الثلاث التي تشكل قمة الفخر الأنساني لدى المواطن العراقي وتشعر الكردي الفيلي بالزهو والعطاء العراقي الأصيل ، فأنها تبقى على الدوام مؤشر يشير الى تواصل النضال والعطاء المستمر للعراق من هذه الشريحة العراقية ، مثلما يشير الى تواصل الأعداء وفق منطقهم وعقليتهم ألصاق الأتهامات بهم دون سند أودليل وهو ما درجت عليه أضابير أجهزة الأمن والمخابرات والأستخبارات التابعة لتلك السلطات وهي المعبر الحقيقي لعقليتها وتفكيرها تجاه الشرائح والمكونات العراقية .
ومروراً على تسمية ( الفيلي ) ، يذكر المرحوم نجم سلمان مهدي الفيلي في كتابه الفيليون الصادر عن دار الشمس بالسويد – ستكهولم 2001 بالصفحة 19 : (( أن اصل التسمية بالفيلي – وفق رأي الكاتب – مشتق من أسم الملك العيلامي بيلي ( Peli ) الذي أسس سلالة بأسمه في عيلام ، وأنجبت هذه السلالة أكثر من أثني عشر ملكاً ، بدءاً بحكم بيلي حوالي العام 2670 قبل الميلاد ، انتهاء بحكم الملك ( يوزور أنيشوشيناك ) في العام 2220 قبل الميلاد ، وأطلق هؤلاء الملوك على سلالتهم ورعيتهم معاً أسم بيلي مؤسس هذه السلالة ، ولكن المؤرخين أشاروا أليهم في كتبهم تحت عنوان سلالة ( أوان ) نسبة الى أسم مدينتهم العيلامية ( أوان ) . )) .
ويرى الباحث جورج . ن . كرزن في كتابه آيران وقضية أيران – الجزء الثاني – ص 329 من أن أصل الكلمة بمعنى الثائر ، في حين يرى هنري فيلد في كتابه معرفة الأقوام الايرانية ص 98 أن أصل الكلمة بمعنى المتمرد أو العاصي .
كما يرى بعض الباحثين أن أصل التسمية جاء من أسم أحد اكبر ملوك الفيلية وأسمه (( فيلي )) ، في حين لبعض رأي آخر يرتبط بتسمية العرب لهم بالفيلية نسبة الى مالقيه الفتح الأسلامي من مواجهات معهم استعملوا فيها الفيلة .
ونشر الكاتب مدحي المندلاوي رأياً طرحه للمناقشة في صحيفة نداء الكرد العدد صفر بتاريخ 3 تشرين الأول 2000 ، حول أصل التسمية نسبة الى ( فئة علي ) ، ويذكر المندلاوي حسب ما أشار اليه شاب في اربيل يدعى ( محمد ) نقلاً عن والد زوجة ذلك الشاب ، الدكتور الراحل كامل البصير عضو المجمع العلمي العراقي ، وقد كتب الباحث السيد عبد الرحمن مزوري في العدد الرابع بتاريخ تشرين الثاني 2001 من نفس الصحيفة رداً يفيد فيه أن التسمية ضعيفة ولاسند لها ويخلص الى ما نقله عن ( الطبري ) من أن فهلوج – فهلوي – هم سكان فهلة – بهلة ، الأسم الذي رافق الميديين الكرد منذ 844 قبل الميلاد ، حين ورد ذكرهم في كتابات الملك الاشوري شلمانسر الثاني ، وأن كلمــة ( فيلي ) هي الصيغة الأحدث لـ ( فهلي – فهلوي ) ولا علاقة لها ب ( فئة علي ) كما يقول المزوري .
ويؤيد رأي السيد مدحي المندلاوي الكاتب والأعلامي نوري علي فيقول : أميل شخصياً الى ترجيح أصل كلمة فيلي الى ( فئـة علي ) ، عن بقية الأفتراضات التي نسبت كلمة ( فيلي ) الى ( بيلي ) أي شجاع أو كون التسمية جاءت من أسم احد أكبر ملوكهم وأسمه ( فيلي ) ، أو بسبب تسمية العرب لهم عند مواجهتهم لقوات الفتح الأسلامي بالفيلية ، ويعزي بعض هذه التسمية لنهر ( الفيلية الذي يمر في منطقة ( بهلة ) الحدودية وهي منطقة محاذية للجانب الذي يسكنه العرب ، وقد أطلق العرب أسم الفيلية على الأكراد القادمين من الجانب الأخر لمناطق سكناهم .
ولغرض فهم أسباب ترجيح كلمة ( فئة علي ) على بقية الأفتراضات يتوجب العودة الى موضوع الأمامة أو الخلافة حسب المعتقد الشيعي ، حيث التزم الشيعة بما روي عن النبي ( ص ) قوله ( الأمامة في قريش ) ، ولاشك أن قريش كانت تعني حاضرة العرب ، وهذا يعني حسب الفقه الشيعي أن الخلافة أو الأمامة أو الزعامة والقيادة للمسلمين يجب إن تكون عربية ، وقد أخذت معظم المذاهب والنحل الأسلامية بذلك ، بأستثناء المعتزلة والخوارج ومذهب ابو حنيفة ، بالوقت الذي جاء المذهب الجعفري كأمتداد للتشيع ليؤكد ويوجب أشتراط عروبة الخليفة ، كما أكد غالبية فقهاء التشيع على عدم جواز غير العربية في كثير من المسائل منها التكبير .
ويعود السيد المندلاوي للدفاع عن وجهة نظره في العدد السادس من نداء الكرد الصادرة بتاريخ حزيران 2002 ، فيفند ربط كلمة الفيلية بالفيل الذي لايتواجد في تلك المنطقة ، وعدم قبول حجة أن منطقة بهلة ( ربما ) تكون هي الفيلية وأن جذور بعض الأسماء وعودتها الى ميديا مسألة فيها وجهة نظر ، ذلك أن الأمثلة التي أوردها المزوري – حسب المندلاوي – غير مطابقة للحقيقة أبداً ، ولايمكن إن تتحول كلمة ( بهلو ) الى فيلي ، ويؤكد المندلاوي عدم ورود أسم فيليستان أو الفيلية في العديد من المؤلفات اللغوية والسياسية ، أذ ينصب التحدث عن مناطق اللر واللهجة اللرية والكرد اللر ، ويخلص الى أن والي بشتكوه كان عربيا وكذلك أسرته ، والفيلية هي كلمة عربية أحترق بنارها مئات الالاف من الكرد العراقيين ولايزالون .
أما الباحث الدكتور مؤيد عبد الستار ، فيبدي وجهة نظره في أسم ونسبة الكرد الفيليون فيقول : (( عرفت بلاد الكرد عموما باسم كردستان ، وهي منطقة جغرافية شاسعة وفيها سلسلة جبلية شهيرة هي سلسلة جبال زاغروس ، وضمن بلاد كردستان توجد مقاطعات او ولايات او امارات عديدة حملت اسماء مختلفة ، كانت تعيش وفق ظروف العصور المختلفة ، وكانت اشبه بالولايات الادارية المستقلة ، ضمن كردستان الكبرى ، ومن تلك الامارات ، او المقاطعات ، منطقة لورستان ، اي بلاد اللور ، والتي حملت هذه التسمية بسبب منطقة معروفة فيها تدعى لور ، وقد ورد ذكر اللور عند ياقوت ، وقال عنهم بانهم قبيلة من الكرد تعيش في الجبال بين خوزستان واصفهان . وبلاد اللور تشكل جزء من مملكة ايلام ، وكانت مملكة معروفة ، هاجمها اشور بانيبال ، في عهد الملك الايلامي تيومان الذي خسر المعركة فاحتل الجيش الاشوري ايلام عام 653 قبل الميلاد ، وخربها واستولى على العاصمة سوزة ، ونهبها. وقد استمر تخريب مملكة ايلام طوال اربعين عاما ، قامت به الجيوش الاشورية في حملتين عسكريتين ، واخذت الاف الاسرى ورحلتهم الى مناطق تابعة للامبراطورية الاشورية ، وسهل هذا الخراب الذي حل ببلاد ايلام الامر على القبائل الفارسية التي كانت على تخوم الدولة الميدية ، في التقدم نحو ايلام والاستيطان في بلاد اللور . اما تسمية الكورد اللور بالفيليين فان ذلك يعود لسببين ، الاول ان احد ملوكهم كان يدعى بيلي ( بالباء المثلثة ) ، فاطلقت الاقوام الاخرى عليهم اسم بيلي وتحول الاسم تدريجيا بالعربية الى فيلي ، وذلك لعدم وجود حرف الباء المثلث في اللغة العربية . والسبب الاخر ان الكرد كانوا مقاتلين اشداء ، واقوياء البنية ، فاصبحوا يشبهون الفرسان بهم وينسبون اليهم القوة والفروسية وظلت التسمية تستخدم في الفارسية ومنها اشتقوا بهلوي ، وبهلوان .
واطلقت على الكتابة المسمارية التي كانوا يستخدمونها تسمية الكتابة البهلوية ، والفهلوية ، وهي التي تطلق على ما يسمى الفارسية القديمة ، والحقيقة هي الكردية ، ولكن بسبب احتلال القبائل الفارسية لمناطق الكرد الايلاميين ، اقتبسوا كتابتهم ، ولذلك نجد اللوح المدون فيه اعمال داريوس في طاق بستان ، في ايلام منقوشا بثلاث لغات ، احداها الكردية المسمارية ، والتي استطاع العلامة الايرلندي ، عالم المصريات الدكتور هنكس حل الرموز الموجودة في اللوح استنادا الى الاسماء الفارسية ، اذ نشر مقالة بهذا الخصوص عام 1846م بين فيها ان اللغة المكتوبة على اللوح هي لغة مقطعية وليست هجائية ، وهو العالم الذي اكتشف عدة اسماء مثل نبوخذنصر ، وسنحاريب واورشليم وغيرها . ومن ثم ساهم علماء ورحالة اخرون في فك طلاسم الكتابة المسمارية من خلال هذا اللوح الموجود في طاق بستان ، في ايلام بلاد الكرد ، صاحبة اقدم حضارة سومرية . ))
وفي مقدمة بحث عن مدلول كلمة الفيلي قدمته مؤسسة شفق نشر على الأنترنيت في صفحة العراق للجميع بعنوان ( الكرد الفيليون تأريخ مجيد ) :
(( عرف العلماء كلمة الفيلي وإستدلالاتها على أنها الثوري أو المتمرد أو العاصي وقد وردت في مصادر أخرى بأنها تعني الشجاع أو الفدائي كما أتخذت إسماً لسلالة تأسست في المنطقة وتعاقب على حكمها (إثنا عشر) ملكاً ، بدأ بالملك العيلامي (بيلي) حوالي عام (220) قبل الميلاد .
أطلق ملوك هذه السلالة على سلالتهم والرعية أسم (بيلي) فتحولت كلمة بيلي بمرور الزمن إلى فيلي كما تحولت كلمة بارس إلى فارس . تأسس في إيران بعد الفتح الإسلامي كيان بإسم (فيلان شاه) وهو الأسم الأعم لسائر ملوك السرير . ))
ومهما تكن التسمية والأختلافات في وجهات النظر ، الا إن رباطهم القومي الكردي لاغبار عليه ، وانسانيتهم أكبر من ارتباطهم القومي ، ودينهم الأسلامي الحنيف أكبر من مذهبهم ، وقد خلق الله الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ويتحابوا ويتعايشوا ، وأكرم هؤلاء ليس نسبه القومي ولا الديني ولا المذهبي ولا اعتقاده السياسي ، أنما أنسانيته وتقواه ونزوعه بأتجاه عمل الخير ، وكان مجتمع الكرد الفيلية على الدوام نازعاً نحو الخير ، وحقاً بقي الكرد الفيلية منذ بدايات أسلامهم وحتى اليوم يتحملون الظلم المضاعف بسبب موالاتهم لأل بيت رسول الله ( ص ) ، ومحبتهم الشديدة لأئمة الجعفرية،ويقيناً أنهم من محبي الأمام علي ( ع ) ، فهو أول الأئمة وأكبرهم عظمة وعلماً وشجاعة وأقتداراً وأيماناً .
الكاتب هادي حافظ قيتولي نشر رأيا في العدد الأول من صحيفة نداء الكرد الصادرة بتاريخ 1 شباط 2001 خلص فيه الى أن أكراد أيران ( ايلام ولورستان لايعرفون معنى الفيلية ولم يسمعوا بها من قبل ، ويطلقون على غيرهم من الكرد بالجاف ، ويتابع من أن هناك نظرية أخرى ترجع أصل التسمية الى نهر صغير يسمى ( الفيلية ) يفصل مناطق الكرد في جبال زاكروس عن المناطق السهلية ، فالذين سكنوا شمال النهر الصغير أطلق عليهم الكرد الفيلية ، وسكان جنوب النهر اطلق عليهم عرب الفيلية ، وهذه النظرية – حسب رأي الكاتب – أقرب للواقع لأن الشيخ خزعل أطلق على أبناء عشيرته بالعرب الفيلية وكان يسمى سكان بشتكو بالكرد الفيلية .
ويقول الدكتور مهدي كاكه ئي في بحث له عن الكرد الفيلية بعنوان ( الفيليون هم السكان الأصليون لبلاد مابين النهرين ) : (( في العهد الأشكاني (250 ق.م.- 226 م) كان إسم( پهله) يُطلق على الإقليم الذي عُرف بإقليم الجبل في بداية العصر الإسلامي، للدلالة على قسم من بلاد الميديا القديمة، و الذي عُرف جزء منه لاحقاً بإسم (كوردستان). حافظت الكلمة (پهله) على وجودها في زمن الساسانيين (224-652 م)، حيث أخذ بعض الأسر النبيلة تحمل لقب (پهلو) كلقب متميز ورفيع المستوى، كأسرة قارون پهلو التي كانت تسكن في مدينة نهاوند و أسرة سورين پهلو في مدينة سيستان و أسرة سباهبند پهلو في دهستان، حتى أن عائلة رضا شاه في إيران إستخدمت هذا اللقب للدلالة على نبالة و أصالة العائلة، حيث تبنوا اللقب پهلوي)، مثل الشاه رضا پهلوي و إبنه الشاه محمد رضا پهلوي.
في القرن العاشر الميلادي، أثناء فترة الحكم الإسلامي، تمت الإشارة الى (پهله - پهلو) لأول مرة من قبل ابن فقيه الهمداني الذي حدّد جغرافية منطقة (پهله) بالرقعة التي كانت تضم مدن همدان و ماسبذان (إيلام) و سمرة (دره شهر) و ماه البصرة (نهاوند) و ماه الكوفة (دينور) و كرمنشاهان. يضيف أيضاً بأن مدناً أخرى مثل الري و إصفهان و كومش كانت تُعتبر جزء من منطقة (پهلە). الشاعر الإيراني ، الفردوسي، الذي عاش خلال القرن العاشر الميلادي، يُميّز في شاهنامته، بين قوم ال(پهلە أو پهلي) و الأعراق الأخرى التي كانت تعيش في إيران القديمة كالفرس و البلوش. كلمة(پهلە - پهلو) تعني تأريخياً (الجبل أو الإقليم الجبلي)، حيث أن الفردوسي يستخدم هذه الكلمة في شاهـنامته بمعنى (الجبل) لأكثر من مرة .
نتيجة إشتهار السكان القاطنين في المناطق الجبلية بالشجاعة و الإقدام، مع مرور الزمن، أصبحت كلمة (پهلە) تعني (الشجاع). يبدو أن كلمة (پهلوان) التي تعني (البطل) في اللغات الكوردية و الفارسية و الأوردية، مأخوذة من كلمة (پهلە). بسسب إفتقار اللغة العربية الى حرف(پ)، فأن كلمة (پهلە - پهلوي) تحولت الى فهلة - فهلوي. إبن النديم، الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، يذكر بأن (فهلة) هي المنطقة التي تضم مدن همدان و ماه نهاوند و إصفهان و الري و أذربيجان. الطبري الذي عاش أيضاً في القرن العاشر الميلادي، يقول بأن الفهلو - هم أهل كورة الجبال. الجغرافي (إبن حوقل) يُحدّد إقليم الجبل بمدن شهرزور وشهرورد (سهرورد) و سيروان و همدان و ماهين (مادين - ماه) و مدينة لور و دينور و حلوان و نهاوند و مدينة كوردان و قرميسين (كرمنشاه). الغزاة السلاجقة قاموا بتقسيم بلاد الكورد في القرن الثاني عشر الى قسمين، أطلقوا على أحدهما إسم (كوردستان و على الآخر إسم (عراق العجم). يذكر مينورسكي بأن منطقة اللور الصغرى غالباً ما أخذت تُعرف بلورستان الفيلي إبتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي. من هنا يمكن القول بأن كلمة (بيلي) السومرية تحولت الى (فيلي) التي تعني المقاتل و الشجاع والتي ترجع الى زمن الميديين (884 ق.م - 550 ق.م.)، حيث يذكر الدكتور محمد معين في معجمه الفارسي، بأن الشعب الميدي كان يُعرف تأريخياً ب(پهلة -پهلو) أيضاً، فكان يُطلق عليه (پهلوي ماد). بمرور الوقت، تحول (ماد) الى (ماه) ، كما في (ماهي دشت) أي السهل الميدي و (ماهي نهاوند) وهي إسم مدينة نهاوند الميدية و جبل (ماه نشست) أي موطن الماديين أو الميديين، ثم أصبح مصطلح پهله - پهلو يطلق حصراً على أرض الميديين.
إن كلمة فهلو - پهلو لا تزال تدخل في تركيب المواقع الموجودة في بلاد الكورد التأريخية مثل جبل (هفتاه پهلو) الذي يقع في جنوب مدينة (خرم آباد) و مدينة (فهلويان - فهليان) الغنية بالآثار الساسانية والتي تسكنها قبائل (مامسني) الكوردية و رافد (فهلويان - فهليان) الذي ،يُكوّن مع رافدي خير آباد و شولتان نهر (تاب) الذي يصب في الخليج . هكذا نرى أن كلمة (فيلي) منحدرة من الكلمتين (فهلي - فهلوي). )) .
كما يطرح الباحث الدكتور مهدي كاكه ئي وجهة نظر جديرة بالدراسة والأهتمام من أن الكرد هم السكان الأصليون لبلاد ميسوبوتاميا يقول فيه :
( نستنتج بأن الفيليين هم السكان الأصليون لبلاد الرافدين (ميسوبوتاميا) و أن السكان الحاليين في جنوب و وسط العراق هم أحفاد الفيليين و لا ينتمون الى العرب بأية صلة تُذكر. لو نتفحص الأسماء الشخصية للمواطنين الشيعة في وسط و جنوب العراق، لَنكتشف أن أسماء الكثير من أجدادهم و جداتهم هي أسماء كوردية خالصة ، ربما قد تمت عليها بعض التحويرات البسيطة التي حدثت خلال الحقب التأريخية المتعاقبة التي مرت بها المنطقة. على سبيل المثال، لا الحصر، الأسماء الشيعية (سباهي) متحورة من الكلمة الكوردية (سپاه) التي تعني (جيش) و (إبريسم) المأخوذة من الكلمة الكوردية (هوريشم) التي تعني (الحرير) و (چلاب) الآتية من الكلمة الكوردية (گول آب أو آو) التي تعني (ماء الورد) و الإسم الشيعي (خنياب) المأخوذة من الكلمة الكوردية (خوين آب أو آو) والتي تعني (ماء الدم أو ماء الحياة). كلمة (شروگي) التي تُطلق بالعامية العراقية على الشيعة والتي تعني (شرقي)، هي للإستدلال على أن منبع الشيعة هو الشرق أي شرق دجلة و كوردستان. بلا شك، نحتاج الى الكثير من التنقيبات الأثرية و البحوث و الدراسات للتعمق في تأريخ المنطقة و الإهتداء الى الحقائق المتعلقة بتأريخ الأقوام القاطنة في منطقة الشرق الأوسط و كشف الحلقات التأريخية المفقودة وإلقاء الضوء على الجوانب المبهمة من تأريخ المنطقة. إن التقدم البشري الحالي و ثورة المعلومات و الإنترنيت و الكومبيوتر و سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، كلها يمنح فرصة ممتازة لعلماء الآثار للتنقيب و البحث عن الآثار القديمة، خاصة في كوردستان ووسط وجنوب العراق. الظروف الجديدة توفّر أيضاً مجالاً واسعاً للباحثين في مجال التأريخ القديم ، للبحث في ثنايا الوثائق و المستندات و الرسائل و الكتب القديمة للكشف عن المزيد من المعلومات التأريخية عن الكورد و الشيعة و الأقوام الأخرى القاطنة في منطقة الشرق الأوسط . إن القيام بمثل هذه التنقيبات ضرورية جدا ً، حيث أن تأريخ المنطقة تم تزويره وتشويهه من قبل الحكام و المؤرخين العنصريين. إن تصحيح و تنقيح المعلومات التأريخية وتقديمها بشكل موضوعي و شفاف، بات مُلحّاً و ضرورياً لتبيان الحقائق التأريخية ولأدوار التي قامت بها الأقوام و الشعوب و الأمم في المنطقة و الأحداث و النشاطات والفعاليات التي وقعت في هذه المنطقة ، لإنصاف هذه المجاميع البشرية و معرفة دور كل منها في كتابة و تسجيل التأريخ الإنساني القديم و مدى مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية . ))
وهناك رأي يقول بأن التسمية نسبة الى منطقة يقال لها ( بهلة ) تقع بين منطقتي بشتكوه وخوزستان ، فيها تختلط عشيرة عربية مع أكرادها ، والعشيرة العربية هذه تسمى بالفيلية أيضاً ، نسبة الى منطقة ( بهلة ) ، والعرب تقلب الباء الى فاء ، فالبهلية تنقلب الى فهلية ثم الى فيلية ، وهذا الرأي ضعيف ولا سند له مطلقاً .
يقول الدكتور برهان شاوي في بحث منشور على الأنترنيت في صفحة شمس الحرية بعنوان ( الكرد الفيليون محاولة لفهم أصلهم وفصلهم ) :
(( يشكل الكورد الفيليّون أحد مكونات الشعب الكوردي الجوهرية والأساس. وقد تضاربت آراء الباحثين والأكاديميين حول تحديد هويتهم وتحديد أصل تسميتهم ب(الفيليّن). فالمستشرق الروسي المعروف (فلاديمير مينورسكي)، ويؤيده في ذلك كل من : جون مالكولم، براون والباحث الكوردي (د. إسماعيل قمندار)،يعتقد بان البدايات الأولى لظهور مصطلح (فيلي) كان في القرن السادس عشر، حيث إستخدمت هذه اللفظة للتمييز بين إمارة (اللر الصغير) وحكامها الذين يعتبرون انفسهم اللر الحقيقي والفعلي( الفيلي) مقارنة باللر الكبير الذين يحسبون كإمتداد لهم وليس الأصل. معتمدا على ان تطور وتحول لفظة (فعلي) نحو (فيلي) ينسجم مع القوانين العامة في معالجة الأحرف والمفاطع الصوتية الأجنبية في لهجة اللور الصغير. رغم ان هذا المصطلح لم يستخدم في تلك المناطق إلا نادرا، بينما صار يستخدم في القرن التاسع عشر إلى سكان منطقة (بيشتكو) فقط، علما ان إستخدام هذا المصطلح حتى من قبل سكان (بيشتكو) حاليا لا يطلق إلا على كورد هذه المناطق الذين صاروا ضمن حدود الدولة العراقية بعد ترسيم الحدود بين إيران والعثمانيين في العام 1905، علما ان سكان خانقين ومندلي، وهم من الأكراد الجنوبيين، لا يستخدمون هذا المصطلح للتعريف بأنفسهم. علما أن هذا المصطلح يستخدم لتمييز هذه الشريحة من الكورد من الناحية المذهبية، من حيث انهم من اتباع المذهب الجعفري.
وجاء ذكر (بهلة) كمنطقة جغرافية في المصادر العربية لأول مرة في القرن العاشر الميلادي في كتاب (مختصر تاريخ البلدان) لأبن فقيه الهمداني ، إذ يشير بأن هذه المنطقة تضم : همدان، ماسبن (إيلام)، سمرة (درهشهر)، ماه البصرة (نهاوند)، ماه الكوفة (دينور)، وكرمنشاهان. كما ان (أبن النديم) في كتابه (الفهرست) يذكر هذه المدن نفسها تقريبا وينسبها لمنطقة (فهله)، مثلما يذكر (الطبري) في كتابه (تاريخ الرسل والملوك) بأن (الفهلو) هم أهل كورة الجبال.
كما يرد ذكرهم في ملحمة (الشاهنامة) للفردوسي كطائفة معروفة في تاريخ ايران، كما يؤكد الباحث عبد الرحمن مزوري بأن الفردوسي يستخدم لفظ (بهلو) بمعنى الجبل أيضا، ولإشتهار سكان الجبال بالإقدام والشجاعة فقد أخذت هذه الكلمة تتعطي معنى الشجاع، ولربما من هنا أشتق لفظ (بهلوان) في اللغات الكوردية والفارسية والأوردية. والغريب ان لفظ (بيلي) يعني بالسومرية الشجاع والباسل أيضا. ))
وكتب الباحث القانوني الدكتور منذر الفضل حول الكرد الفيلية في مقالة له منشورة على الأنترنيت في صفحة /web.krg.org/columnists/columnis :
(( ونشير الى الكرد الفيلية , وهم جزء من هذه الامة الكردية , حيث يذكر العديد من المؤرخين الى انهم من بقايا العلاميين او الكوتيين في وسط وجنوب العراق ( مندلي , بدره , جصان , خانقين , زرباطية, كركوك , بغداد وغيرها من المدن العراقية الى جانب المدن الايرانية الاخرى ). والكرد الفيليون ينحدرون من عشائر كردية معروفة عاشت في منطقة خوزستان وشرق العراق وبخاصة في شرق دجلة وهي من اقدم المناطق التاريخية في العراق والتي نشأت عليها اقدم الشرائع .
والحقيقة ان اصل اطلاق تسمية ( الكرد الفيليون ) جاءت من اطلاق تسمية المؤرخين العرب على الاكراد الذين جاءوا من كردستان ايران ( جبال زاكروز ) والذين نجحوا في الاندماج منذ مئات السنين بالمجتمع العراقي ونجحوا في امتهان العمل التجاري والزراعي والصناعي وبرزوا اكثر في ميدان الحركة الوطنية العراقية عموما وبوجه خاص في نشاطهم الوطني العراقي ضمن صفوف الحركة التحررية الكردية وضمن صفوف الحزب الشيوعي العراقي والحركات السياسية الاخرى مثل حزب الدعوة , بل ظهرت اسماء لامعة من بين الاكراد الفيلية في الحركة الوطنية العراقية وتاريخ العراق السياسي .ولهذا تعرض الكرد الفيلية الى ابشع صنوف الاضطهاد والظلم في ظل انظمة الحكم المتعاقبة في العراق وبخاصة منذ حكم البعث الاسود عام 1968 وبلغ اشد ه عقب اتفاقية اذار عام 1970 واثناء الحرب ضد ايران التي شنها نظام صدام عام 1980 .
والكرد الفيلية , مواطنون عراقيون , ينتمي اغلبيهم الى مذهب اهل البيت وهو المذهب الشيعي وهناك عدد اخر قليل منهم من غير الشيعة , وهم شعب مسالم تميز بوفاء العهود واحترام المواثيق والصدق والامانة في نشاطاتهم التجارية والاقتصادية عموما ولم تتلوث سمعتهم بأي عمل ارهابي او باعمال العنف السياسي .وهنا يذكر البروفيسور خليل اسماعيل محمد ( كولان العربي 10-2002 ) : الكورد الفيليون الاصل الحقيقي للشعب اللوري والاخير هم قسم من الامة الكردية وفقا لما جاء في موسوعة شمس الدين سامي وغيره من المعاجم والمؤلفات .كما يشير ( مينورسكي ) ان اللور هم قبائل رحالة يعود اصلها الى شعوب الهندو- اوربي . ))
وبعيدا عن الغور الأكاديمي في البحث عن اصل كلمة ( فيلي)، نستنتج مما تقدم بان الكرد الفيليين هم سكان أقصى الجنوب من كوردستان، وبالتحديد منطقة (بيشتكو) و(بيشكو) وهم وحدهم المقصودين بهذه التسمية. وصارت ذات دلالة مذهبية أكثر مما هي سمة قومية.
ولايوجد رابط بين ما اورده الفيروز آبادي في قاموسه المحيط بالصفحة 1350 الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة بيروت 1987 عن كلمة ( فال – فيله – فيوله ) وبين كلمة الفيلية ،كما يحاول بعض الأستنباط في الدلالة بمفردات المعاجم العربية ، وهو مما لايصح تطبيقه على الألقاب والأسماء الكرد الفيلية التي تتعلق بالأصول .
بينما لم تخلص الحلقة الدراسية الخاصة بحالة اللاجنسية التي عقدت في جامعة أوكسفورد 2003 والتي بحثت موضوع الكرد الفيلية رأياً قاطعاً حول أصل التسمية ، مع تطرق البحث حينها الى جميع الأفتراضات والنظريات المطروحة حول الأسم .
مامن شك أن الانتماء إلى عشيرة أو في قبيلة أو حلف يشكل حماية للمرء في مجتمعات تحرص على تلك الروابط حتى اليوم ، ويحدد جنسيته وفق هذا الأنتماء في عرف هذا اليوم . ولهذا صار إخلاص الإنسان لقبيلته أمراً لازماً عليه أن يبذل كل ما يستطيع من أجله وأرتباطه يتجسد من خلال ممارسة قيم وأعراف وقوانين تلك القبيلة او العشيرة ، ومن بين أهم تلك الأعراف عليه أن يدافع عن قبيلته ، فالقبيلة جزء من القومية ، وتتحدد حياة المواطن بحياة وأعراف وقيم تلك القبيلة.
وتنتسب كل قبيلة إلى أصل تنتمي إليه ، ولم يذكر لنا التأريخ القديم والحديث أن الكرد الفيلية حاولوا تغيير قوميتهم ، أو أنهم مالوا لتغيير نسبهم ، والمطلع على عشائر الكرد الفيلية يتيقن إن الأتهامات التي حاولت إن تخدش تأريخ الكرد الفيلية لم تفعل فعلها الا بعد الحرب العالمية الأولى ، وبعد إن اصبحت اللعبة الدولية بين الحكومات التي انتصرت ، إن تقدم على معاهدات واتفاقيات لتغيير معالم الحدود بين البلدان ، وأذ يمتد أنتساب الكرد الفيلية الى تلك العشائر اللرية التي سكنت أقليم واسع من خوزستان وأصبهان من أعمال خوزستان ، وأن بلاد اللر بين أصبهان وخوزستان ، وتنتشر القبائل اللرية بين الأراضي العراقية والايرانية .
ولعل س . جي . أدموندز مستشار وزارة الداخلية العراقية في عهد الأنتداب البريطاني والذي انتهت مهمته في العام 1945 يؤكد حقيقة الكرد الفيلية ، حيث يذكر في كتابه ( كرد وترك وعرب ) ترجمة جرجيس فتح الله ، منشورات شركة دار العروبة العالمية للنشر والتوزيع – مطبعة التايمس 1971 / ص 7 مايلي : (( أن الطريق السلطانية الممتدة من كرمنشاه الى كرند يليها الخط المستقيم المنتهي بـ ( مندلي ) ، وهو على وجه التقريب الحد الفاصل بين بلاد الكرد الاصلية وبين ذوي قرباهم ( اللر واللك من ضمن الشعب الكردي – المترجم )
أولئك الكرد الذين يشاهدهم الناس يومياً في بغداد يحملون على كواهلهم أثقل الأحمال ويقومون بالأعمال التي ذكر كتاب الف ليلة وليلة أنها مهمة أسلافهم بالضبط قبل ألف ومائتين من السنين ، هم ليسوا كرداً ، انما هم من اللر الذي جاؤوا من غرب أقليم كردستان المعروف بأقليم بشتكوه . ))
ولايخفى ما لدور السياسة الايرانية ضد الكرد وممارسة الفصل العنصري وتنمية روح التعصب الفارسي ، وأضعاف الوعي القومي لدى بقية القوميات ، من دور خبيث وتأثير مهم في عملية التشتيت وأنتشار الأتهامات والطعون التي كانت تنغرس في خاصرة الأمة الكردية بقصد أبعادها عن ابائها وتشتيت جموعها بقصد أضعافها والسيطرة عليها .
أثبت البروفسور جورج كامرون قيام الملك ( Peli ) في العام ( 2670( قبل الميلاد من مدينة شوش ابتداءاً .
ومن اللافت للنظر أن كتب التأريخ التي كتبتها السلطات كانت تبتعد قدر الأمكان عن البحث في تلك المناطق التي سادت بها حضارات ثم بادت ، والتي حكمها ملوك وقامت دول حتى يمكن إن تكون قد غابت عن بال المواطن غير المهتم بحقائق التأريخ .
وكنا قد لاحظنا هذا التغييب في قضية القوميات والمذاهب في العراق ، أذ لايعرف الكثير من إبناء العراق شيئاً عن الشبك أو الكاكائية أو الأيزيدية أو الصارلية مع أنهم من شرائح المجتمع العراقي ، ولهم حضور قديم فوق هذه الأرض .
كما يؤكد الباحث ( والتر هينتس ) في كتابه ( دنيا عيلام الضائعة ) أكتشاف كتبية أثرية في معبد كيريرشا يعود تأريخها الى العام 2550 قبل الميلاد ، منقوش عليها أسم الملك بيلي . وكذلك ذكر المحقق يوسف مجيد زاده في كتابه ( تأريخ وتمدن إيلام ) حكم الملك بيلي في عيلام . ( نقلاً عن نجم سلمان الفيلي – الفيليون ص 19 الطبعة الأولى 2001 ) .
ويقول الدكتور أحمد سوسة في ( فيضانات بغداد في التاريخ ) ص 137 ، المهاجرين القدامى الذين وفدوا الى هذه المنطقة من جبال زاغروس وأواسط أيران قد أتخذوا الوادي موطناً لهم وأسسوا فيها أقدم حضارة لسكنى الإنسان جنوب العراق .
وجاء في ملحمة كلكامش :
(( قال صياد رأى انكيدو لأبيه
أبتاه كان هناك رجل أتى من الجبل
قوته كانت شديدة جداً كشهاب آنو السماوي
يرعى العشب مع القطعان دوماً ))
( أساطير من بلاد ما بين النهرين – ستيفن دالي – ترجمة نجوى نصر – دار بيسان 1971 ص 78 .
عليه فأن الموجة البشرية الأولى التي استوطنت وسط وجنوب العراق وعمرتهما وأنشأت فيهما القرى الزراعية الأولى التي تحول بعضها الى مدن فيما بعد قد نقلت معها من كردستان الى العراق تجارب خمسة الاف عام في فن العمارة والبناء ، أي بناء الدور والقرى وكذلك تجارب حوالي الفي سنة في ميدان الزراعة ، ونقلت الى العراق وسائل الأنتاج وعناصر حضارية أخرى ، وأنشأت فيه الحضارة قدمت من جبال كردستان .
ويقول الباحث الآثاري طه باقر في مقدمته ( مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) بالصفحة 183 بغداد 1974 أن السومريين لم يأتوا من جهات بعيدة ، ولعله يشير الى منطقة كردستان .
وأكدت الابحاث والمصادر إن المناطق التي تبدا في الضفاف الشرقية لنهر دجلة هي موطن الكرد الفيلية منذ القدم .
وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ( ت 626هـ / 1229م ) المجلد الخامس – دار بيروت للطباعة والنشر1988 بالصفحة 25 : مادة اللر : اللر بالضم وتشديد الراء وهو جبل من الأكراد في جبال بين أصبهان وخوزستان وتلك النواحي تعرف بهم فيقال بلاد اللر ويقال لها لرستان ، ويقال اللور ايضاً ، وجاء في مادة اللور ( هكذا وردت ) اللور بالضم ثم السكون ، كورة واسعة بين خوزستان وأصبهان معدودة من عمل خوزستان .
ويشير المؤرخ العراقي السيد عباس العزاوي في كتابه العراق بين احتلالين – الجزء الثاني في الصفحة 17 ، ان بلدة العمارة العراقية الحالية ( ميسان ) التي كانت تسكنها عشيرة من الكرد الفيلية كانت تدعى دوزاده من اللر الفيلية ، وتم تقسيم المنطقة الفيلية الى قسمين هما ( بشتكوه ) بمعنى خلف الجبل ، و( بيشكوه ) بمعنى أمام الجبل ، حيث وقع القسم الأول ( بشتكوه ) في غرب الجبل ، ووقع القسم الثاني في شرق الجبل ، وفي العهد المغولي أطلق على منطقة ( بشتكوه ) أسم اللر الكبير ، وسميت منطقة بيشكوه بأسم اللر الصغير ، وفي العهد الصفوي أطلق على منطقتي بختياري وكهكيلوية أسم اللر الكبير ، وتبدل أسم اللر الصغير الى لرستان الفيلية ، وفي ناحية علي الشرقي التابع لقضاء علي الغربي يكثر الكرد وتقطن في الفسم الشرقي منها عشيرة ( كورده لي ) الكردية ، وهي تقع على الضفة الشرقية لدجلة وفي ناحية الشيخ سعد التابعة لقضاء علي الغربي والمتاخمة لقضاء بدرة ، ويمكن الجزم أن العزاوي كان يشير الى الكرد الفيلية المتواجدين بكثرة في تلك المناطق .
وأشار الأصطخري ( ت 341هـ / 1039 م ) في مسالك الممالك طبع ليدن 1027 في التقويس الواقع بين جبل حمرين شمالا والى الكوت جنوباً ، وسلسلة جبل بشتكوه شرقاً ، وكان معظم هذا التقويس يسمى في التاريخ القديم ( أشنونا ) .
وذكر ( لونكريك ) في كتابه ( أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث ) ترجمة جعفر الخياط – الطبعة الأولى - الصفحة 17 : ( اما لورستان الصغرى الممتدة على طول الحدود العراقية الواضحة في جهة زاغروس فقد بقيت للسلالة الأتابكية القديمة التابعة لملك الملوك ، ( لفظة اتابك كردية الاصل وتتالف من مقطعين الاول اتا بمعنى انت ، والثاني بك بمعنى اللقب العظيم ، وتكون الكلمة انت ياصاحب اللقب العظيم ) ، وكان حكمها ممتداً الى مسافة بضعة أميال في السهل الكائن في غرب تلولها ضاماً بذلك ( جصان ) و ( بدرة ) من القرى التي يكثر فيها السكان اللريون حتى الان ) .
وبمرور مراحل تأريخية عديدة ، لم تتم عملية رسم الحدود الفاصلة بين الدولتين العثمانية والايرانية ، مع وجود عشائر الكرد الفيلية على جانبي خط الحدود التي رسمتها المعاهدات والبروتوكولات المنظمة لها ، ومن كان ضمن الأراضي العراقية التابعة للدولة العثمانية ، صار من رعاياها ومواطنيها ، واللافت للنظر أن أية عملية أحصائية لم تجر لحصر أعداد الكرد الفيلية من العراقيين ، ونعتقد إن الأمر يتعلق بسوء النية والقصد المبطن والمبيت ضدهم ، مع أن الأمر يتطلب أن يفرزهم التعداد السكاني الذي تم اجراءه اكثر من مرة في العراق ، وفي أزمنة مختلفة ، وهذا الأمر بالحقيقة لايخص الكرد الفيلية وحدهم ، فأن السلطات العراقية البائدة حرصت على التعتيم وعدم كشف احصائيات أعداد الشبك والأيزيدية والفيلية والكاكائية والصارلية وبقية المذاهب والديانات القديمة في العراق .
أن أصولهم العيلامية القديمة لاغبار عليها ، أذ تنتشر عشائرهم من العمارة جنوبا مروراً بالكوت ومن ثم ديالى والى كركوك حيث تلتقي ببقية العشائر الكردية الأخرى من غير الفيلية ، وتسكن في جانبي الحدود العراقية – الأيرانية ، غيرأن نهر دجلة يفصل السكان الأكراد عن بقية السكان من القوميات الأخرى ، حيث يسكن الكرد الفيلية في منطقة شرق دجلة ، بينما تسكن على الدوام بقية المكونات غرب دجلة ، ويقول الباحث والآثاري عبد الرقيب يوسف في كتابه ( حدود كردستان الجنوبية تاريخيا وجغرافيا ) الصادر في كردستان العام 2004 ص 224 : (( أن نهر دجلة يفصل الأراضي الكردية الواقعة في شرقها عن الأراضي التي تسكنها أكثرية غيركردية التي تقع في غربها ابتداءا من مسافة حوالي ( 54 كم ) شمال غربي مدينة الموصل أي من البداية الجنوبية لحدود ناحية زمار التابعة لقضاء تلعفر حتى الفتحة وطول هذا المقدار من دجلة يبلغ حوالي 208 كم .
عند انتهاء هذا الحاجز الطبيعي ( دجلة ) يبدأ رأساً الحاجز الطبيعي الثاني وهو سلسلة جبل حمرين ( جبل بارما ) وقد اعتبرها الجغرافيون أطول سلسلة في العراق .
وتشكل هذه السلسلة خطاًَ متواصلاً في الأرتفاع وسط الأراضي السهلية متجهه نحو الجنوب الشرقي الى أن تصل بجبل بشتكوه من كردستان التابعة لأيران في شرقي مدينة ( مندلي ) بالقرب من موقع ( كومه سنك ) وفي يسار نهر كنكير حيث تتصل هناك بجبل بشتكوه ثم يتجه حمرين نحو الجنوب ويقطع الفرع الجنوبي منه ( آب شو نكولا ) في شرقي ( بدرة ) ويستمر الى أن ينته بنهر ( كرخة ) ، أحد توابع نهر ( كارون ) ، في شرقي العمارة حسب خارطة ( كوردن هستد ) الرقم ( 17 ) ، وكما هو مؤشر على خارطة أيران حاليا ، وتنتهي في جنوب دهلران ، فطوله حوالي ( 550 كم ) ، أما طول حمرين من دجلة الى مندلي أي الحدود العراقية الايرانية فأكثر من ( 250 كم ) .
أما ارتفاعه فوق سطح البحر في جنوب الفتحة ، ف ( 525 متر ) ثم يقل أرتفاعه في منتصف المسافة بين الفتحة و( إينجانه عند الطريق العام بين كركوك وبغداد ) الى ( 343 متر ) ويزداد ارتفاعه في شرق بدرة الى ( 1200 قدم ) ويوازي الفرع الجنوبي من حمرين سلسلة جبال بشتكوه التي ترتفع عليه لأن ارتفاعها ( 6000 قدم ) ، ويرتفع جبل حمرين عن مستوى السهل الرسوبي العراقي العربي ب ( بين 500- 800 قدم ) بينما يرتفع عن السهول الكردية الواقعة عن شماله بـ ( 400-500 قدم ) ، والسبب في قلة ارتفاع حمرين هو تعرضه لعوامل التعرية التي ازاحت طبقات الصخور العليا منه سيما في الجهة الشرقية وكونت ودياناً وسلاسل ضيقة كثيرة )) . ( أنظر كتاب حدود كردستان الجنوبية للباحث عبد الرقيب يوسف – مطبعة شفان – السليمانية 2004 ) .
وضمن دراسة قدمها الباحث الدكتور مجيد جعفر باللغة الانكليزية الى الكونفرانس الاكاديمي "قضايا تتعلق بالكورد و كردستان" الذي عقد في بوزنان في بولندا، 20-21 تشرين الاول 2003 و الذي نظمه قسم الدراسات العربية والاسلامية في جامعة ادم ميكيفيش و بمبادرة من رئيس القسم البروفيسور دكتور عدنان عباس ، تحت عنوان الكورد الفيلية و دورهم في الحركة التحررية الكردستانية نقتطف منها مايأتي :
(( الكورد الفيلية (او الفيليون) هم كورد ، كما يدل على ذلك اسمهم ، و هم قسم لا ينفصل عن الشعب الكردي في العراق* و جزء لا يتجزأ من الامة الكردية المقسمة بين دول العراق و ايران و سوريا وتركيا. لقد اثبت الكورد الفيلية هذه الحقيقة وهذا الواقع عبر السنين و الاحداث و لحد الآن بالقول والفعل و العمل. يتكلم الكورد الفيلية لهجة فرعية تابعة للهجة اللورية التي ينطق بها الكورد في المناطق الجنوبية من كردستان، خاصة المناطق القريبة من الحدود بين العراق و ايران. الكورد الفيلية مسلمون تتبع الغالبية العظمى منهم المذهب الشيعي.
جميع الناطقين باللهجة الفيلية لا يطلق عليهم اسم "الفيلية". يمكن القول بان الكورد الناطقين بهذه اللهجة و الذين يقطنون مناطق بغداد و وسط و جنوب العراق شرقي نهر الفرات يطلق عليهم اسم "الكورد الفيلية". توجد تفسيرات و اجتهادات عديدة و متنوعة حول اصول و اسباب اطلاق اسم "الفيلية" على هؤلاء الكورد و لكن الكاتب لم يعثر على تفسير موثق و مقبول بشكل عام حول هذه المسألة.
غالبية الكورد الفيلية كانت تقطن مدينة بغداد و خاصة قبل حملات التسفير المتكررة، كانوا متركزين في حي الاكراد ( وبعض الاحياء الشعبية المجاورة لها ) وعند تحسن حالتهم الاقتصادية كانوا ينتقلون الى اماكن اخرى من بغداد اكثر رفاها، مثل حي العطيفية وحي جميلة و الاحياء الممتدة على طول شارع فلسطين و غيرها، كما كان الكورد الفيلية يقطنون باعداد اقل في المدن العراقية الواقعة بين الحدود مع ايران شرقا و حتى الضفاف الشرقية لنهر الفرات غربا، من جنوب المدينة الكردستانية كركوك شمالا حتى شمال مدينة البصرة جنوبا. من بين هذه المدن المدن الكردستانية خانقين و مندلي (منلي باللهجة الفيلية) و زرباطية و السعدية و شهربان و المدن العراقية كوت و العمارة و الجصان و كوميت و شيخ سعد و النعمانية و الحي و الرفاعي و علي الغربي و علي الشرقي و غيرها. اما على الجانب الايراني من كردستان فان الكورد الفيلية (بالرغم من عدم اطلاق هذه التسمية عليهم هناك) يقطنون محافظات كرماشان و ايلام و جنوبها، و بعد التسفيرات الجماعية للكورد الفيلية من العراق في السبعينيات و الثمانينيات تقيم جالية كوردية فيلية كبيرة من اصول عراقية في طهران ايضا يطلق عليهم الايرانيون اسم "عربها" (اي العرب).
و كأية مسألة اخرى في دولة البعث البوليسية فان عدد الكورد الفيلية غير معروف بالدقة و ربما اعتبرتها من الامور السرية المتعلقة لأمن دولة البعث. و لكن هناك تقديرات مختلفة تضع عددهم بين مئات الآلاف و ثلاثة ملايين. الا ان الكثيرين يتكلمون عن اكثر من مليون كوردي فيلي كانوا يقطنون في بغداد قبل التسفيرات الجماعية.
الكورد الفيلية مواطنون عراقيون بالولادة ابا عن جد و قسم ضئيل منهم بالتجنس، سكنت غالبيتهم بغداد باعداد كبيرة منذ مئات السنين، وبدقة اكثر، منذ اربعة قرون و نيف. يشير البروفسور عزالدين مصطفى رسول الى ان كتاب "الشرفنامه" الذي يعتبر اول الاعمال المكتوبة عن تاريخ الكرد و جغرافية كردستان (الذي الفه الامير شرفخان البدليسي عام 1005 هجري المصادف لعام 1584 ميلادي، اي قبل 420 عاما) يشير الى مسألة استقرار الكورد (اللورية) الفيلية في بغداد بشكل دائم. كما يشير الاستاذ جرجيس فتح الله الى ان الكورد الفيلية بقيادة قائدهم ذو الفقار احمد سلطان فتحوا بغداد و المدن العراقية الاخرى من شمال سامراء حتى البصرة و حكموا العراق (كما كان معروفا انذاك) لمدة ست سنوات من عام 1523 حتى عام 1529 ميلادي (صفحات من تاريخ الكورد الفيلية، مجلة روز العدد 8، نقلا عن مجلة ايلام الصادرة في غوتنبورغ في غرب السويد). و يضيف في مقالة له نشرت في مجلة روز في عددها 8 بأن اول اشارة الى الكورد الفيلية في الكتب الانكليزية تعود الى عام 1744 في كتاب جيمس فريزر المعنون "تأريخ نادر شاه" الصادر في لندن.. هاتان الاشارتان تؤكدان بان الكورد الفيلية قطنوا بغداد و المدن العراقية الاخرى من جنوب كركوك شمالا حتى البصرة جنوبا و من الحدود الايرانية شرقا حتى السواحل الشرقية لنهر الفرات غربا لأكثر من اربعة قرون و قبل وقوع العراق تحت الحكم الصفوي و من ثم غزوه من قبل العثمانيين.
ازداد عدد الكورد الفيلية في بغداد بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة بشكلها الحالي و جغرافيتها الحالية حسب اتفاقية سايكس – بيكو بين بريطانيا و فرنسا و تقسيم الشرق الاوسط بشكل اعتباطي بينهما لخدمة مصالحهما الخاصة. زيادة عدد نفوس الكورد الفيلية هذه كانت لاسباب كثيرة منها قابلية التحرك الاجتماعي و الانتقال الجغرافي و الحيوية الاقتصادية (الجرأة على أخذ المبادرة و تقبل المخاطرة الاقتصادية) و الخصوبة السكانية (ارتفاع معدلات الولادة).
عمل العديد من الكورد الفيلية في قطاعي المقاولات و تجارة الجملة و المفرد و خاصة في سوق الشورجة و في القطاع الخاص بشكل عام في بغداد وغيرها بسبب مؤهلاتهم الاقتصادية المشار اليها اعلاه و بسبب سد فرص العمل و الاستخدام امامهم خاصة في القطاع العام كما عملوا كنقالين (حمالين) في سوق الشورجة خاصة عند التجار الكورد الفيلية و عرفت عنهم الامانة و الاخلاص في العمل و القوة البدنية.
بدأ الكورد الفيلية في ارسال ابنائهم الى المدارس بشكل واسع بعد الحرب العالمية الثانية و خاصة منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي بعد سنوح الفرص لهم و تحسن اوضاعهم الاقتصادية. درس وتخرج و عمل الكثير منهم كأطباء و مهندسين ومعلمين و غيرهم من التكنوقراط و انشأوا مدارس خاصة بهم اشهرها المدرسة الفيلية في باب الشيخ (في منطقة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني).
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا عامل نظام البعث الكورد عموما و من بينهم الكورد الفيلية بهذه الدرجة من الحقد و القساوة؟ هنالك اسباب عديدة تلقي بمجموعها بعض الضوء و تجيب على هذا السؤال، من بينها الاسباب الآتية:
1- تأتي اصول ايديولوجية البعث عند إنشائه من الفكر النازي اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت ألمانيا النازية في اوج عظمتها العسكرية وتوسعها العدواني. كما ان للستالينية تأثيراً كبيراً على صدام شخصيا حيث كانت مكتبته الخاصة مليئة بالكتب المكتوبة من قبل ستالين او من قبل اخرين عنه. فالنازية و إيديولوجيتها المبنية على عبادة الشخصية (القائد الأوحد) و الدكتاتورية والشمولية و الاستعلاء القومي و التوسع و العدوان، والستالينية الدكتاتورية و الدولة البوليسية المنغلقة و ممارستها الصارمة و العنيفة ضد الأقليات حقائق تأريخية معروفة و موثقة و تأثيراتها على نظام البعث واضحة وجلية في سياسات و ممارسات الطاغية صدام ايضا. اضافة الى هذين العاملين هناك عامل اخر اثر على النظام و قائده وهو التزامه بالتقاليد و القيم القبلية العشائرية و الريفية الاقطاعية الصارمة من الولاء الكامل و التام الى الطاعة المطلقة.
2- كون الكورد الفيلية جزءاً من الشعب الكردي في العراق و جزءاً من الامة الكردية، لذا فان اضطهاد الكورد الفيلية من قبل نظام البعث المعادي للشعب الكردي و لتطلعاته المشروعة هو امتداد او جزء من اضطهاده لهذا الشعب ككل و يعبر عن الاستعلاء القومي و العدوانية التي ترفض او تنفي القوميات الاخرى و تطلعاتها و تبغي التوسع على حسابها.
3- وصل الكورد الفيلية بجهودهم الذاتية و من بدايات متواضعة جدا الى مستويات و مراكز مرموقة و مؤثرة في قطاع التجارة الخاصة و خاصة في بغداد، مركز سلطة الدولة العراقية. بسبب الاجندة الخفية لنظام البعث المعادية للشعب الكردي و تطلعاته المشروعة عمل ذلك النظام على تدمير المركز التجاري القوي للكورد الفيلية و تحطيم قوتهم الاقتصادية عن طريق سلب و مصادرة جميع اموالهم و ممتلكاتهم و ودائعهم و وثائقهم العراقية كجزء من اجندة النظام ضد البنية الاقتصادية للكرد و كردستان.
4- قام حزب البعث و القوميون العرب بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي. لم يواجه الانقلابيون مقاومة جدية و على مدى ايام سوى في منطقتين في بغداد احداهما في حي الاكراد استخدمت فيها الوحدات الانقلابية الاسلحة الخفيفة و الثقيلة (الدبابات) لفرض سيطرتها على الحي ثم قامت باعتقال جميع الرجال البالغين من العمر 16 عاما حتى الشيوخ. وهذه مسألة لم ينسها البعث و قادته و لم "يسامحوا" الكورد الفيلية عليها.
5- قانون الجنسية العراقي العتيق و البالي الموروث كثيرا منه من العهد العثماني و المطور من قبل الاستعمار البريطاني عند إنشائه الدولة العراقية ليجعله في صالح الاقلية من المجتمع العراقي التي تعاونت معه و ضد مصالح الاغلبية. و كان الكورد الفيلية من بين اكثر العراقيين تضررا من هذا القانون.
6- كجزء من تحضيرات نظام البعث التوسعية والعدوانية في الحرب ضد ايران عمل على تحقيق ما اعتقد انه سيزيد من الفوضى و عدم الاستقرار الاجتماعي و الاعباء و الاضطرابات الاقتصادية في ذلك البلد الذي شهد لتوه تغييرات كبيرة عن طريق تسفير مئات الالاف من الكورد الفيلية و غيرهم من العراقيين اليها قبل بدء الحرب. و قد سبق للنظام ان استخدم نفس الاسلوب مع الحركة التحررية الكردستانية عام 1974 قبيل بدء حملته العسكرية الجديدة على شعب كردستان حيث دفع و ارغم الالاف من الكورد للذهاب الى المناطق المحررة لخلق مشاكل و اعباء اقتصادية و مصاعب اجتماعية ومخاطر امنية للحركة.
7- كون الكورد الفيلية من المسلمين الشيعة كان سبباً اضافيا لملاحقتهم و تسفيرهم و معاملتهم بشكل لا انساني من قبل نظام البعث الذي اتصف بالشوفينية و الطائفية و المذهبية الضيقة. ))
ولهذا عالجت السلطة العراقية البائدة عبثاً حالهم ، بوسائل وطرق لاتنم عن حكمة أو عقلانية وأنسانية ، أذ أنعكست في أجراءات ترحيل عدد من القرى التي يسكنها الكرد الفيلية في مناطق الحدود الأيرانية – العراقية ، بزعم حماية تلك الحدود ومراقبتها أو احتلالها عسكريا من قبل الوحدات العسكرية ، ومحاولة تجميع الناس في قلاع أو مخافر أو مجمعات أشبه ماتكون بمعسكرات الأعتقال ، دون أن تستطيع نفيهم وتوزيعهم الى مدن الوسط والجنوب ، لمعرفتها الأكيدة بما يكنه العراقي في هذه المناطق من تقدير ومحبة وأحترام للأكراد الفيلية ، ولشعورها بمدى التلاحم والأنسجام بين جميع مكونات العراق الأجتماعية ، لذا عمدت الى أساليب أخرى سنتطرق اليها .
يتبع- الجزء الثاني