اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
مفارقة العراق الكبرى: وطن غني..شعب فقير
15/08/2007
علي المالكي
يزدحم المشهد العراقي بالتناقضات، ويجد المتابع ما يثير الاسى في النفس، ويؤشر خصائص سلوكية، واخلاقية للمجتمع تتعارض تماماً مع منظومته القيمية؛ ومن ثم فانها تسيء الى سمعته، وتخل بوحدة النسيج الاجتماعي، وتفضي الى ما لا تحمد عقباه، فسوء توزيع الثروة، وانعدام العدالة الاجتماعية وغياب القوانين والتشريعات التي تكفل للمرء ان يحيا فوق (خط الفقر) انتجت فقراً مدقعاً، ولتلطيف الصورة من قبل المتخمين يدعى الفقراء في العراق بـ (العوائل المتعففة) جبراً للخواطر وعدم جرح المشاعر مع انه في الجوهر تمويه الاغنياء على الفقراء في واحد من اغنى بلدان العالم.


الفقر والديمقراطية

ان التوجه للديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات في العراق، سيكون ناقصاً ما لم تفعل القوى السياسية على القضاء على ظاهرة الفقر، والقول بان الشعب هو مصدر السلطات سيكون وهماً ما لم يكن الشعب يحيا ويعيش فوق خط الفقر لكي يتسنى له ان لا يبيع صوته لمن يدفع اكثر، وسيعاقب الاثرياء على السلطة كما هو الحال في امريكا وسواها من الانظمة الديمقراطية ذات النظام الاقتصادي الرأسمالي (....).

وتشير الوقائع الى ان التحسن الظاهري الذي طرأ على مداخيل العائلة العراقية، سرعان ما بدأ يتلاشى اثره مع التزايد المتسارع للاسعار واضطرار العائلة العراقية لشراء الكهرباء والماء والثلج، أما ما حصل عليه المواطن بيده اليسرى فأخذه التجار من اليد اليمنى، والسيارات التي ازدحمت بها الشوارع وصحون الفضائيات والاثاث الجديد للمنزل كلها غبار يغطي واقع الفقر الذي يعيشه العراقيون وعلى الجمعية الوطنية الحالية او القادمة ان تحل مشكلة الفقر قبل أي مشكلة اخرى تريد التصدي لها.


وقائع الفقر

ويمكن للباحث في ظاهرة الفقر في العراق الثري ان يبتكر ما شاء من تصنيفات للفقر او لوقائعه فجغرافية الفقر متنوعة على نحو تعدديته الدينية والسياسية والاثنية، فهناك التصنيف الطبقي عمال كادحون وموظفون صغار وهناك بيوت الطين والصفيح والاكواخ التي يقطنها مواطنون عراقيون بالكاد يحصلون على لقمة العيش ويعيشون في اوضاع مزرية لا انسانية من القذارة ونقص الخدمات والاطفال المحرومون من التعليم الذين يركضون باتجاه مواقع العمل من اجل ان يضيفوا لدخل العائلة ما يسد جانباً من حاجتها وهي بيئات حاضنة للانحراف السلوكي بكل ضروبه، وهناك السجلات التي هيأتها منظمات المجتمع المدني التي انشئت بعد سقوط صدام وفيها اسماء الاف العوائل الفقيرة، عوائل وارامل ويتامى، ومعظمهم يتلقى صدقات لا تتعدى المساعدات الغذائية البسيطة، والمبالغ النقدية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وهناك الاطفال الصغار الذين يعملون في الورش الصغيرة في المدن وهم في غالبيتهم من اليتامى الذين دفعتهم امهاتهم واباؤهم من اجل مساعدة العائلة، اضف الى ذلك الاف العمال الذين يبيعون قوة عملهم لاصحاب المعامل بأبخس الاثمان.


