اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
شارع المتنبي يعود إلى الحياة بفضل (عزيمة) أصحاب المكتبات
صاحب أقدم مكتبة في الشارع يبيع منزله ليعيد إعمارها ويشتري الكتب
13/07/2008
بغداد: سودارسان راغافن «واشنطن بوست» - في الطابق العلوي، كان الباب الأزرق لحجرة الابن الوحيد لنبيل الحياوي مغلقا بإحكام، فهناك توجد المقتنيات الأثرية التي كان الطفل قد جمعها خلال أعوامه القليلة.

وفي الطابق السفلي، جلس بائع الكتب يسترجع احداث انفجار السيارة الذي أودى بحياة ابنه وأخيه ودمر محل الكتب الخاص بالعائلة بشارع المتنبي الشهير. لم يدخل نبيل حجرة النوم الخاصة بابنه منذ أكثر من عام. كان نبيل في يوم الانفجار شبه ميت، وهو يعاني الآن من مشاكل في الوقوف، على الرغم من خمس عمليات أجريت له، واصيبت ذراعه اليسرى بعاهة مستديمة. ويأخذ نبيل سبع حبات من الدواء لمواجهة الآلام التي يعاني منها اضافة الى الاكتئاب.

ولكن، لم تتسبب عقود من الدكتاتورية والحروب والعقوبات الدولية، وما تبعها من احتلال ناهز الخمسة أعوام وأعمال التمرد والنزاع الطائفي، في القضاء على عائلة الحياوي. يقول نبيل، الذي يبلغ من العمر 60 عاما وهو جالس على مقعد في منزله الفسيح: «إذا كنت تحيا مع الخوف، فكيف يمكنك أن تعيش؟». وتمثل عائلة الحياوي صورة لمستقبل العراق، فعلى الرغم من الفواجع التي ألمت بها، ترفض العائلة الخضوع للوضع الحالي في العراق. في عام 1957 أسس عبد الرحمن الحياوي، وهو مسلم سني، مكتبة النهضة.

وتعد هذه أقدم المكتبات الموجودة في شارع المتنبي، الذي حافظ على التراث الأدبي على مدى العصور. ومنذ أن تم نهب متحف المدينة بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، بقي شارع المتنبي أحد رموز الثقافة في المدينة. ونقل عبد الرحمن حبه للكتب إلى أبنائه الخمسة وبناته الأربع واعتاد أن يحضرهم إلى شارع المتنبي منذ أن كانوا أطفالا صغارا. ويقول نجاح الحياوي، الاخ الاكبر الذي يبلغ من العمر 62 عاما، «فتحنا أعيننا في هذا المحل».

تولع نبيل أيضا بالكتب، ولذا كان يذهب ليدرس القانون في المساء حتى لا يضيع على نفسه العمل في المحل صباحا. وأصبح نبيل أصغر قاض في العراق. وبعد أن مات الأب عام 1993، ورث الأبناء المحل وبعد ذلك افتتح كل محله الخاص به. داخل منزل نبيل الحياوي في حي المنصور بالعاصمة بغداد، توجد صور لوالد نبيل داخل مكتبة النهضة مع أطفاله الصغار. وعلى أحد الرفوف، توجد صور لنجل نبيل، يحيى، وشقيقه محمد.

وعندما تذكر نبيل وقائع 5 مارس (آذار) 2007، لم يتمالك نفسه من البكاء. في الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، كان نبيل واثنان من العاملين يحزمون الكتب تمهيداً لشحنها إلى مدينة أربيل شمال البلاد. وكان يحيى، 25 عاماً، يعمل في الطابق السفلي بمكتبة الكتب القانونية التي أنشأها والد نبيل. كان يحيى مهندسا كيميائيا ورث عن والده عشق الكتب. وقد رفض السفر إلى الخارج في بعثة علمية كي يتولي إدارة المكتبة. وفي الأسبوع التالي، كان من المقرر أن يحتفل بخطوبته. في الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة، انفجرت السيارة خارج مكتبة نبيل. وقال نبيل: «اعتقدت أنني أصبت».

وفي الظلام تحت الحطام، سمع محمد يصرخ قائلاً: «أخروجنا! النيران قادمة!» أما يحيى الذي أصيب بشظايا فقد نطق الشهادتين. وأشار نبيل إلى أنه شعر بحرارة بالغة وشم رائحة دخان. وقال: «قلت لنفسي إذا أراد الله لي الحياة، يجب أن أقاوم». وعليه، بدأ في دفع ركام الخرسانة والكتب بعيداً عنه ولكن ببطء. أما محمد فقد تمدد تحت الكتب والحطام وأجزاء السيارة. وبصوت خافت، طلب من نبيل المساعدة.

وعبر الضباب الذي خيم على المكان، رأى نبيل فتحة. وبالفعل، تحرك نحوها مستعيناً بكتاب في يده اليمنى لتحاشي النيران، بينما عمل على الاستعانة بيده اليسرى للمرور عبر الركام. ووصف نبيل الوضع بقوله: «كنت أسبح في النيران». بوفاة نجله الوحيد، نكبت عائلة نبيل. ومن أجل المساعدة في التخفيف من حدة آلامه، أخبره أقاربه أن كلا الرجلين نجا من الحادث. وأثناء سرده للأحداث، توقف نبيل عند هذه النقطة، وارتعشت يداه. وقال: علمت أنهما ماتا. بعد أيام قلائل، ونظراً لغياب الرعاية الصحية الملائمة داخل بغداد، نقله أشقاؤه بالطائرة إلى بيروت. أما المجموعة التي تملكها العائلة من الكتب النادرة والطبعات الأولى والمخطوطات، فقد احترقت مع المحل. وتضمنت المجموعة كتابين لا يقدران بثمن حول الخط العربي. ويفتقر غالبية العراقيين إلى القدرة على مغادرة البلاد، بينما يتمتع أفراد عائلة الحياوي بالمقدرة على ذلك. وباع الأشقاء منزل العائلة في بغداد مقابل 330.000 دولار، لكن بدلاً من الاكتفاء بالعيش على أرباح هذه الأموال أو استثمارها بالخارج، مثلما فعل الكثير من العراقيين، استغل أفراد أسرة الحياوي في إعادة بناء متاجرهم وسداد ديونهم وشراء المزيد من الكتب.

ويؤكد بديع الحياوي، 52 عاماً، الشقيق الأصغر لنبيل، أن هذا هو مصدر رزقنا. تراثنا. تاريخنا. إنها بلادنا. كيف لا نتمسك بها؟ في بداية الأمر، شعر نبيل بالتردد حيال إعادة بناء مكتبته خوفاً من أن تداهمه الذكريات، لكن أثناء فترة تعافيه من عملية جراحية مر بها، أحضرت إليه إحدى ابنتيه، زينة، الحقيبة الخاصة بـه. وأثناء سرده للأحداث، توقف نبيل وأحضر حقيبة من أسفل أحد المكاتب وأخرج منها أوراقا، مشيراً إلى أنها وصية يحيى كتبها قبل التفجير بثلاثة شهور. في الوصية، طلب نجله منه الإبقاء على المكتبة القانونية مفتوحة، مؤكداً أن: هذا كان حلمي منذ طفولتي. وبالفعل، بعد خمسة شهور من التفجير، عاد نبيل إلى بغداد.

وأغلق غرفة يحيى وبها جهاز الحاسب الآلي الخاص به وكتب الهندسة وصوره في طفولته. وفي اليوم الذي وطأ بقدميه المكتبة، انهار. استمر نبيل داخل شارع المتنبي وتولى الإشراف على إعادة بناء المحال، حتى في الوقت الذي ناضل ليعيد بناء نفسه. وبعد شهر، غادر البلاد لإجراء جراحة أخرى. واليوم، تضم مكتبة النهضة صوراً لمحمد ويحيى وعبد الرحمن على الحائط. وتحت الصور لافتة تقول «شهداء آل الحياوي». ويعمل بالمكتبة سبعة موظفين يتولى الإشراف عليهم يومياً أحد أبناء عائلة الحياوي، بمن في ذلك أوس نجاة الحياوي، 36 عاماً. كان أوس قبل التفجير بنصف ساعة قد خرج لإحضار كتب من مخزن قريب. وعاد بعد ذلك ليساعد في إنقاذ الناجين. والآن، يعمل أوس على نقل تقاليد العائلة إلى الجيل الثالث. وقد عرض رجل دين بارز في بيروت على نبيل مساعدته في الحصول على اللجوء السياسي إلى دولة أوروبية، حيث سيحظى بأعلى مستوى من الرعاية الصحية ويعاين أفضل وأعرق المكتبات، لكن نبيل رفض.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima