اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
(عواقب براغماتية) للاتفاقية الأمنية متعددة الأبعاد مع الولايات المتحدة
هل يعرف المواطن العراقي أين تكمن مصلحته (المحضة) في استمراء (نار الاتفاق) مع الغازي أم في رفض (جنته)؟
02/04/2008

( الحلقة الاولى )

ينظر مراقبون في العاصمتين العراقية والأميركية باستخفاف، وأحياناً بشكوكية إلى ما قد يكون وراء "الطروحات غير العملية"، بشأن الاتفاقية الأميركية-العراقية الأمنية متعددة الأبعاد. المراقبون الأميركان شبه المستقلين يعتقدون أن ممثلي الشعب العراقي يجب أن يفكروا بطريقة براغماتية تتصل مباشرة بطبيعة "المصلحة العاجلة" للمواطن العراقي، بعيداً عن كل رؤى "ثوروية"، لا قدرة لها على الوقوف على الأرض بوزنها الطبيعي.

وينظر المراقبون في بغداد الى أهمية الإجابة عن تساؤلات عملية، فالاتفاقية برأيهم تأتي في أعقاب خمس سنوات عجاف وشبه ضائعة، لأنها لم تزل تثقل كاهل الإنسان العراقي بأعباء قد تمتد الى عقود إن لم يعرف كيف "يستثمر" حالة فرضت عيوبها عليه ولم يكن له الخيار إلا عبر ممثلين سياسيين غير صالحين في الأغلب لـ "خدمة مصالحه الإنسانية والوطنية والاجتماعية".

وعلى الرغم من الشكوك التي تحيط بالاتفاقية الأمنية باعتبارها "إبراماً لعقد بين دولة غازية قوية وبين دولة ضعيفة مغزوّة"، لكن العراقيين الذين خبروا خلال السنة الأخيرة في الأقل "أداء أميركياً مختلفاً"، يتساءلون الآن:

-هل من الأفضل عقد الاتفاقية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، باعتبارها "سبيلاً لتجاوز محن كثيرة قد تنشب نيرانها إذا ما تـُرك الحبل على الغارب"؟.

-هل الأفضل للعراقيين الإصرار على انسحاب القوات الأميركية مع نهاية التخويل الدولي؟.

-وإذا كان هذا هو الخيار الأفضل، ماذا بشأن التدخل الإيراني ذي النفوذ غير الطبيعي، والمحميّ أيضاً؟.

-وماذا لو تدخلت دول أخرى مجاورة بأكثر مما تتدخل الآن كتركيا ودول أخرى؟.

-والمواطنون السنة وحتى الشيعة والأكراد لهم مخاوفهم بشأن الانسحاب العسكري الأميركي، سواء أكان بتخطيط من واشنطن أم بدونه فإن واقع الحال الآن لا يقبل "المغامرة" أو الركون الى "الحلول التعبوية والسياسية" أي غير العملية التي تجعل من "مصالح الإنسان العراقي" أولى مفاتيح التفكير بشأن إمكانية الوصول الى اتفاقية صالحة، قد تكون فيها هوامش خسارة لكنها كما يقال "أفضل الحلول السيئة".

إن ما يركز عليه المراقبون هذه الأيام في تحليلاتهم –ومنهم المحلل السياسي في الملف برس- هو أن الأميركان ارتكبوا الكثير من الأخطاء، وأوّلها غزوهم للعراق وتحويل أرضه الى صراع مع خصوم إقليميين ودوليين، وتحطيم بناه التحتية على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية. وحيال ذلك ثمة التزامات على الولايات المتحدة أن تعمل بها للمساعدة في معالجة الكثير "مظاهر" أخطائها التي أرهقت حياة الانسان العراقي وأجهدته.

ويتساءل المحلل السياسي في الملف برس: "هل من مصلحة العراقيين إعطاء الأذن الطرشاء لكل "التحذيرات البراغماتية الأميركية" التي تحرّض على الاستفادة من فرصة عقد اتفاق يجبر واشنطن على جعل العراق "في غرفة الرعاية الخاصة" طالماً بقيت نتائج حربها قائمة. وما الذي يمكن عمله إذا ما فوجئ العراقيون بقدوم إدارة تتخلى عن التزاماتها تجاه العراق؟.

وإذا كانت التخوّفات قائمة فإلى أي حد يمكن استثمار اتفاقية مع واشنطن للتخلص تدريجياً من نفوذ الإيرانيين ومن جيوب القاعدة التي تنظر قيادتها بلهفة كي تصطدم مباشرة مع كل الأطراف السياسية والاجتماعية والعشائرية تقريباً. إن الخصومة (الطائفية بين القوى الإقليمية) قد تتحوّل في العراق الى حالة استثنائية في شدتها وتعقيداتها.

إن بعض المراقبين العراقيين، يجدون أنّ "المُثل الوطنية الحقة" تدفعهم الى التفكير بإستراتيجية "خلاقة" تفقه معنى القدرة على "تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة على كراهة" . وعدم الاندفاع "الثوروي" الذي لا يجد يقينه الآن لا في المحيط العربي ولا الإسلامي ولا الدولي وكذا الحال بالنسبة لخارطة التيارات السياسية السائدة في العراق، فهي إما مموّلة خارجياً فتكون فاعلة، أو غير مموّلة فتكون عاطلة أو معطلة بحكم معطيات الظروف.

ولعل المراقبين ينظرون بريبة كبيرة الى "إصرار" إيران وتركيا والسعودية وسوريا وغيرها ودول في المحيط أو في نطاق الشرق الأوسط إلى المطالبة بعدم تنظيم أي اتفاقية مع الغازي الأميركي بذريعة الخشية من أن تتحوّل الاتفاقية الى احتلال طويل الأمد.

وما يثير الشكوك هو أن معظم دول المنطقة مرتبطة بعلاقات إستراتيجية مع واشنطن، وكل أشكالها تحتمل الكثير من عدم النديّة بين الطرفين، وبالتالي "ثلم السيادة" وأكثر من ذلك "تبعية القرار السياسي في هذه الدول". فلماذا لا تختار هذه الدول للعراق ما اختارته لأنفسها؟.

وإذا كانت الإجابة: هي أن الغزو كان السبب في كل الشرور التي يعاني منها العراقيون منذ خمس سنوات، وفي مقدمتها النزاع الطائفي والحرب الأهلية والنزوح الجماعي الكبير الى خارج العراق، وعمليات التطهير في داخله والخراب الكبير في الخدمات الأساسية، فإن أسئلة جديدة تطرح نفسها وبقوة:

-هل فعلا لا تشوب "رغبة العراقيين" بانسحاب القوات الأميركية مخاوف حقيقية وواقعية على نطاق واسع؟.

-وهل تنتهي شرور الاحتلال ومخاوف الحرب الأهلية والصراعات الطائفية بانسحاب القوات الأميركية؟.

-وهل الحكومة العراقية ستكون قادرة فعلا على حفظ الأمن وأداء مهماتها في فرض حكم القانون؟.

إن المواطن العراقي الآن غير المواطن العراقي قبل الغزو. ثمة "فاصلة جهنمية بوقائعها السود والحمر" عاشها ويعيشها حتى اللحظة، ولهذا –يجد المحلل السياسي في الملف برس- أنّ الدوافع الوطنية المخلصة الصادقة في كل بقعة من أرض العراق يجب أن تتحوّل الى "حالة كينونة ملموسة تمشي على الأرض ولها وجودها المادي"، إذ لم يعد الكلام "يؤمن من خوف" أو"يطعم من جوع" أو "يفتح مدرسة" أو "يدفع شراً خارجياً". نحن في أزمة "مزدوجة ومعقدة" و"طايح حظها" الى أبعد الحدود بتعبير الإنسان العراقي البسيط . ولهذا يجب أن يفهم المواطن العراقي ماذا يريد الأميركان من الاتفاقية الأمنية متعددة الأبعاد؟ وما الذي تريده الحكومة العراقية منها؟.

وإذا كان الأميركان يريدون الاتفاقية جزءاً من إستراتيجيتهم العالمية لمواجهة الإرهاب. فهل فيها ثمة ضرر للعراقيين أم فائدة بخاصة أنهم "السنة والشيعة" خبروا تنظيمات القاعدة وفلسفتها وديماغوجيتها وعرفوها على الأرض المعجونة بالدم والشقاءات. وخبروا التدخلات الإيرانية وعرفوا "غشامتها" و"قسوتها".

أما إذا كانت نية الأميركان في إبرام المعاهدة تتصل بخططهم الإستراتيجية في المنطقة. فماذا يستطيع أن يفعل العراق، وبيته اليوم أوهن من بيت العنكبوت. وحتى إذا كانت التهمة أو "العلة" أنّ أميركا "جاءت" وتريد أن "تبقى" لضمان تدفق النفط وحماية اسرائيل. ألا يمكن أن يجد العراقيون وسيلة لصياغة مفردات إستراتيجية "براغماتية" بلغة الأميركان أي رؤية الأحداث في إطار "النفعية الخالصة" التي يمكن أن تقدم حلولاً عاجلة لكل "العلل والأمراض الفتاكة التي ابتلي بها المجتمع العراقي". إن الصورة يمكن أن تكون أكثر دقة –برأي خبراء الاقتصاد والمراقبين السياسيين العراقيين، عندما نختصرها بالمثل الشعبي القائل "رجّال اللي يعبّي بالسكله ركي". فالعراق تعرّض "لغزو ثبتت أخطاؤه الجسيمة على نطاق واسع في العالم، ويجب أن يعرف شعب العراق كيف يستثمر كل الفرص بضمنها الاتفاقية الأمنية، ويجب أن يسأل كل محافل العالم بضمنها الأمم المتحدة والمحافل الأميركية لإجبار دول الغزو في الأقل على دفع تعويضات أو تمويلات مالية تعيد الى العراق دولة وليس غابة يتقاتل في الجميع مع الجميع".

وفي تقارير لاحقة تتابع الملف برس بخطوات عملية "لا بفرضيات واحتمالات أو برؤى سياسية معلقة في الهواء"، إمكانية الوصول الى مفاهيم واقعية نافعة وتصب مباشرة في المصلحة المحضة للشعب العراقي المرتهن للموت حتى الآن لكن الحالم أبداً بالنهوض من رماد الفجيعة كطائر الفينيق.

المصدر : الملف برس - الكاتب: الملف برس
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima