وكانت المنطقة التي تقع ضمن اراضي العراق المحاددة لايران والمنطقة الايرانية المحاددة للعراق تنتشر فيها العشائر الكردية من الفيلية على طول الشريط الممتد من العمارة بأتجاه الكوت مروراً بديالى ، وفي نفس الوقت كانت تلك العشائر العربية ومثلها الكرد الفيلية تسكن على جانبي خط الحدود ، مثل عشائر ( الجاف و الهورماني والأركوازي والبولي والكرده ليه والمامش والمذكور والكلهورد والزروكش والسوره مري والدوسان والقره لوس وغيرهم من العشائر الكردية الفيلية والتي تتحدث بلهجة واحدة هي الفيلية – اللرية بأستثناء اختلاف مع لهجة واحدة ) ، أذ تنقسم العشائر بحكم أختيارها لمناطق السكن والماء والرعي والصيد والتواجد البشري في مساحة من الأرض ، قد تكون قد وقعت بين دولتين عند رسم الحدود السياسية ، غير أن تلك المجاميع البشرية لم تكن تعرف الحدود ولا تلمس فواصل جغرافية أو طبيعية في المناطق التي تسكنها ، وهكذا أصبحت عشيرة واحدة منقسمة بين دولتين ، وكان الكرد الفيلية يستقرون في تلك المناطق قبل مجيء القبائل العربيــة التي انتشرت ابان الفتح الاسلامي للعراق في تلك المناطق ، والتي رحبت القبائل الفيلية بها وتشاركت معها الحياة في السراء والضراء ، ومع أن الأسلام أنتشر بين هذه العشائر بشكل سهل ودون مقاومة ، بالنظر لتقبل الكرد الفيلية الأفكار والمباديء التي جاء بها الفتح الأسلامي ، الا أن حالهم بقي كحال بقية الناس التي أسلمت بعد الفتح وأنتشرت الشريعة الأسلامية بينهم ، أذ ساندوا الدين الأسلامي وساهموا في أنتشاره بين منطقتهم ، ولهذا ساهموا مساهمة أيجابية في دعم الثورات والحركات الوطنية ضد الأنكليز انتصارا للفتاوى التي أصدرها رجال الدين ، بأعتبار أن الأنكليز كفاراً ومحتلين ينبغي التصدي لهم ومحاربتهم ، غير أن مايتشابهون به مع بقية العشائر العربية في مناطق أخرى ميلهم للألتزام بمذهب آل البيت وتمسكهم الشديد به وتقديسهم الأئمة الأطهار منهم ، الا أنهم بقوا متمسكين ببساطة أعرافهم وبلغتهم وأعتزازهم القومي بقوميتهم الكردية ، وبالأضافة الى دخولهم لعبة الصراع الديني والسياسي التي عمت الأمة ، فصاروا بحكم كونهم شيعاً من أتباع المذهب الجعفري ، وضمن دائرة التقسيم الطائفي والسياسي أعتبر الكرد الفيلية معارضين الجانب الأخر الذي يضم الحكومات والسلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وشدد من هذه الناحية كونهم كانوا يشكلون محطات لأستقبال القوافل القادمة من أيران والهند وأفغانستان والصين وروسيا لزيارة العتبات المقدسة .
يقول الكاتب حسن العلوي في كتابه ( الشيعة والدولة القومية في العراق 1914- 1990 ) ص 275 الطبعة الثانية : (( في تمذهب السلطة أخرج الشيعة من حق التمثيل الكامل في السلطة ، وفي التهجير أخرج الشيعة من حق المواطنة ، وكان التبرير الرسمي لهذه العملية ، أن هؤلاء المواطنين لم يكونوا من أصول عربية بحتة ، وأن سجلاتهم في دوائر الأحوال المدنية تشير الى كونهم من التبعية الايرانية . رغم أن احداً لايجهل بأن سياسة التمييز العنصري والطائفي وعمليات زج الفقراء العراقيين الى حروب التوسع التركي ، قد ألجأت العديد من الناس آنذاك في محاولة لحماية عوائلهم من الجور والأضطهاد والسوق التعسفي للقتال ، الأدعاء بأنهم من التبعية الايرانية الى الحد الذي جعل الحكومة العراقية بعد تأسيسها تناشد سلطات طهران بالتوقف عن عمليات التجنيس .
ولم يكن هؤلاء الذين ارادوا الأفلات من التمييز الطائفي والعنصري التركي يتصورون إنهم سيقعون بعد قرن أو قرنين من الزمان ضحايا التمييز الطائفي الذي مارسته سلطة قومية ترتكز في خطابها السياسي على مفهوم إنساني يستبعد وقوعها في الوحل الفاشي . ))
ولم تكن كلمة ( الفيلي ) مستعملة للأشارة اليهم بالنظر لماعرفوا عنه بأسم عشائر اللر ، مع أن التسمية محلية اكثر منها أعجمية ، وبالرغم من الأشارة التي يوردها بعض المؤرخين في أمتهان بعضهم مهنة تدريب الفيلية ، فأن هذا الأمر يتناقض مع واقع المنطقة الجغرافي الذي يعيشونه ، فقد أشتهرالكرد الفيلية في مناطق العراق وأيران بأمتهان الزراعة والرعي والصناعة والأعمال التجارية ، وتميزوا بقوة جسمانية أشتهروا بها في أعمال التحميل التي مارسها الكادحين من رجالهم بشرف وأمانة أتسموا بها وأشتهرالعديد منهم بهذه القدرة الجسمانية المتميزة ، وتشير بعض الدراسات أن الأسم مشتق من الملك العيلامي ( بيلي ) ومنها تم تحريف الكلمة الى فيلي كما ذكرنا سابقاً ، ومهما كان اصل التسمية فانها لايمكن ان تحط من قيمتهم او قدرهم او كرامتهم ، وبالعكس فان ممايزيد المرء فخرا انتسابه للكرد الفيلية ، وليس بين اهل العراق من يستعمل اللفظ للحط من قيمتهم ، بل العكس فأن العراقيين بما عرفوا عن الكرد الفيلية من خصال الأمانة والوفاء والكرم ، فقد كان لهم منزلة اجتماعية متميزة بين العشائر العراقية العربية في الوسط والجنوب ، كما اكتسبوا الأحترام والمحبة لماعرفوا به من اعتزازهم بقوميتهم ومذهبهم ، ولما تميزوا به من الأخلاص والتفاني في العمل وحفظ الأمانة ، وهم من قبائل متعددة من اللر بين العراق وايران .
ويتفق جميع المؤرخين على أن عشائر اللر من اصول كردية ، بالأضافة الى حقيقة دامغة تشير الى عدم وجود عشيرة أو قبيلة عربية أو تركمانية أو فارسية بينهم ، مما يؤكد وجهة النظر التي تؤكد على كرديتهم .
أستمرت العشائر الفيلية من الكرد تعيش في العراق على الشريط الشرقي المحادد لآيران ، وتتمازج مع العشائر العربية التي تشاركها السكن في العديد من القرى والقصبات وتنسجم مع المجتمع العربي بالنظر لظروف الأختلاط والتمازج والتزاوج والواقع الأجتماعي ، وكما أختلطت اللهجة ، وعرف كل لغة الآخر ، بالنظر للتعامل اليومي والضرورة التي يحتمها أختلاط المجتمع المتشكل من قوميات عدة ، وتغلغل الكرد الفيلية في مجتمعات المدن العربية الكبيرة وصاروا من ابنائها المتميزين ، وبقيت مكانتهم محفورة في ضمائر الناس بالنظر لما جبلت عليه اخلاقهم من نوازع الاندفاع نحو الخير في تشكيل الجمعيات الخيرية ، وبناء المدارس ومساعدة المحتاجين لأحساسهم بالظلم الذي وقع عليهم ، وميلهم نحو التميز في المجالات التي حرموا منها ، وأثبت الكرد الفيلية أنهم من المجموعات الفاعلة والنشطة أجتماعياً وأقتصادياً وسياسياً في حركة المجتمع العراقي ، وأحتلوا المكانة المتميزة لهم في أقتصاد السوق العراقية وخصوصاً بعد تهجير اليهود العراقيين ومصادرة أموالهم وأرباك الأقتصاد والسوق العراقية ، وما احدثه تهجيرهم من فراغ اقتصادي ومكانتهم المهمة في عمليات الأستيراد والتصدير أستطاع الكرد الفيلية اشغالها بجدارة ، واثبتوا قدرتهم على المساهمة في استعادة التجارة العراقية مكانتها بالنظر لما تميزوا به من خصال الثقة والأمانة والأخلاص في اعمالهم وعلاقاتهم التجارية والقانونية ، غير أنه وبنفس الوقت ميزهم عن غيرهم أنتشار الفقر بين شرائح كبيرة منهم ، فقد كانت الطبقة الواسعة منهم من أبناء الكادحين أو من المزارعين أو العمال الحرفيين الفقراء التي تعج بهم المدن والقصبات العراقية ، والتي احتفظت لهم دوماً بالأحترام والمحبة لما لمسته منهم من تفاني وأخلاص وأمانة في العلاقات الإنسانية وفي العمل التجاري ، وكان أغلبهم من المتمسكين بالشعائر الأسلامية بالأضافة الى ما عرف عنهم شدة تمسكهم بالمذهب الجعفري ومحبة آل البيت أسوة بالمجتمع الذي تعايشوا معه وأنصهروا ضمن شرائحه ، مما أغاض السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ ظهور الدولة العثمانية ومروراً بالحكم الوطني الملكي ومن ثم الجمهوريات الأنقلابية التي تعاقبت على حكم العراق ، بالنظر للنهج الطائفي والشوفيني الذي كانت تحرص على التمسك به وتطبيقة على العراقيين .
غير أن مالفت نظر السلطات الى خطورتهم في وقفتهم الشهيرة لمقاومة السلطة الفاشية التي قادت الأنقلاب الشباطي في العام 1963 سيء الذكر ، والذي لقي مقاومة صلبة من الأكراد الفيلية بالرغم من كونهم لاعلاقة لهم بسلطة عبد الكريم قاسم ، ولم يكنوا يشكلون طرفاً في التناحر السياسي القائم في العراق ، الا انهم وبحكم سجيتهم وأنتصارهم الى الحق ومعاداتهم الباطل الذي ذبحهم دوماً ، كانت لهم تلك الوقفات الوطنية والسياسية المناهضة للحكام الطغاة ، وأزاء هذا الوقوف بوجه الأنقلابيين تمت مواجهة الأكراد الفيلية مواجهة قاسية وتم التنكيل برجالهم ونسائهم ، وتم أعدام البعض منهم وأودعت أعداد كبيرة منهم في السجون .
ولعل المنصف من كتاب التأريخ العراقي الحديث والمؤرخين من يتذكر ملحمة ( عكد الأكراد ) ، والذي سطرت فيه جماهير الكرد الفيلية ملحمة أنسانية وشعبية رائعة ، في التضحيات والمقاومة والتمسك برفض السلطة الفاشية التي حلت بأنقلاب شباط 1963 ، ومقاومتها تلك المقاومة الباسلة حيث قدموا العديد من شبابهم قرابين للدفاع عن حكم عبد الكريم قاسم .
وأكتشفت السلطات العراقية أن الأكراد الفيلية كانوا من العناصر التي تشكل عمود من أعمدة الحركة الوطنية في العراق ، بل لعلها من بين أهم روافد هذه الحركة ، وعمودها الفقري في تغذيتها بالقيادات وبالشهداء وبالعناصر الفاعلة فيها ، بالنظر ليس لمساهمتهم في تلك الحركات ، وأنما لفاعلية أنتشارهم وسط الأحزاب العراقية والحياة العراقية المتطلعة نحو أفق المستقبل الديمقراطي وحل جميع مشاكل القوميات .
وضمن هذا الأصطفاف والموقف الوطني أتخذت السلطات موقفها المضاد والسلبي من الكرد الفيلية ، ووفق منهج الكرد الفيلية الأنساني ظهر الموقف البشع والمعادي لحقوق الأنسان ولقيم اهل العراق ، أظهرته السلطات البائدة ولم يكن يعبر بأي حال من الأحوال عن موقف حركة سياسية وطنية أو قومية من القوميات أو مذهب أخر .
ويخطيء بعض ممن يتصور أن السلطات العراقية بدأت حملاتها الشوفينية المضاعفة ضد الأكراد الفيلية بعد وقفتهم للدفاع عن الجمهورية والنظام الوطني بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم ، أو بعد واقعة الجامعة المستنصرية في بغداد عام 1980 ، بل أن الحملة بدأت بشكل سري وخفي في اول أيام سلطة العهد الملكي حين تم التنسيق بين السلطتين الأيرانية والعراقية على أضطهاد الكرد الفيلية ، أذ كانت ايران تفصل في التعامل بين أكراد الشمال وأكراد اللر الفيلية ، في حين بقي العراق يتبع سياسة دقيقة في أيجاد شروخ أو حدود في التعامل بين أكراد شمال العراق ( كردستان العراق ) ، وبين الفيلية الذين حرمهم من تبوء الوظائف المهمة في الدولة أو تطوعهم كضباط في الجيش أو الشرطة ، بأستثناء أعداد قليلة استطاعت الأفلات من تحكم السلطة التي ارادت عدم تمكينهم تبوء تلك المراكز ، أو تمثيلهم في المجالس النيابية ، أو النظر اليهم نظرة مساواة حقيقية في الدستور العراقي ، وكما في محاولات عزلهم عن اخوتهم الأكراد في بقية المناطق ، ولم يكن الأمر بهذه الصورة لو لم يجد له الأرضية والقاعدة التي يؤسس عليها من خلال العقليات الحاكمة التي انسجمت مع تلك المشاريع الطائفية .
توجهت السلطة الملكية أول الأمر بانكار كردية الفيلية واعتبارها أقلية قليلة الاهمية ، ثم مالت حين لم تجد لطرحها القاعدة المنطقية لتقبل الفكرة ن ثم جهدت الى ابراز أفكار ومشاريع يمكن إن تفصل أو تضع الشروخ بين ابناء هذه الأمة ، وأن تسعى لطرح البند الثاني من المشروع الطائفي في غمز وطنية وأنتساب الكرد الفيلية ، ولكونها تعتبرهم من أبناء التبعيات الأجنبية ، دابت للتركيز على اعمال الطبقة الدنيا منهم ، حيث اشاعت انهم خلقوا لاعمال الخدمة الثقيلة والتحميل ، وصرفت انظار العالم عن الابداع والامكانيات والمواهب التي يتمتع بها مجتمع الكرد الفيلية ، بالاضافة الى قدرة هذا المجتمع بالرغم من الظروف القاسية والصعبة ان يلد رجال ضمن المجتمع العراقي ومن شتى التخصصات يشار اليهم بالبنان ، وقدموا للمستقبل العراقي ما يشار له بالأنصاف والتقدير ، فقد قدم الكرد الفيلية أسماء ناصعة ومشهود لها بالعلمية والرفعة والثقافة وفي مجالات عدة ، بأعتبارهم مساهمين حقيقيين في مستقبل العراق ، وقد نعجز ولانجد مجالا لتعداد الأسماء الكردية الفيلية التي سجلت اسمها بزهو في التاريخ العراقي الحديث في جميع الميادين .
وما زاد النقمة عليهم مبادرتهم للانخراط كمقاتلين في صفوف الثورة الكردية المسلحة ، دفع السلطات الملكية الى حرمان العديد منهم من شهادة الجنسية العراقية التي كانت تشكل الحجة والتبرير التي تتعكز السلطات عليها في محاربــة العراقيين وتصنيف مواطنتهم الى درجات ، فأعتبرت بعض منهم من التبعية الايرانية ، ثم أقدمت على تسفير هذا البعض تحت مزاعم التبعية ، وكانت قمة المأساة أن الكردي الفيلي الذي يتم تسفيره بأعتباره أجنبياً ومن التبعية الأيرانية الى إيران ، أن يتم أعتباره في أيران كردياً عراقياً وأجنبياً عن الأيرانيين ، فيقع وسط محنة أنسانية لاحل لها ولم تلتفت لها الأمم المتحدة ولاأعارها العالم المتمدن الأهتمام والحل الذي يليق بأنسانيتهم .
وأشتدت الحملة عليهم بعد مجيء الحكم البعثي الثاني في العام 1968 ، أذ بدأت تلك الحملة تشتد بشكل سافر في العام 1970 ، وتطور التسفير ليشمل الشباب منهم حيث تم سلخهم عن عوائلهم وحجزهم في أماكن ومواقف سرية وبعيدة عن المدن والأنظار ، ومن ثم يصار الى دفنهم وهم أحياء أو اعدامهم دون ذنب أو جريرة ارتكبوها ، وتم اخضاع العديد منهم الى التجارب الكيمياوية حيث مات اكثرهم تحت سمومها وتأثيرها ، ومن ثم طورت السلطة الصدامية عملها المرعب بحق الكرد الفيلية ، فقامت بتشتيت الأطفال وفصلهم عن الأمهات ، والرجال عن النساء ، والشيوخ عن أولادهم ، زيادة في الأمعان بأيذائهم والتنكيل بهم ، ثم عمدت الى تعذيب الشباب منهم ، وزجهم في السجون العراقية المعروفة ، والأيعاز للمحاكم الصورية الأستثنائية بأصدار قرارات الأحكام بالأعدام بحقهم ، وتنفيذ هذه الأحكام تحت مرأى وبصر العالم دون أي مسوغ قانوني أو تهمة تصل بالعقوبة لحد الأعدام .
يقول الشاعروالمناضل العراقي الراحل المبدع زاهد محمد في استقراء للمستقبل العراقي وهو يتلو أبيات قصيدته يتحدث بها لشاعر العرب الأكبر الراحل الكبير محمد مهدي الجواهري :
لله والتأريخ أي بليــــة دهت ( العراق ) وأي ليل أسود
أشكو أليك وأنت مثلي عارف أن الدجى ما طال ليس بسرمــد
وبأن شمس الحق دائمة السرى حتى يحين طلوعها في الموعد
فلئن بدا حكم الطغاة مخلــداً فالويل من يوم سيطلع في غد
وبقي الكرد الفيلية بالرغم مما لحقهم من ظلم وحيف ومحاربة غير متكافئة من سلطة تملك كل شيء في الوقت الذي لايملك الكرد الفيلية سوى ضمائرهم ومحبتهم للعراق وأعتزازهم بقوميتهم الكردية ، بقي الكرد الفيلية يناضلون ويقارعون السلطة البعثية بأصرار ، ويساهمون مع كل الحركات السياسية بقدرة فائقة وجهد كبير من أجل أسقاط السلطة الدكتاتورية التي تحققت بفضل الله تعالى .
وكتب الفقيد الدكتور علي بابا خان تحت عنوان ( من الضرير هذا المهجر أم نظام صدام؟ ) يقول فيه :
(( ما كان في إعتقادي عندما قمت بالدراسات الميدانية حول المهجرين العراقيين الذين هجروا الى الجمهورية الأسلامية الآيرانية في زيارتي عام 1980 ، أن أراه مع المهجرين ، لالكونه أكثر عراقية من الاخرين ، بل لأنه بصير منذ نعومة أظفاره ، فلم ير الناس ولامنطقة حي الأكراد الذي ولد فيه ، ولم يشاهد صور الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم العراق ، ولكنه عاش ولمس وعانى ما أقترفته حكومة صدام بحقه وبحق الالاف من غيره دون وازع من ضمير ... ألقته لجاوزه في العراء مع الآخرين ، وطلبت منه التوجه إلى إيران تحت تهديد السلاح بعدم العودة ، دليله في هذه المسيرة الشاقة كان أيادي إخوته في المصير يقودونه باتجاه بلد وأرض لم يألفها ولاكان في تصوره أن تطاله يد الأجرام وهو المحروم من نعمة البصر أصبح ألان محروماً من العطف والمستقر ، يعيش تحت الخيام ... وعندما رأيته قلت له مازحاً : أنت خطر على صدام ونظامه لأنك إيراني .. أجابني ساخراً : هل حي الأكراد وباب الشيخ و.. و .. التي ولدت وعشت فيها هي مناطق إيرانية ؟ فإذا كانت كذلك لماذ لم تهجر معي ؟ لقد كنت من أبرز وجوهها المعروفين ، مافائدة هذه المناطق دوني !!سأسافر إلى باكستان من هنا .. وعندما سكت تساءلت مع نفسي ماهي جريمة هذا البصير وخطورته على أعظم رابع جيش في العالم كما صورته ووصفته وسائل الأعلام .. وهل تسمح مواثيق حقوق الإنسان والقيم العظيمة لديننا الإسلامي بإذلال الكفيف والمقعد والمسن والرضيع ؟ أي نظام ورجال في العراق ؟ أية شفقة ترجى من أناس باعوا واشتروا ممتلكات هؤلاء بأثمان بخسة فأمثال هؤلاء سيذلهم الله في الحياة الدنيا والآخرة وسنراهم تحترق بطونهم ويبيعون ما اشتروه ظلماً بأثمان لاتسد لهم سوى رمقا ًقصيراً فأن الله لايخلف الميعاد . )) ( عن العدد الأول من نداء الكرد – شباط 2001 ) .
ويقول السيد كريم ولي الفيلي وهو من أبناء الكرد الفيلية مجسداً معاناته الإنسانية في العدد الخامس من صحيفة نداء الكرد الصادرة بتاريخ شباط 2002 : (( هل سمع أحدكم أن على البسيطة شيء أو كائن ليس له أسم أو هوية وأنتماء وأصل وفصل ؟ نعم انه أنا الذي سلبت منه نعمة الأنتماء والهوية ، ولم أكن أنافس أحد عليها ، أو اتجنى لأنتزاعها من أحد ، ولم أطمع وأطالب أكثر منها ولم انلها في هذه الدنيا المتناقضة .
كنت أنتمي لبلد طار أسمه في الآفاق وبزغت على ضفاف مياهه الدافئة المباركة أولى أشعة الفكر البشري ، لقد كنت خيطاً من نسيجة الزاهي بألوان الطيف ، أنتفخ زهواً وفخراً بذلك العراق ، محتضن الأعراق ، وعلى حين غرة أنتزعني وعرقي من تربته ولم أعد أملك منه سوى أحساس الأنتماء الذي يتأجج داخلي ولم تشفع لي عذاباتي . ))
وحالة استلاب الوطن التي تجسدها بساطة كلمات موجوعة صادرة بحرقة من أنسان لم يزل متعلقاً بأهداب الوطن متمسكاً بألوان طيفه ممتزجاً بخيوط نسيجه الزاهية رغم كل أطنان الظلم الذي تراكم فوق رؤوس أهله ، لاطمع لديه ويختزل حلمه في رائحة التراب العراقي وعروقه النابتة في روحه .
ابلى أبناء الكرد الفيلية البلاء الحسن وأظهروا المواقف الشجاعة في جميع الحركات السياسية الوطنية المسلحة ، حيث كانوا أنصاراً مع الشيوعيين وبيش مركة مع الأحزاب الكردية ، ومقاتلين مع الأحزاب الأسلامية لمقاتلة الطاغية وقواته الغاشمة ، وشكلوا التجمعات والجمعيات وساهموا في المؤتمرات وجاهدوا بكل ما تستطيعه ارواحهم انتصاراً للعراق .
وبعد أن سقط الطاغية حري بالعراقيين أن يستذكروا هذه الشريحة الفاعلة والمؤثرة في تاريخ وحياة شعبنا العراقي ، وأن نستذكر معها وقفتها التاريخية ضد الظلم والسلطات القمعية ، وجهادها المتواصل وعطاءها العراقي ، وأن نستذكر معها ماقدمته من شخصيات بارزة وأسماء عبقة تشع وطنية في تاريخ العراق السياسي والثقافي ، وأن نستذكر بأجلال قوافل الشهداء ، وما ساهمت به من مساهمة أيجابية في إرساء دعائم الاقتصاد الوطني ، وحري بنا أن نسجل هذا لها بفخر وأعتزاز وأن نذكر الأجيال القادمة بما عانته الأم والأخت والبنت الكردية الفيلية التي تحملت الظلم ثلاث مرات مضاعفة عما تحمله غيرهم .
وكان الكرد الفيلية من أشــد المساهمين والفاعلين في المعارضة العراقية لسلطة صدام ، ومن المطالبين دوماً بأقامة النظام الديمقراطي والفيدرالي والغاء مفهوم التبعية وتنظيفه من أدران الماضي ، وتثبيت الولاء الموحد للوطن ، بالأضافة الى سعيهم الحثيث للمطالبة بتفعيل القوانين الدولية والأتفاقيات التي تحمي الإنسان من تعسف السلطات ، ووضعوا اياديهم بيد قادة المعارضة العراقية قبل سقوط صدام ، كما كانت المعارضة العراقية قد اصدرت ضمن بيانها السياسي المؤرخ في 14-15 كانون الأول 2002 توصيات من بينها التوصية التاسعة والتي تنص على ادانة التهجير القسري والتطهير العرقي واستخدام الاسلحة الكيمياوية وتغيير الهوية القومية وما جرى من تغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وسنحار والشيخان وزمار ومندلي وغيرها ، ويدعو المؤتمر الى ازالة آثارها وذلك عبر الاجراءات التالية :
- عودة المهجرين الى ديارهم وغعادة ممتلكاتهم اليهم وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر .
- أعادة الوافدين الذين جلبتهم السلطة لأسكانهم في المناطق المشار اليها اعلاه الى أماكنهم السابقة .
- عودة الكرد الفيليين وجميع العراقيين المهجرين بذريعة أصولهم الآيرانية الى خارج البلاد بغض النظر عن أصولهم والذين جردتهم السلطة بدون وجه حق عن مواطنتهم العراقية الى العراق ، وضمان تمتعهم بجنسيتهم العراقية وإعادة ممتلكلتهم اليهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم والكشف عن مصير المعتقلين الفيليين منذ نيسان 1980 .
- إلغاء جميع الأجراءات الأدارية التي قام بها النظام منذ سنة 1968 والتي استهدفت تغيير الواقع الديموغرافي في كردستان العراق .
الفصل الثاني
المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيلية
تقوم المسؤولية القانونية في كل فعل أستنادا لتحقق الأرادة والأدراك في أرتكاب الفعل الجرمي ، والمسؤولية القانونية التي ترتبت على نظام صدام تتجسد ضمن أفعال جرائم إبادة الجنس البشري ، والجرائم ضد الإنسانية ، بالإضافة إلى الانتهاك الصارخ والعملي لقرارات الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وتتحقق المسؤولية الجنائية في توفر أسبابها القانونية بارتكاب الأفعال التي تدخل في باب جرائم الإبادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية بتصميم وأدراك لما تتسم به من فداحة الفعل الجنائي والإرادة الآثمة ، وبالإضافة إلى إن السلطة الصدامية توقعت النتائج الإجرامية المترتبة على أفعالها ، لابل أنها خططت لهذه الأفعال ، وعلى هذا الأساس فأن توفر قصدها الجنائي هو مظهر من مظاهر الركن المعنوي في الجريمة ، كما يتوفر سبب قائم وملموس بالأضافة الى توافر الأدراك وحرية الأرادة في أرتكاب تلك الجرائم بحق الكرد الفيلية بتصميم وتخطيط عمدي ، وأن ما تم ارتكابه بحق شريحة الكرد الفيلية لم يكن منطبقاً مع المزاعم التي روجتها السلطة في حينها ، فالزعم بتسفير الأجانب من المقيمين في العراق لاينسجم مع حقيقة عمليات الأعدام المنظم ولا التجارب الكيمياوية التي أجريت على أجساد شباب الكرد الفيلية ، ولاعلى دفع المجاميع البشرية وسط حقوق الألغام ، ولافي عمليات سرقة محتويات البيوت المادية ، ولا ايضا في استلاب المستمسكات العراقية الأصلية منهم ، ولافي تهجيرهم في أماكن غير آهلة بالسكان وسط صحراء السلمان تحت ظروف لايتحملها الشيوخ والنساء والأطفال ، فأن هذا الأمر يتعارض ويتناقض مع مزاعم السلطة وتبريرها ، فالنية كانت قد تجسدت في أنصراف ارادة الجناة في السلطة البائدة الى ارتكاب تلك الجرائم المتنوعة والمتعددة الصور بحق الكرد الفيلية ، وممارسة تلك الأساليب في ارتكاب الجرائم المتعددة بحق المواطنين العراقيين من أبناء الكرد الفيلية يجسد انطباق القصد الجنائي ودلالته الأجرامية من علم وأرادة تحيط الجرائم بالسلوك الأجرامي وبالنتيجة الحاصلة بالقصد المحدد ، يجسد اختيار السلطة للسلوك الأجرامي في التعامل مع معارضيها ، كما أنها سلكت طرقاً متعددة ومختلفة تثبت أنها كانت مصممة ومصٌرة على ارتكاب تلك الجرائم ، وتنوعت تلك الأفعال بين الأبعاد والنفي ، وبين الحجز والإخفاء ، وبين التعريض للتعذيب الجسدي والنفسي والموت تحت التعذيب الجسدي أو في حملات الإعدام ، وبين مصادرة الأموال وسلب المستمسكات الرسمية والحجج والسندات والأموال ، مما يؤكد أن تكون بالضرورة تلك الأفعال قد صدرت من مجموعة المتسلطين على السلطة وبأرادتهم المنفردة ، والتي وظفوا لها إمكانيات السلطة بكل امكانياتها ومؤسساتها الأمنية لارتكاب تلك الجرائم ، ولما كانت السلطة في العهد الصدامي البائد مكلفة بالحفاظ على حياة الناس وتلزم نفسها في الحال الاعتيادي أن تقم بتطبيق النصوص الدستورية بأمانة وبتجرد ، وباعتبارها تتشكل من أشخاص يملكون جزء من الوعي والمسؤولية ، ما يكفي لأن تقع على عاتقهم المسؤولية القانونية عند حدوث أي ضرر أو خلل في حياة الناس ، وتتحقق شروط المسؤولية في شرطي الإدراك والإرادة التي يمكن تلمسها في قدرة الإنسان على فهم فحوى الأفعال الصادرة عنه ، ونتائج أفعاله وتحمل نتائجها ، وقبل أن ندخل في تبسيط المعاني القانونية لتلك المسؤولية ونبحث في القضايا القانونية التي تخص محنة الكرد الفيلية ، حري بنا أن نستذكر المقررات التي تداولتها أحزاب المعارضة العراقية ، ومواقفها تجاه قضية الكرد الفيلية قبل سقوط سلطة صدام ، مما يستوجب منها في خضم الصراع وتثبيت دعائم السلطة ، أن تلتفت إلى ماكانت تدعو اليه وتذكره في بياناتها وبرامجها السياسية ، بصدد رفع الضيم والحيف عنهم ، وأن تخفف عنهم الضغوط التي وضعتها سلطة صدام فوق كاهلهم ، لتعينهم على الأقل بالشعور بإلغاء وكنس القرارات الظالمة والتعسفية التي انتهكت انسانيتهم وحقهم في المواطنة ، طيلة الزمن الصدامي البغيض وماقبله من قرارات لاأنسانية وتعسفية ، وحتى يمكن إن يشعروا بأمان وثقة من أن السلطة الجديدة ستهتم الاهتمام الكافي في معالجة ملفاتهم وقضاياهم ، ودراسة ابسط السبل والأساليب السريعة للتوصل إلى الحصول على حقوقهم المسلوبة ، وعلى الأقل إن يتم اكتمال التحقيق القضائي بشكل متكامل في ملف الكرد الفيلية لأحالته إلى المحكمة الجنائية العراقية في الزمن القريب ن فليس من المعقول إن تمضي اربع سنوات على سقوط الطاغية ولم يزل الكرد الفيلية بأنتظار من يعيد لهم حقوقهم وأعتبارهم .
أن الجريمة المرتكبة بحق الكرد الفيلية تعتبر من أخطر الجرائم ضد الإنسانية ، والتي تعني ارتكاب المسئولين في السلطة العراقية البائدة جرائم القتل العمد والإبادة البشرية بكل الطرق والأساليب ، والتسبب عمداً بإهلاك مجموعة قومية أو أثنية أو عرقية من البشر بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً ، وقد جسد الدكتاتور العراقي البائد صدام حسين هذا السلوك عملياً من خلال الأوامر الصادرة والتعليمات والقرارات التي أصدرها مجلس قيادة الثورة المنحل المتمثل بشخص الدكتاتور ، بالإضافة إلى عمليات تهجير وإبعاد السكان ونقلهم قسرياً إلى أماكن نائية ، وتنفيذ الحجز والسجن والحرمان من الحرية البدنية دون مشروعية وإسقاط الجنسية والتجريد من المستمسكات ، وبما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي ، بالإضافة إلى عمليات التعذيب النفسي والجسدي والاغتصاب الجنسي ، والاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو أثنية أو دينية لايجيزها القانون الدولي بأي شكل من الأشكال ، والإخفاء ألقسري للأشخاص وجميع الأفعال غير الإنسانية ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية .
إن معاهدة معاقبة مرتكبي جرائم الابادة الجماعية التي صدرت في 9 ديسمبر 1948، والتي دخلت حيز التنفيذ ، شملت بحمايتها الجماعات الوطنية والعرقية والدينية ، وما سمي بعمليات التطهير التي استهدفت هذه الجماعات . وتشمل العقوبة كل من المخططين والمنفذين لتلك السياسة ، وتتحقق مسؤوليتهم وفق المعايير القانونية التي ذكرناها .
وحيث أن الدكتاتور العراقي كان الموجه الأساس والرئيس في إصدار التعليمات والأوامر التي يتم ارتكاب كل تلك الجرائم بحق الكرد الفيلية ، وكونه يدرك أعماله ويستطيع إن يعرف أو يتوقع النتائج ، مما يجعله في دائرة المسائلة القانونية عن الجرائم التي تم ارتكابها بأمره ومعه كل الأدوات التي ساهمت واشتركت في تلك الجرائم .
وإذا كان حكما قضائيا باتا تم تنفيذه بأعدام الطاغية المتهم الرئيس في قضية الكرد الفيلية ، فأن الدعوى الجزائية تنقضي عنه باعدامه وتوقف الاجراءات القانونية بحقه وقفا نهائيا استنادا لاحكام المادة 300 من قانون اصول المحاكمات الجزائية ، وحيث إن تنفيذ الاحكام الصادرة من المحكمة الجنائية العراقية يكون بمقتضى احكام قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 ، وفقا لأحكام القاعدة 61 من قواعد الأجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة ن فيصار الى تطبيق النص الوارد في الأصول على المدان صدام في قضية الدجيل ، وايقاف الأجراءات القانونية بحقه وفق الأصول في قضية الدجيل ن غير أن الأمر لايمنع من الأستمرار بمحاكمة المتهمين الاخرين في القضية .
ووفقا لأحكام القاعدة 32 من قواعد المحكمة الخاصة بتعدد الجرائم ، فانه اذا نسب الى متهم جرائم متعددة فتتخذ بحقه الأجراءات وفقا للمادة 132 من قانون اصول المحكمات الجزائية ، وفي حال اتهام المتهم باكثر من جريمة جاز احالته بقضية واحدة على المحكمة الجنائية العراقية العليا بشرط إن تكون تلك الجرائم معاقبا عليها بمادة واحدة ومن قانون واحد .
ومما يوجب ليس فقط فرض العقاب المتناسب مع حجم الجرائم ، وأنما نشر الجرائم المرتكبة وفضح أساليبها ، وتوضيح ما تعرضت له الإنسانية من أفعال صدرت من جناة مسئولين مسؤولية كاملة عن الإرادة الآثمة التي صدرت عنهم ، ووظفوا كل إمكانيات السلطة لتنفيذ جناياتهم ، وهذه المسؤولية لايمكن تحميلها بأي شكل من الأشكال للشخصية المعنوية للدولة ، باعتبارها شخصية حكمية أو افتراضية ، لأن الفعل صادر من شخص الطاغية ومعاونيه وأعوانه ولا وجود لفعل مادي صادر من الشخص الاعتباري ، بدليل إن تلك الأفعال كانت وفق رغبة الحاكم خارج سياق ونطاق الشرعية والأعراف وسنثبت ذلك بالأدلة القانونية .
تنطبق أركان جريمة الإبادة الجماعية على الأعداد التي تم قتلها من أبناء الكرد الفيلية ، وأهلاك مجاميعهم بطرق مختلفة ، وإخضاعهم إلى ظروف وأحوال معيشية من شأنها إهلاكهم فعلياً كلياً أو جزئياً ، فقد تم تعذيب وقتل أعداد من الكرد الفيلية دون وجود قضايا تحقيقية ، كما تم أخفاء جثثهم ولم يتم الكشف عن مصيرهم ، بالرغم من تسفير عوائلهم إلى خارج العراق .
و يمكن إن توصف الجرائم المرتكبة من قبل الدكتاتور البائد صدام بحق الكرد الفيلية من جرائم القانون العام المرتكبة بقصد الإخلال بالنظام الاجتماعي ومصالح العراقيين ، وهذه الجرائم عمدية توفر فيها القصد الجنائي ، حيث تعمد الجناة ارتكابها وتحمل نتائجها .
أن هذه الجرائم تستمد صفتها من القانون الدولي ومن القواعد والأعراف الدولية بالإضافة إلى ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية والعهود ولائحة حقوق الإنسان ، وما نصت عليه أخيراً نصوص قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، مما يستوجب بالضرورة محاكمة صدام المتهم الأول بارتكاب هذه الجرائم والتي تعتبر على درجة عالية من الخطورة الإجرامية ، وأن أدلة الإثبات والأسانيد القانونية المتوفرة في هذه القضية كافية لأحالته وأدانته ، وإصدار الحكم العادل بحقه وبحق من كان يمارس ارتكاب الجريمة معه ، بالإضافة إلى تعويض الضحايا وورثتهم التعويضات المتناسبة مع فداحة الضرر مادياً ومعنوياً ، ونشر تلك المآسي علناً لأسماع وأنظار العالم حتى يمكن إن تستذكر البشرية تلك الصفحات المروعة من الانتهاكات الإنسانية بحق الحياة البشرية والاستخفاف بها من قبل الطغاة والحكام المستبدين وأعوانهم .
وما ارتكبته سلطة صدام بحق الكرد الفيلية يعد من الجرائم المركبة والمستمرة وعدوان سافر ضد مكونات الشعب العراقي واستقراره وانتهاكا لنصوص الدستور والقوانين العراقية ، بالإضافة إلى قيام السلطة البائدة بإعدام العديد من شباب الكرد الفيلية عن طريق إخضاعهم للتجارب الكيمياوية ، وبالتالي أخفاء جثثهم وقبورهم مما زاد من معاناة أهاليهم وعوائلهم ، بالإضافة إلى جريمة احتجاز العوائل الكردية الفيلية سنوات طوال وأبعادهم في مناطق الصحراء النائية ، أو في المواقف والمعتقلات دون أي قرار حكم قضائي أو قانوني ، وكل هذه الجرائم تدخل تحت ولاية المحكمة الجنائية العراقية والتي يمتد اختصاصها للنظر في تلك الجرائم حصراً للفترة من 17/7/1968 ولغاية 1/5/2003 ، ووفق هذا فأن الجرائم التي ارتكبتها السلطة الصدامية بحق الكرد الفيلية تكون من اختصاص هذه المحكمة العراقية حصراً وفقاً لاختصاصها الزماني والمكاني ، باعتبارها داخلة ضمن الاختصاص المكاني والزماني ، بالإضافة إلى كونها من الجرائم الوطنية المرتكبة بحق الشعب العراقي .
و تقوم هذه المحكمة بالإضافة إلى تطبيق قانون العقوبات البغدادي الملغي ، فأنها تطبق إحكام قانون العقوبات النافذ ، كما تقم بتطبيق قانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 وأصول المحاكمات العسكرية رقم 44 لسنة 1941 ، وكما لها أن تستعين في إحكام المحاكم الجنائية الدولية عند تفسيرها لأحكام جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ، وتسري إحكام قانون العقوبات بما لايتعارض وأحكام قانون المحكمة النافذ ، والالتزامات الدولية المتعلقة بالجرائم الداخلة في ولاية المحكمة عند تطبيق الأحكام الخاصة بالإعفاء من المسؤولية الجنائية ، ولا تخضع الجرائم التي تشمل اختصاص المحكمة بالتقادم المسقط للدعوى الجزائية والعقوبة والذي تميز به القانون الجنائي العراقي .
بالإضافة إلى توفر أركان المسؤولية الجنائية الشخصية ، والتي يعتبر بموجبها الشخص الذي يرتكب الجريمة بصفته الشخصية عرضة للعقاب ، أذا ارتكبها بصفته الشخصية أو بالاشتراك أو بواسطة شخص أخر ، بغض النظر عما أذا كان هذا الشخص مسئولا أم لا ، وإذا كان قد أعطى الأوامر بارتكاب تلك الجرائم فشرع فيها وتمت بناء على ذلك الأمر ، أو حث على ارتكابها أو قدم أية إغراءات في سبيل إتمامها ، وإذا كان قدم العون أو المساعدة بأي شكل أخر لغرض تيسير ارتكاب الجريمة أو توفير وسائل ارتكابها أو الشروع في ارتكابها ، وإذا ساهم في تعزيز النشاط ألأجرامي ، ولايمكن للمتهم في مثل هذه الجرائم التعكز على بعض النصوص التي يحاول الجناة والمتهمين بمثل هذه الجرائم وضعها كساتر لصد الأحكام ونفي ارتكاب الجريمة ، فقد نص القانون على إن لاتعد الصفة الرسمية التي يحملها المتهم سبباً معفياً من العقاب ، سواء كان المتهم رئيساً للدولة أو رئيساً أو عضواً في مجلس قيادة الثورة المنحل أو رئيساً أو عضواً في مجلس الوزراء المنحل أو عضواً في قيادة حزب البعث البائد ، ولايجوز الاحتجاج بأي صفة بالحصانة للتخلص من المسؤولية في مثل تلك الجرائم .
ووفق المعيار القانوني فأنه لا يعفى الدكتاتور البائد صدام وفق هذا الأمر باعتباره كان الرئيس الأعلى الذي يصدر الأوامر ، عن الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية وعن الجرائم الأخرى ، التي يرتكبها الأشخاص الذين يعملون تحت أمرته ، ولم يتخذ من الإجراءات ما يمنع وقوع ارتكابها لو لم تكن بموافقته وتنفيذا لرغباته ، كما لايعفي القانون الشخص الذي ارتكب تلك الأفعال بناء على أوامر من الحكومة أو من رئيسه ، حيث أن مجرد صدور الأمر من الأعلى لايعفيه من المسؤولية الجنائية مع ثبوت علمهم بالأمر غير المشروع وعدم مشروعية الأفعال المرتكبة بحق الكرد الفيلية ظاهرة وواضحة ، ويترك أمر تقدير مدى جسامة مساهمته للمحكمة .
