اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
المحاصصة أهم العوامل التي كرست الفساد وحمته ومنعت المحاسبة وأدت الى تعثر الإعمار
العراق كان جسداً من دون روح فأصبح روحاً من دون جسد
25/11/2008
بغداد: جعفر الأحمر (الحياة) - «العراق كان جسداً من دون روح فأصبح روحاً من دون جسد». بهذه العبارة اختصر عراقي وضع بلده حالياً، مقارنة بما كان عليه خلال حكم نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

«الروح»، التي يعتقد صديقنا العراقي ان وطنه استعادها، هي مجموعة قيم تحققت بعد سقوط النظام السابق، كالحريات والانتخابات والتنافس السياسي، لكنه خسر «الجسد» المتمثل بالخدمات والاستقرار الأمني وسواها.

كانت هذه أبرز الخلاصات التي خرج بها حوار، أشبه بطاولة مستديرة، على متن الطائرة التي أقلتنا من بغداد الى لندن، بعد حضور مؤتمر جمعية الكندي للمهندسين في العاصمة العراقية، إذ تحلق عدد من المهندسين العراقيين المهاجرين الذين شاركوا في المؤتمر لتبادل الآراء وتقويم تجربتهم بعد احتكاكهم بزملائهم وأهلهم وبعض المسؤولين.

واللافت ان النقاش ابتعد عن الشأن السياسي المباشر، خصوصاً الاتفاق الأمني، ولم يلامسه إلا من زاوية علاقته بعملية الإعمار والخدمات التي انصب النقاش حولها.

بعد 5 سنوات ونصف السنة من اقامة نظام حكم جديد على أنقاض النظام السابق اتفق معظم المشاركين في الحوار على ان «انفتاح أفق جديد للتغيير والتطوير لم يكن ممكناً في ظل النظام السابق».

ومن هذا المنطلق، غير العدائي عموماً للنظام الجديد، شرّح المهندسون الوضع الحالي في بلادهم، مركزين على تطور عملية اعادة الاعمار في مختلف المجالات والخلل الذي تعانيه. وبما ان المشاركين اكاديميون وليسوا سياسيين، جاءت شهاداتهم واضحة ودقيقة في تحديد المشاكل، وأسهب الجميع في اعطاء أمثلة وأدلة.

أجمعت الآراء على وجود خلل كبير في عملية اعادة الاعمار في مختلف المجالات، لا سيما في الخدمات الأساسية كتأمين المياه والكهرباء والهاتف، فضلاً عن المشاريع الانشائية، وتباينت في سبل معالجتها. واعتبر الفساد، الذي شكل مفاجأة للكثيرين بمدى تغلغله، ليس فقط في الادارات الرسمية، بل حتى في بعض معاهد التعليم العالي وغيرها، السبب الأساسي وراء عدم تطور الخدمات. وجاءت البيروقراطية في المرتبة الثانية.

والفساد في القطاع الخاص يضاهي نظيره في القطاع العام، إذ يسعى الأول وراء الربح السريع والوفير على حساب الجودة والنوعية. ويجد الفساد في القطاع الخاص (والعام) من يغطيه سياسياً، بل ربما يشاركه. وشبكات الهاتف الخليوي أبرز دلائل هذا الفساد، إذ ان استخدام الهاتف داخل بغداد نفسها يكاد يكون أمراً تعجيزياً. ولدى السؤال عن سبب هذا الخلل أجاب أحد المهندسين «ببساطة انه الطمع»، موضحاً ان الأمر يتعلق بأمور فنية أبرزها نصب هوائيات كافية تغطي كل المناطق.

والأمر نفسه ينطبق على «الكهرباء الوطنية» كما يصطلح على تسميتها العراقيون الذين لا يرون أثرها إلا نحو 10 أو 12 ساعة يومياً، فضلاً عن المياه التي تجري لبضع ساعات يومياً. وروت مهندسة معاناة خالتها المقيمة في شارع فلسطين من انقطاع المياه، قائلة انها دعتها الى الفندق، حيث تقيم، للاستحمام بسبب عدم وصول المياه الى منزلها في الطابق السابع في إحدى العمارات.

وروى أحد المهندسين كيف ان عقداً منح الى شركة بمبلغ 150 مليون دولار باعته الى شركة أخرى بسعر أقل، التي باعته بدورها الى شركة ثالثة حتى وصل الى شركة خامسة بمبلغ لا يتعدى 10 ملايين دولار، متسائلاًً، ليس عن الهدر، بل عن الجودة التي يمكن لهذا المبلغ ان يفي المشروع حقه.

وهنا تتكرر الشكوى من المناقصات والرشاوى كثيراً.

أما هيئات الرقابة والنزاهة فأضحت محل تندر بسبب عدم كفاءتها وفاعليتها. ويروي أحدهم عن أحد الأشخاص استعداده لدفع «عشرة أوراق» أي ألف دولار، رشوة للانضمام الى هيئة النزاهة.

ومن الملاحظات ايضاَ عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، إذ ان الكفاءة تأتي في المرتبة الثانية في التوظيفات يتقدمها بالطبع الولاء. وكثيرة هي الأمثلة عن أشخاص يحملون شهادات مشكوك في صحتها أو درجتها يتبوأون مناصب حساسة ويرأسون أشخاصاً أكثر كفاءة، خصوصاً في بعض الجامعات.

وتخلص حلقة النقاش الى انه، على رغم كل هذه المشاكل التي يعاني منها العراق إلا انه لا تنقصه الكفاءات (ولا الثروات) في الداخل والخارج، لكنه في حاجة الى نظام اداري وسياسي يعمل على استيعابهم والاستفادة من خبراتهم.

وأجمع المشاركون على ان النظام الاداري الحالي «طارد للكفاءات» لأسباب تتعلق بالحرص على حماية مصالحه. واعتبروا في الوقت ذاته ان المحاصصة السياسية ربما كانت من أهم العوامل التي كرست الفساد وحمته، إذ في ظل هذه المحاصصة تنعدم المحاسبة حتى مع وجود هيئات مراقبة. وكثيرة هي الحالات التي سحبت فيها طلبات المحاسبة، في البرلمان وغيره من المؤسسات الرقابية، لمسؤولين متهمين بالفساد بعد تهديد أطراف ينتمي اليها المتهمون بتقديم طلبات محاسبة لمسؤولين ينتمون الى أطراف منافسة.

السكوت عن الفساد المتبادل ضروري لاستمرار التحالف السياسي بين قوى تواجه حالياً خلافات كبيرة في ما بينها في قضايا رئيسية عدة، كـ «مجالس الاسناد» والفيديرالية ومصير كركوك والتعديلات الدستورية فضلاً عن الاتفاق الأمني.

ولدى السؤال عن الحلول المقترحة لهذه المشاكل، تراوحت الأجوبة بين الدعوة الى فصل الادارة عن السياسة والغاء المحاصصة السياسية وتشكيل حكومة تكنوقراط، غير ان أحداً لا يعرف كيفية تطبيق ذلك.

وعلى رغم هذا الشعور بالمرارة، بسبب سوء الخدمات والتعثر في عملية اعادة الاعمار (الجسد) إلا ان أحداً من المشاركين في «طاولة الحوار» لم يعبر عن خيبة أمل من التغيير الذي حصل في العراق نتيجة الغزو الاميركي في آذار (مارس) 2003. ويعتقد هؤلاء ان العراق ربما خسر «الجسد» لكنه استعاد «الروح» من دون ان يعني ذلك الاستسلام لهذا الواقع الجديد.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima