ماذا كشف التحقيق مع الانتحارية رانية؟ وهل كانت ((مُخدّرة))؟ وبماذا اعترفت أمام المحققين؟
في الأشهر التي مرّت من هذه السنة، هناك 30 عملية انتحارية نفذتها امرأة أو بنت. وهذا العدد أربعة أضعاف مثيله في سنة 2007 بكاملها. وتُعزى الزيادة –في أوساط الاستخبارات العسكرية الأميركية- الى تصاغر إرادة القاعدة أمام التطورات الأمنية المتصاعدة،
ولذا لجأت الى الانتحاريات لأنهن أقدر على تجنب نقاط التفتيش. لكن المحلل السياسي البريطاني (جوناثان ستيل) تابع هذه القضية من كثب في العراق، واكتشف أن الأسباب أعمق بكثير من تصوّرات الاستخبارات الأميركية.
مشت فتاة الـ 15 سنة نحو نقطة تفتيش للشرطة، كي تجتازها لتصل الى مرامها بتفجير نفسها في حشد كبير من الناس يضجّ بهم سوق مركزي ببعقوبة، المدينة التي تقع على بعد 40 ميلاً شمال بغداد، والتي توصف دائماً بالاضطراب والفوضى وجرائم العنف الاستثنائية. لحظتها أحسَّ أحد أفراد الشرطة أن هناك شيئاً غريباً، وطالب بتفتيش البنت. وعلى الفور أعلنت البنت أنها ترتدي حزاما ناسفاً، ربط حول خصرها الى صدرها.
وفي فيلم الفيديو الذي صورته الشرطة، ورآه العالم كله، كانت (رانية إبراهيم) مقيدة اليدين ومشدودة الى عمود حديدي بينما كان جنديان يحاولان إزالة ثوبها الخارجي، ومن ثم بحذر يبطلان الصدرية الناسفة. ومثل هذا العمل لا يتطلب فقط شجاعة استثنائية، إنما مهارة عالية لم يكن كثيرون ليصدقوا في بغداد أن الشرطة العراقية باتت تتحلى بها. والضابط الذي أبطل المتفجرات وأزالها، منح مكافأة قدرها 5 ملايين دينار عراقي.
ويصف جوناثان ستيل المشهد فيقول: كانت لحظات يختلط فيها الرعب، والفرح، والاندهاش، لكنّ ما بعد كل هذه العواطف، يبقى السؤال الحاسم من غير حل تقريباً، فبعد 14 يوماً من القبض على (رانية) الذي حمى أرواح كثيرين كان مكتوباً لهم أن يموتوا بتأثير المتفجرات التي تحملها على صدرها في ما لو أكملت مهمتها. هل كانت (رانية) ضحية أم وغدة؟. وأياً كان الحافز الذي دفعها لأداء هذا الدور، فإن السؤال الذي يثار: لماذا ازداد عدد الانتحاريات في دولة العراق –كما هي مصر وسوريا ولبنان- تعد ولمدة طويلة من البلدان العلمانية المتطورة في الشرق الأوسط؟.
يقول العقيد (دي أي سمز) نائب قائد لواء سترايكر الثاني المقيم في بعقوبة، وضباط استخبارات وحدته هم الذين استجوبوا (رانية) إنه تعامل بعقل مفتوح مع البنت، إذ أن شخصاً ما ربط المتفجرات الى صدرها ضد رغبتها، ولهذا تعمّدت عند نقطة التفتيش أن تتصرف بشكل غريب لكي تكتشف، وربما هي ادعت ذلك بعد أن كشفتها الشرطة، لتنقذ نفسها من المسؤولية، أي لتتحول من (وغدة) الى (ضحية)!.
وأوضح العقيد أن الشرطة العراقية عرّفتها بأنها (مريبة) وأنها على الفور قالت (أنا أحمل متفجرات)..وقال إن البنت أدركت خطأها. وهو غير متأكد في ما إذا كانت تنوي فعلا تفجير نفسها لتقتل الكثيرين أم أنها قصدت كشف نفسها منذ البداية، فقط لتتخلص من عبء من كان وراء تفخيخ جسدها.
وتعتقد (سجى قدوري) عضو مجلس محافظة ديالى، والمرأة الوحيدة في لجنة المجلس الأمنية، وكان تستمع لاستجواب الشرطة لـ (رانية إبراهيم)، تعتقد أن البنت كانت مرشحة لتقوم بعملية انتحارية. وأوضحت أن البنت تحدثت ببطء خلال اللحظات الأولى للاستجواب وكأنها في حال نعاس، بعد أنْ نزع عنها حزام المتفجرات، وظهر بأنها كانت مخدرة. لكن هذا لا يعني أنها فعلت ذلك ضد رغبتها. فالمخدرات التي استخدمتها ربما لجعلها متبلدة العواطف –كما تقول سجى قدوري- عندما جاءت اللحظة الحاسمة لكي ترتدي الحزام الناسف أو صدرية المتفجرات. وتقول ((أنا كنت في مركز الشرطة عندما جلبوها أول مرة من أجل استجوابها. ولما زالت تأثيرات الحبوب المخدرة عنها، تحدثت بطريقة الواثقة من نفسها جداً. وكانت تعتقد بقوة أنها عندما تقتل ستذهب الى الجنة. ولقد اكتُشفت، لأن بعض الأسلاك كانت مرئية، ولهذا لاحظها رجل الشرطة بدقة)).
وأضافت (سجى) قائلة: على الرغم من إيمانها أن الانتحار والقتل سوف يأخذانها الى الجنة، فإن ذلك يرتبط عندها بحال تشوش الأمور في سن المراهقة. وأكدت القول: ((كانت رانية في نهاية كل جملة، تقول: أريد أمي)). وإذا كانت البنت مصممة من البداية على القيام بعمليتها الانتحارية، فإن الكثير من القضايا المعقدة والواسعة –كما يقول المحلل السياسي جوناثان ستيل- تحتاج الى بحث وتقص معمق. وهو أمر لا ينهي قضية ((هل هي وغدة أم ضحية؟)). ويضيف: في منطقة ديالى الزراعية والعشائرية والدينية والتي تعيش حالا من التزمّت حيال المرأة عموماً ولاسيما في القرى شبه المعزولة عن حضارة المدينة. هناك تفرض البنى العشائرية نفسها والرجال هم الذين يهيمنون على المجتمع القروي الريفي البسيط، وتعاني النساء من الاضطهاد لقرون. وبالنسبة للبنات بعمر 15 سنة، فإن الكثيرات منهن متزوجات، كما هي حال (رانية).
وفي هذا السياق التقييدي الذي يضيّق الخناق على المرأة، فإن البنات أو النساء عموماً هن (ضحايا الحال)..هكذا ترى الأمور (سجى قدري) التي تقول أيضا: ((حتى هذه البنت التي لا يتجاوز عمرها 15 سنة وبرغم كل شيء، يشعر الإنسان بالأسف على حالها، فهي صغيرة وغير متعلمة. لا وعي لها. وهي تنحدر من عائلة فقيرة جداً، وزوجها هارب كإرهابي متهم بعلاقته مع القاعدة. وكان قد أخبرها أنه سيلاقيها في الجنة)). وكان زوجها قد قبض عليه من قبل الشرطة في مدينة هيت بعد أسبوع واحد من القبض على (رانية إبراهيم مطلب).
ويقول المحلل السياسي البريطاني (جوناثان ستيل) إن مشهد المرأة في العراق كعضو في نادي دول الشرق الأوسط، يبدو أكثر تطوراً، لأن القول بأنهمن الأقطار العلمانية، لا يبدو عند كثيرين من المراقبين بأنه خطأ، بل إنهم يؤكدون مثل هذا الوصف بالنسبة للعراق، ولاسيما بالنسبة لسكان منطقة بغداد، إذ تتمتع المرأة بحرية عامة جيدة المستوى في العمل والتعليم وممارسة النشاط السياسي والمهني، وفيها طبقة متوسطة كثيرة السفر، والكثيرات من نساء بغداد يتحدثن لغات أجنبية منها الإنكليزية، لاسيما أنها اللغة المستخدمة في كلية الطب وكلية الهندسة. وتحت حكم الرئيس السابق (صدام حسين) ومن بعده خلال الفوضى التي عمّت البلاد بسبب الغزو والحرب الطائفية، هربت مئات الألوف من النساء الى الخارج، ضمن هروب ثلث أو نصف السكان العراقيين المحترفين أو المتعلمين جيداً والذين يسمون في العراق (ذوي الكفاءات).
ولكن في أوساط العدد الأكبر من السكان في الأرياف، وكذلك في أوساط أجيال من المهاجرين الريفيين الذي سحبوا الى المراكز الحضرية أو اندفعوا إليها للعيش في المدن الفقيرة التي تنشأ اعتباطيا في ضواحي المدن، تحت ضغط الحصول على فرض العمل بأجور أفضل، مازال انموذج حياة المرأة متذبذباً وغالباً ما تسوده العلاقات العشائرية، وبقيت مناخات الثقافة الخاصة التي أتوا منها هي السائدة، وبقوة.
ويؤكد (ستيل) قوله: في القرى وفي المدن أو البلدات الصغيرة، يُنظر الىالنساء بأنهن لا يزدن قيمة عن أثاث البيت الذي قد لا يغادر البيت، فالمرأة لا تغادر البيت غالباً إلا برفقة زوجها أو أحد أقربائها المحرّم عليها دينياً كالأخ والإبن والأب. وثلاث حروب مرّت على البلاد في ربع قرن تركت قرابة مليون أرملة بعضهن شابات أو في منتصف العمر. وبطبيعة الظروف التي يعيشها العراقيون لا يسمح للمرأة أن تعيش بمفردها. وموت الزوج ليس فقط مدعاة للحزن، إنما هو نهاية الى (فاجعة الوحدة)..ساعتها ينهار شعور المرأة بأنها (شيء له قيمة) سواء ضمن عائلتها الكبيرة، أو في مجتمعها الواسع الذي غالباً لا يرحمها إذا ما أقدمت على أي فعل يدل على استقلاليتها حتى لو كان أداء وظيفة في الدولة. وتصبح المرأة منذ أن تتحول الى (أرملة) الى إنسان فاقد لحريته وللحماية، فضلا عن خسارة مصدر المال الوحيد بالنسبة إليها ألا وهو الزوج. وما لم تخض المرأة الزواج ثانية –والحروب تركت ندرة حقيقة في الرجال- فإن ابن العم أو ابن الأخ ينتقل الى بيت الأرملة ليوفر لها الحماية والمال كي تعول نفسها وأبناءها إن كان لها أطفال، ويحدث هذا غالباً ما لم يكن لديها ولد قد تجاوز سن المراهقة، فيكون هو المسؤول عن البيت.
والنتيجة يمكن أن تكون (كآبة تأكل في كيان المرأة) وهي ترى الأب والزوج والأخ يقتلون. ولهذا فإن (رانية إبراهيم) التي كانت المرأة الانتحارية الأولى التي تحبط في محافظة ديالى ويلقى عليها القبض ثم يقبض على زوجها بناء على معلومات هي وفرتها حتما للجنة التحقيق معها، فإن غيرها الكثيرات ممن لبسن الحزام الناسف، واندسسن بين الحشود ليفجرن أنفسهن. وفي جميع أنحاء العراق كان هناك 43 امرأة نفذن فعلا عمليات انتحارية منذ سنة 2003، ومعظمهن في بحر السنتين الماضيتين. وهذه السنة وحدها وصل العدد حتى الآن الى 30 امرأة، كان منهن 15 في ديالى.
وفي يوم من أيام شهر تموز الماضي، فجرت أربع نساء حزامهن الناسف في بغداد وشمال مدينة كركوك، وأدت العمليات الى مصرع 44 مواطناً بريئاً. وكانت مصادر الشرطة العراقية والجيش الأميركي قد لامت القاعدة في جميع الهجمات تقريباً. ومع ذلك فإن حركة الانتحاريات كانت في الأساس (نبتة شيطانية) زرعها من يسمّيهم (جوناثان ستيل) العرب الأجانب الذين دخلوا العراق تهريباً ليقودوا العمليات الانتحارية منذ البداية، ثم انتقلت العدوى المرضية بشكل حاد الى العراقيين والعراقيات ممن تأثروا بشكل من الأشكال بفكر القاعدة وتطبيقاتها المتخلفة. وتذكر إحصائيات المصادر العسكرية العراقية والأميركية أن جميع الانتحاريات –إلا واحدة- كن عراقيات. والجميع كن في أعمار تتراوح بين 15-35 سنة.
وبعد فإن العراق ليس البلد الأول الذي، أصبح (مفرخة) للانتحاريات. فالحال الأولى طبقاً لسجلات دولية رسمية كانت في لبنان سنة 1985، عندما فجّرت شابة لبنانية سورية الولاء –طبقاً لتفسير ستيل- نفسها في وحدة عسكرية إسرائيلية في منطقة من مناطق الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وبعد ذلك أصبح ظهور المزيد من الانتحاريات العربيات أو المسلمات حالا مألوفة، وشهدت منطقة الشرق الأوسط أكثر من 10 هجمات نفذتها انتحاريات منذ سنة 2002 ولاسيما في فلسطين.
المصدر : النور الصادرة عن الملف برس