وتبحث المحكمة في التفرقة بين الأمر القانوني وغير القانوني بأن تستند على معيار للتفرقة يمكن معرفته من خلال أدراك الإنسان في موقفه وسنه وتعليمه ومركزه عندما يواجه التصرف غير المشروع ، وأرتكاب الحالات التي تمثل جرائم لايجوز تنفيذها يرتب المسؤولية القانونية على مرتكبيها ، وجميع الحالات غير الإنسانية التي ارتكبت بحق الكرد الفيلية ( القتل والتعذيب والحجز والأبعاد والأغتصاب وسلب المستمسكات الرسمية والاستحواذ غير الشرعي على الأموال المنقولة وغير المنقولة ) جميعها تصرفات غير مشروعة ، وبالتالي فأن ارتكابها تنفيذاً لأوامر الطاغية يرتب المسؤولية الجنائية .
علماً أن مثل تلك الجرائم لايشملها التقادم المسقط للجريمة والمانع من فرض العقوبة ، ومع أن القانون الجنائي العراقي لايعتد بالتقادم في الجنايات ، فقد جاءت الأتفاقيات الدولية التي اقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1969 لتؤكد عدم التقادم ، حيث لم تشمل الجنايات الخاصة بجرائم الأبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم المسقط للجريمة ، وبذا فأن الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية غير مشمولة بالتقادم ، وانها تقع ضمن ولاية المحكمة الجنائية العراقية .
أن القانون على الدوام يحمل الناس على التزام العقل في التصرفات الصادرة وعدم الأنحراف ، ولذا فأن النصوص تعين المظلوم من ظالمه وتداوي جراح المتضرر بالتعويض والتدابير الأحترازية والقسرية التي تقررها القواعد القانونية ، وتشكل نصوص قانون العقوبات تحديد الجرائم ودرجاتها وأنواع العقاب التي يتحدد لكل جريمة من حيث اركانها وظروفها .
ووظيفة قانون العقوبات حماية العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع من خلال ردع الجاني ومعاقبته ، ويتحتم وفق هذا المنظور أن يرتب القانون النافذ للمحكمة الجنائية العراقية العليا ، العقوبة المتناسبة مع جسامة الفعل المرتكب بحق الكرد الفيلية ، كما يترتب فرض العقوبة التي هددت النظام الاجتماعي وساهمت في خدشه وتمزيقه من خلال الأفعال الإجرامية المتلاحقة والمتعددة وما لحقها من نتائج بحق الكرد الفيلية ، والأمر يتطلب دراسة شخصية المجرم مرتكب الجريمة من حيث تركيبه الجسماني وعقليته وتأثير ذلك على طباعه من الناحية الإجرامية ، إذ إن الذي حصل للكرد الفيلية يخرج عن نطاق الأنتقام السياسي ، ويتعدى العداء المذهبي أو الديني أو القومي ، ويتخطى العداء الطبيعي الإنساني ، لأن الذي جرى من أفعال يندى لها الجبين البشري تنم عن تردي في الضمير وانحطاط في السلوك وخسة في التفكير ، بالإضافة إلى انحراف في سلوك المخططين للأساليب والطرق ، التي أتبعتها السلطة في الأنتقام من مواطنين عراقيين مدنيين ، استعملت السلطة كل قوتها وثقلها وإمكانياتها وصبت حقدها الأعمى في وسائل تخريب حياتهم وتشريدهم ، مع مسؤوليتها القانونية والدستورية والسياسية في رعايتهم والحفاظ على حياتهم ، ويمكن وفق ما ذكر أن يكون الأختصاص الشخصي ( مبدأ شخصية القانون الجنائي وصلاحيته الشخصية ) منطبقاً على المتهمين في قضية الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية .
ووفق تعريف مفهوم الجريمة والتي تعني السلوك الأجرامي الخارجي أو الداخلي الذي يجرمه القانون ويقرر له عقابا أو الامتناع عن عمل أمر به القانون ، ويصدر عن إنسان مسئول عن أفعاله ، فأن توفر شرط الخطورة الاجتماعية يشكل الأساس المعول عليه في تحديد الجريمة ، مع تقدير النتائج المترتبة على الفعل وطريقة ارتكاب الفعل ومقدار الضرر الحاصل ودرجة الخطورة .
وأمام جريمة تهجير وتسفير الكرد الفيلية ، نتمعن في الخطورة الاجتماعية التي تعرض لها ليس فقط الكرد الفيلية ، وكما ليس فقط المسفرين من أبناء التبعية ، وأنما لحق العراقيين كافة ضرراً بليغاً ، حين صار جميع أهل الفرات الأوسط والجنوب وفي شتى مناطق العراق الأخرى تحت رحمة قرارات السلطة ، تقدم على تسفير أو تهجير من تشاء ودون سبب أو ذنب !! كما أن النتائج الوخيمة وغير الإنسانية التي ترتبت على تهجير وتسفير وإعدام الكرد الفيلية شكلت ابعاداً إنسانية ساهمت في إحداث الضرر ليس فقط للضحايا ، وأنما انسحبت على عوائلهم وأهاليهم فترة من الزمن كان اخطرها الفترة التي تمتد منذ 1980 ولغاية سقوط صدام 2003 ، كما انسحبت على العديد من المواطنين العراقيين الآخرين من غير الكرد الفيلية ، وأن درجة الخطورة في هذه الأفعال الإجرامية امتدت حتى اليوم تحز في نفوس العراقيين وتنعكس سلبيا على حياتهم ومستقبلهم ، وقد توفرت كافة أركان الجريمة ، من ركنها المادي المتمثل بالواقعة الإجرامية ، وركنها الشرعي باعتبارها سلوكا غير مشروع ، وركنها النفسي أو المعنوي المرتكز على الإرادة ألاثمة التي تتمثل في القصد الجنائي .
وقراءة متأنية لبرقية وزارة الداخلية التي تم تعميمها على المؤسسات الأمنية في العراق بعدد 2884 في 10/4/1980 تكشف عن حقيقة ما كانت تضمره السلطة وما خططت له .
(( نص البرقية )) :
لوحظ وقوع أخطاء وإلتباسات من قبل اجهزتكم في التسفيرات وتحديد المشمولين بها والمستثنين من التسفير . توضيحاً للتعليمات السابقة ، أدناه الضوابط التي يجب العمل بموجبها في هذا الشأن :
1- يسفر جميع الآيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين على الجنسية العراقية وكذلك المتقدمين بمعاملات التجنس أيضاً ممن لم يبت بأمرهم .
2- عند ظهور عائلة ، البعض منها حاصلون على شهادة الجنسية تشملهم الضوابــط الا إن البعض الأخر مشمولون فيعتمد مبدأ ( وحدة العائلة خلف الحدود ) مع سحب الوثائق أي الجنسية أن وجدت والأحتفاظ بها لديكم ، ومن ثم أرسالها إلى الوزارة مع تزويد الوزارة بقوائم المشمولين بقرارنا هــذا ليتسنى لنا إسقاط الجنسية عنهم .
3- يجري تسفير البعض خاصة العوائل عن طريق القومسيرية وفي حالة عدم استلامهم يجري تسفيرهم من مناطق الحدود الأعتيادية .
الأستثناءات :
أولا: العسكريون من مختلف الرتب يسلمون إلى الأنضباط العسكري في بغداد للتصرف بهم من قبلهم وحسب التبليغات المسلمة اليهم .
ثانياً : عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم .
ثالثاً : النساء الإيرانيات المتزوجات من أشخاص عراقيين ترسل قوائم بأسمائهن إلى الوزارة .
رابعاً : عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين أعمارهم من 18- 28 سنة والأحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر .
خامساً : يستثنى من التسفير الأرمن الايرانيون المقيمون في القطر وتزود الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم .
سادساً : لايشمل التسفير اللاجئين السياسيين الايرانيين .
سابعاً : يستثنى العرب العربستانيون المقيمون في القطر من التسفير .
ثامناً : عند ظهور أية حالة من غير الحالات الواردة اعلاه اعلامنا هاتفياً قبل البت بها .
نؤكد أمرنا في فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين ( انتهت )
نرجو الأطلاع والعمل بموجبه .
التوقيع
وزير الداخلية
هذه التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية وهي من الوزارات المهمة والوزارة المعنية بالشؤون الداخلية والأمنية لها دلالتها وأبعادها ، والبرقية أيضاً صفحة ضمن الحملة التي شنتها بأمر السلطة جميع الأجهزة الأمنية ووظفت كل إمكانياتها من اجل إيقاع أكبر الضرر بهذه الشريحة العراقية ، واستطاعت بما تملك من إمكانيات وسطوة إن تنفذ رغبة الدكتاتور في إبعاد أعداد كبيرة من العراقيين ورميهم على الحدود الإيرانية البرية حصراً ، وكذلك حجز عشرات الآلاف من أبناء هذه العوائل في المواقف والمعتقلات والسجون ، ضماناَ لإيقاع اكبر الأذى والضرر المادي والمعنوي على مجموع تلك العوائل ، فتسفير العوائل التي تحمل الجنسية العراقية تحت زعم ( وحدة العائلة ) ، أمر غريب في إقدام حكومة على طرد مواطنين يحملون الجنسية العراقية ومعها شهادة الجنسية ( آ ) من أبناء شعبها وتسفيرهم ، لأن أحد أفراد العائلة غير عراقي ، أو أنه لم يحصل عليها ، أو أنه موجود في العراق بصفة مقيم لم يتم حصوله على الجنسية ، أو أن معاملة تجنسه لم تكتمل بعد ضمن الضوابط التي تحددها الوزارة وقانون الجنسية أن صحت قضية كونه غير متجنس ، أو حتى في حال رفض تجنسه أو كونه أجنبياً ، فأن الحال يقتضي الالتزام بمبدأ إن لاتزر وازرة وزر أخرى ، أن منطق وحدة العائلة يقتضي أن يتم ألحاق من لم يكتسب الجنسية بعائلته المكتسبة للجنسية احتراما للمركز القانوني للمواطن العراقي ، وما حددته نصوص الدساتير العراقية وليس العكس ، كما تأمر وزارة الداخلية بسحب جميع الوثائق والسندات الرسمية التي يمتلكها المواطن وسلبها منه اعتقادا منها بإتلاف أدوات الجريمة في الإصرار على تجريد العراقي من مواطنته وسنداته وأوراقه الثبوتية ، وحتى لايمكن عرضها كأدلة أثبات إلى المؤسسات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان والمحافل الدولية ، ومعنى هذا الأمر انه يتم تجريد الإنسان من عراقيته وسحب جميع وثائقة التي تثبت هذه المواطنة ، وترسل جميع المستندات والجنسية إلى الوزارة بقوائم ليمكن للوزارة بعدئذ العمل على أسقاط الجنسية عنه بعد تلك الإجراءات بأية وسائل غير قانونية ، بمعنى أن إجراءات الأبعاد والطرد والتسفير والتهجير تتم قبل إن يصدر قرار يتم تجريد المواطن من مواطنته ، وعملية استلاب المستندات القانونية الصحيحة التي تثبت قانونياً عراقية المواطن ، جريمة هجينة ومهينة ترتكبها السلطات الصدامية في التجني على ضحايا لاتتوفر فيهم حتى المزاعم التي زعمت السلطة الاستناد عليها لتتعكز عليها في هذه الإجراءات ، وليس هذا فقط ولم يقتصر الأمر على ما ذكر آنفاً ، وأنما حملت التعليمات بين طياتها أمراً غريباً يتناقض مع المنطق ووحدة العائلة ، ويفند البرقع الذي حاولت السلطة إن تغطي وجهها البشع وعيوبها وجريمتها في تطبيق منطق وحدة العائلة ، حيث أصبح الشباب بعمر ( 18-28 ) سنة من أبناء هذه العوائل متهمين دون ذنب ، ومحكومين دون قضية ، ومحتجزين دون جريمة ، ومنسلخين عن عوائلهم دون ارادتهم ورغبتهم ، ومقيدة حرياتهم دون قرار قضائي أو قانوني ، كما إن هناك فقرة أخرى وردت ضمن الأستثناءات في البرقية أعلاه برقم ( ثانياً ) يقضي بعدم تسفير الشباب ( الذين يترك أمر تقدير أعمارهم من الشباب إلى الجهات الأمنية ) ، وعمليات احتجاز الشباب وفق هذه البرقية تدلل على مسؤولية سلطة صدام عن مصير الآلاف من الشباب الفيلية المغيبين ، ووزير الداخلية لم يكن يجتهد أو يأمر وفقاً لمعلوماته ، فقد كان يستلم الأوامر من الطاغية صدام مباشرة ، ولم تسأل أية جهة عن فحوى التحقيقات التي تجريها تلك الجهات الأمنية مع الآلاف من شباب الكرد الفيلية .
وبعد صدور تلك التعليمات المهينة للأنسان في العراق ، بادر مجلس قيادة الثورة المنحل بأصدار قرار برقم 474 بتأريخ 15/4/1981التي تقضي بمنح كل عراقي قام بتطليق زوجته مبلغ أربعة ألاف دينار للعسكري وألف وخمسمائة دينار للمدني ، أذا كانت زوجته من التبعية أو في حال تسفيرها خارج العراق ، وأشترط القرار لصرف المبلغ أن يتم تسفير أو طلاق المرأة وأن يقوم الرجل بعقد زواج جديد من عراقية .
وبعد أسبوع من صدور القرار السابق ، وضمن الحملة الشعواء التي شنتها السلطة ضد أبناء العراق ، أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارا برقم 2469 في 22/4/1981 يقضي بتسفير الزوجة المطلقة إلى خارج القطر ( تعبير خارج القطر يشير حصراً إلى إيران ) .
أن سلب الجنسية من المواطن العراقي الكردي الفيلي وأبعاده الى إيران يجعله قانوناً مواطناً دون جنسية ( عديم الجنسية ) ، بالنظر لامتناع إيران منحه الجنسية الإيرانية ، ولعدم رغبة المواطن العراقي تجنسه بالجنسية الإيرانية التي تشترط موافقته ، أو لكون القانون الإيراني يمنع ذلك ، وأزاء تلك الحالة فيتم انطباق نصوص اتفاقية حالات انعدام الجنسية التي أعتمدها مؤتمر المفوضين المنعقد عام 1959 ثم عام 1961 ، تطبيقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 896( د- 9 ) والمؤرخ في 4 كانون الأول 1954 ، حيث اتفقت الدول الموقعة على الاتفاقية ( بما فيها العراق ) ، على منح الجنسية للشخص الذي يولد في إقليمها ولو كان عديم الجنسية ، ويتم منح الجنسية بحكم القانون لدى الولادة أو بناء على طلب خطي من الشخص المعني الى السلطة المختصة ، أو بواسطة وكيله أو بالطريقة التي ينص عليها القانون ، وللدولة المتعاقدة التي ينص على منح جنسيتها بناء على طلب يتم طبقاً للفقرة أعلاه أن تنص أيضا على منح جنسيتها بحكم القانون في السن وبالشروط التي يحددها قانونها ، كأن يقدم الطلب خلال فترة تحددها الدولة المتعاقدة ، وأن يكون الشخص قد أقام بصورة معتادة في إقليم الدولة المتعاقدة خلال فترة يحددها قانون الدولة شريطة أن لايتطلب تجاوز مجموعها عشر سنوات ، ولاتجاوز شطرها الذي يسبق مباشرة تقديم الطلب خمس سنوات ، وأن لايكون الشخص المعني قد أدين بجريمة ضد الأمن الوطني أو حكم بالسجن خمس سنوات على فعل جنائي ، وبالرغم من إن نصوص المعاهدة تمنع الدول من أن يتبع تجريد الإنسان من جنسيته وفقدانها لزوجته أو أولاده يتوجب أن يكون هذا الفقدان مشروطاً بحيازة أو اكتساب جنسية أخرى .
غير أن العراق في الزمن الصدامي الغى من قواميسه حتى العمل بهذه النصوص ، وأكثر من هذا فقد سحب إجراء فقدان الجنسية حتى الى مواطنات ومواطنين عراقيين مع أزواجهم ، خلافاً لما ورد عليه النص القانوني ، علماً بأن نص المادة ( 8 من الاتفاقية ) تمنع الدول المتعاقدة من تجريد أي شخص عن جنسيتها أذا كان هذا التجريد من شأنه إن يجعله عديم الجنسية ، وتعتبر بذلك كل الإجراءات غير قانونية وغير شرعية .
ولايفقد الفرد جنسيته على نحو يجعله عديم الجنسية حتى وأن كان تحريم هذا الفقدان غير وارد بنص صريح في حكم آخر من أحكام هذه الإتفاقية ، وهو ما صار اليه حال الكرد الفيلية ، وبعد إن قامت السلطة الصدامية بتجريدهم من جنسيتهم العراقية ورميهم على الحدود الإيرانية ، تعاملت الدولة الإيرانية معهم على اساس أنهم عراقيين ، فباتوا إيرانيون في العراق وعراقيين في إيران ، ولكنهم دون أن يحملوا اية جنسية من كلا الدولتين المتحاربتين في تلك الظروف ، مما جعلهم أمام حالة اللاجنسية التي تنطبق عليها بنود وأحكام المعاهدة المذكورة .
المادة ( 9 ) من المعاهدة أيضاً الزمت الدول الأمتناع عن إسقاط الجنسية عن أي شخص أو أي مجموعة من الأشخاص لأسباب عنصرية أو أثنية أو دينية أو سياسية .
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المرقم 1040 ( د – 11 ) في 29 كانون الثاني 1957 المصدقة للأتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة والنافذة في 11آب 1958 ، وضمن نصوص الاتفاقية الموقعة من قبل العراق ، أن توافق كل الدول على إن الأجنبية المتزوجة من احد مواطنيها أن تكتسب جنسية زوجها أذا طلبت ذلك خلال إجراء تجنس أمتيازي خاص ، وأن توافق كل الدول على انه لايجوز لأنعقاد الزواج ولا لأنحلاله بين أحد مواطنيها وبين اجنبي ، ولا لتغيير الزوج جنسيته ، أن يمنع زوجة هذا المواطن من الأحتفاظ بجنسيتها .
وفي العام 1985 شعرت الامم المتحدة بفداحة التعرض للأذى الذي يصيب الإنسان جراء التعسف في إستعمال السلطة ، فأدركت أن حقوق الضحايا الذين يتعرضون للأذى والأضرار والإصابات والمشقة كبيرة ، وأن هؤلاء وعوائلهم لاتلقى الاهتمام والاعتراف الكافي ، فأكدت المنظومة الدولية على ضرورة الاعتراف العالمي الفعال بحقوق ضحايا الأجرام والتعسف في استعمال السلطة واحترام هذه الحقوق .
ومن أجل أن تتخذ الدول الخطوات اللازمة والأساسية لإنفاذ أحكام الإعلان الدولي ( إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الأجرام والتعسف في استعمال السلطة ) ، أجمعت الدول على اتخاذ الخطوات للحد من الإيذاء ومساعدة ضحايا تلك الجرائم ، ولذا تقرر حظر الممارسات والإجراءات التي تفضي الى التعسف في استعمال السلطة ، مثل الاحتجاز في أماكن سرية والحجز الانفرادي ، والتعاون بين الدول عن طريق التعاضد القضائي والإداري في مسائل ملاحقة المجرمين وتسليمهم للعدالة ومصادرة موجوداتهم ، واستحداث الطرق والوسائل لتوفير سبل أنصاف الضحايا ، أذا كانت السبل الوطنية غير كافية .
أن الجرائم التي اقترفها صدام وسلطته الإرهابية بحق الكرد الفيلية تنطبق عليها تماماً مقررات إعلان مبادئ العدل الأساسية الصادرة بحق ضحايا التعسف في استعمال السلطة ، ويقصد بمصطلح الضحايا الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فردياً أو جماعياً ، بما في ذلك الضرر البدني أو العقلي أو المعاناة النفسية أو الخسارة الاقتصادية ، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية ، عن طريق أفعال أو حالات إهمال لأتشكل حتى ألان انتهاكاً للقوانين الجنائية الوطنية ، ولكنها تشكل انتهاكات للمعايير الدولية المعترف بها والمتعلقة باحترام حقوق الإنسان .
ومع أن مهمة الأمم المتحدة كانت تتركز ليس فقط على تقديم الدعم لضحايا الجرائم المرتكبة ضد الكرد الفيلية في العراق ، فأن الإعلان الدولي يرتب مسؤولية أقامة سبل الاتصال الفعالة للتجمعات والجمعيات والشخصيات الكردية الفيلية ، مع ضمان أبقاء الضحايا على علم بحقوقهم وبالفرص المتاحة للانتصاف من المجرم أو الغير أو السلطة التي مارست بحقهم الأفعال الإجرامية ، وما حصل لتنفيذ هذه المهمة ، أنها مورست بشكل غير فاعل وخجول مع وجود الضحايا منتشرين في مخيمات إيران وبلدان اللجوء .
ويتجسد الركن المادي في الجريمة التي مورست بحق الكرد الفيلية ، في التعسف باستعمال السلطة وممارسة أفعال إجرامية باسم وتحت ستار تنفيذ نصوص القانون ، النشاط ألأجرامي الذي تمت ممارسته أفعال تخرق الشرعية والقوانين الدولية ، بالإضافة الى الخرق الفاضح لنصوص الدستور العراقي المؤقت . أن هذا النشاط ألأجرامي الذي تم بناء على أوامر من صدام شخصياً يشكل سلوكاً خارجياً تم تجسيده بأعمال التهجير والتسفير والطرد والمطاردة ، كما في قضايا الإعدام والتجارب الكيمياوية والأبعاد ألقسري وفصل الأطفال عن والديهم والسجن والحجز الكيفي والانفرادي ، وتتحقق العلاقة السببية بين الفعل المادي والنتيجة الإجرامية التي رافقت عمليات التهجير والاستيلاء غير القانوني على الأموال المنقولة وغير المنقولة للكرد الفيلية ، كما يتجسد الركن عنصرها النفسي ( المعنوي ) ، حيث أن الجاني وهو يمسك بزمام السلطة وأدواتها ، برغبته الدفينة ومشاعره المتبلدة وجه إرادته لإتمام الأفعال الإجرامية بحق شريحة عراقية أصيلة ، كما وجه كل أصابعه للمساهمة والمشاركة في إتمام الجرائم التي كان قد خطط لها ضد الكرد الفيلية .
وسواء في القانون الدولي أو الاتفاقيات الدولية أو في الدستور العراقي المؤقت منه أو الأساس ، فأن الركن الشرعي للجريمة واضح ومنطبق على السلوك ألأجرامي وماترتب عليه من نتائج كارثية بحق مجاميع من العراقيين لم يكن فعلها على الضحايا فقط ، وأنما انسحب الى الغير ، وحيث أن قواعد القانون التي تحدد السلوك ألأجرامي وتبين عقابه ، قد حددتها القوانين والأعراف الوطنية و الدولية ، بالإضافة الى أحكام القانون الدولي والالتزامات الدولية المتعلقة بالجرائم الداخلة في الولاية الوطنية أو الدولية ، فتكون الجرائم المرتكبة بحق الكرد الفيلية من الجرائم التي توصف بجرائم الأبادة الجماعية ، بالنظر للنتائج التي تحققت في أعداد القتلى والمغيبين ، ومن تم تنفيذ حكم الإعدام بهم بأي شكل من الأشكال ، بالإضافة الى المتوفين طمراً بالتراب وهم أحياء ، بالإضافة الى من قضوا نحبهم في الصحاري والمنافي غير الآهلة بالسكان لأي سبب آخر ، حيث بلغت أعداد الشهداء منهم عشرات الآلاف ، بالإضافة الى إعداد غير قليلة من الضحايا المعوقين والمرضى النفسيين جراء الأفعال الإجرامية المذكورة .
كما تدخل تلك الجرائم في باب الجرائم ضد الإنسانية لما تضمنته من انتهاكات في القتل العمد والإبادة والتعذيب والأبعاد ألقسري والحجز والحرمان الشديد والاضطهاد والأفعال اللاإنسانية وسلوك منحرف تجاه قوميات وأديان ومذاهب وأفكار سياسية .
ومع أن الجرائم المرتكبة موضوع البحث تعد من الجرائم المستمرة والمتلاحقة ، فان طابع التكرار وان اختلفت الضحايا ، فإنها طالت اعداد كبيرة من الكرد الفيلية دون إن يكون هناك ضوابط حقيقية للفصل بين المجني عليهم ، وهي وان كانت متشكلة من أفعال متكررة ومتتابعة إلا أنها وقعت ضمن نمط معين من الفعل ألجرمي من فاعل واحد ساهم معه جناة متعددين ، فهي جريمة واحدة وأن أفعال الشركاء والمنفذين للأفعال الجريمة كلياً أو جزئياً يتم معاقبتهم عليها باعتبارهم فاعلين أصليين ، كما يتم نقل الظروف المادية للجريمة المشددة الخاصة بالجريمة .
ثمة من يسأل عن مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في جريمة الكرد الفيلية ، والمحكمة الدولية هي مؤسسة دولية أنشأت بموجب معاهدة ملزمة للدول الأعضاء التي وقعت المعاهدة ، وهي ليست بديلاً عن القضاء الجنائي الوطني وأنما هي مكمل له ، وقد أنشأت بموجب نظام روما الأساسي الذي أعتمد من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية بتاريخ 17 تموز 1998 وتأريخ بدء النفاذ في 1 حزيران 2001 وفقاً للمادة 26 ، وتكون هذه الاتفاقية نافذة المفعول لفترة عشر سنوات تبدأ من تأريخ بدء نفاذها .
ويقول البروفسور محمود شريف بسيوني في الصفحة 20 من كتابه مدخل لدراسة إحكام واليات الإنفاذ الوطني للنظام الأساسي ، وهو من أساتذة القانون الدولي وأحد واضعي أسس نظام المحكمة الجنائية الدولية ومن المراجع القانونية الدولية الفعالة ، ورئيس المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول بشيكاغو ، ورئيس الجمعية الدولية للقانون الجنائي ، ورئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية (( أن الأختصاص الجنائي الوطني دائماً له الأولوية على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ، ولكن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها في حالتين فقط ( مادة 17 ) وهما :
الأولى: عند انهيار النظام القضائي الوطني
الثانية : عند رفض أو فشل النظام القضائي الوطني في القيام بالتزاماته القانونية ومحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم الجرائم الثلاث الموجودة حالياً في اختصاص المحكمة ، أو بمعاقبة أولئك الذين أدينوا والجدير بالذكر أن المعايير اللازمة لتحديد انطباق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مذكورة في المادتين 17 و 18 من النظام الأساسي . ))
ووفق ما ورد أعلاه فقد بقيت المؤسسة القضائية العراقية فاعلة وقائمة لم تتأثر مثلما تأثرت المؤسسة العسكرية بعد سقوط سلطة صدام ، كما أن النظام القضائي العراقي بما عرف عنه من متانة ورصانة كان مؤهلاً للنظر في الجرائم المعروضة امامه ، ولم يمتنع أو يتردد في التحقيق والمحاكمة وفرض العقوبات على من يتم تجريمهم من الجناة ، ولذا فأن المؤسسة القضائية العراقية احتلت الجانب الأول في مشروعية النظر في تلك الجرائم المحالة إليها .
أن المحكمة الجنائية الدولية تعتبر أعمالها نافذة من تاريخ بدء نفاذ الاتفاقية ونشؤها ، مما يجعلها غير مختصة للنظر في الجرائم التي وقعت قبل نفاذها ، وهذه مسألة في غاية الأهمية ، وبالإضافة الى إن هناك مسألة أخرى تقيد النظر في جرائم صدام من قبل المحكمة الجنائية الدولية ، وهي أن العراق لم يوقع على الاتفاقية الخاصة بالدول التي صادقت على نظام روما الأساسي ، وعدم توقيع العراق على القبول بالانضمام الى الدول المصدقة على نظام روما الأساسي سواء إن كانت الاتفاقية قبل دخولها في حيز النفاذ أو بعد دخولها في حيز النفاذ يمنع عملياً إحالة القضايا الإجرامية المتهم بها صدام البائد وزمرته في هذا المجال ، ولما كانت هذه المحكمة الدولية كيان قانوني ذا صفة دولية كما يشير البروفيسور بسيوني ، فأنها بالتأكيد ليست محكمة وطنية عليا ، وأن اختصاصها هو أختصاص تكميلي للأختصاص الجنائي الوطني ، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في اليوم الأول من شهر تموز 2002 ، وعليه فأن أمر الأحالة والأستناد الى المحكمة الجنائية الدولية لايمكن إن يكون عملياً ويحقق الغاية المرجوة في أظهار الحقائق وتجريم الطاغية ومعه الزمرة التي تعاونت في ترويع العراقيين وأرتكابهم الجرائم البشعة بحقهم ، ومن ضمنها قضية الكرد الفيلية .
أن الإجراءات البطيئة التي لازمت محاكمة الطاغية الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش في انتهاكات قوانين وأعراف الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، ومحاكمة رادوفان كرازاديتش زعيم جمهورية صربيسكا السابقة في البوسنة ، بتهمة الانتهاكات الكبرى لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ، وانتهاكات قوانين وأعراف الحرب والإبادة الجماعية ، سواء منها إجراءات التحقيق أو المحاكمة الدولية ، بالإضافة الى صعوبة الاستناد والتعرف على نصوص القوانين الوطنية من قبل المحكمة والقضاة الدوليين ، كما لايخفى التفاوت الواضح في تدرج العقوبات ، بين المحاكم الدولية التي لاتفرض عقوبة الإعدام على المدان من المتهمين ، وبين القانون الوطني الذي لم يزل متمسكاً بفرض عقوبة الإعدام على الجناة في الأفعال الإجرامية الخطيرة التي يحددها قانون العقوبات ، سواء منها قانون العقوبات البغدادي أو قانون العقوبات النافذ برقم 111 لسنة 69 ، وقانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 .
وحيث إن الجرائم المذكورة تعد من الجرائم الخطرة التي تهدد الجنس البشري ، فقد نصت جميع القوانين والنظم القانونية على عدم شمول تلك الأفعال الإجرامية بالتقادم .
وحين نؤكد من إن الجرائم البشعة التي ارتكبت باسم القانون من قبل الطاغية وأعوانه بحق الشعب العراقي ، والإنسانية بشكل عام ، فأننا نؤكد أيضا أن الشرائع السماوية أكرمت الإنسان ، فضلاً عما تشكله تلك الجرائم من تهديد جسيم للأمن والاستقرار والسلم الدوليين ، مما يستوجب إدانة تلك الجرائم ومعاقبة وتجريم مرتكبيها ، ويأتي دور القضاء العراقي والمحكمة الجنائية المختصة إحقاقا للحق ، واقتضاء لحقوق الضحايا والمتضررين ، والتأكيد على أن يكون دور المحكمة في إطار احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون ، التي غابت كلياً في محاكمات استثنائية وصورية وشكلية قام بها النظام ورموزه بحق العراقيين ، وأن الرسالة التي تبثها هذه المحكمة هي رسالة إنسانية سامية برهاناً على التنافر والتناقض في مفهوم الحق والحقوق ، ونؤكد أيضاً بهذا الصدد ونشير الى ضرورة توفير كافة السبل والوسائل العلمية والتقنية الممكنة لأجهزة العدالة ، لانجاز مهامها وواجباتها بالشكل المطلوب وبما لايعيق عملية أظهار الحقائق ، وبما لايغبن أحد من الضحايا في عمليات المفاضلة السياسية في أولويات الجرائم المرتكبة ، والتي يتم محاكمة الطاغية بموجبها .
ونود إن نبين وجهة النظر في قضية فرض عقوبة الإعدام على بعض الجناة ممن تتم إدانتهم في القضايا من قبل المحاكم ، حيث يشكل تنفيذ عقوبة ال‘دام بأي شكل من الشكال بالمدان نقطة أختلاف ووجهات نظر متعددة .
فقد شكلت عقوبة الإعدام والتي تعني أنهاء حياة المدان أو المجرم أو المذنب أو المحكوم عليه وفق قرار حكم قضائي بات صادر من هيئة أو جهة قانونية أو محكمة مختصة ، أسلوباً تعاملت به المجتمعات البشرية منذ القدم في معاقبة مرتكب الجريمة ، وقد تم فرض العقوبة منذ فترات قديمة في التاريخ ، وفي العراق بدأ تطبيق هذه العقوبة منذ أيام الحكم البابلي والسومري والأكدي والأشوري ، أذ يتم تطبيقها على من تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم معينة اعتمدتها النصوص المسمارية والقانونية والعرفية منها والنصية في تلك الحقب الزمنية تبعاً لفهمها وحضارتها وتطبيقاتها العقابية وفقاً لظروف وطبيعة المجتمع ، منها جريمة مساعدة العبد الهارب من سيده ، ومنها تمرد العبيد ، وكذلك الاغتصاب والزنا بالمرأة المتزوجة ، وإخفاء المال المسروق وغيرها من تلك الجرائم .
ثم تطورت هذه العقوبة في الفترة الرومانية واليونانية والفارسية ، بالإضافة الى ماشكلته القوانين ضمن قواعد وأحكام الأعراف القبلية في الجزيرة العربية والتي طورها وشذبها الإسلام ووضع لها القواعد والنصوص القانونية المستمدة من الشريعة ، حتى صار فرض العقوبة حصراً على المحاكم القضائية بعد أن يكتسب قرارها الدرجة القطعية بأن يستنفذ المحكوم جميع طرق الطعن القانونية ، بالإضافة الى صدور مرسوم جمهوري أو أرادة ملكية من اعلي سلطة تنفيذية بالأمر ليتم وتطبيقها من قبل الأجهزة المعنية بالتنفيذ .
ولعل من بين أهم الجرائم التي تعاقب بالإعدام ، والتي أستمر العمل بموجبها ، هي ارتكاب جريمة قتل الإنسان عمداً ، بالإضافة الى جرائم أخرى كانت تعاقب مرتكبها بالموت ، ثم جرى تعديلها وتخفيف الحكم على مرتكبيها أو إلغاء عقوبتها لعدم مسايرتها للعصر الحديث الدول المتمدنة ، أو انسجاما مع ثقافة وتطور الإنسان ووضع المجتمع المعرفي والأخلاقي بشكل عام ويأخذ الإعدام أشكالاً متعددة تتناسب مع الزمان والمكان ، سواء القتل بقطع العنق بالسيف أو الشنق أو رمياً بالرصاص أو الخنق في غرفة الغاز أو بواسطة الصعق الكهربائي أو بزرق السوائل المميتة بواسطة الحقن ، أو بوسائل أخرى مبتكرة القصد منها تخفيف معاناة المحكوم خلال عملية إنهاء حياته بإعدامه وأجتثاثة من المجتمع بعد ثبوت خطورته الاجتماعية ونزعته الإجرامية الخطيرة ضمن المجتمع .
وكان الإسلام قد أعتمد عقوبــــة الإعدام في قتل النفس تأسيساً على قوله تعالى : (( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . )) ( المائدة – 45 ). فجعل عقوبة الموت للقاتل بأن النفس بالنفس ، ثم تطورت نظرية العقوبة الجسدية المفروضة على القاتل وفق مبدأ القتل العمد ، والقتل غير العمد ، والقتل بشكل غير مباشر ، أو الضرب المفضي الى الموت ، أو القتل الخطأ ، أو القتل المقترن بقتل أخر ، أو بدوافع دنيئة أو تمهيدا لارتكاب جناية أخرى ، أو قام الجاني بالتمثيل بجثة المجني عليه أو كان المجني عليه من أصول الجاني ، أو اقترن فعل القتل بجريمة الشروع بالقتل أو باستعمال القاتل مواد سامة أو متفجرة أو حارقة أو كان القتل مقابل اجر أو استعمال طرق وحشية للقتل .
ومن الجدير بالذكر أن جميع قوانين العقوبات عدت جريمة القتل من الجنايات من حيث جسامتها، والجناية هي الجريمة التي يعاقب عليها القانون بعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لأكثر من خمس سنوات ولغاية خمس عشرة سنة.
وعد القانون الجزائي العراقي عقوبة الإعدام من العقوبات الأصلية ( أذ إن العقوبات أصلية وتبعية ) ، وعرف عقوبة الإعدام بأنها شنق المحكوم عليه حتى الموت ، أي إن القانون العراقي الجزائي حدد طريقة تنفيذ حكم الإعدام بوسيلة الشنق حتى الموت حصراً .
وعين قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي المرقم 23 لسنة 1971 المعدل الطريق القانوني لتنفيذ حكم الإعدام ، بان يودع المحكوم بالإعدام في السجن حتى تتم إجراءات تنفيذ الحكم ، حيث ينبغي إن يقترن الحكم الصادر من محكمة الجنايات المختصة والمقترن بمصادقة محكمة التمييز والتي سترسل اضبارة القضية مقترنة بمصادقتها على قرار الحكم بالإعدام ، الى وزير العدل الذي يتولى إرسالها الى رئيس الجمهورية لاستحال المرسوم الجمهوري بتنفيذ الحكم (وفي أحيان يصدر المرسوم بتخفيف الحكم أو أبداله أو بالعفو عن المحكوم ) ، وفي حال صدور المرسوم بالتنفيذ ، يقوم وزير العدل بإحالة القضية مقترنة بموافقة الرئاسة على التنفيذ ، وتنفذ عملية الإعدام شنقا داخل السجن في المكان المخصص لذلك بحضور هيئة التنفيذ ، بعد إن يتم تلاوة المرسوم الجمهوري القاضي بالتنفيذ، ويمكن للمحكوم عليه إن يدون أخر أقواله بواسطة القاضي المختص ، وبعد إتمام عملية التنفيذ يتم توقيع المحضر من قبل الحاضرين .
مع ملاحظة انه لايتم تنفيذ حكم الإعدام في أيام العطل الرسمية والأعياد والمناسبات الدينية الخاصة بالمحكوم ، كما يمكن للادعاء العام إن يرفع مذكرة لتأجيل التنفيذ إذا وجد إن المحكوم عليها امراءة وإنها حامل ، ويتم تأجيل التنفيذ بعد مرور أربعة أشهر بعد الوضع .
والإعدام في العراق اقتصر على الجرائم الجنائية العادية التي تصدر قرارات الحكم فيها من المحاكم الجنائية في انحاء العراق دون غيرها من الأحكام بعد إن تأخذ طريقها القانوني المرسوم في قانون أصول المحاكمات الجزائية ، حيث منعت المحاكم العراقية من النظر في القضايا السياسية أو الأمنية وكل قضية تحمل الطابع المناوئ للسلطة في الزمن الصدامي البائد ، حيث تم سلب اختصاص القضاء العراقي من النظر في جميع الجرائم التي يحكمها قانون العقوبات بقرارات أصدرها الطاغية وحصرها في مؤسسات أمنية جعلها تستحوذ على هذا الأختصاص ، و عمد صدام البائد الى خلق كيانات لها أسم المحكمة دون إي علاقة لها بالعدالة أو بالقضاء أو بالقوانين ، ولم يعمل فيها قضاة حقيقيين ، وأصدرت هذه المحاكم ألاف القرارات بالإعدام بما يخالف النصوص العقابية نفسها ودون تدقيق من أية جهة مختصة ، وتم تنفيذ هذه القرارات بإعدام الآلاف من الشباب العراقيين .
وعقوبة الإعدام تلجأ لها المحكمة تأسيساً على مبدأ القصاص والردع وتخليص المجتمع وحمايته من نوازع القاتل الإجرامية ، وتلزم المحكمة التي أصدرت حكمها بالإعدام أن ترسل أوراق القضية الى محكمة التمييز استنادا للفقرة د من المادة 224 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، تلقائيا خلال مدة عشرة أيام ولو لم يقدم المحكوم طعنا فيه وفقا لمقتضى نص الفقرة أ من المادة 252 من نفس القانون ، وللمحكوم إن يميز هذا القرار وكما له الحق في الطعن بقرار محكمة التمييز خلال مدة ثلاثين يوما أيضا .
ويدور الخلاف اليوم بين مؤيد لإبقاء وتنفيذ عقوبة الإعدام ، وبين من يريد إلغائها ورفعها من متن قانون العقوبات وإيجاد بدائل لها .
ويمكن إن نقرأ الأسانيد التي يستند لها لها المطالبين بإبقاء عقوبة الإعدام في حاجة المجتمعات الى الردع بالإضافة الى النص التشريعي الإسلامي الذي حدد النفس بالنفس ، وبالتالي يتطلب الأمر حماية المجتمع من الجريمة ، بوضع عقاب رادع وزاجر في إنهاء حياة الفاعل .
كما تنتشر الجرائم الإرهابية اليوم في العراق ، و التي تستخف بالحياة البشرية مما يشكل خطورة اجتماعية في تفشي الجريمة ، بالإضافة الى الأساليب الخسيسة وانحطاط القتلة واستسهالهم ارتكاب عمليات القتل ، مما يوجب أن يتم ليس فقط تخليص المجتمع منهم ، وإنما إيقاف جرائمهم وإنهاء حياتهم للمساهمة في القضاء على الجريمة والتخفيف من معدل الجرائم في هذا السياق كعلاج اجتماعي وقائي لحماية المجتمع من خلال تشريع قانون مسند لقانون العقوبات لمحاربة الإرهاب وإنزال العقاب الجنائي الصارم بحق القتلة .
إن لكل جريمة عقوبة تتناسب مع حجمها وخطورتها الاجتماعية ، وأن جسامة الفعل ألجرمي تتطلب أن ان يتحدد النص في عقوبة متناسبة مع هذه الجريمة ، ولهذا فقد تمسكت العديد من الدول بعقوبة الإعدام واستمرت على تنفيذها ، بينما حاولت عدد من الدول أن تحصرها في نطاق ضيق ومحدد ، بالإضافة الى الأعراف والتقاليد والقيم العشائرية في الأخذ بالثأر ، التي لم تزل يلتزم بها المجتمع العراقي في أضيق الحدود .
في حين يتنادى دعاة حقوق الإنسان بأن عقوبة الإعدام انتهاك لحق الإنسان في الحياة ، وان العقوبة ينبغي إن تكون أصلاحية لاانتقامية ، ومن الممكن اصلاح الجاني وأعادته الى الحضيرة البشرية بوسائل قانونية وتربوية ليعود عنصراً فاعلاً في المجتمع ، ومنحه الفرصة لأعادة تأهيل نفسه .
أن الحياة حق من حقوق الإنسان لايمكن إن يتم سلبها لأي اعتبار أو سبب كان ، إلا بإرادة الله الذي منحها ، وبالتالي فأن المحكمة لاتعدو إلا تجسيد للإرادة البشرية التي يجب إن لأترقى لمستوى سلب الحياة من المخلوق ، كما أن عملية الإعدام مهما كان شكلها وطريقتها تشكل هي الأخرى جريمة ، ولايمكن أن تحل مشكلة جريمة بارتكاب جريمة أخرى .
ويحتدم النقاش حول نتيجة الحكم القضائي الذي أصدرته المحكمة الجنائية المختصة في العراق بحق المتهم الدكتاتور العراقي صدام حسين ، وأيضا حول طريقة تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر بحقه وأكتسب درجة البتات من عدمه .
يتبع-الجزء الثالث