اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
اوروبا بعدخمسين عاما من مسيرة الوحدة:
23/03/2007
علي المالكي
باتت اوربا فيما تقدمه من تقدم على مستوى الاندماج الجيوبوليتكي،مثالا قويافي دوائر الفكر السياسي المعاصر،والدورالفعال للعقلانية السياسية،في حل الخلافات والتناقضات مع التفاوت الايديولوجي.

في 25 /آذار 1957 أحتفلت ست دول اوروبية، هي (فرنسا والمانيا وايطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج)، بالتوقيع على معاهدة انشاء السوق الاوروبية المشتركة في العاصمة الايطالية روما.

وفي 25 /أذار 2007 تعقد احتفالات في عدة مدن اوروبية بمتاسبة التوقيع على اتفاقية روما ، حجر الزاوية في مشروع الوحدة الاوروبية.الا ان صورة اوروبا في المشهدين تبدو مختلفة تماما.

فقدارتفع عدد اعضاء النادي الاوروبي من ست دول فقط في عام 1957، ليصبح 27 عضوا في 2007. واتسع نطاق مشروع الوحدة الاوروبية من مجرد سوق اوروبية مشتركة، تهدف اساسا الى رفع القيود الجمركية على صادرات وواردات الدول الاعضاء، الى مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي شامل.
وامتد نطاق مشروع الوحدة من غرب اوروبا الى شرقها لينهي انقسام اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية الى معسكر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، ومعسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة.

غير ان قطار الوحدة الاوروبية استغرق وقتا طويلا ليتحرك من روما الى رومانيا، التي كانت مع بلغاريا أخر دولتين تنضمان للاتحاد الاوروبي في مستهل عام 2007، على الرغم من ان رومانيا على الحدود الايطالية! وهذا يعكس ببساطة مدى تعقيد الاوضاع السياسية والاقتصادية في اوروبا.
لاشك ان الاتحاد الاوروبي حقق الكثير في العقود الخمسة الماضية، و ابرز ما حققه كان في المجال الاقتصادي.
وتضم السوق الاوروبية 27 دولة ويعيش فيها 490 مليون نسمة، ويتمتع مواطنو هذه الدول بحرية البيع والشراء دون قيود، كما يتمتعون بحرية الانتقال والعمل باستثناء بعض القيود المفروضة على دول شرق اوروبا. وهذه السوق الاوروبية، ببساطة، هي اكبر سوق حرة في العالم.

وقد نجح الاتحاد الاوروبي في اصدار العملة الاوروبية الموحدة او اليورو في مستهل عام 2002 التي تتعامل بها حاليا 13 دولة اوروبية. وسرعان ما استقرت هذه العملة الجديدة ووثقت الاسواق بها، واصبحت احدى العملات الرئيسية في العالم، اذا انها تستند على مجموعة من اكبر الاقتصاديات في اوروبا، مثل المانيا وفرنسا وايطاليا.

و لم يهمل الاتحاد الاوروبي وحكومات الدول الاعضاء به مواطنيهم الاقل دخلا، اذ يحصلون على مساعدات اجتماعية كثيرة، خاصة في مجالات الصحة والتعليم.


ولم يهمل الاتحاد الاوروبي الدول الاقل دخلا، اذ خصص نحو ثلث ميزانيته التي تبلغ 100 مليار يورو سنويا لمساعدة هذه المجموعة من الدول، ومنها ( ايرلندا واسبانيا )اللتان حققتا نموا كبيرا في العشرين عاما الماضية لم يكن ليتحقق الا بالدعم الاوروبي الواسع الذي حصلت عليه الدولتان.

مشكلات كبيرة
ورافقت الانجازات الاقتصادية الكبيرة المتحققة بعض المشكلات خاصة مع انضمام دول شرق اوروبا ،و ابرزتلك المشكلات الفارق في مستويات الدخول بين دول شرق اوروبا وغربها،فمثلا يتجاوز متوسط دخل الفرد في المانيا 39 ألف دولار سنويا، وفي فرنسا نحو 41 ألف دولار سنويا، بينما يهبط متوسط الدخل الى نحو 9800 دولار سنويا في بولندا، ويواصل انخفاضه في رومانيا الى نحو 6300 دولار سنويا. وهذا الفارق الكبير في الدخول بين شرق اوروبا وغربها اثار مخاوف واسعة في دول غرب اوروبا من موجات هجرة كبيرة للعمالة الوافدة من شرقها. وانتهى الامر ببعض القيود على هذه العمالة، مثل تلك التي فرضتها المانيا على البولنديين، وفرضتها بريطانيا على البلغار والرومانيين.


وعلى الرغم من هذه المشكلات تبقى انجازات اوروبا الاقتصادية اكثر وضوحا مقارنة بما تحقق على المستوى السياسي.، فمشروع الدستور الاوروبي الذي بذل اغلب الزعماء الاوربيين جهودا كبيرة لاقراره، تعرض للرفض من قبل الناخبين في فرنسا وهولندا في منتصف عام 2005.

ويوضح (ميشيل اميرسون) الباحث بمركز دراسات السياسة الاوروبية في بروكسل ان رفض الدستور الاوروبي يرجع اساسا لجانبين: الاول هو رفض البعض لفكرة الدستور الاوروبي نفسها، هذا على الرغم من ان التغييرات التي كانت به لم تكن بالضخامة التي اخافت الناخبين. والجانب الثاني هو اعتراض الناخبين، خاصة في فرنسا على سياسات حكومتهم في ذلك الوقت، فارادوا معاقبتها برفض الدستور.

غير ان النتيجة، بحسب اميرسون، هي انتكاسة كبيرة لفكرة الدستور الاوروبي، وما كان يمكن ان يترتب عليه من خطوات اخرى على طريق الوحدة السياسية.

مشكلة اخرى تفاقمت مع اتساع حدود الاتحاد الاوروبي وهي السيطرة على الامن، اذ تستطيع اية مجموعة يحمل افرادها جنسية اية دولة في الاتحاد التنقل بحرية بين بلاده، وبالتالي من الصعب السيطرة عليها اذا كانت تخطط لشيء غير قانوني.ويقتضي الامر توحيد وتنسيق اجراءات الامن والهجرة، وهي عملية بالغة الصعوبة مع الاختلافات الكبيرة بين انظمة الامن والهجرة في الدول الاعضاء، وزادت صعوبتها مع توسع الاتحاد الاوروبي شرقا.

مشكلة اخرى هي الاختلافات الكبيرة في السياسة الخارجية بين الدول الاعضاء، والتي ظهرت بوضوح في حرب العراق التي شاركت فيها بريطانيا فيما عارضتها فرنسا والمانيا.

وفي الواقع فان هذه الخلافات السياسية تعكس خلافا اوسع حول الاتجاه الذي يجب ان يسير فيه الاتحاد الاوروبي، وتبرز هنا مجموعتان من الدول لكل منهما اتجاه مختلف :المجموعة الاولى، التي تقودها فرنسا والمانيا، تسعى لاقامة فدرالية اوروبية بصورة او باخرى، بل ويحلم البعض بانشاء الولايات المتحدة الاوروبية يوما ما.

اما المجموعة الثانية، التي تقودها بريطانيا وبعض الاعضاء الجدد بالاتحاد مثل( بولندا والتشيك)، فترغب في ان يظل الاتحاد الاوروبي اساسا تجمعا اقتصاديا بلا اندماج سياسي. وفيما ترفض بريطانيا فكرة الاندماج السياسي،تقبل كل من المانيا وفرنسا الفكرة.

اذن التحديات التي يواجهها الاتحاد الاوروبي كثيرة، والخلافات التي يعاني منها عميقة، غير ان النجاحات التي حققها خلال خمسين عاما لا شك واسعة. ويبقى الانجاز الذي يجمع عليه الاوروبيون هو نشر قيم الحرية والديمقراطية والتعددية في انحاء اوروبا، وهو انجاز يحسدهم عليه ملايين من ابناء دول اخرى لا تتمتع بهذه الحرية.

ويبدو ان اوربا ستظل الضلع الاقوى في الترياد (المثلث) العملاق الاقتصادي والسياسي الصين ،اليابان ،اوربا.

علي المالكي _ وطن الجميع
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima