اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
تلميذات ابتدائية:((في مدرستنا انتحاريات..وفيها مغاويرأيضا))!
(6) ملايين تلميذ يفضحون خريطة إعادة تشكيل العنف لـ (بغداد ما بعد الحرب الطائفية)
21/10/2008
انكشفت معادلات (العزل الطائفي) مع بداية افتتاح المدارس، وظهرت واضحة كل نتائج المذابح مبسوطة في (خريطة طائفية) لبغداد، غير الخريطة الديموغرافية التي يعرفها السكان عن عاصمتهم.

وإذ تسكن الملايين حتى الآن معسكرات الترحيل الداخلية، أو تلوذ بعواصم قريبة، فإن الحكومة كما يؤكد الخبراء مسؤولة عن اتخاذ اجراءات أكثر حزماً، وأسرع أداء من أجل ضمان تعزيز الأمن، وتوفير فرص العيش والدراسة والتمتع بالخدمات الأساسية التي تستقطب الهاربين وتقنعهم أن ((الأمور في مسارها)).

يقول (سام داغير) مراسل صحيفة النيويورك تايمز إن التلميذة (بسمة أسامة) 10 سنوات، بدت في هيئة مضطربة وهي تقف تحت شمس الصباح الشديدة. كانت والعشرات من زميلاتها، يستمعن الى حديث معلمة النشاط المدرسي. وربما يكون حديثاً مهما تدوّي أصداؤه في الساحة الجرداء والتي تتناثر فيها القمامة.

كانت المعلمة تخبر التلميذات -معظمهن بعمر 5 سنوات، يقفن محنيات بحمولة الحقائب المدرسية على ظهورهن- أنّ ((الأمن عاد إلى بغداد، مدينة السلام وأرض الوحدة العربية))..وأكدت (هند ماجد) وهي (أم بسمة)التي عادت منذ وقت قريب من مصر، مقيمة فيها مع عائلتها، بانتظار أن يتحسن الوضع الأمني في العراق، أنها لحد الآن غير مقتنعة بمسألة الأمان. وقالت لمراسل النيويورك تايمز: ((مازلت خائفة من الحال الأمنية. لقد غامرتُ بعودتي الى العراق)).

ويعتقد (سام داغير) أن عودة الكثير من العوائل الى بلدها، بالتأكيد ليست مغامرة (أو مقامرة بحياتهم). ربما كانت كذلك قبل سنة، أما الآن فقد استقرت مناطق كثيرة في العراق. ولكنْ مازالت هناك أسباب عديدة تدعو الى القلق: وفقط بعد ساعات من وصول (بسمة)، أخليت المدرسة، واقتحمها جنود المغاوير، محذرين من أن هناك امرأتين انتحاريتين ستهاجمان مدرستين في المنطقة.

وفي اليوم الأول لافتتاح المدارس، يشعر الـ 6 ملايين طفل وطفلة من تلاميذ مدارس العراق أن كل شيء جديد على حياتهم وفي كل مكان. ولأول وهلة تمتلئ رئاتهم بهواء نقي من العنف، وتختزن أدمغتهم الطازجة بكثير من الأمل في أن يكون الأمان حقيقياً كما يتمنون في سنتهم الجديدة هذه، ومن ورائهم تتصاعد دعوات الأمهات وصلواتهن أن يحفظ الله العراق وأهله ولاسيما هؤلاء الأولاد وأولاء البنات الذين ولدوا في العاصفة.

ولكنْ بداية المدارس –يقول داغير- أثارت سؤالاً صعباً أمام حال التطور الأمني في عموم العراق؛ هل تشعر العوائل المرحلة العائدة بما يكفي من الثقة بالوضع الأمني، بعد سنوات من الحرب، وبعد النزاع الطائفي الدموي وجرائم القتل التي أشاعت الرعب في العراق؛ هل الأمن جيد الى مستوى كاف، يسمح بعودة العوائل الى بيوتها، فيعود الأولاد والبنات الى مدارسهم القديمة. وبرغم كل شيء، هناك آباء يشعرون أنهم يعرّضون أبناءهم وبناتهم للخطر.

يقول مراسل النيويورك تايمز: إن الإجابة التجريبية على هذه الأسئلة تشكلها مقابلات في 6 مدارس في مناطق بغداد، والتي يلخصها مندوب هيئة إغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (وبالأرقام) قائلاً إن بداية افتتاح المدارس تشعر المرء أن الوضع الأمني جيد للغاية عما كان عليه قبل سنة.

وفي شهر آب كان عدد من العراقيين الذي عادوا الى بيوتهم من الخارج أو من مكان آخر داخل العراق لجأوا إليه يناهز 37,835 مقارنة بـ 20,546 في شهر تموز، و16,338 في حزيران. ويشكل الذين عادوا الى بغداد وديالى (المحافظة المعروفة بأنها الأكثر اضطراباً) نحو 90 بالمائة من هؤلاء العائدين. ولكن الملايين ما فتئت في شتاتها حتى الآن. وفي شهر أيلول، تباطأت حركة العائدين الى مناطقهم وبيوتهم، إذ انخفض العدد الى 23,821. وطبقاً الى الأرقام التي تعرضها الأمم المتحدة فإن العائدين خلال الأشهر العشرة التي بدأت في شهر آب 2007 كانت فقط 11,000 مواطن من المهجرين الشيعة والسنة. وحتى بالنسبة لأولئك الناس الذين تدفعهم ظروفهم القاسية ونفاد مدخراتهم للعيش في الخارج الى العودة الى وطنهم، فإن الغالبية العظمى منهم مازالت مترددة في تقرير مسألة العودة، وبشكل خاص أولئك الذين هربوا من العنف الطائفي بسبب سكنهم في المناطق المختلطة.

ولهذا فإن افتتاح المدارس –التي تبدأ بالنسبة لمعظم أطفال بغداد في شهر تشرين الأول- مقياس حقيقي للكيفية التي أعيد فيها رسم (الخريطة الطائفية) خلال سنتي العنف 2006 و 2007. وبالنسبة للسيدة (هند ماجد) على سبيل المثال، وهي شيعية متزوجة من سني، وكانت راغبة بالعودة هذه السنة من مصر مع بنتيها الاثنتين، لكنها لم تتجاوز الخط الأحمر بالعودة الى بيتها في منطقة السيدية، الحي السكني الذي هربت منه في جنوبي بغداد، لأنه كان ساحة لأحد أبرز العداءات الطائفية. ولذا تعيش الآن مع أبويها في مدينة العامل، المنطقة التي تسكنها غالبية شيعية والتي كانت ذات يوم من أكبر (الأحياء السكنية المختلطة في بغداد).

وتبدو مشاعر الناس في بغداد الآن (منطوية على مشاعر مزدوجة، أو هي خليط من الخوف والأمل) طبقاً لتعبير (سام داغير). وفي العموم فإن هذه المشاعر، تشير الى حسابات لا نهاية لها والى أن التسويات الاجتماعية التي ترتكز الى التسويات السياسية، مازالت معقدة للغاية: هل يجب أنْ يعود جميع أفراد العائلة؟. أم الكبار وحدهم؟. وهل من الحكمة استرداد البيت عندما يكون في حي سكني مختلط بحسابات خريطة بغداد قبل العنف الطائفي؟. أم يكون من الأفضل إيجاد بيت آخر في منطقة تنسجم مع الساكن طائفياً؟. وهل بالإمكان المغامرة ثانية بإعطاء الجيران ثقة كافية، لجعل طفل صغير يذهب الى المدرسة لوحده؟.

وما يضيف تعقيدات جديدة الى هذه الاختيارات –يقول داغير- هو أن الكثير من المدارس في قلب بغداد مزدحمة بتلاميذها، تنقصها الملاكات، أو مدمرة ويعوزها بعض مستلزمات البنية الأساسية، كالصفوف والرحلات، والماء الصالح للشرب. وفي جنوبي العراق –بمدينة البصرة- أكثر أولياء أمور التلاميذ سجلوا أطفالهم هذه السنة في مدارس خاصة، تدار بشكل أحسن، على الرغم من ارتفاع كلفها. وعن ذلك يقول الرائد (توم نيلسون) ضابط الهندسة الأميركي في بغداد: ((من المحتمل أن تكون المدارس مهمة جداً، ولذا فإن الحاجة كبيرة من أجل إعادة تأسيسها، لكي تعود الى طبيعتها العادية)).

وتقول النيويورك تايمز إن الجيش الأميركي، كما يبدو يتحمّل عبء الكلف المرتبطة بإعادة بناء المدارس وتجهيزها. لقد جرى إنفاق أكثر من 85 مليار دولار منذ شهر تشرين الأول 2006 وحتى الآن في بغداد وحدها. وقد أنفقت وحدة الرائد (نيلسون) التابعة للفرقة 101 المحمولة جواً 6.7 مليون في الأشهر الأخيرة على المدارس الواقعة في شمال غرب بغداد، أي أكثر من ضعف ما أنفقته الحكومة العراقية، فقط (2.6) مليون دولار.

ولكنّ مدرسة الكفاح الابتدائية في منطقة الفضل -الحي الشعبي في بغداد، الذي يعد حتى مدة أخيرة من أكثر الأحياء السكنية خطورة- حصلت على مولدة كهربائية من الأميركان، ومكيف هواء (إيركندشن) في كل صف، فضلا عن طلاء الصفوف بلون أزرق ناصع. ولكنْ مشكلة هذه المدرسة في وجود مستنقع لمياه المجاري على مقربة منها.

وفي ثانوية الأمل للبنات –تقول عواطف فاضل مديرة المدرسة- على الرغم من المساعدات الأميركية، فهي لا تستطيع الحصول على المال الكافي من مديرية التربية، لتشغيل المولدة الجديدة التي منحت لهم، ناهيك عن تعيين حارس، وبواب، أو تعيين معلمات بدلاً من اللواتي هربن من الفضل.

ومن جانب آخر يؤكد وزير التربية (خضير الخزاعي) أنّ مدراس البلد كانت في فوضى عارمة منذ منتصف الثمانينات، كنتيجة للحروب والعقوبات الاقتصادية التي فرضت الحصار الاقتصادي على البلد. والآن الحال الأمنية أحسن. وقال إن الحكومة ستبدأ برنامجاً بمليارات الدولارات لإصلاح المدارس وإعادة بنائها خلال الأربع سنوات المقبلة. وأكد الوزير قوله: ((لا أعتقد أن لدينا مشكلات جدية. والمشكلة الرئيسة الجادة تنحصر في الحفاظ على حياة الطلاب والمدرسين، أي عندما تكون حياتهم مهددة)).

أما مسؤولو الأمم المتحدة، فيقولون إن من المهم جداً أن تعمل الحكومة بأداء أكثر سرعة، وأقل بيروقراطية في مساعدة (اللاجئين العائدين)، ولاسيما في مسألتي الأمن وتوفير المدارس الكافية لتعليم أولادهم وبناتهم. ويأمل الخبراء أن تكون التحسينات في المدارس، سبباً لتعزيز الأمن، مما يشجع عشرات ألوف العوائل على العودة الى بيوتها. ويؤكد (أندرو هاربر) المسؤول عن مكتب العراق لبعثة الأمم المتحدة ((لا شيء غير قابل للإرتداد)) مشيراً بذلك الى الحال الأمنية الهشة التي تتعرّض بين آن وآخر لعملية اختراق خطيرة. وقال: ((نحن نحتاج الى أن نفعل شيئاً بسرعة، ويجب أن نضرب على الحديد وهو ساخن)).

وفي وسط مدينة الحرية، حي الطبقة العاملة الذي مزقته الانتقامات الطائفية، ثمة بركة مجار تحتل نصف ساحة مدرسة واسط الابتدائية للبنات، وتشكل مصدرا خطيرا جسيما على حياة التلميذات الصغيرات. وتعترف (زهراء صاحب) مديرة المدرسة أنّ حال التقدم باتجاه الظروف الطبيعية للمدرسة مازالت محدودة. والمدرسة –التي تضم 560 تلميذة، قد خسرت 50 تلميذة عندما هجرت العوائل السنية منطقة الحرية، وفقط ثلاث بنات من أولاء التلميذات عدن مخراً الى مدرستهن طبقاً لسجلات المدرسة. وأضافت: ((الكثير من الدم أريق في هذه المنطقة)).

ويؤكد (سام داغير) مراسل النيويورك تايمز، قوله: تقريباً لم يمر يوم من غير أن تأتي التقارير على ذكر أن عائلة أو أكثر عادت الى بيوتها التي هربت منها. ولكنّ أفراد هذه العوائل غالباً ما يرون شعارات على الأسوار تحذرهم من البقاء، وتهددهم بإلقاء رمانات يدوية لتفجير بيوتهم. والبعض يلاقون حتفهم كنتيجة لهذه التهديدات حتى الآن، كذاك الرجل الشيعي الذي قتل أواخر الشهر الماضي خلال وقت قصير بعد عودته الى بيته في الغزالية.

ومن جانب آخر كان (صالح مهدي) قاد عاد مع عائلته من سوريا بعد سنتين من العيش فيها. ويوم الإثنين سجل ابنته براءة في إعدادية الأمل بمدينة العامل. وهو يملك بيتاً في الغزالية لكنه مؤخراً استأجر بيتاً آخر في مدينة العامل. ولما ذهب لفحص بيته قبل أيام قليلة، علم أن جاراً له قتل خنقاً بوضعه في حقيبة محكمة الإغلاق ورمي الى الشارع.

وفي مدرسة الأمل، رأى مراسل النيويورك تايمز –يوم الإثنين الماضي- مشهداً مريعاً فالطالبات حشرن في قاعة درس متربة ومخربة. ويضيف المراسل قوله: كل شيء يشير بالنسبة لما رأيناه الى أن الاستقطاب الطائفي جزء من الحياة. لكنه بالتأكيد سيكون غير ذلك تماماً بمجرّد أنْ تتغيّر (عواطف الانتقام) لدى الناس، كنتيجة لما رأى (الطرفان) من هول المجازر التي مازالت خيوطها تظهر بين آن وآخر، وربما هي بحاجة الى رفسة أخيرة تقضي على (ذئب الطائفية) الكاسر.

تقول (حوراء كاظم) 18 سنة: ((لقد انتقلنا الى العامل لأنها منطقة شيعية الآن وقريبة الى الدورة)) مشيرة بذلك الى الحي السكني الذي كانت تعيش فيه عائلتها في جنوبي بغداد، والذي يعد حتى وقت متأخر من أكثر المناطق دموية في نزاعاتها الطائفية. وعلى الرغم من أن بعض العوائل الشيعية عادت فعلاً الى الدورة إلا أن عائلة (حوراء) تنتظر وقتاً آخر، وهي في كل الأحوال تحلم بالعودة الى بيتها. وفي الحي الفقير (الدولعي) الذي شهد أكثر أقسى المعارك الطائفية، ويقع تقريباً تحت سيطرة الميليشيات الشيعية التي تؤازر (مقتدى الصدر) رفض مدير مدرسة ابتدائية عودة العوائل السنية الى بيوتها. وقال (رزاق درويش) مدير المدرسة: ((عندما تقتلني أو تؤذيني، لماذا تعود لتعيش معي؟. وكيف تريدني أنْ أتفاعل معك؟)).

ومدرسة درويش متفككة، ومكتسحة من قبل أطفال نحو 4,000 عائلة من العوائل الشيعية التي لجأت لتسكن قريباً من الدولعي وفي منطقة تسمى (مخيم جكوك). وأوضح مراسل الصحيفة الأميركية قوله: إن سقف أحد الصفوف مثقب، وأرضيات قاعات الدروس والممرات جرداء، وفي الساحة أكوام من النفايات المحترقة. ومدرسة (درويش) التي تضم 1300 طالب يداومون على فترتين، تحصل على دعم من قبل مدرسة قريبة.

وفي مكان آخر من مدينة بغداد، القسم النظيف والمحاط بالأشجار، وبالتحديد في حي المتنبي بمدينة المنصور، كانت الحال مريعة في مدرسة ابتدائية تسمى (الانتفاضة) إذ ليس هناك عدد كاف من الرحلات في الصفوف. ويُجبر المدرسون على جلب كراسيهم الخاصة من بيوتهم. وأكوام من النفايات خلف بناية المدرسة. والشارع المقابل لبناية المدرسة، الذي كانت تسيطر عليه الجماعات السنية المتطرفة في السابق يضم تحت تراب جانبيه العديد من جثث القتلى.

ويقول (جاسم النعيمي) الذي يقود مجموعة مسلحي دورية الصحوة في المنطقة: ((كان عندنا أطباء ومهندسون هنا؛ والآن ناس من كل حدب وصوب)). وأكد أن الحكومة التي يقودها الشيعة قد عاقبت الحي الذي يسكنه، بسبب غالبية سكانه من السنة، بحسب زعمه. ويقول: ((نحو 70 من نساء المنطقة فقدن أزواجهن جراء أعمال العنف خلال السنوات القليلة الماضية)).

وفي مدينة العامل، وجدنا أن (حسين) وهو أخو (هند ماجد) التي سبق ذكرها، يحاول من خلال مدرسته أن يعالج الأزمة الطائفية التي مزقت المدينة. لقد أصبح لتوه مديراً لإعدادية العامل للبنين، والتي يسيطر عليها حتى عناصر من جيش المهدي، بحسب زعم الصحيفة. ومساعد المدير السابق، كان من السنة، قد اغتيل في شهر تشرين الثاني 2006، ومعظم الطلاب السنة تركوا المدرسة.

يقول مديرها (حسين ماجد): ((كان هناك حرب أهلية. لماذا نكذّب أنفسنا ونقول كلاماً مغايراً؟)). لقد جرى احتلال المدرسة في شهر مايس الماضي من قبل وحدة كردية من الجيش العراقي. الجنود خرّبوا قاعات الدراسة، أعطبوا مراوح السقف، وقطعوا كل أسلاك الكهرباء وقنابر الهاون أحدثت ثقوباً كبيرة في جدران المدرسة. ومن جانب آخر تلقى مدير المدرسة (حسين ماجد) وعداً بتسلم 670,000 دولار من القوات الأميركية لإعادة بناء المدرسة وإصلاح المسرح والمكتبة وقاعة قراءة الشعر وساحة المدرسة وصفوفها.

المصدر: النور الصادرة عن وكالة الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima