اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
منظمة عراقية:معظم النساء المحتجزات تعرّضن لحالة اغتصاب منظم من قبل ضباط التحقيق
قصة عذابات (خالدة) وتحطّم عائلتها بدأت عندما اقتحم مسلحون بملابس الشرطة وزارة النفط
26/11/2008
(اغتصاب آلاف من النساء خلال الحرب): مشكلة حقيقية، وحساسة جداً، ولم يحاول إلا (القلة) المساهمة في التخفيف من عبء (الجريمة) التي تعرّضت لها أولاء النساء، منهن من لم تستطع البقاء في العراق، فلجأت الى الخارج..أي إلى عاصمة عربية قريبة أو أخرى هرباً من العار ومن القتل أو خوفاً من أن تتكرر التجربة المؤلمة. وهناك في الخارج استمرت العذابات مع الحاجة والإقامة و(محاولات اعتداء جديدة).. وهنا في العراق، تواصلت عذابات من لجأت من المغتصبات الى بعض بيوت (الشبكات السرية) التي فتحتها منظمات إنسانية لإيواء نساء طردن من بيوتهن ولم يبق لهن خيار إلا أن يقبلن بسجن اختياري. وحتى هذا السجن، ظل إلى الآن هدفاً لميليشيات ولمواقف عشائرية. الرجال تخلوا عن زوجاتهم المغتصبات وكذا الآباء والأمهات والأخوان.
ولحد الآن برغم كبر حجم المشكلة التي تتستر عليها أطراف عديدة، لم تحاول الحكومة دراسة هذه المشكلة جدياً، لبحث أحوال مغتصبات رغم أنفهن، كن في الغالب ضحايا للاحتلال وللحرب الطائفية. و(خالدة) التي انتزعت من وظيفتها في وزارة النفط بحجة التحقيق معها، واحدة من آلاف مررن بهذه (العقدة القاتلة) إذا لا حل لها في العرف الاجتماعي العراقي إلا الموت مع أن المرأة لا ذنب لها سوى أنها كانت في عائلة لم تستطع حمايتها.

ويرى تقرير نشرته صحيفة أميركية أن غالبية النساء المحتجزات لدى الحكومة لسبب أو لآخر من بينه (تهمة الإرهاب) تعرضن لاغتصاب منظم من قبل ضباط التحقيق. ولما ظهر أن الكثيرات جداً من أولاء النساء بريئات وأطلق سراحهن لم يتمكن من العودة الى بيوتهن فالموت بالتأكيد يكون بانتظارهن أما الجاني (المغتصب) الذي (اعتدى) وهو يلبس ثوب (الحامي) فلم يتعرّض للعقوبة بسبب الانفلات واللاقانون والفوضى التي كانت نتاجاً طبيعياً للاحتلال ولحرب طائفية مقيتة، أتلفت أشياء كثيرة ومنها شرف بائسات كن ذات يوم بنات عوائل أو زوجات صالحات أو أمهات وأخوات مستقيمات. إن المعنى الحقيقي لهذه المشكلة المعقدة هو أن الجميع حتى الحكومة ورجال الدين تخلوا عن مسؤولية (العطف) على نساء لم يكن لهن نصيب من (القوة العائلية) التي تحميهن، فتحوّلن الى (لقمة سائغة) لأنياب كل ذئب داخل العراق أو خارجه.

تقول الصحيفة الأميركية: ثمة عدد كبير من ضحايا الاغتصاب في العراق مازالت قضيتهن منسية أو مهملة تماماً. وكثيرات جداً ممن تعرّضن لهذه التجربة العنيفة واللاإنسانية، هربن الى العاصمة الأردنية عمان، أو الى عواصم أخرى، لكنهنّ حتى الآن غير قادرات على استشارة طبيب مختص، أو تلقي العلاج.

وتؤكد (آنا بادخين) مراسلة صحيفة الكريستيان ساينز مونيتور: كما لو أنها تحاول أن ترتدّ عن ذكرياتها الخاصة، تنكمش (خالدة) في كرسيها مع كل جملة تقولها، وهي تروي كيف أن رجالاً مسلحين، وعلى ما بدا لها إنهم يعملون في وزارة الداخلية العراقية، اختطفوها، وضربوها، ثم اغتصبوها، ورموها على رصيف شارع ما ببغداد!.

ولم تنته معاناة (خالدة) بعد هربها من العراق، ولجوئها الى العاصمة الأردنية (عمّان). وعندما علم زوجها، أنها اغتصبت، تركها وابنيها الشابّين. وانتشرت الشائعات سريعاً في عمان؛ فكل شخص في الحارة التي تسكنها عرف أنها من دون رجل في بيتها. والشهر الماضي، اقتحم جارها الأردني شقتها وحاول اغتصابها أيضاً.

ولم تبلغ (خالدة) عن الحادث الأخير. فهي على شاكلة مئات الألوف من اللاجئين العراقيين في الأردن، لا تمتلك رخصة رسمية للإقامة في الأردن والعمل، ولهذا فهي تخاف من أن مراجعتها للسلطات، طلباً للمساعدة ستنتهي الى تسفيرها من الأردن. ولهذا فإنها بدلاً من أنْ تطالب بعقاب رادع لمن هاجمها في بيتها، أغلقت عليها باب شقتها، وامتنعت عن الخروج الى الناس. وقصتها –كما تقول مراسلة الكريستيان- تلقي الضوء على مشكلة مازالت مهملة بشكل كبير أو هي تُبحث على نطاق ضيّق، لكنها مع ذلك تُفهم من الآخرين بشكل سيء. وتؤكد المراسلة قولها: إن ضحايا الاغتصاب من العراقيات، مازلن يعشن في الأردن بطريقة غير مشروعة، ومن دون حماية، أو علاج، أو رعاية من أحد.

وتقول المراسلة إن الاعتداء الجنسي، وبوزن ثقيل التأثير، يُعدُّ (وصمة عار) في الشرق الأوسط، وغالباً ما تخاف الضحايا من التحدث بشأن مثل هذا الاعتداء الى أي شخص، خشية أن تهجرهن عوائلهن أو تنتقم منهن. وبالنسبة لحال المتعرضات للاغتصاب واللاجئات الى الأردن، فإنّ الوضع المهزور وغير القانوني لإقامتهن، يتركهن خائفات من طلب المساعدة، ويبقيهن عرضة لاعتداءات جنسية جديدة، أو في الأقل التعرض لسوء المعاملة. وهن في الحقيقة يخشين من مقاضاة سلطات الهجرة الأردنية، بقدر خوفهن من العودة الى العراق.

يقول (عمران رضا) رئيس بعثة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عمان، وهي المنظمة الرئيسة التي تساعد العراقيين في الأردن: ((إن عدم توفر الوضع القانوني لهؤلاء النسوة يعرضهن لقلة الحماية، ويضعهن في مثل حالات الابتزاز هذه)). وأضاف (رضا) قوله: ((إن نساء مثل خالدة هن بالتأكيد، يعشن ضمن ظروف واهنة، وأكثر ضعفاً من اللاجئين الذين يكون وضعهم في المكوث قانونياً)).

وتؤكد الكريستيان ساينز مونيتور أن الاغتصاب سلاح شائع في أي حرب: ولا أحد يعرف كم امرأة عراقية اغتصبت منذ بدء الحرب سنة 2003. ومعظم الجرائم التي ارتكبت ضد النساء ((لم يُبلغ عنها، بسبب الخوف من وصمة العار، والخوف من الانتقام، أو بسبب ضعف الثقة بإجراءات الشرطة)). ومنظمة (MADRE) المجموعة الدولية لحقوق المرأة، كتبت في تقريرها لسنة 2007 بشأن ممارسات العنف ضد النساء في العراق. وبعض النساء، مثل (خالدة) اللواتي اغتصبن من قبل أشخاص تابعين لقوات الأمن العراقية. وقد وجد تقرير نشر سنة 2005 من قبل الجمعية الوطنية العراقية لحقوق الإنسان، أن النساء اللواتي اعتقلن في مراكز الاحتجاز التابعة لوزارة الداخلية ((تعرّضن لعمليات اغتصاب منظم من قبل ضباط التحقيق)).

وهناك حفنة من المنظمات تعمل في العراق من أجل مساعدة ضحايا الاغتصاب. وتدير منظمة (MADRE) بالتنسيق مع منظمة حرية النساء في العراق، عدداً من الملاجئ والبيوت الآمنة في بغداد لإيواء ضحايا الاغتصاب، وفيها هذه الأماكن تحظى المرأة ببعض الرعاية الصحية والنفسية.
وتشير الصحيفة الأميركية الى أن الميليشيات غالباً ما تهاجم الجماعات التي تدافع عن حقوق المرأة في العراق، ولهذا فإن هذه المنشآت، تعد (شبكة سرية) تدار في الغالب –كما يقول (يفات ساسكيند) مدير الاتصالات في منظمة MADRE- من قبل شخص يعرض نفسه للخطر بافتتاح بيت لإيواء الضحايا. وأكد أن البيوت التي افتتحت للضحايا ساعدت آلافاً عدة من النساء العراقيات اللواتي تعرّضن للاغتصاب منذ سنة 2003. ومعظم النساء اللواتي مررن بهذه التجربة يعملن في بيوت الإيواء هذه من خلال نساء أخريات.

إن توثيق الاعتداءات الجنسية في العراق من قبل باحثين دوليين –كما تقول الصحيفة- يبقى معقداً، بسبب موجات العنف واسعة الانتشار. وتؤكد (ماريان مولمان) التي تقود منظمة الدفاع عن المرأة، التابعة لمنظمة حقوق الإنسان ومقرها نيويورك التي أصدرت تقريرها السابق بشأن الاغتصاب في العراق خلال سنة 2003، قولها: ((هناك قضية أمنية، لذا لم نكن قادرين على تحصيل معلومات أكيدة ودقيقة عن الاغتصاب من خلال طول المتابعة)). وبالطريقة نفسها، لا أحد حاول تخمين عدد اللاجئات اللواتي تعرضن للاغتصاب سواء كن في العراق أو في الأردن، طبقاً لما قاله (محمد الحباشنه) الطبيب النفساني الأردني الذي يعمل مع ضحايا الاغتصاب العراقيات.

وقد عالج (الحباشنه) حوالي 40 من ضحايا الاغتصاب من الكآبة السريرية، وما يسمّى فوضى الإجهادات المؤلمة. ولكنه يخمّن إنهن جزء فقط من اللاجئات اللواتي تعرّضن للاغتصاب. وتقول (آنا بادخين) مراسلة الكريستيان ساينز مونيتور إن المعالجة لدى الأطباء النفسانيين مثل (الحباشنه) تكلف بين 25 الى 40 دولاراً في كل زيارة. وهذا المبلغ باهظ جداً بالنسبة لمعظم اللاجئين العراقيين الذين يعيشون مثل (خالدة) على الكفاف بتلقي مساعدة مالية من الوكالات الدولية لا تزيد على 100 دولار شهرياً. والعديد من الضحايا يتخوفن من الخروج من بيوتهن أو الذهاب الى العيادات خشية أن يحتجزن من قبل السلطات الأردنية ويسفرن الى العراق.

ولمساعدة أولاء النساء، فإن منظمات حقوق المرأة في الأردن يجب أن تنسق مع الوكالات الدولية من مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNFCR) لتوفير العلاج والبرامج التي تساعد الضحايا على كسب المال ((لأن المغتصبات غالباً ما يُعزلن عن عائلاتهن، ولهذا فهن لا يمتلكن وسيلة لتحمّل التجربة التي مررن بها))، طبقاً لما تقوله (ساسكيند).

لكن هذه المصادر غير متوفرة حتى الآن لمعظم العراقيات من ضحايا الاغتصاب في الأردن. وليس هناك مجموعات مساعدة، ولا جهات استشارية، ولا أحد يساعد (خالدة) عندما تستعيد في ذاكرتها تلك الأحداث المؤلمة التي حفرت أخاديدها في ذاكرة هذه المرأة التي كانت عذاباتها بعض نتاج الاحتلال والحرب الطائفية. وتروي (خالدة) أن رجالاً كانوا يرتدون زي الشرطة الرسمية، دخلوا الى وزارة النفط التي تعمل فيها، واعتقلوها بذريعة استجوابها. ولم تستطع المسكينة إخبار زوجها، لكنه خمّن أنها تعرّضت للاغتصاب. والآن لا تلوم (خالدة) زوجها لأنه هجرها، أو لأنه تركها عرضة لنهش بعض الرجال الذين يحاولون افتراسها. وتقول عن زوجها: ((لدي رقم هاتفه. وأحيانا أتصل به، كي يتحدث معه الأولاد. وبعض الأحيان لأنني أحبه، أحب أنْ اسمع صوته. ولكن بمجرّد أن أقول آلو يغلق الخط)).

المصدر : النور الصادرة عن الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima