مفاجأة
في تمام التاسعة صباحا , غادر البيت صوب مكتب شركة الطيران. كان يعتزم حجز موعد السفر إلى إسبانيا لتمضية شهر العسل .
كان في الخامسة والعشرين من العمر , ويعمل في إحدى الشركات المتخصصة في مجال الدعاية والإعلان.
كان سعيدا للغاية. لا شيء كان يعكر صفو مزاجه في هذا الصباح الربيعي . كان يفكر فقط, كيف سيكون وقع المفاجأة على عروسه، حين تكتشف موضوع سفرة شهر العسل إلى إسبانيا .
كان يسير على الرصيف المخصص للمشاة, حين انحرفت سيارة مجنونة باتجاه الرصيف ودهسته ومات.
في المستشفى وعلى طاولة التشريح , رفع رأسه فجأة , تطلع بصمت إلى الوجوه المزروعة بالذهول، قبل أن يقول بحياد مدهش: يغادر إنسان ما , في يوم ما , بيتا ما. يسير برفقة أحلامه على الرصيف المخصص للمشاة. تندفع سيارة مجنونة نحو الرصيف وتدهسه ليموت، دون أن يصرخ من هول المفاجأة . قال كل ذلك قبل أن يعود ويموت من جديد.
*********
اختلال
كانت الساعة تزحف صوب أول خيوط ضوء الفجر، حين أحس فجأة، أن لسانه راح يتمطى إلى أن صار يتصل بفتحة شرجه. في البداية تصور أن هذا الغريب من الإحساس، لا يعدو أن يكون، سوى مجرد خاتمة الكوابيس، التي تلاحقه يوميا طوال ساعات النوم.
مد يده بحذر نحو فمه، أكتشف أن لسانه يتدلى طويلا, جاثما على صدره، كما لو كان أفعى تمضي نحو سريعا نحو دبره. قفز مذعورا من السرير، وهو يضرب صدره بكلتا يديه، محاولا قتل الأفعى، دون أن يبالي بصرخات زوجته وهي تهب مذعورة من النوم.
أسرع يبعث الضوء في مصباح الغرفة، قبل أن يقف عاريا أمام المرآة. أبتسم بفرح ثم أنطلق يضحك بجنون. وجد لسانه قابعا في موضعه تماما، وكان على وشك أن يستدير للتحديق بمؤخرته لقطع الشك باليقين، حين شاهد زوجته تتطلع نحوه بدهشة.
- ماذا دهاك؟ تساءلت بغضب.
كان على وشك توضيح ما حدث، حين وجد نفسه يتغوط حيث يقف.
قفزت زوجته من السرير، وهي تتطلع نحوه باشمئزاز وقرف. ظلت بضع لحظات متسمرة في مكانها، وهي تحدق بصمت وذهول للمشهد، قبل أن تقذف باتجاهه كل ما في جوفها من القيء. كان لا يزال واقفا بصمت ما بين الغائط والقيء، حين راحت زوجته تصرخ مرددة عبارات مبهمة، عن القشة التي قصمت ظهر البعير. ظلت تصرخ وهي تغادر البيت على عجل. كان يريد أن يقول: لا تخبري أحدا بما حدث، حين عاد يتغوط حيث يقف من جديد.
*****************
متى ؟
كان على مشارف العقد السادس من العمر, ولا يمارس من المهنة، غير الثرثرة عن الماضي. كان يواصل طوال اليوم وحتى خلال المعدود من ساعات النوم، الحديث دون توقف، ومن غير أن يخاطب أحدا بالتحديد.
كان يعيد بحماس، تكرار نفس الحكايات وذات التفاصيل، وكما لو كان يطالع كل ذلك، في كتاب مفتوح الصفحات، دون أن يهتم كثيرا بصرخات زوجته وأبناءه، وهي تدعوه بصوت مشترك للصمت. كان ينفذ الأمر، لبضع لحظات قصيرة، قبل أن يعود من جديد، لتكرار حكاياته عن الماضي.
مباشرة بعد تناول الفطور، يغادر البيت مسرعا، لتمضية ساعات اليوم في مقهى متهرئ المقاعد، منذ أن صار ملتقى خاص لجميع الممسوح الآذان من الناس في المدينة، وما يجاورها من المدن الأخرى.
في هذا المقهى المتهرئ المقاعد، كان يمارس مع جميع الزبائن وفي ذات الوقت، تكرار ذات الحكايات عن الماضي. كانوا يواصلون الثرثرة معا عن الماضي، كما لو أن ذلك صار عندهم الشرط الوحيد لمواصلة الحياة في الحاضر.
في هذا المكان، كان لا يشعر أبدا بوطأة مرور الوقت. صار الإدمان على صحبة من يمارسون بدورهم الثرثرة عن الماضي، المصدر الوحيد لما يملك من شحيح مشاعر السعادة، والسبيل للخلاص من جحيم البيت.
اليوم تعذر عليه مغادرة البيت. هطلت من السماء تلال من الثلوج، قطعت جميع طرق الموصلات للمدينة. كان يمارس الثرثرة، وهو يتطلع بغضب ونقمة للسماء عبر نافذة المطبخ، حين سألته صغرى بناته فجأة: بابا.... متى تتوقع أن تموت؟
- بعد عشر سنوات، على الأقل. رد دون تفكير، ومن غير أن يتوقف عن الثرثرة.
- هل من المعقول بابا، أن تظل على قيد الحياة، عشر سنوات أخرى, عقبت بغضب وهي تضرب الطاولة بعنف بكلتا يديها. تلبد في مكانه صامتا، قبل أن يتساءل بخنوع:
- متى ترغبين إذن برحيلي عن هذا العالم.
- اليوم. ردت بحزم .
- حسنا. قال ذلك وهو ينسحب مكسور الخاطر، صوب غرفة النوم. استلقى في فراشه ومات.
*********
الكلاب
بعد أن ظل ينتظر مناقشة مقترحاته بصدد تطوير العمل منذ عدة أسابيع، استدعاه أخيرا المدير للحضور على عجل. أسرع يهرول صوب المكتب ، وهو يكاد أن يطير من فرط الفرح. وجد المدير بانتظاره واقفا في الشرفة، وهو يتطلع بتركيز شديد نحو الأسفل، حيث موقع الحديقة الخلفية للمكتب.
- عفوا . قال بتردد بهدف لفت الانتباه لحضوره.
- شوف. قال المدير وهو يشير بيده إلى حيث كانت تتجمع أربع كلاب. مد عنقه متطلعا بدوره للمشهد، محاولا البحث عن العلاقة ما بين دعوته للحضور ومشهد تجمع الكلاب.
- شوف. قال المدير من جديد، قبل أن يضيف بنشوة غريبة: ثلاث كلاب تداعب كلبة واحدة، وهي تتعمد إطالة أمد المداعبة، للفوز بأكبر قدر من المتعة والإثارة، قبل أن تختار أحدهم في النهاية لممارسة الجنس.
أراد أن يثني على شطارة الكلبة، ولكن تراجع مسرعا، خوفا من أن لا يكون ذلك هو المناسب من التعقيب
- شوف. عاد المدير يقول مرة أخرى، قبل أن يضيف مرتديا ثوب الحكمة : حتى الكلاب تمارس الجنس أفضل من البشر. أسرع يسلم تقاسيم وجهه لابتسامة مصطنعة، وهو يحرك رأسه صعودا ونزولا مرات عديدة، لتأكيد الموافقة على ما ردده المدير من الانطباع.
- حاول أن تجد صيغة مناسبة لتطوير مقترحاتك، على ضوء دروس هذا المشهد الرائع. قال بحزم وهو يواصل التحديق بثبات في مشهد الكلاب. كان على وشك أن يغادر الشرفة، حين شاهد المدير وهو يدحس يده اليمنى في جيب بنطاله، مباشرا دعك عضوه وهو يردد كلمات غريبة دون أن يبالي بوجوده.
**********
هامش : أعلاه بعض المختار من بين القصص القصيرة جدا ضمن مجموعة ( حالات) والتي ستأخذ طريقها قريبا للنشر في العنوان التالي:
www.novel.alhakeka.org