اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
الايكونومست : العراق يشرع باستعادة انفاسه
28/06/2008

تقرير خاص - (الإيكونوميست) ما يزال الشعب العراقي يعاني إلى حد بعيد، لكن العراق بات أفضل حالاً مما كان عليه قبل اشهر قليلة, بعد كل الدماء التي أريقت والحماقات التي ارتكبت، يظل الناس محقين بالتشكك في صدقية أية أنباء جيدة يمكن أن ترد من العراق .

لكن ثمة بعض الأمور التي باتت واضحة راهناً، وهي أن العديد من الأمور قد شرعت في التحسن في العراق بعد طول انتظار خلال الأشهر القليلة الماضية، وفيما كان الأميركيون منهمكين في الانتخابات الرئاسية التمهيدية. وقد بدأ هذا التحسن يذهب إلى ما وراء الانخفاض الذي طرأ على حجم عمليات القتل، والذي أعقب "الزيادة" في عديد القوات الأميركية في بغداد بإشراف الجنرال ديفيد بترايوس. فقد كسبت الحكومة العراقية الكثير فيما يتعلق بمكانتها وفي ثقتها بنفسها. ويعود الفضل في ذلك الى ارتفاع اسعار النفط المحلقة، الأمر الذي أفضى إلى غمر الحكومة العراقية بالأموال. وقد أصبحت هذه الحكومة أكثر قدرة على تحدي الميليشيات العراقية الكثيرة، وتؤكد على استقلالها عن كل من ايران واميركا على حد سواء. وفي الغضون، تبدو الحروب المتشابكة -السنة ضد الأميركيين، والسنة ضد الشيعة، والشيعة ضد الشيعة- والتي عصفت بالعراق فيما بعد الغزو الأميركي عام 2003، تبدو وأنها توقفت. ولم يعد البلد يبدو محفوفا بالمخاطر الداهمة التي كانت تؤشر على انقسامه الوشيك، أو سقوطه في فوضى عارمة لا تنتهي.

في ايلول(سبتمبر) 2007، كانت هذه الصحيفة قد أيدت فكرة زيادة عديد القوات الأميركية في العراق، ليس لأننا كنا نؤمن في العراق نفسه، وإنما لأننا تعلقنا آنذاك بالأمل اليائس القائم على أن الزيادة في عديد القوات الأميركية في العراق ربما توقف ما كان حمام دماء قائما أصلاً، وتحول دون الانتقال الى ما هو أسوأ. لكن الوضع الآن اصبح مختلفا: فمع ان العراق ما يزال في حالة من الضياع، إلا أن شيئا ما قريبا من تحقق مستقبل طبيعي لشعبه قد اصبح شيئا يبدو قريب المنال.

الرشاشات شرعت تصمت
كما يقر الجنرال بترايوس نفسه، وكما أفاد به الإيجاز الأخير الذي ورد إلى هذه الصحيفة، فإن التغيير الذي طرأ على المشهد العراقي ما يزال هشاً، ويمكن له أن ينقلب. لكنه يظل حقيقياً مع ذلك. فقبل أشهر فحسب، لم يكن العراق على شفير الانخراط كلياً في تمرد معاد لأميركا فقط، وإنما كان أيضا على وشك الوقوع في تشابك كثيف من الحروب الطائفية التي تبدو أميركا عاجزة عن وقفها. أما أولئك الذين اعتقدوا بأنها جعلت من الأمور أسوأ باستمرارها في المكوث، فإنهم يستطيعون ان يشيروا الى الحقائق الدموية على الأرض كدليل. لكن الوقت حان الآن لإلقاء نظرة أخرى على هذه الرؤية، حيث شرع كل واحد من تلك النزاعات المتداخلة مؤخرا في التلاشي تقريباً.

في الغضون، يستمر بضعة سنيين مدفوعين بنوازع إسلامية، أو ببساطة، بمشاعر الامتعاض من التواجد العسكري الأجنبي في شن هجمات على القوات الأميركية. لكن العديد من القبائل السنية التي امتعضت بدورها من الأعمال الوحشية التي ارتكبها حلفاؤها السابقون، وأكثرهم من الاجانب في تنظيم القاعدة، قد انضمت الى ما يسمى بمجالس الصحوة السنية، وانتقلت إلى مؤازرة الأميركيين. وفي الوقت ذاته، توقف السنة والشيعة عن قتل بعضهم بعضا بالأعداد الضخمة التي كانت قد أعقبت تفجير ضريح الإمام العسكري في سامراء في أوائل عام 2006. ولم تكن زيادة عديد القوات التي أجراها الجنرال بترايوس سوى واحد فقط من أسباب ذلك. إذ ثمة سبب آخر لا يعود فيه الكثير من الفضل إلى الأميركيين، وهو أن القليل جداً من الضواحي بقي محافظا على سمة الاختلاط الطائفي بعد عمليات التطهير الاثني المحمومة التي جرت في السنة الماضية. كما أن الحالة التي استحوذت على الكثير من العراقيين الذين عمدوا الى ممارسة رعب الذبح الطائفي العشوائي قد اتخذوا الآن قرارا من وحي الضمير بالتراجع.

وفي الأثناء، هدأ النزاع بين الشيعة والسنة ايضاً. وفي الأسابيع القليلة الماضية، كذب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ما أشيع عنه من أنه شخصية ضعيفة حين أرسل الجيش لفرض سيطرته على مدينة البصرة، وكذلك على مدينة الصدر في أطراف بغداد. وهما اللتان كانتا تعتبران حتى ذلك الوقت معقلين للميليشيات التي تأتمر بأمر الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر المعروف بأنه معاد عنيد لأميركا. ولا تشي حقيقة اعتقاد الصدر بأنه ليس من الحكمة مقاومة الجيش بأن الجيش بات قويا الآن بحيث يستطيع ان يتغلب على اي ميليشيات خاصة فحسب، وإنما تقول أيضاً بأن الدولة قد باتت تتوافر على شرعية سياسية أكبر، ولو في الذهنية الشيعية على الأقل.

لعل من الغني عن القول ان هذه النزاعات كلها ربما تستأنف، إذ يمكن ان يوجه السنة الذين يقاتلون الآن في الجانب الأميركي نيرانهم ثانية صوب الأميركيين والشيعة غدا ما لم يتم تخصيص مساحة كافية لهم في النظام الذي يسيطر عليه الشيعة حسب وجهة نظرهم. أما في الجانب الشيعي، فإنه ليس من الواضح بعد إذا ما كان الصدر قد تخلى عن فكرة اللجوء إلى العنف إلى الأبد. كما ان حركته ليست الحركة الوحيدة التي تتوافر على جيش خاص بها. ويرى السنة والشيعة والأكراد أن وجود ميليشيات لهم يعتبر إجراء وقائياً يظل ضرورياً في مواجهة مستقبل غير مضمون.

بهذا المفهوم، يظل العراق بعيدا عن ان يكون قد عاد الى الحياة الطبيعية ثانية. لكن الهدوء الراهن في حال استمر، فإن السياسة ستحظى بفرصة للعمل على الأقل. اما مهمة السيد المالكي التالية، فستكون المضي قدما نحو إجراء الانتخابات الداخلية المقرر إجراؤها قبل نهاية العام الحالي. ومن الممكن أن تسفر هذه الانتخابات عن نتيجة جيدة للسنة الذين شارك القليل منهم في انتخابات 2005، والتي يكون من شأنها إعادتهم إلى حظيرة الخط السياسي السائد، ما يمكنهم من السيطرة على السلطة الفعلية في محافظاتهم على الأقل. كما يمكن للانتخابات ان توفر طريقا بديلا للسلطة بالنسبة للصدريين إذا ما تخلوا فعليا عن العنف وقرروا المشاركة في الحراك السياسي.

ثمة دور آخر يترتب على الرئيس بوش أن يلعبه، والذي يتألف بشكل رئيسي من الإحجام عن القيام بالأشياء التي قد تشكل مصدر إغواء له، إذ يترتب عليه، على سبيل المثال، أن لا يعمد إلى مهاجمة إيران. ولعل واحدا من الأشياء المؤثرة التي قررتها الحكومة العراقية الحالية هو رفضها الانحياز الى جانب ضد الآخر في المواجهة الراهنة الجارية بين الولايات المتحدة وايران جارة العراق. فهي تريد الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع البلدين حتى تستطيع التقدم. وعلى السيد بوش ان يجد طريقة بحيث يترك لخلفه مهمة التفاوض على إبرام اتفاقية جديدة حول وضع القوات الأميركية في العراق. وقد يصبح هذا الموضوع عاملاً مؤثراً في الانتخابات العراقية مع نفاد فترة انتداب الأمم المتحدة. ويذكر بهذا الصدد أن السيد المالكي يريد ضمانات بأن تلتزم أميركا بالدفاع عن حدوده. وفي الغضون، يتهم معارضوه أميركا بالسعي إلى الحصول على قواعد دائمة في العراق، محولة إياه الى تابع خاضع لسيادتها. وسيكون من الخطأ لرئيس بات يعتبر بطة عرجاء في واشنطن ان يقيد ايدي الإدارة التالية في واشنطن بمثل هذه الأمور.

فيما نعمل على إبراز الأوضاع الذاهبة إلى التحسن في العراق، فإننا لا نرمي الى تبرير دعم مجلة "الإيكونوميست" للغزو في عام 2003. فقد أزهقت العديد من الأرواح بسبب ذلك الغزو. وسيسجل التاريخ أن الغزو والاحتلال قد ظلا يشكلان ورطة. وما يزال العراقيون حتى ايامنا هذه يعيشون تحت هاجس تهديد العنف اليومي: إذ يقتل المئات منهم في كل شهر. وهم يظلون يعانون بشكل يبعث على الأسى من افتقاد ضروريات الحياة، مثل الوظائف والمياه النظيفة والكهرباء. كما أن الحكومة العراقية ما تزال تكسب من الثقة أكثر مما تكتسب من الكفاءة. وهي ما تزال متفككة ويستشري فيها الفساد في كثير من الأماكن.

لا يستتبع ذلك القول بأن التحول إلى الأفضل يبرر بالضرورة إصرار جون ماكين على أن تعمد أميركا إلى خيار اللامبالاة. وربما يكون من شأن عراق اكثر أمنا أن يجعل من خطة أوباما لسحب معظم القوات الأميركية خلال 16 شهرا أكثر جدوى، على الرغم من ان انسحابا مرحليا يظل يبدو فكرة حمقاء. ولكن، وبغية صيانة التحسينات الهشة التي تم إنجازها، فإن المفتاح أمام اميركا يكمن في إبداء المرونة. وعلى كلا المرشحين ان يبقيا خياراتهما مفتوحة. وإذا ما فهم الرئيس الأميركي التالي العراق خطأ بسبب انشغالاته في الحملة الانتخابية، فإن المكاسب الأخيرة قد تتبعثر، وربما ينزلق العراق ثانية إلى مهاوي البؤس والتعاسة. وهو ما سيكون بمثابة تحقيق الفشل مرتين أخريين.

الغد
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima