الصدريون نادمون على عدم تشكيلهم حزباً سياسياً يمثل (بنيتهم) في حركة الحياة العراقية
محللون بريطانيون:المالكي (ألغى) الصدريين بانتزاع مبدأ (جدولة رحيل الأميركان) وتطبيق (الأجندة الوطنية)
في غضون سنة تحول الصدريون من (حلفاء مؤقتين) لـ (المالكي) الى خصوم و"عقدة" تمكن من تفكيكها كما يرى محللون بريطانيون عبر انتزاع شعار (جدولة الانسحاب) الذي رفضه رئيس الوزراء، فانسحب الصدريون، فرفع هو الشعار ذاته، ليتحول الصدريون الى (الفشل) برفع شعار (الرحيل الفوري للقوات الأميركية) غير الموضوعي وغير القابل للتطبيق مهما كانت الظروف –بحسب رأي المحللين البريطانيين- لأنّ حدوثه قد يعني نهاية حكم الأغلبية الشيعية. ويعتقد المحللون الذين يذهبون الى أن حركة التيار الصدري التي تلاشت سلطتها العسكرية من الشارع، بدأت الآن تتهاوى تحت ضربات (الحصار الحكومي والأميركي والسياسي من قبل أحزاب شيعية عدة) ويمكن أنْ تكون هذه الضربات أولى مؤشرات (الغياب الحقيقي) عن ساحة السياسة العراقية. ومن جانب آخر استطاع (المالكي) بأجندته الوطنية واللاطائفية وبالتعاون مع السنة الى مستويات مقبولة لدى أطراف عديدة منهم حتى الآن، أن يسحب البساط من تحت الصدريين، إذ لم يعد لهم شيء يتميّزون به عن الحزب الحاكم.
ويدخل المخططون الأميركان –برأي المحللين البريطانيين- عنصر تأثير قوّي عندما أكدوا للحكومة قبل سنوات أن (حصار مدينة الصدر وتقسيمها وفرض السيطرة عليها وإنهاء حكم الميليشيات فيها) هو السبيل للقضاء على أكبر التيارات السياسية المؤثرة في الشارع الشيعي، والتي تشكل (مصدر إزعاج خطير) للولايات المتحدة ولحلفائها السياسيين.
يقول المحلل السياسي (بيتر غراف) مراسل وكالة رويترز للأنباء في بغداد إن الساحة العملاقة التي يتجمع فيها الكثيرون جداً من أتباع الصدر كل جمعة لأداء الصلاة، قد أخذت من قبل جنود عراقيين وتحولت الى قاعدة عسكرية حكومية، وأحيطت بجدران كونكريتية وبأبراج عالية للمراقبة. وربما هي المرة الأولى الذي يحدث فيها مثل هذا الشيء، منذ أن ظهر رجل الدين (مقتدى الصدر) في المشهد السياسي ليقود الانتفاضتين الكبيرتين ضد القوات الأميركية في سنة 2004. ولقد أصبح الآن ممكنا تخيل الصورة التي سيكون عليها العراق، و(الدور السياسي المحتمل المحدود) لـ (مقتدى الصدر) ولأتباع تياره، السياسيين أو المسلحين الذين حملوا تسمية (ميليشيات جيش المهدي).
وفي عطلة الأسبوع –يقول المحلل السياسي- كانت الساحة في مدينة الصدر الفقيرة فارغة. وثمة جندي عراقي كان يختلس النظر الى المكان وهو يقف الى جانب سيارة مدرعة، تحط عند أحد الأبراج المدججة بالسلاح في القاعدة الجديدة، المقابلة مباشرة لمقر حركة التيار الصدري في المدينة. ومن داخل هذه البناية التي كانت ذات يوم مصدر التحكم بحياة ما يقرب من مليوني مواطن من فقراء بغداد، يسكنون أحياء مدينة الصدر التي يقدر البعض عدد نفوسها بأكثر من 3 ملايين ساكن، يشعر الصدريون أنهم يتعرضون للاضطهاد من قبل قوات الحكومة التي وصلت الى هذه المدينة فقط قبل ستة شهور.
ويشكو من ذلك (أبو عمار السعدي) الزعيم العشائري الذي يحتل أفراد عائلته مواقع مهمة داخل حركة التيار الصدري: ((لقد كذبوا علينا)). وأضاف قوله: ((كانت الحكومة قد قالت: نحن نريد فقط أن ندخل الى المدينة لإلقاء القبض على بعض الأشخاص المطلوبين. وليس لتأسيس القواعد العسكرية. وبعد ذلك، دخلوا وبنوا القواعد في المدينة)).
وبعد ستة شهور تمكنت قوات الحكومة العراقية والقوات الأميركية من طرد مقاتلي ميليشيات جيش المهدي الذي كان ((مخيفاً)) ذات يوم من شوارع مدينة الصدر، ومن العديد من مدن جنوبي العراق، فيما هاجر العراق الكثيرون من قيادات هذه الميليشيات، وأصبح (الصدر) نفسه شبه معتقل أو (رهينة) في إيران، ولا أحد يمكن أن يستدل بالتحديد ما هي تداعيات قضية كهذه فرضت على (مقتدى الصدر) المكوث في إيران حتى الآن، غير اللافتة التي ترفع بهذا الصدد والتي تقول إنه موجود هناك للدراسة ولاستكمال (درجته العلمية الحوزوية) كي يصبح ذات يوم قريبا بمقام (آية الله) أي الشخص المقلـَّد بين أتباعه، طبقاً لما هي عليه اعتقادات الشيعة في العراق أو في إيران الذين ينظرون بقدسية الى فتاوى علماء الدين والمراجع، وهي قضية لوحدها يمكن أن تثير في النجف أو قم المزيد من (اللغط) في ما لو جرت، كما يتوقع خصوم التيار الصدري.
والسنة الماضية –يقول بيتر غراف- سحب (الصدر) وزراءه من التحالف الحكومي. لكنه في السنة الحالية فكك جيش المهدي. وكلا التطورين معاً يعنيان أنه فقد سلطته السياسية في الحكومة، فيما خسر في الوقت نفسه سلطته في الشارع، وهيمنته السابقة على الأحياء الفقيرة التي كان أتباعه يمسكونها بقوة. وبتوقيع الحكومة العراقية الاتفاقية الأمنية التي تحدد (الجدولة المؤكدة) لرحيل القوات الأميركية عن العراق بعد ثلاث سنوات، تمكنت من تحقيق هذا الهدف الذي طالما دعا إليه (الصدر) من دون الحاجة الى وجوده في مجلس الوزراء، وبصرف النظر عن حجم تأثيره في البرلمان، إذا ما جرى التصويت على الاتفاقية اليوم الأربعاء أو يوم غد الخميس.
من جانب آخر يقول (ريدر فيشر) المؤرخ السياسي النرويجي، والخبير في المجتمعات الشيعية بجنوبي العراق: ((بالتأكيد هناك فضاء قليل الآن في سياسات العراق بالنسبة للحضور الصدري)). وأضاف قوله: ((ويبدو الأمر كما لو أن الصدر يكافح الآن من أجل أن يُبقي سيطرته على حركته)).
وما فتئ رجل الدين المعادي للأميركان والذي يدعو الى رحيلهم الفوري من العراق، يلهم الكثيرين من أتباعه ولاسيما في أوساط الفقراء الشيعة الذين يسكنون في حي شعبي تكون في الخمسينات من القرن الماضي عبر هجرة الألوف من العوائل التي هربت من إقطاعيي الجنوب. ويشاهد الداخل الى مدينة الصدر –كما يقول مراسل رويترز- أكوام الأزبال وتراكم مياه المجاري، وإلى جانب ذلك عشرات الشعارات التي تكتب على الحيطان ضد الحكومة وضد القوات الأميركية، والتي تعد بانتصار (ميليشيات جيش المهدي) ذات يوم. وفي مدينة الصدر غالباً ما تعلق الأعلام السود فوق الكثير من البيوت وفي الطرقات الى جانب صور الشهيدين (الصدر الأول) و(والد مقتدى) آية الله (محمد صادق الصدر) اللذين قتلا في زمن الرئيس السابق (صدام حسين) فأصبحا أكبر ملهمين للحركة التي قادها (مقتدى) الذي مازالت صوره تُشاهد في كل مكان من شوارع المدينة، لكن سكان المدينة لم يعد يُجبرون على رفع الصور ولصقها على أبواب بيوتهم كما كان يُطلب منهم قبل ستة شهور.
ويرى المحلل السياسي البريطاني (بيتر غراف) أن العزلة وما يسمّيه (الاستثناء الاجتماعي) اللذين يعانيان منهما الصدريون الآن، قد حلّا بسرعة، بعد ذلك الظهور السريع لهم في الأحياء الفقيرة، ولاسيما في مدينة الصدر التي كانوا (أسياداً) فيها، فأضحوا (مطاردين) بعد أن قسمها الجيش الأميركي الى نصفين، واجتاحتها القوات الأمنية العراقية، وفرضت فيها ما تسمّيه الحكومة (سلطة القانون). وبرغم التأييد الذي كان يحظى به الصدريون (بالترغيب أو بالترهيب) أو من خلال قناعة الألوف بمسيرة التيار الصدري وانتمائهم إليه، فإن هناك (شبه رضا) في أوساط العشائر الجنوبية الأصل التي تتكون منها المدينة، لأنهم الآن القوة الشعبية المؤثرة الثانية بعد الأحزاب السياسية الشيعية التي أخذت تعمل في المدينة وتؤسس لها حضوراً بديلاً، ولاسيما المجلس الأعلى الإسلامي، وحزب الدعوة. لكن ذلك لا يعني قدرتهما على تغييب التأييد نهائياً للتيار الصدري، برغم خوف الناس من الدعوة إليه علناً.
وحسب تقييم (بيتر غراف) فإن هذه المدينة التي تحتل أكبر المساحات من مركز بغداد، لا تكاد تربطها بـسكان ((الطبقة الوسطى)) في العاصمة أية رابطة، حالها كحال الضواحي الريفية التي تحيط ببغداد. والجذور الريفية الجنوبية مازالت بادية على السكان وتلاحظ بدقة من خلال (التاتو) أو الوشم العراقي التقليدي على وجوه النساء المسنات، فيما تتركز لغة الانتماء من خلال طبيعة بناء البيوت البسيطة، وأشكال الأسواق، أو من خلال تراكم القمامة في الشوارع التي تشعر الزائر الى المدينة بأنها مهملة ولا تلقى العناية من الدولة إلا في أماكن رئيسة من المدينة التي تمتد على رقعة جغرافية واسعة. ومازالت مظاهر الريف بادية على السكان من خلال تربية الحيوانات ولاسيما الخراف.
إن (الفاقة) بادية على كل مظاهر مدينة الصدر كما يقول المحلل السياسي البريطاني. وفي سوق مريدي المزدحمة دائما بالسيارات والناس والباعة من كل شكل، ترى قطع الأثاث والأجهزة الكهربائية والمنزلية ومحال الخضار والفاكهة واللحوم وكل ما يمكن أن يباع في الأسواق مطروحاً في الشارع بفوضى غريبة قد لا يجدها الناظر في مكان آخر من العراق، حتى في الجنوب. الناس محشورة في البيوت الضيقة الصغيرة والأزقة مليئة بالأطفال، وحتى المدارس تختلف عما هي عليه في مدن أخرى. وبرغم أن المدينة تشكل كتلة شيعية هائلة –بافتراض أن الحكم للأغلبية الشيعية الآن- إلا أنّ المدينة كما يقول سكانها تعاني منذ الغزو من إهمال أكثر مما كانت عليه الحال زمن الرئيس السابق (صدام حسين) الذي اعتادت قواته تطويق المدينة مع كل حدث ديني أو سياسي خوفاً من تفجر ثورة شعبية فيها ضد الحكومة. وهي الحال التي يبدو أنها لم تنته مع سقوط النظام، وتشكيل نظام جديد يهيمن عليه الشيعة. وحتى الصدريون –كما يرى سكان المدينة- لم يكونوا قادرين على تقديم خدمات صحيحة للناس طوال مدة سيطرتهم فيها لأكثر من خمس سنوات، مع أن الشعار الذي يرفعه الصدريون دائما هو أنهم ((الناطقون باسم المظلومين)).
ولا يختلف أحد –كما يقول بيتر غراف- على أن هناك حركة عاطفة كبيرة في المدينة معادية للأميركان ذلك أنهم يفترضون أن التغيير الجديد سيقودهم الى أنْ يخرج من بين ظهراني سكان المدينة من يمسكون المواقع القيادية في السلطة بعد سنوات طويلة من الظلم والإهمال، لكنّ الأمر لم يختلف كثيراً، إذ ما فتئ فقراء الشيعة في هذه الأحياء الآيلة للسقوط مصدراً هائلاً للكادحين من عمال البلدية والباعة والكسبة والجنود ورجال الشرطة. وينشغل سكان المدينة غالباً بالأعمال السياسية والتظاهرات المضادة للاحتلال، فيما يشاهد (تأثير واضح) للحضور الإيراني من خلال معارض الكتب أو من خلال صحف تصدر في المدينة ويقال إنها مدعومة من قبل مؤسسات دينية إيرانية. وفي الجمعة الأخيرة زحف أكثر من عشرة آلاف رجل الى ساحة الفردوس ببغداد ليؤدوا صلاة الجمعة وليقوموا بتظاهرة كبيرة تساند كتلة الصدر في البرلمان وتدعو الى إفشال توقيع الاتفاقية الأمنية التي عدّها رئيس وزراء الحكومة (نوري المالكي) الطريق الوحيد لتخلص العراق من الاحتلال الأجنبي ضمن خطة محددة، فيما عدّها (مقتدى الصدر) في بيان قرىء نيابة عنه ((وصمة عار)).
ومنذ سنة 2005 –يؤكد المحلل السياسي البريطاني- فشل الصدر في تحالفاته التي عقدها مع الإئتلاف ومع (حزب الدعوة) و(المالكي) على وجه التحديد في أن يحوّل تياره من سلطة التمرّد في الشارع الى (سلطة سياسية) قوية في الدولة. لقد تلاشى مثل هذا (الهدف) تدريجياً من خلال مواجهات عسكرية وسياسية عديدة، كان أصعبها (التضادّ العنيف) بين التيار الصدري وبين أتباع المجلس الأعلى الإسلامي الذي يقوده (عبد العزيز الحكيم) ومن ثم (التضاد الأعنف) مع الحكومة وحزب الدعوة الذي يقوده (المالكي). وكان من أصعب الضربات التي لحقت بالتيار وبجيش المهدي أنهما عدا من قبل السنة –وكانت للصدريين علاقة جيدة بالمؤسسات السنية وبكتلها السياسية- مصدراً أساسياً من مصادر ((العداء الطائفي))، وهي قضية يعاني منها الصدريون حتى الآن بدليل تأييد الأحزاب والمؤسسات السنية للحكومة في الهجمات التي نفذتها ضد الميليشيات الشيعية بمساعدة القوات الأميركية قبل ستة شهور تقريباً، وكانت بداية (غياب) أو تلاشي تأثير الصدريين في الشارع الشيعي.
وبرأي المحللين السياسيين أن (التيار الصدري) خسر شعاره بـ((جدولة الانسحاب)) الذي دعا إليه لسنوات، والذي كان ذات يوم سبباً لانسحاب وزراء التيار من الحكومة، لأنّ الخصومة بين التيار وبين الحكومة لأكثر من سنة، حوّلته الى (شعار الترحيل الفوري) بينما تمسكت حكومة (المالكي) بجدولة الانسحاب في مفاوضاتها مع القوات الأميركية. وبدا للمحللين أن (الصدر) قد يكون على تنسيق مع الإيرانيين بهذا الخصوص، ولاسيما أنّهم كانوا (وسطاء مؤثرين) في إنهاء مواجهتين عسكريتين كبيرتين لجيش المهدي مع الحكومة في البصرة وفي بغداد، ومن ثم قرار حل الجيش نفسه والاكتفاء بما سمّاها (الصدر) بعض (نخبه المقاتلة).
وفي الوقت الحاضر –يقول بيتر غراف- إن الصدر لم ينجح حتى الآن في توجهاته السياسية التي قال إنها تركز على خدمة الناس وعلى الانشغال بالثقافة والتربية، ويبدو أن طبيعة أنصاره تميل الى الممارسات العسكرية والقوة وفرض الهيمنة في الشارع والمدن، ولاسيما أن الأوساط التي تتشكل منها حركة التيار الصدري فقيرة وتبحث عن المكسب المالي، ولعل (الصدر) نفسه كان يعاني من نفوذ عناصر، استغلت جيش المهدي، وتحوّلت الى ما يشبه العصابات التي تعمل لنفسها ولملذاتها ومكاسبها، وقد تبرّأ منها (الصدر) علنا وقال إنّ مجاميع كهذه انتهت ولا علاقة لها بالتيار الصدري.
ويرى القادة العسكريون الأميركان، ومنهم العقيد (جون هورت) قائد القوات الأميركية في مدينة الصدر أن جزء المدينة الذي لا يقع تحت سيطرة الأميركان (أي الجزء الشمالي منها) يعرقل حركة الحياة في المدينة، لأن المتمردين برأيه مازالوا ذوي حضور كبير فيه. ويخمن العقيد أن هناك 800 الى نحو 2000 من مقاتلي جيش المهدي قتلوا خلال المواجهات، علاوة على أعداد كبيرة من الجرحى. ويزعم الأميركان أن سبب المواجهة الحقيقية مع الأميركان أن الأخيرين حرموا عوائل متنفذة في التيار الصدري من الأموال التي كانت تجبيها من تجار الأسواق بطريقة ابتزاز يتذمر منها التجار ولكنهم يخشون القتل أو حرمانهم من العمل.
ويشعر الصدريون أنهم معزولون تماماً عن حركة الدولة والقوات الأمنية والبرلمان. ويقول (أبو زهراء) المستشار الإعلامي في التيار الصدري: ((استخدمنا المالكي في تحصيل الأصوات لصالحه لكنهم لم يعطونا شيئاً)). ويقول الصدريون إن خطأهم الكبير أنهم لم يشكلوا حزباً سياسياً وطنياً رسمياً، يوفر لهم (بنية تحتية سياسية) تمنحهم القدرة على المواجهات السياسية الى حد التنافس في الانتخابات الإقليمية المرتقبة في الحادي والثلاثين من كانون الثاني المقبل. ويعتقد الصدريون أن حزب الدعوة والمجلس الأعلى سرقا تضحياتهم في العراق لسنوات طويلة فيما كان هذان الحزبان لما يقرب من عقدين يعيشان في المنفى.
المصدر : النور الصادرة عن الملف برس