اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
وثائق واعترافات الاستخبارات الأميركية تستنطق مقاتلين من داخل قاعدة إيرانية
حكومة طهران حريصة على وجود (سياج من الميليشيات) تحركه سياسياً طبقاً لمصالحها
21/10/2008
لأول مرة، بعد سنوات من الاتهامات الأميركية المتواصلة لإيران، يلجأ مركز الإرهاب القتالي التابع لـ (النقطة الرابعة) الأكاديمية العسكرية التي تخرج فيها الجنرال (ديفيد بيتريوس) الى كشف وثائق الاستخبارات العسكرية الأميركية التي تتضمن اعترافات أكثر من عشرين محتجزاً من الميليشيات الشيعية، كانوا قد تلقوا تدريبات عسكرية في قواعد بإيران ولبنان.

وتركز هذه الوثائق –كما يقول مسؤولون أميركان من مواقع مختلفة- على حرص إيران لبناء (سياج حماية) متقدم من الميليشيات الشيعية تحركه سياسياً طبقاً لمصالحها في العراق. ويؤكد هؤلاء المسؤولون على تأسيس إيران لـ (شبكة قوة وكيلة) لها حضور في بغداد وفي سائر المدن الجنوبية. وتروي الوثائق وأيضا المحتجزون في اعترافاتهم كيف أن الإيرانيين كانوا يعاملونهم بقسوة، أو كيف تصدر منهم ملاحظات تستخف بـرجل الدين (مقتدى الصدر) مؤكدين أن عناصر الميليشيات العراقية كانوا يفضلون العلاقة مع اللبنانيين، متهمين الإيرانيين بأنهم غير أخلاقيين، وقساة، ولا يعاملونهم باحترام.

يقول (مارك مازيتي) المحلل السياسي في صحيفة النيويورك تايمز: إنهم يستيقظون قبل الفجر، وهو وقت تدريبهم، يأكلون ويصلون، قبل أن يبدأ درس اليوم الأول في تعلم كيفية إطلاق النار باستخدام سلاح الكلاشنكوف. وعلى مدى ثماني ساعات لاحقة، يكونون قد تدرّبوا على استخدام (البازوكا) المضادة للدبابات، أو زرع قنابل الطريق. وبعد وجبة الغداء، وتلقي التعاليم الدينية الإلزامية، هناك وقت مفتوح في المساء لمشاهدة التلفزيون أو لعب كرة المنضدة، وفي عموم المعسكر تطفأ الأضواء في الساعة 11 ليلاً.

ومثل هذا اليوم الروتيني في قاعدة (سيد الشهداء) العسكرية الصحراوية خارج طهران، مخصصة أصلاً ومنذ سنوات عدة لتدريب قوات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وعناصر حزب الله اللبناني، يشكل جزءاً من عملية تدريب الميليشيات الشيعية العراقية، لتكون جاهزة في شنّ هجمات ضد القوات الأميركية في العراق، طبقاً لوثائق حصلت عليها الاستخبارات العسكرية الأميركية من مقاتلين عراقيين وقعوا في أسرها واعترفوا بها خلال التحقيق.

ويؤكد (مازيتي) أن المسؤولين الأميركيين واصلوا –ولسنوات- استشهادهم بالتدريب الإيراني للميليشيات وبالأسلحة التي تزوّدهم بها، كأسباب للهجمات التي تعرض لها الجنود الأميركان، وأحياناً القوات الأمنية العراقية على أيدي مقاتلي الميليشيات الشيعية. وكان المسؤولون الإيرانيون في الوقت نفسه، يواصلون إنكارهم لـ ((المزاعم الأميركية)) وأن التدريب أو التسليح حال لم تحصل أبداً، لأن إيران لا تتدخل في الشؤون العراقية.

والآن –يقول المحلل السياسي في النيويورك تايمز- هناك أكثر من 80 صفحة من وثائق الاستخبارات العسكرية المصنفة حديثاً، والتي تصف للمرة الأولى، وبالتفصيل شبكة متقنة تستخدم من قبل العراقيين الداخلين الى إيران، والتي يحصل أعضاؤها على تدريب بإشراف إيراني. وهذه الوثائق كما تزعم الصحيفة الأميركية هي الأكثر شمولية ومصداقية لدعم ادعاءات أميركية بشأن الجهود الإيرانية لبناء (قوة وكيلة) لها في العراق. وقد أصبحت هذه الادعاءات (مسيّسة) الى حد كبير، بحسب تعبير المحلل السياسي، ذلك لأن منتقدي إدارة (بوش) يركزون دائما على أن (مزاعمها) حيال إيران مبالغ بها، ولها هدف بناء قاعدة قبول لشن حرب ضد النظام الإيراني.

