تقول الواشنطن بوست: في الحسابات الصحفية لحرب العراق، إذا ذكر الأكراد بشكل مطلق، فإنهم يميلون الى أنْ يستخدموا، كـ ((نموذج مقاوم)). وكردستان مكان للهدوء النسبي وسط عنف فوضوي. وازدهار في البناء يُبرز (التصحر الاقتصادي) في أماكن أخرى من العراق. وسياسيوها شركاء مخلصون للولايات المتحدة في بلاد تقع حتى الآن تحت الاحتلال العسكري الأميركي.
وحملة (العلاقات العامة) الكردية في الولايات المتحدة بشكل خاص تصف (إقليم الأكراد) على أنه ((عراق آخر)). ويشير (جوشوا بارتلو) مراسل الصحيفة في العراق الى كتاب (الأمة الخفية) الذي يمثل المحاولة الأولى لتسجيل آخر تفاصيل تاريخ الكرد، ودورهم في حرب العراق. ويقول إن مؤلف الكتاب، وهو مراسل البي بي سي (كويل لورينس) لا ينكر هذه الاختلافات.
لكن قصته السريعة والجذابة، توضح فقط ضعف وشذوذية هذه المدة من السلام النسبي والازدهار النسبي لأكراد العراق. يقول المؤلف: لقد تحمّل الكرد حملة إبادة نفذها الرئيس السابق (صدام حسين) ودُفعوا الى زوايا الدول الأربع التي يقطنونها ابتداء: العراق، سوريا، إيران، وتركيا. وبسكان يصل تعدادهم الى 25 مليون نسمة –يلاحظ لورينس- أن الأكراد قد يكونون المجموعة الإثنية الأكبر في العالم من غير (وطن مستقل). ويؤكد (لورينس) في كتابه قوله: ((لذا ففي ندرة الأخبار الجيدة، لماذا تنعق الولايات المتحدة كالغراب بشأن هذا الإنجاز العظيم في العراق؟)). بحسب تعبير الكاتب. ويضيف: ((لأن نجاح كردستان يمكن أن يكون كارثياً. وما لم يحدث منذ خلق اسرائيل سنة 1948، فإن إعلان دولة كردية ضمن الحدود العراقية، سيوحد الإقليم الكامل لدولة معارضة لما حولها تمتد من البحر الأسود الى الخليج العربي)).
وبمواجهتهم هذا المحيط من دول الجوار المعادية –يكمل جوشوا بارتلو مستنداً الى معلومات كتاب لورينس الذي صدر حديثاً- فإن الأكراد الذين يعيشون في المحافظات العراقية الشمالية الثلاث، قد حاولوا فقط اقتطاع بقعة الحكم الذاتي في الجانب الآمن للاستقلالية. ويتابع (بارتلو) قوله: إن (لورينس) الذي يكتب صورة متعاطفة مع الأكراد، لكنها متوازنة، بحسب تعبيره، يصف زعماءهم (بالانتقال التدريجي من مقاتلي حرب العصابات الى رجال دولة، بضمن ذلك كيفية وقوعهم في حبائل (غدر) حلفائهم المزعومين (مثل هنري كيسنجر، وشاه إيران، الذين سلموا الأكراد عملياً الى صدام حسين سنة 1975) وكيف بدّد الثلاثة الفرص الأفضل للأكراد.
وعلى سبيل المثال –يتابع بارتلو- إن الخلق الأميركي المتأخر لمنطقة الحظر الجوي في كردستان، بعد حرب الخليج ساعد في حماية الأكراد من (صدام حسين). وكتب (لورينس) قائلاً بهذا الصدد: ((إن واشنطن وبشكل غير متعمد قد أصبحت القابلة لدولة كردية واقعية)). على الرغم من الحرب الأهلية المتقطعة بين الحزبين الكرديين الرئيسين اللذين يتقاسمان كردستان حتى الآن. ويتتبع كتاب (الدولة الخفية) بشكل سريع التاريخ القديم للأكراد، لكنه يبدأ بجدية من كفاحهم في البقاء خلال الحملة الشرسة لصدام ضدهم أواخر الثمانينات. ويستمر الكتاب في تناول مدة الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، وأيضا في وقت الاحتلال اللاحق بعيداً عن فوضى سنة 2006.
وقبل الاحتلال ادعت الإدارة الأميركية أن القاعدة لها ارتباطات بميليشيات كردية متطرفة كانت تعمل في إقليم كردستان داخل العراق. لكن (لورينس) يُظهر أن تلك الادعاءات كانت خاطئة في الغالب. وفيما كان (أنصار الإسلام) يعملون في العراق –على سبيل المثال- لم يثبت أن لهم ارتباطاً بـ (صدام حسين) أو بالقاعدة. والضربة الجوية التي كانت مفتتحاً للحرب، كمحاولة فاشلة لقتل (صدام) في جنوبي بغداد، كانت نتيجة لعملية استخبارية لجمع معلومات متقنة لكن غير نافعة، معتمدة على كردستان، وتحت قيادة مخبر لوكالة المخابرات الأميركية (CIA) الشيخ (محمد عبد الكريم الكسنزاني)، الكردي، والزعيم الصوفي، الذي دفعت له ملايين الدولارات لعمل أتباعه كجواسيس.
وتقول الواشنطن بوست: في كردستان كما في غيرها من العراق، كان التخطيط الأميركي ذو العيوب، قد حقق نتائج غير مقصودة، أفادت الأكراد أحياناً. فعدم قابلية إدارة (بوش) في إقناع الأتراك ليسمحوا باحتلال العراق من الشمال عبر أراضيهم، جاء بنتائج أخرى، إذ منع ألوف القوات التركية من مرافقة القوات الأميركية، ولربما تفادت كردستان بذلك حرب عصابات بينهم وبين الأتراك، الشيء الذي ((قد يهبط بالتاريخ الأسعد حظاً الذي حدث لأميركا في وقائع احتلالها للعراق)) طبقاً لتعبير (لورينس).
وتضيف الصحيفة قولها: إن الشراكة بين الأميركان والكرد، لم تكن ((سهلة)) فقد أبدى العديد من المسؤولين الأكراد الكثير من الغضب على مر السنين. ويروي (لورينس) كيف أن وزير الخارجية الحالي في العراق (هوشيار زيباري) لم يستطع المشي أمام أبواب وزارة الخارجية كمبعوث كردي خلال حرب الخليج. وفي زيارة الى واشنطن سنة 1991، فإن أفضل ما قوبل به هو أن يحتسي فنجان قهوة مع كبار موظفي الخارجية في مقهى بناصية الشارع الذي يقع فيه مقر الوزارة. وبعد غزو العراق سنة 2003 –يقول لورينس- كان هناك إحباط كردي كبير كنتيجة للتعامل مع الجنرال (ديفيد بيتريوس) الذي كان قائد فرقة عسكرية في شمالي العراق. وأكراد كثيرون كانوا مستائين، لأن (بيتريوس) كان يعمل مع (أعدائهم العرب السنة) في الموصل، ولم يعط رجال البيشمركة السيطرة على ما ينظرون إليه على أنه إقليمهم. و(لورينس) الذي كتب على نطاق واسع من كردستان في السنوات الثماني الماضية، وركز قليلاً على كيفية حكم الأكراد لإقليمهم في السنوات التالية خلال الحرب.
يلمّح فقط الى الجانب المظلم في حكم الكرد: سلطة غير محدودة على ما يبدو لعشيرتي (البارزاني) و(الطالباني) المتنافستين على كسب السكان، والادعاءات الشائعة عن الفساد في أوساط مسؤولي الحكومة، وسوء معاملة العرب الذين يعيشون في كردستان. وترى الواشنطن بوست أن مؤلف كتاب (الدولة الخفية) نجح في رسم صور حية عن الكرد الذين يعملون ضد الاحتمالات الفظيعة المناهضة لحقوق شعبهم.
وتقول إن قصص الأكراد، تذكرنا بتسمية الكثيرين من كبار سياسيي الكرد: الرئيس (جلال الطالباني) ونائب رئيس الوزراء (برهم صالح) ووزير الخارجية (هوشيار زيباري) لكنها تقود الى تسمية القلة من الذين تحمّلوا السجن والتعذيب وتعرضوا لمحاولات اغتيال وسنين طويلة من الحرب نيابة عن كردستان وضد البلد الذي يساعدون الآن في حكمه. وتشير الواشنطن بوست الى نص في الكتاب ينقل عن (جلال الطالباني) يقول فيه: ((هناك صفقات قصيرة الأمد، وأخرى طويلة الأمد)). وتعلق الصحيفة على ذلك بقولها: ((ليس واضحاً بشكل كامل أي نوع من الصفقتين يدخل الأكراد الآن مع العراق)).
المصدر : النور الصادرة عن الملف برس -