اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
خبز موشوم بالطين مغمس بشاي له طعم الخشب...وارتشافة ماء من (الحبانة)
العراقيون نفروا من التكنولوجيا وعادوا للعيش بين (التنور) و(الجانون) و(الحب)
23/09/2008
بعد ان أعلنت التنانير المصنوعة من الفولاذ استسلامها في ظل تداعيات أزمة الغاز وخذلان الطباخ للعوائل، ورحيل التيار الكهربائي وسط كل هذا العوز عادت صناعة التنانير الطينية وطبخ الطعام على حزم الحطب المسمى لدى أبناء الريف بـ(الجانون)وليحل كوز الماء الكبير المصنوع من الطين والمسمى بلهجة الريفيين ب(الحب) بكسر الحاء " لتؤكد هذه المقتنيات ان غبار الماضي السحيق لم يغير موقفها المبدئي الثابت بالولاء للعائلة،ووقوفها معها في كل ظرف اقتصادي عصيب.

فالصناعات اليدوية والحرف الشعبية ما زالت قائمة حتى يومنا هذا برغم التطور التقني الذي حدث وتكاد تكون مهنة صناعة التنانير الطينية و(حبوب) الماء من أقدم المهن الشعبية التي يعود تاريخها إلى بداية ظهور الإسلام حتى تطورت بمرور الأزمان وقد انتشرت مثل هذه الصناعات في مناطق جنوبي العراق وجنوبي مصر، إلا أن محافظة ميسان وبحكم واقعها الريفي كانت وما زالت من أكثر مدن العراق تداولا لهذه الصناعة،ولعلنا نجد هذه الحقيقة عبر تجوالنا في أقضية ونواحي وقرى المحافظة وصولاً الى مركزها،والاونة الاخيرة شهدت شحة في مادة الغاز وارتفاع أسعارها والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي مما اسهم بعودة الحياة مرة اخرى لتجارة هذه الادوات المنزلية ( التعويضية ) لربات البيوت، لتكن فرصة لهن بالعودة الى ماض ٍ قريب عايشنه ربما حتى في تسعينيات القرن المنصرم ابان الحصار الاقتصادي والمقاطعة الدولية التي تعرض العراق لها حينذاك.

خبز موشوم بالطين

العوائل العراقية لجأت إلى شراء التنانير الطينية من القرى والأرياف التي تمسك أبناؤها بهذا الكيان الطيني الهائل المعني والزاخر بالتراث، بعد ان ثبت انه كيان مستقل لايخضع لتقلبات الوضع ومتغيرات سياساته،وتفضل الكثير من العوائل في القرى والأرياف انتقاء التنور الطيني برغم انتشار وتطوير تقنيات صناعة التنور الغازي فنكهة رغيف الخبز كما يؤكد القرويون تكون أكثر طعما من التنور الغازي، فضلا عن ان كلفة التنور الطيني هي (3)آلاف دينار بينما يبلغ سعر التنور الغازي أكثر من (45) ألف دينار بحسب الاحجام والمادة المصنوعة منه بينما لاتحتاج عملية بناء التنور الطيني إلى وسائل وإمكانيات مكلفة.

ولاتستغرق عملية صنع تنور طيني أكثر من يومين فقط حتى يترك ليجف في الهواء ثم يصبح جاهزا للاستعمال،تقول الحاجة أم سعد ان عملية صنع تنور لاتحتاج إلى مكائن ومعدات فنية ومهندسين أنها بسيطة جدا ورخيصة الثمن وبإمكان الفرد أن يصنع التنور بنفسه.

بينما ترى الحاجة ام سلمان أن التنور يستخدم ثلاثة أوقات خلال اليوم الواحد في الصباح والظهيرة والمساء عند غروب الشمس حيث( يسجر) التنور باستعمال مواد مثل الأخشاب والبردي مع النفط وهذا العمل يتم قبل قطع( الدالوجة) وفرشها على ( الملزاكه) بعد احمرار جدران التنور من الجانبين.

ويؤكد ابو جواد الذي جلس قرب تنور الطين خلال خبز ام جواد لعجينها الذي تخمر منذ قليل وينتظر ابو جواد ان يحظى باول قرص رغيف يخرج من التنور ويعتقد البعض انه رغيف العافية فيقول:اجلس هنا لاستحوذ على رغيف العافية وهو اول رغيف يخرج من التنور هكذا نعتقد نحن في الجنوب كما ان لرغيف تنور الطين طعم خاص لا تجده في الرغيف "الاصطناعي" المخبوز بتنور حديدي انه مذاق خاص ليس له مثيل فارقناه منذ زمن طويل وهانحن نعود له لعدم توفر مادة الغاز.

(الجانون) ورائحة الشاي الشهية

قد يبدو العنوان غريبا عمن لا يسكنون في الجنوب فالجانون المقصود به النار المنبعثه من كومة حطب تستعمل لتحضير الطعام او الشاي. الحاجة ام علي تقول "تركنا عملية تحضير الطعام على كومة الحطب(الجانون) منذ زمن طويل بعدما اصبحنا مترفين ، نطبخ طعامنا على الطباخ الغازي ، حدث ماحدث لننفض غبار الزمن عن مقتنيات الاهل ومن بينها التنور الطيني ووعاء الجانون المتمثل ببيت صغير له اربعة ارجل يوضع فيه الحطب بعمدما يتحول الى جمر مستعر لتحضير الشاي والقهوة.

من جهتها تشيرالسيدة نهاد قائلة انها عملية متعبه ومؤذية لانها تؤذي العينين جراء ابخرة الدخان المنبعث من الخشب الا اننا لا نستطيع نكران بأن كل مايحضر عبر الجانون له طعم خاص لا تجده في الطباخ الغازي.

فيما يؤكد ابو محمد :" نشعر بطعم خاص خلال تناولنا للشاي الذي يتم تحضيره من خلال الجانون فطعمة ساحر وقوي وله فعله في ازالة الصداع من الرأس هو شاي بطعم الخشب واعتقد ان اغنية (خدري الجاي خدري) كان المقصود بها خدري على الجانون لانه تعب من شاي الغاز.

ماء بارد بصيف ملتهب

قد لا يخلو أي بيت من البيوت الريفية في جنوب العراق من (الحب) وهو كوز كبير مصنوع من الطين يوضع فيه ماء النهر كي يبرد في محاولة بدائية لتبريد المياه والعجيب هذه الايام هوانك ما ان تدخل بيوت المدن الكبيرة حتى تجده بفناء الدور ضيفا على بيوت(الحضر) كما يطلق عليهم أبناء الريف .

الحاج ابو دواي يقول أن كوز الماء الذي نسميه في لهجتنا الريفية بـ(الحب) هو صديق تاريخي لعوائلنا في الريف يصنعه أناس متخصصون بهذه الصناعة وكان يباع لابناء الريف حصرا اما اليوم فابناء المدينة باتوا يتدافعون لشرائه من الاسواق لرخص ثمنه اذ لا يتجاوز (5) الاف دينار عراقي بأحجام مختلفة وله سحره بتبريد المياه وتنقيتها،في الاسفل منه فتحة تستعمل كفلتر لتنقية الماء من الاتربة التي تستقر في قاعه فتساعد هذه الفتحة التي تشبه(خرمة)الابره على خروج الطين وترسبات الماء.

اما الشيخ فالح المحمداوي فقال:" لنا معه ذكريات فمن برودته عرفنا معنى برودة الماء واهميته للجسد برغم ان مياه موشومة برائحة الطين الا انها نقيه بفعل الفلتر الموجود في قاعه نحاول تنظيفه كل يومين لازالة الاتربة العالقة بجدرانه كما نلف جدرانه الخارجية بقطعة من (الكونيه) الصوفية ورشها بالمياه كي يساعد على تبريد الماء عدنا لهذه الطريقة البدائية بسبب عطل كل اجهزتنا الكهربائية نتيجة انقطاع الكهرباء وعودتها المفاجئة.

معتقدات مخيفة

ومن طريف مايذكرأن الكثير من المعتقدات والتقاليد التي ظلت عالقة في نفوس البعض من أبناء القرى حتى يومنا هذا هي أن كسر التنور الطيني او (الحب) يعبر عن حال شؤم وفأل سيء وقد يقع شيء غير مستحب، حتى أن الشخص الذي ينوي السفر إلى مكان ما ويحدث أن يكسر احد هذه الأشياء في الدار قبل يوم أو ساعة يضطر الى تاجيل سفره ، كما يعتقد الكثير من أبناء قرى الجنوب بان مرور (الأرنب)أمام الدار أو الطريق مصدر شؤم وضجر، أنها معتقدات ظلت عالقة في نفوس اغلب القرويين وربما أصحاب المدن أنفسهم.


المصدر : النور الصادرة عن الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima