د. غسان الربيعي
لاغبار على معارضتنا للبعث ولجرائم البعثيين وقائدهم صدام , ولاغبار على استبشارنا بالتغيير, وقد خسرنا العديد من الشهداء على يد الارهابيين منذ التغيير وحتى اليوم . وليس لنا مصلحة مع البعثيين لأن ليس فيهم خير للعراق , وكل مصلحتنا هي مع نجاح التغيير لبناء عراق جديد يعيش فيه شعبه بكرامة وسعادة .

وردا على الارهاب منحنا أصواتنا للائتلاف في المرة الماضية ثم ساندنا دولة القانون حين أعادت للدولة بعض من هيبتها في الشارع , ودافعنا عن السيد المالكي وطريقته في الحكم .
كل ذلك كان مسجلا لنا , ونحن نعيد التذكير به إبعادا لأي تشكيك فيما سيرد في مقالي هذا لاحقا . فلسنا من البعثيين ولانريد عودتهم . ولكننا سبق وأن أشرنا الى حقيقة أن قبولنا بهذا الطرف أو ذاك ليس توقيعا على بياض . فحين صوتنا للائتلاف لم نصوت للنظام الاسلامي , وحين صوتنا لدولة القانون لم نصوت لحزب الدعوة , وانما صوتنا لاسنادهم في مواجهة الارهاب . أما عندما يستتب الامن ونصل الى مرحلة بناء الدولة الجديدة , فسيكون للناخب قول آخر . فملايين العراقيين لم تضحي بكل هؤلاء الشهداء لاستبدال قمع صدامي بقمع اسلامي . بل ان العراقيين يرنون الى عراق جديد مفعم بالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان .
ان السنوات الماضية قد افرزت قناعات مختلفة عما كان يعتقده الناخب العراقي. فلم يتصور الناس انهم سيواجهون فضائح فساد ابطالها رجال قادة في بعض الاحزاب الاسلامية يتبوئون مناصب عليا في الدولة . ولم يكن يتصور الناس ان الرشوة ستكون ممارسة يومية في سلوكيات دوائر الدولة مع اعترافنا بأن الكثير منها موروث من الحقبة الصدامية وما كان يسمى في حينها بالتمويل الذاتي للدوائر وقت الحصار.
كما لم يكن يتصور الناخب الذي صوت للاحزاب الاسلامية في الانتخابات العامة السابقة وفي الانتخابات المحلية أن هم الفائزين سيكون محاربة السفرات الطلابية , واضطهاد مظاهر الفرح اينما حلت , واصدار التشريعات فيما يمكن ان يشرب او لايمكن وجعل العراق حسينية كبيرة ليس فيها إلا مواسم الزيارات واللطم والهريسة . كان الناس يتوقعون من الفائزين ان يتحلوا باخلاق الفرسان ليكونوا أول من يضحون وآخر من يستفيدون فبالاضافة لوطنيتهم المعروفة وتضحياتهم في الحقبة الصدامية , يأتي ايمانهم الديني الذي يجب ان يكون محركا اضافيا لعطائهم في سبيل إسعاد الناس والعبور بالعراق الى مرحلة جديدة .
ورغم اعتراضنا منذ البداية على اشراك اشخاص مثل ظافر العاني والمطلك والهاشمي في مواقع الدولة , لكننا تقبلنا وجودهم على مضض رغبة في أن يكون حضورهم في العملية السياسية دافعا في اتجاه دعم الاستقرار . ورغم ان ذلك لم يحصل واستمروا بالتشهير بالعملية السياسية وتمجيد النظام الصدامي والتشكيك باجرامه في الداخل والخارج وبالتالي فينطبق عليهم حكم الدستور والقانون .
وكذلك نحن مقتنعون بأن العديد من البعثيين لازالوا في مناصبهم الادراية منذ التغيير وحتى اليوم ولم يمسس مواقعهم أحد , وبالتالي آن الاوان لرفد هذه المواقع بدماء جديدة , بالخبرة والاخلاص والوطنية ونظافة اليد . ولكن أكثر ما نخشاه هو ان تكون هذه الهبة الجديدة ضد البعثيين في دوائر الدولة تمهيدا لاستحواذ رجالات الاحزاب الاسلامية على هذه المواقع الادارية إمعانا في هيمنتها على كافة مفاصل الدولة التي تقترب شيئا فشيئا من اعلانها دولة اسلامية وصارت تذكرنا باجواء التغيير بعد الثورة الايرانية حيث جرى جرها نحو الاسلاموية بعد الاشهر الاولى , وما منع العراق من الانزلاق الى هذا المئال منذ سبع سنين هو وجود القوات الامريكية لا غير . وبصراحة اكثر أصبحنا نخشى ان تكون الدعوة لاجتثاث البعثيين غطاء لاجتثاث كل فكر ونهج تقدمي مازال حيا في مرافق الحياة العراقية وذلك باسم اجتثاث البعث.
كما ان توقيت هذه الحملة سيؤدي الى نتائج انتخابية عكسية فسيصوت كل الذين كانوا مجبرين على دخول البعث لصالح قوائم لاتؤمن بالاجتثاث وذلك حفاظا على مواقعهم ووظائفهم وفي ذلك دعاية مجانية لقوائم اخرى غير التي تنادي بالاجتثاث.
ان الاحزاب الحاكمة منذ التغيير وحتى اليوم , او منذ الانتخابات الماضية , ورغم طبيعة التشكيل الوزاري المعقد بسبب دستور كتب على عجل كبل رئيس الوزراء بالعديد من القيود , أقول رغم كل ذلك فقد كان على هذه القوى الحاكمة ان تتمتع بالشجاعة اللازمة لتدخل الانتخابات بانجازاتها في التصدي للارهاب وتثبيت الحكم الجديد . وان تركز على الارباك الذي شكله تدخلات الامريكيين وصداع الاقليم الشمالي ومواقف دول الجوار والكثير من العوامل الاخرى التي منعتها من تحقيق كافة وعودها للجماهير . وهي بذلك ستكسب تعاطفا واحتراما كبيرين يحفظ لها مواقع متقدمة في البرلمان القادم والحكومة الجديدة.
د. غسان الربيعي