عائلة ام حمزة

زرت عائلة ابي حمزة (55 عاماً) ويعمل موظفاً في وزارة النقل، وتتكون العائلة من الابوين و6 ابناء، ثلاثة ذكور وثلاث بنات، وتسكن العائلة في مدينة الصدر بمنزل تملكه، تقول السيدة ام حمزة : " راتب (ابو حمزة -153) الف دينار، وانتم تسألون كيف احوالكم ، طيب سجل ، ابو حمزة يصرف يومياً (1000) دينار اجور نقل واصرف على المسواك-العلاكة- من 5-6 الاف، لدينا ثلاث بنات، اثنتان منهن طالبات في معهد المعلمات والثالثة في الكلية تصرف كل واحدة (1000) دينار أي ثلاثة الاف دينار يومياً خلال الدوام الدراسي. وفي الصيف نشتري بـ 2000 ثلج و 2.500 بنزين من اجل الكهرباء، و1.500 فطور صباحي، ولدينا طفل مصاب بمرض السكري، ونضطر لاطعامه طعاماً خاصاً يبلغ من (750-1000) يومياً اضافة لكلفة علاج ابر الانسولين واضف الى ذلك ان (ابو حمزة) يصرف شهرياً نحو (15) الف دينار واجبات اجتماعية". قلت لام حمزة ماذا بعد؟ صرخ ابو حمزة (حدثيه، حدثيه)، اجابت وهي تطلق زفرة الم (انظر تلك الاجهزة كلها عاطلة (المبردة والثلاجة والتكييف) ولا نستطيع اصلاحها، قلت لام حمزة: ولكن الراتب لا يكفي على وفق ما ذكرته؟ فقالت: ان ولدي يعمل احياناً ويساعد اباه ولكننا نستدين بين فترة واخرى.

وهل هناك منظمات ساعدتكم؟ اجابت ام حمزة: واين هي المساعدات، لم تصلنا أي مساعدة مع اننا سمعنا انها وزعت، انا وابو حمزة لا نمد ايدينا، ولعلمكم اننا لم نتسلم في الحصة لا الشاي ولا السكر ولا الدهن منذ ثلاثة اشهر.

السؤال: من يطرق باب هذه العائلة المتعففة؟


غدر الزمن... دعوة للانقاذ

يسكن (ابو امير) وعائلته المؤلفة من اربعة ابناء وزوجته مع ثلاث عوائل اخرى في منزل صغير بمدينة الزعفرانية، حدثني ابو امير عن اوضاعه فقال: (لقد غدر الزمن بي، فبعد ان كنت والحمد لله مصدر عون لاخوتي واقاربي وكنت اعمل ليل نهار في الخياطة، اصبحت عاطلاً عن العمل وانظر تلك اثاث محلي نقلتها الى المنزل بعد ان توقف العمل بسبب استيراد الملابس الجاهزة من الخارج وسفر زبائني من العوائل الراقية، وما زلت ابحث عن عمل ولم اجد فرصة للعمل ولم يطرق احد علينا الباب ليسألنا عن احوالنا، المطلوب من المسؤولين الالتفات للفقراء والعوائل المتعففة وتوظيف ابنائها وبأسرع ما يمكن الا اننا بحاجة للانقاذ قبل ان ننحرف وننجرف مع من لا يعرفون الله من اللصوص والمجرمين والقتلة، وشاركت لبنى الابنة الكبرة (13 عاماً)، ( لا شكر، لا فاصوليا وقنينة الغاز بـ 3500) يقول ابو امير : لا توجد مساواة، نريد حلاً سريعاً .. حتى ولو كان مؤقتاً .. لقد فقدنا اعصابنا وما زلنا نعيش على الاعصاب... ونعيش على مساعدات الاقارب، واعمل احياناً سائقاً في سيارة شقيق زوجتي...).


التكافل الاجتماعي الان

ان وجود العوائل الفقيرة والتي يمزق الإملاق مشاعر افرادها، دليل على ضعف التكافل الاجتماعي وعدم كفاية ما تقدمه دوائر الرعاية الاجتماعية للفقراء من المواطنين، وما تصرفه المرجعيات الدينية قليل جداً بالمقارنة مع ما ينبغي ان تكون عليه ارقام المبالغ التي يتبرع بها الميسورون وذوو النعمة وبعد التاسع من نيسان عام 2003 وتأسيس منظمات المجتمع المدني حدث تطور نسبي في اوضاع العوائل الفقيرة وذلك بسبب تزايد اعداد الجمعيات والمؤسسات والمنظمات والروابط الخيرية والانسانية.


المنظمات الخيرية

ولقد التقينا في محافظة بابل السيد جاسم محمد الدليمي معاون امين عام (مؤسسة رعاية حقوق الارامل والايتام في العراق) ليحدثنا عما قدمته منظمتهم للفقراء في العراق، فقال : تأسست منظمتنا عام 204، بهدف رعاية حقوق شريحة الارامل والايتام بصورة خاصة، والعوائل المتعففة والمعوقين، وكل من تضيق به الحياة وصعوبة العيش وغير القادرين على معالجة مرضاهم. لقد آلت مؤسستنا على نفسها بهيئتها الادارية ان تتحمل ماساة هذه العوائل وتحملها محمل الجد على الرؤوس من اجل رضا الله اولاً، والضمير ثانياً.

يقول ابو عادل : قمنا بطرق ابواب الميسورين فوجدنا قلة منهم، واقول اقل من عدد اصابع اليد. الامر الذي حز في نفوسنا، ولكن وجود شيء افضل من لا شيء اولئك الشرفاء قاموا بدعمنا مادياً بـ (20) مليون دينار عراقي شهرياً، ووزعت على 120 عائلة بنسبة 25 الف تقريباً شهرياً في محافظة بابل والديوانية، وهذا العدد لا يشكل نسبة كبيرة لان عدد المسجلين الحاصلين على هويات 1500 عائلة وغير الحاصلين على الهوية (7000) عائلة، والشكوى الى الله والخيرين من ابناء هذا البلد مع العلم ان المبالغ المتبرع بها لا نتسلمها نحن بايدينا وقد طلبنا من المتبرعين ارسال من يمثلهم لتوزيعها لنكون عند حسن ظن الناس بنا، ولنظهر مصداقيتنا لكي تصل المبالغ لمستحقيها بلا وسيط او منة من احد اما بالنسبة لرواتب موظفينا وايجار المكتب وبقية المستلزمات فهي من الحساب الخاص للهيئة الادارية تبرعاً ومن دون أي مقابل ولم نحصل على اية منحة رسمية على الرغم من علمهم بعملنا هذا، واضافة لما تقدم نقوم بتقديم الملابس والمساعدات الغذائية لبعض العوائل الفقيرة.


المرض والفقر

وتظهر الوقائع ان الفقراء هم الضحايا دائماً فالاغنياء يتمترسون باموالهم في كل الاحوال والظروف، ومن الحالات التي رصدناها حالة الطفلة (مريم) التي تعيش مع عائلتها (في حي من احياء بغداد العتيقة والفقرة) وتسكن مريم بنت الثامنة في بيت طيني، وقد ملأت حياة والديها بهجة واملاً ودخل السعد من اوسع الابواب، ام حنون واب معطاء، وفجأة كشفت الفحوصات ان مريم مصابة بورم في ظهرها وورم في رأسها، وخلال اجراء العملية اصيبت بالشلل الذي لا يمكن شفاؤها منه، وقد ساءت حالتها يوماً بعد يوم، وفقد مريم والدها الذي اصيب بطلق ناري وتواصلاً مع القدر فقدت ساءت حالتها اكثر واصيبت مريم بتقرحات في الحوض والساق، واوصى الاطباء بتوفير عناية طبية مستمرة فمن اين لام مريم ان تنفق على مريم؟

تقول السيدة اطلال كريم رئيسة فرع الرابطة الإسلامية لنساء العراق في منطقة الفضل ان الرابطة وصلتها معلومة من خالة ام مريم، وتوجهنا الى المنزل ، فوجدنا ان حالتها تستحق من الرابطة كل الاهتمام والرعاية والكفالة، فالعائلة تعيش في وضع سيئ للغاية.

واستمرت السيدة اطلال لتقول ان رابطتنا تتابع 1500 طفل يتيم، وبينهم 150 طفلاً ندفع لهم شهرياً (111) الف دينار وهناك اعداد كبيرة من العوائل الفقيرة او المتعففة وقد اهلنا عدداً من الارامل في دورات للخياطة، وما يعيقنا كرابطة انسانية الدعم المادي فنحن ما زلنا بانتظار البناية التي هيأها لنا ديوان الوقف السني مشكوراً الا ان البناية بحاجة الى الترميم.

ويمكن للقارئ ان يتصور حالات اخرى ربما لم تعثر بعد على منظمة انسانية كالتي تبنت حالة الطفلة مريم.


السيدة مي تانك

وفي الوقائع ايضاً، اخبرني الدكتور علي حميد ان السيدة مي تانك المتخصصة بالطب النفسي وهي امريكية من اصل صيني، نظمت مزاداً خيرياً لاطفال العراق الفقراء في مدينة سان فرانسيسكو، وجمعت مبلغ (3000) دولار ارسلتها لاطفال العراق، ولا شك في ان الدافع الانساني والقيم النبيلة التي تؤمن بها هذه السيدة العجوز (74 عاماً) هي التي دفعتها للقيام بهذا العمل الخيري فماذا نقول نحن المسلمين لاطفال العراق الفقراء؟؟


عين الله

وفي (مسطر ساحة التحرير) في الباب الشرقي اقتربت من رجل مسن جلس يشرب الشاي، وقد ملأت غضون العوز ملامح وجهه الذي يزينه وقار لحيته البيضاء وقد تخشبت كفاه من العمل بالمسحاة، فقلت له: اما زلت قادراً على العمل؟ اجاب: (الحمد لله ما زلت قوياً واعمل بقوة الشباب، عين الله تراني، يا ولدي ولا انتظر صدقة من احد رزقي ورزق العجوز بيد الله.


صبا تتألم

وتألمت الآنسة صبا هادي وهي ناشطة في حقوق الانسان لحالة امرأة عجوز تتعكز على عصا، وتركت (صبا) الشابة العراقية النبيلة تتحدث عن هذه السيدة العجوز (ان الحالة المأساوية التي واجهتها اليوم هي واحدة من بين الكثير والكثير من الحالات التي يندى لها جبين الانسانية وتدمع كل العيون، لحالة امرأة مسنة تبلغ من العمر الثمانين وهي تشكو الفقر المدقع، والحالة الاقتصادية السيئة فليس لها معيل او معين ولا من يعطف عليها فمن تناشد في هذه الحالات؟ ومن المفارقات انها تعيش في اغنى بلد في العالم هو العراق (الغني بالبترول) وهي لا تجد ما تأكله او تلبسه او شيئاً من المال لمراجعة الطبيب فالى متى ستستمر على هذه الحال؟


الفقر والصوت الذهب

اعتقد ان الكثير من القوى ستحاول كسب اصوات الفقراء لها في الانتخابات القادمة الا ان تلك القوى قد تجهل ان اصطفافاً طبقياً راهناً هو الذي سيتحكم الى أي المرشحين ستذهب اصوات الفقراء، ان ولاء الفقراء لم يعد طائفياً ولا عشائرياً وانما انتماؤهم لرغيف الخبز وللقوة السياسية التي كافحت من اجل الفقراء طوال تاريخها الكفاحي وسيكتشف الفقير ان صوته يعادل الذهب في حلبة المنافسة الانتخابية وستحفل البرامج السياسية للقوى بالوعود التي تلوح بالرغيف والرفاه (........)!

* علي الما لكي
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima