أسياد الكونغرس والبنتاغون يدافعون عن مشاريع (البقرة المقدسة)..وأطراف عديدة تلمّح الى (حقائب مالية) قدمت (رشاوى)
لم يكن خافياً على المراقبين أو العراقيين عموماً أن هناك أموالاً طائلة جداً تزيد على 50 مليار دولار قد خصصت لبرامج (إعادة بناء البنية التحتية) و(استجابات القادة العسكريين الأميركيين للطوارئ) أي لتسهيل مهمات العمليات العسكرية ضد المتمردين، واستخدام الأموال كرشاوى لأطراف سياسية، وزعماء عشائر، وفصائل تمرد سابقة، وأشخاص، وربما لمسؤولين.
وهي مسألة خلقت أول ما خلقت (أزمة فساد مالي وذمّوي) واسعة النطاق، جعلت أطرافاً عديدة تتنافس أو تتقاتل للحصول على (حصة) من (الكرم الأميركي). وباعتراف أحد القادة العسكريين، كان (الشخص) يأتي الى قائد من القادة الأميركان، فيسلمه حقيبة بـ 25,000 دولار ويقول له ((اذهب وأعد بناء العراق)).
ولهذا يقول القادة والجنود الأميركان – كما كشفت ذلك الواشنطن بوست- إنهم اكتشفوا ولكن بعد سنوات أن الدولار أفتك الأسحلة في حرب العراق. ويقول قادة عسكريون أميركان وعدد كبير من جنود قواتهم إن كفاح خمس سنوات لإنهاء الحرب في العراق، أظهر أن هناك ((سلاحاً خاصاً)) أكثر فاعلية بين كل الأسلحة التي تضمها ترسانتهم، وهو سلاح (الدولار الأميركي)). ويقول مراسل صحيفة الواشنطن بوست في بغداد إن الجنود يمشون في الشوارع حاملين الألوف المؤلفة من الدولارات لـ (يمنحوها) الى العراقيين بسبب دمار تعرّضت له بيوتهم خلال المداهمات التي تنفذها القوات الأميركية، أو المصابين ممن فقدوا عضواً من أعضاء جسدهم بسبب ذلك.
وتؤكد الصحيفة أن (شيوخ القبائل) يناشدون القادة الأميركان لاستخدام (عطايا أكبر) من الأموال التي تحملها مركبات الهامفي، ويدعونهم الى استخدام القواعد العسكرية كمدارس جديدة، عيادات صحية، محطات لضخ الماء وتصفيته، ولمولدات الكهرباء. ويدعو الشيوخ الى ذلك لأنهم يعرفون أن القوات الأميركية يمكنها أن تتجاوز ما يسمونه (الكثير من البيروقراطيات الصعبة في الإدارة الحكومية العراقية). وتظهر وثائق عسكرية أن 48,000 دولار قد صُرفت على شراء 6,000 زوج من الأحذية للأطفال. إضافة الى 50,000 دولار ميزانية لشراء 652 خروفاً لمواطنين وُصفوا بأنهم مسجلون كجياع ويعيشون ((تحت خط الفقر)) في حي سكني ببغداد. وطلب الجنود مبلغ 100,000 دولار ثمن دمى، و500,000 دولار لإنفاقها على أشخاص يقومون بأعمال تشبه أعمال القوات الأمنية العراقية. ونحو14,250 صُرفت على شراء تي- شيرتات مكتوب عليها ((أنا أحب العراق)). وأكثر من 75,000 دولار خصصت لإرسال وفد الى مؤتمر النساء والحقوق المدنية في القاهرة.
و12,800 أنفقت أيضاً لإنشاء بركتين لتبريد الدببة والنمور في متنزه الزوراء ببغداد. وكل هذه الأموال مخصصة من برنامج استجابة القادة للطوارئ الذي صرف لحد الآن ما لا يقل عن 2.8 مليار دولار من التمويلات الأميركية. وهذا البرنامج – كما تقول الواشنطن بوست- ليس له ظل من العلاقة بالمعايير الدولية لإعادة التطوير، أو أحكام الشراء الحكومية الاعتيادية. وبدلاً من ذلك، فإن البرنامج محكوم بتوجيهات واسعة مذكورة في دليل عملي يسمى ((نظام: المال كسلاح)). وتشير الصحيفة إلى أن البرنامج مصمم على أنه قصير الأمد، ولمبالغ غير ضخمة، و((لأعمال الإغاثة الإنسانية وإعادة البناء)).
لكن جهوداً أوسع لإنفاق 50 مليار دولار في مشاريع إعادة بناء البنية التحتية في العراق لم يحالفها النجاح. وبرامج إعادة البناء على الرغم من أهميتها لكنها لم تكن مؤهلة للتنسيق بين المشاريع على نطاق البلد. وفي مراجعة الواشنطن بوست لأكثر من 26,000 سجل تتضمن بيانات حكومية تفصيلية خاصة ببرنامج CERP أي برنامج استجابة القادة العسكريين للطوارئ، سوية مع وثائق الكونغرس والتدقيق الحسابي، علاوة على مقابلات مع الجنود الأميركان وقادتهم الذين عملوا في هذه المشاريع، اكتشفت برنامجاً جرى تطويره إلى أبعد من أهدافه الأصلية. وفي أغلب الأحيان استخدم لمشاريع كبيرة، يمكن أن تأخذ سنوات لكي تكتمل، ومثل هذا الأمر يكون على حساب جهود أخرى لبرامج إعادة البناء العاجلة. وفي العموم فإن البرنامج يفتقر الى الرقابة الإشرافية التي يمكن أن تقيّم مدى فاعلية هذه الأنشطة وفائدتها. ونحو (1) مليار دولار من أموال هذا البرنامج أنفقت لحد الآن، ذهبت الى 605 مشاريع تجاوزت تعريف الجيش لها بـ (مشاريع ذات نطاق ضيق)، أو أكثر من 500,000 دولار لكل مشروع. و880 مليون دولار صُرفت على المشاريع التي تستغرق أكثر من 6 أشهر، واعدت ذات مدى قريب من قبل القادة العسكريين. ووجدت مؤسسات التدقيق الحكومي الأميركية مشكلات تتعلق بحفظ السجلات.
وفي حالة واحدة، لم يستطع الجيش أن يفسر بالكامل إنفاق 135 مليون دولار في دفعات لبرنامج CERP. وأوضح المدققون والخبراء أنهم غير قادرين على الحكم في ما إذا كان برنامج (استجابة القادة للطوارئ) فعالاً أم لا. لكن جنوداً كثيرين وقادتهم يقولون إن البرنامج يعمل بشكل جيد، لأنه يوفر لهم الاحتياجات الأساسية في المدن والمناطق التي يكونون فيها. وفي الكونغرس والبنتاغون – تقول الصحيفة- أصبح هذا البرنامج (بقرة مقدسة) طبقاً لوصف أحد المدققين الحكوميين. وأكدت أن القلة سينتقدون هذا البرنامج الشعبي خوفاً على القوات نفسها. وقد مُنح برنامج CERP مؤخراً مبلغاً ضخماً إضافياً (1.2 مليار دولار) يقسم بين العراق وأفغانستان، طبقاً لتقرير تموز الصادر من مكتب (المفتش العام) الخاص بمشاريع إعادة بناء العراق. وهذا المبلغ يرفع قيمة ميزانية البرنامج الى 3.5 مليار دولار.
واقترح المشرعون إعفاءه من قيود الإنفاق على مشاريع إعادة البناء الكبيرة في العراق مستقبلاً. ولكنْ بعد أن قالت تقارير الأسبوع الماضي أن الحكومة العراقية تدير فائضاً مالياً يزيد على 50 مليار دولار، طلب عضوان في مجلس الشيوخ (جون وورنر) و (كارل ليفين) رئيس لجنة القوات المسلحة من وزير الدفاع الأميركي مراجعة تعليمات الأشراف على برنامج CERP، وقالا إنهما يريدان العراق أن يتحمل أكثر كلف إعادة البناء. وأكد (وورنر) من جانبه إنه قلق بشكل خاص حول 33 مليون دولار تنفق على فندق، ومكتب للبيع بالجملة والمفرد في مطار بغداد الدولي، وهو المشروع الذي وصفه بأنه ((بعيد عن أهداف برنامج CERP)).
وأضاف السيناتور (وورنر) الذي كان واحداً من الداعمين الأساسيين لهذا البرنامج قوله: ((لم يكن في بالنا أن البرنامج سيكون لمشاريع كبيرة)). وشدد على القول: ((كان هذا البرنامج لمساعدة قواتنا في مكافحة التمرد، وأيضا مساعدة المدنيين ريثما يتمكنون من النهوض بحالهم، وهو برنامج يشبه مصرفاً للتطوير)). ومن جانب آخر فإن الجنرال (بيتر شارلي) نائب رئيس هيئة الأركان في الجيش الأميركي، وكان سنة 2006 قائداً مشرفاً في قوات المتعددة الجنسيات في العراق، يقول إنه والقادة الآخرون في الميدان قد رأوا حوادث العنف تنخفض في مناطق معينة كان برنامج CERP ينفق فيها الأموال. وأوضح إن البرنامج –في حقيقته- خاص بإعادة بناء البنية التحتية للعراق بالإضافة الى أن يكون سلاحاً في مكافحة التمرد. وبعد المعارك التي أعقبت الاحتلال –يقول شارلي- كان أحد العراقيين يأتي الى قائد فيسلمه حقيبة فيها 25,000 دولار نقداً ويقول له: ((اذهب وأعد بناء العراق)). ولكن (شارلي) أضاف قائلاً إن الجيش الأميركي ربما لم يعمل على صيانة المدارس، والعيادات، ومشاريع الماء التي يفترض أنها تبنى بأموال البرنامج نفسه. وفي حالة واحدة خلال سنة 2005 –يضيف الجنرال بيتر شارلي- إنه جلب الماء لـ 220,000 بيت في مدينة الصدر ببغداد مستعملاً تمويلات البرنامج. لكن عندما عاد قبل سنة ليفحص فيما إذا كان البرنامج قد تم تطويره وتمديده الى بيوت أكثر، وجد أن المشكلة لم تتابع فيما بعده.
المصدر : النور الصادرة عن الملف برس