ومن جانب آخر –تؤكد النيويورك تايمز- أن تقييمات السجناء، لا يمكن أن يُتحقـّق منها بشكل مستقل. ولكنْ برغم ذلك فإن المحتجزين لدى الاستخبارات الأميركية في العراق، أعطوا تفاصيل مماثلة بشكل كبير للمعلومات الاستخبارية عن منشآت التدريب في إيران، كما أن هناك (شبكة سرية) من (البيوت الآمنة) في إيران والعراق، تستخدم لتهيئة العناصر وإعدادها من أجل الوصول الى المعسكرات. ولعل ما ساعد في الكشف عنها تلك التوترات (الشيعية الداخلية) في المعسكرات بين العراقيين العرب، وبين مدربيهم الإيرانيين.

وعلى الرغم من أنّ الهجمات التي تنفذها الميليشيات الشيعية ضد القوات الأميركية قد انخفضت بشكل كبير خلال السنة الحالية، فإن مسؤولين عسكريين واستخباريين أميركان يقولون إن هناك دليلاً على أن عناصر الميليشيات الشيعية (أحياناً تدعى باسم المجموعات الخاصة) بدأوا في الوقت الحاضر يعودون إلى العراق، وهدفهم –كما يزعم هؤلاء المسؤولون- عرقلة الانتخابات المقبلة وترهيب السكان. ويعتقد اللواء (جيفري هاموند) قائد القوات الأميركية في بغداد، أن بعض مقاتلي الميليشيات قد عادوا في الأسابيع الأخيرة الى العاصمة العراقية.

ويؤكد (مارك مازيتي) أن الوثائق التي صُنّفت من قبل مركز الإرهاب القتالي في (النقطة الغربية) بالولايات المتحدة، هي عبارة عن مجموعة من تقارير التحقيقات المرتكزة الى اعترافات أكثر من عشرين مقاتلاً في الميليشيات الشيعية، تم أسرهم خلال سنتي 2007 و 2008. وتشير الصحيفة الى أن المركز المذكور هو منظمة بحث تجمع وتحلل الوثائق الاستخبارية الخاصة بالقاعدة في العراق وبإيران وبموضوعات أخرى.

وتضع الوثائق (تنشر النور هنا صوراً لنموذجين منها) تصوّراً عن الإستراتيجية الإيرانية لاستخدام العناصر الشيعية العراقية كـ (بدائل) في الأقل لتجنب المخاطرة بتعرض الإيرانيين للاعتقال من قبل القوات الأميركية أو العراقية. وفي واحد من تقارير الاستخبارات، يخبر أحد السجناء آسريه أن ((إيران لا تريد القتال في حرب مباشرة)) ضد القوات الأميركية في العراق، لأنّ طهران تعلم أن الولايات المتحدة ستدمر إيران.

الى ذلك يقول مسؤولو الاستخبارات الأميركية إنهم يعتقدون أنه منذ أن جرى اعتقال حفنة من عناصر الحرس الثوري الإيراني في بغداد سنة 2006، غيّرت إيران إستراتيجيتها الى استقدام مجموعات صغيرة من العراقيين الشيعة الى داخل إيران. وهؤلاء يعادون ثانية الى بلدهم، بعد إعدادهم كقياديين عسكريين من أجل أن يدرّبوا (كادراً أكبر) للميليشيات الشيعية وهم في داخل العراق.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباري أميركي كبير قوله إن هناك مؤشرات على أن البرامج التدريبية في إيران ربما تكون قد توسّعت خلال السنة الحالية، إذ جرى إعداد المعسكرات لتؤوي أعدادا كبيرة من المقاتلين العراقيين الذين هربوا الى إيران خلال الحملات العسكرية التي نفذت ضد الميليشيات في البصرة وبغداد.

ويقول (براين فشمان) مدير البحث في مركز الإرهاب القتالي، والمؤلف المشارك لدراسة جديدة عن النفوذ السياسي والعسكري لإيران في العراق: على الرغم من أن إيران لم تكن تمارس القيادة بشكل مباشر على المجموعات الشيعية في العراق، إلا أن التدريب كان واحداً من الوسائل التي تعزز الحضور الإيراني في العراق، والتحكم في درجة النفوذ صعوداً وانخفاضاً (بحسب طبيعة المصالح الإيرانية ورغبات طهران) كما يصف ذلك (فشمان). ويؤكد قوله: ((إنّ امتلاك إيران لميليشيات متحالفة معها أو وكيلة لها إنما هو أشبه بالسياج. وإذا ما حدث شيء ضد إيران سياسياً، فإن هذه الميليشيات تتحرك بمجرّد سحب عتلتها)).

ويقول المسؤولون الأميركان: مع ذلك لم يزل التصور معتماً عن حجم الدور المباشر للمسؤولين الإيرانيين الكبار في التوجيه بشأن عمليات تدريب هذه الميليشيات. وبرغم ذلك يعتقد هؤلاء المسؤولون الأميركان إنّ مثل هذا الشيء يحدث في الأقل ضمن إطار (الموافقة الضمنية) لمسؤولين كبار في الحكومة الإيرانية. لكنهم يؤكدون أيضا على أن الوثائق لا تعطي أي دليل على تورط الحكومة الإيرانية أو مسؤولين محددين في الإشراف على تدريب الميليشيات.

وتستنتج الدراسة الجديدة التي كتبت من قبل (فشمان) و العقيد (جوزيف أج. فيلتر) أن إيران تهدف من كل هذا الى مهاجمة القوات الأميركية في العراق، لإبراز قدراتها في التدخل من جانب، ومن جانب آخر ((لاستعراض حيازتها على رادع موثوق التأثير ضد أية ضربة أميركية قد تُوجّه الى منشآت المفاعل النووي الإيراني)).

وتقول النيويورك تايمز إن العناصر المحتجزة التي جرى التحقيق معها من قبل الاستخبارات العسكرية الأميركية أعطت مواصفات مفصلة عن الواجبات الروتينية اليومية في المعسكرات الإيرانية، بدءاً من قوة الأسلحة التي يتدرب عليها المقاتلون الى الشكاوى التي تثيرها الحياة العسكرية الصعبة داخل المعسكرات. وتسجل وثائق الاستخبارات أن أحد العراقيين الأسرى لدى الأميركان يصف حال تمرّد صغيرة بين المتدربين من عناصر الميليشيات الذين لم تصرف لهم (جوارب) يرتدونها مع أحذيتهم العسكرية.

وتكشف الوثائق أيضا –كما يقول المحلل السياسي مارك مازيتي- انشقاقات إثنية (عرقية) عميقة بين المليشيات العراقية والإيرانية. وتشير بعض الوثائق الى أن العراقيين يشكون من مدربيهم الإيرانيين لا يعاملونهم بالاحترام اللازم، وهم أيضاً يُبدون الكثير من الملاحظات التي تستخف برجل الدين (مقتدى الصدر) على الرغم من أنهم يعرفون جيداً قوة منزلته لدى عناصر الميليشيات الشيعية في إطار جيش المهدي المناهض للقوات الأميركية.

وتنقل الصحيفة عن أحد المحتجزين قوله: ((الشيعة العراقيون أكثر رفعة من الإيرانيين، لأنّ الشيعة العراقيين أخلاقيون، وحسّاسون، وعاطفيون، وعطوفون أيضاً)). وأضاف قوله: ((الإيرانيون ليسوا أخلاقيين، وليسوا حساسين، ويعتقدون أنهم أرفع ملة)).

وبالمقارنة، يقول العراقيون إنهم كانوا يميلون الى إقامة علاقات وثيقة مع المقاتلين من حزب الله، وهم عرب أيضا ويشتركون في لغة واحدة مع العراقيين. وبعد أن تم اختيارهم لتلقي التدريب في إيران، أخبر بعض المتدربين عوائلهم إنهم ذاهبون الى محافظة النجف للمساعدة في حماية الأضرحة المقدسة هناك. وفي الحقيقة، كان هؤلاء الأعضاء في الميليشيات الشيعية يأخذون طريقهم الى مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان التي تقع في الجنوب الشرقي للعراق، والتي لا تبعد كثيراً عن الحدود الإيرانية. وهناك –تقول الصحيفة- يلتقون مع عنصر الارتباط في كراج محلي، حيث يُعطون مبلغاً صغيراً من المال، ويودعون في (بيوت آمنة) غالباً تقع في ضواحي المدينة.

وبعد يوم أو يومين، يؤخذ هؤلاء وبصحبتهم جوازات سفرهم بواسطة (باص) أو (سيارة تاكسي) عبر الحدود الإيرانية الى مناطق في غربيها مثل الأحواز أو كرمنشاه. ويقول مسؤولون في الاستخبارات العسكرية الأميركية أن أحد المحتجزين أبلغ عن أن مهمات الذهاب لتلقي التدريب الإيراني كانت تؤقت في الأغلب مع المناسبات الدينية الكبيرة، أي عندما تتوجه أعداد ضخمة من الزوار عبر الحدود، ويقولون إن مثل هذه المناسبات تعطي فرصة أكبر للمقاتلين كي لا ينكشف أمرهم. أما المقاتلون الذي لا يحملون جوازات سفر، فكان أعضاء الارتباط مع الإيرانيين يضطرون لتسفيرهم ليلاً عبر مواقع الأهوار العراقية الممتدة الى داخل إيران. وكان المتدربون يقادون الى مطارات محلية، ويؤخذون مباشرة الى طهران، حيث يقابلون هناك مسؤولين عسكريين في قوات القدس، ثم ينقلون الى قواعد عسكرية تبعد ساعات عن طهران. وعرف عدد من المحتجزين أحد المعسكرات بأنه (قاعدة سيد الشهداء العسكرية).

وفي القاعدة، تُصرف للمتدربين ملابس التدريب الرياضية (التراكسوتات) وأحذية التنس، والمناشف، والطعام العسكري، طبقاً لمعلومات أدلى بها بعض السجناء من أفراد الميليشيات. وقال: ((إن الثلاجات كانت دائمة مليئة بالطعام والفواكه)). وفي الشهر الثاني من التدريب يُمنح المقاتلون ذخيرة للقيام بالرمي بأسلحة البنادق الصغيرة، وبأسلحة الهاون والقذائف المضادة للطائرات، فضلا عن تعليمهم كيفية تنفيذ الكمائن. ويتلقى المتدربون دروساً في التمويه، والتعاليم الدينية اليومية.

وتقول الصحيفة إن بعض المتدربين يتلقون دروساً خاصة في (الهندسة العسكرية) التي تؤهل الميليشيات بكيفية زراعة قنابل الطريق. ولكنّ هذه الصفوف لا تقبل غير (المتدربين الأذكياء)، طبقاً لتأكيد أحد المتحجزين الذي قال إنه لم يعد (ذكياً بما فيه الكفاية) لمثل هذا النوع من التدريب.

وجاء في أحد تقارير التحقيقات التي تجريها الاستخبارات العسكرية الأميركية: ((إذا لم تكن ذكياً، فلا أحد سوف يضحي بالمال والوقت كي يرسلك الى إيران لتلقي التدريب كي تكون مهندساً، وذلك لأنك ستفشل)). والمحتجزون لا يبالون بمسألة التدريب الهندسي ولا يريدون الرجوع الى إيران، لأن تدريبهم كان مضيعة للوقت، والمحتجزون تركوا عوائلهم من أجل لا شيء)).

ويشترك سجناء آخرون في وجهة النظر هذه عن التدريب في إيران، ولذا أخبروا المحققين الأميركان –كما يزعم المحلل السياسي في صحيفة النيويورك تايمز- أن هناك دورات تدريب منفصلة، تدار من قبل عناصر حزب الله في لبنان، وهي أرفع بكثير من دورات التدريب في إيران.
ولكي يذهب المقاتل للحصول على التدريب في لبنان –كما يفيد تقرير للمحتجزين- فإن العراقيين كانوا يؤخذون بالباص الى مطار في إيران، ومن هناك يطيرون الى دمشق، وبعدها يقادون الى الحدود اللبنانية. ويقول هؤلاء المحتجزون: شاركوا –ذات مرة- في دورة تدريبية لعدة أسابيع، أدارها أفراد من حزب الله، وكانت خاصة ((السيطرة على جرد الأسلحة)) و ((التخطيط للمشروعات)) و ((الاتصالات)).

وتقول الصحيفة إن أولئك المتدربين الذين لم يستمروا في رحلتهم لتلقي التدريب في لبنان، كان لديهم الوقت الكافي للإطلاع على معالم المدن الإيرانية خلال أيام مكوثهم هناك. والبعض ذهبوا الى طهران لزيارة الأضرحة الدينية حول المدينة. وآخرون سافروا الى مدينة مشهد الإيرانية لزيارة ضريح (الإمام الرضا عليه السلام) أو للتسوق أو لزيارة الحدائق الكبيرة ومنها حديقة الحيوان هناك. وعدّوا أنفسهم سياحاً.

المصدر : النور والملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima