اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
مدينة الصدر..تحولات العشيرة والمذهب والقانون
حملت ثلاثة اسماء في اربعة عقود..فهل تقترب من الاسم الرابع؟!!
16/05/2008
في اليوم الثاني من سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان عام 2003 صار اسمها ( مدينة الصدر ) بعد ان ظلت على مدى اكثر من عقدين تحمل اسم ( مدينة صدام ) . وقبل صدام كان اسمها الاول هو ( مدينة الثورة ) وتلك كانت هي تسمية مؤسسها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.

حين حملت اسم ( الصدر ) في اليوم الثاني لسقوط بغداد لم تكن القطع واللافتات التي كانت تحمل اسماء فروع حزب البعث والشعب والفرق فضلا عن النصب والتماثيل التي كان يحلو لكبار قادة النظام ازاحة المزيد منها في مختلف ارجاء المدينة لسبب بسيط جدا وهو ما كان يرافقها من احتفالات وتجمعات جماهيرية ضخمة للتمجيد بالقائد الذي اختار مدينة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي لم يطلق عليها اسمه بل اسم الثورة التي اكلت ابناءها رويدا رويدا لكي يطلق عليها اسمه . فصارت منذ اواخر السبعينات من القرن الماضي مدينة صدام . بعد السقوط مباشرة ارادت الجهات التي سيطرت على المدينة وحملت شعارات دينية ان تزيل اثار العدوان الصدامي الغاشم وذلك بان ازالت اللافتات والنصب والتماثيل التي حملت اسم صدام ووضعت مكانها رجل الدين البارز اية الله محمد محمد صادق الصدر وكان شيئا لم يكن .

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا تبدو هذه المدينة التي هي اكبر تجمع بشري ذي مواصفات قروية بحتة في مدينة مترامية الاطراف مثل بغداد غير قابلة للاستقرار السياسي والمجتمعي والوظيفي مثل باقي المدن والتجمعات ؟ الا يمكن ان يؤثر ذلك على طبيعة الولاء الذي يبدو وكانه قابل للتغير بين فترة واخرى لاسباب تحتاج في الواقع الى دراسات اجتماعية وانثربولوجية لكي تتمكن هذه المدينة من الانتماء الى نفسها . ولكي تصبح موضع جذب للزعماء والقادة والمفكرين وسواهم لا ان تتحول هي الى مجرد تجمع بشري احتياط قابل لان يحمل كل عقدين او ثلاثة عقود اسما لزعيم سياسي او رجل دين او حتى طاغية كما يصوره اهلها ليل نهار ولايحلو لهم تسميته غير هدام ؟ واذا كانت التسمية التي اطلقها عبد الكريم قاسم على ما اعتبره هو مدينة مناسبا حين نقل تجمعا بشريا ضخما من منطقة ( الشاكرية ) المنطقة الخضراء الحالية التي كانت مجرد صرائف انذاك في الجانب الغربي من نهر دجلة في كرخ بغداد الى المكان الجديد في الجانب الشرقي من رصافتها ليحمل منذ اوائل الستينات من القرن العشرين اسم ( مدينة الثورة ) كجزء من وفاء الثورة للفقراء والفلاحين في الجنوب العراقي الذين كانوا مضطهدين من شيخ العشيرة الذي تحول الى اقطاعي بعد ان منحت بريطانيا العظمى انذاك عددا من الشيوخ والعوائل مساحات واسعة من الارض بملايين الدونمات فان صدام حسين الذي سعى الى اختزال كل شئ في العراق باسمه من الشارع الى المطار الى المسشتفى فالمدارس والجامعات فان السؤال الذي يتوجب على الباحثين الاجابة عليه هو .. لماذا اختار مدينة الثورة لتحمل اسمه مع مدينة الطب ومطار بغداد فضلا عن عشرات الاسماء الاخرى التي لم يبق لصلاح الدين غير المحافظة التي سقط راسه فيها وللبكر غير ميناء في اقصى الجنوب والمثنى غير لواء السماوة والقعقاع غير منشاة عسكرية متخصصة بالصواريخ ؟ هل كان صدام مثلا يريد معاقبة المدينة بوصفها الاقل ولاء له فجعلها تدفع الثمن بان منحها اسمه عنوة ؟ ام انه اراد تعويد اهلها على نطق اسمه ليل نهار بحيث يتحول الامر الى عادة فسلوك ففروع وشعب وفرق لحزب البعث كانت هي الاكبر في كل بغداد وربما العراق ؟

رفاق .. رفاق

ولعل من بين اكثر المفارقات الساخرة ان بعض المواقع الالكترونية التي باتت على خلاف مع الصدريين عقب الازمة الاخيرة وهي مواقع قريبة من الصدريين مذهبيا لكنها على خلاف حزبي ويتعلق بالنفوذ معهم اخذت تطلق على معظم قادة التيار الصدري ومن بينهم اعضاء في مجلس النواب باسم ( الرفيق ) فلان وفلان مما يعني ان ان معظم من انتمى الى التيار الصدري في هذه المدينة انما هم بعثيون . وبالتبعية فان معظم من انتمى الى جيش المهدي هم من البعثيين ايضا.

ان هذه التهمة هي التي تعاملت معها الدولة في حربها مع الصدريين في اكثر من مكان في العراق قبل ان تنتقل المعارك الى معقل التيار الرئيس وهو مدينة الصدر . ففي النجف جرت اكثر من معركة كانت التهم جاهزة لمن قام بها على انهم بعثيون عصابات . وفي كربلاء تكرر الامر ايضا واخيرا في البصرة ومدينة الصدر .

ومع النفي المتكرر لقادة التيار الصدري لهذه التهم الا ان اجهزة الدولة وحتى رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه حيث كانوا يقولون مثل هذه الامور على استحياء فانهم باتوا في الاونة الاخيرة يتكلمون عن هذا الموضوع بصراحة شديدة . وهو ماشكل احراجا للتيار الصدري ولزعيمه السيد مقتدى الصدر . وبالعودة الى قصة هذه المدينة وتحولاتها عبر اربعة عقود من الزمن فقط فان المفارقة الصارخة ان ايا ممن حملت المدينة اسماءهم لم يختارها مقرا لسكنه اوحتى يبني فيها دار استراحة من باب رفع العتب او ذر الرماد في العيون على الاقل . فقاسم على تواضعه الجم اختار وزارة الدفاع سكنا له او حي العلوية الحالي بالقرب من ساحة الاندلس .

وصدام حسين بنى سبعين قصرا لم يكلف نفسه ببناء ولو شقة تحمل اسمه في مدينته كما اسمها هو بينما بنى بيتا ضخما على ضفاف دجلة في الجعيفر من جهة الكرخ لمجرد انه كان يعيش في هذه المنطقة في الخمسينات في بيت خاله طلفاح . اما السيد مقتدى الصدر فانه حين يختار مكانا للاقامة فيه مؤقتا فانه يختار مكانا اخر غير الصدر مدينته التي يفترض انها تشكل اكبر معقل له . لماذ حصل ويحصل ذلك ؟ سؤال يحتاج الى اجابة علمية وليست مجرد تكهنات صحفية .

ما الجديد ؟

ارادت الدولة ان تفرض سيطرتها باسم القانون . هذا الاجراء لاجدال فيه الا في العراق بحيث يحتاج المسؤول السياسي والعسكري الى خوض معارك شديدة احيانا حتى يفرض القانون . والسبب في ذلك ان الجماعات الخارجة على القانون تتمكن بسهولة من جعل الناس رهائن باسم المقاومة كما فعلت القاعدة في الانبار الى ان تم انشاء مجالس الصحوة والانقاذ او باسم المذهب والطائفة مثلما حصل في مدينة الصدر التي تم فيها خلط الاوراق الى الحد الذي انشئت فيه محاكم شرعية طبقا للاتفاق الذي ابرم مؤخرا وتم خلاله الغاء هذه المحاكم . ان السؤال الهام الذي يطرح نفسه هنا هو ماعلاقة الولاء لرجل دين او تيار مهما علا شانه بسلطة الدولة بحيث يتم انشاء دولة داخل دولة . ان هذا يحصل فقط في التجمعات التي لم تبلغ بعد مرحلة القانون والنظام كما يحصل في التجعات التي تحمل اسم المدن مجازا بينما لاتزال تفرد لسلطة الشيخ والسيد والعراف والفريضة مكانا واسعا بحيث تتداخل السلطات احيانا مما يؤدي في النهاية الى المزيد من الاضطراب .

المؤشرات تقول ان المالكي فرض سيطرته على مدينة الصدر لكن باسم القانون هذه المرة . فهو ليس عاطفيا مثل قاسم اراد ان يجد ملاذا امنا لفقراء الجنوب فبنى لهم مدينة سعى من خلالها الى تخليد الثورة وليس طاغية مثل صدام اراد ان يفرض كل شئ في العراق حتى اسمه وليس مثل الصدر الذي يستطيع ان يحاجج بان ارثه الديني معيارا للاحتكا في عائدية المدينة اليه بل هو رجل يريد ان يبني سلطة الدولة بعيدا عن التسميات .

لكن الاخبار تقول ان المالكي قرر منح العوائل في المدينة منحا مالية كما قرر تعويضهم ماليا ايضا . ان هذا الاجراء وبرغم سلامته الادارية والاجرائية الا انه وفي ظل كل ما اشرنا اليه يمكن ان يكون مدخلا لبداية ولاء جديد باسم القانون هذه المرة بعد سيطرت الاعراف والامزجة تاريخ المدينة الذي بلغ النصف قرن ... فهل نحن على اعتاب الاسم الرابع ؟ اذا حصل ذلك فاننا سنكون بحاجة ليس الى علماء اجتماع بل نفس اما ذا لم يحصل فان اول من ينبغي ان نحاكمه على طروحات ( خاطئة ) في الشخصية العراقية هو عالم الاجتماع الراحل علي الوردي . نتمنى ان يكون الاسم الثالث خاتمة الاسماء والماسي معا .


المصدر : الملف برس - الكاتب: الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima