اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
العراق على عتبة الديمقراطية
05/04/2008
سهيل أحمد بهجت
منذ مائة عام أو أكثر و جرثومة القومية تنهش في روح و مجتمع و كل جوانب و أركان دولنا المسلمة و الشرق أوسطية، و لسوء الحظ فإن الإصلاح الدِّيني الّذي كان قويا في منتصف القرنين الثامن و التاسع عشر لكنه تعثر بسبب نشوء الأنظمة القومية و المستوحاة من النظم الأوروبية العتيقة التي انهارت بسقوط ألمانيا النازية خلال الحرب الكونية الثانية، و إذا كان البعض يظن أن التطرف الدِّيني هو الّذي أنشأ و دعم الأنظمة القومية الدكتاتورية فهو ظنُّ مخطيء إلى حدٍّ ما.

صحيح أن رجال الدين ساهموا في تضييق الأفكار و مواجهة اللبرالية، إلى أن الأنظمة القومية ـ غالبيتها رفع شعار العلمانية نفاقا ـ أساءت إلى العلمانية ، باستثناء التجربة التركية، إذ عمدت إلى التضييق على الحريات و منعت أيّ انتقاد "صريح" للسلطة و نظامها الهرمي كما أتاحت لرجال الدين "المتطرفين دون المعتدلين" أن يقوموا بغسل الأدمغة و اتهام كل حركة إصلاح علمانية أو لبرالية بأنها "عميلة" و "خائنة"، و بينما كان أرباب السلطة يحتكرون الإعلام و المساجد و دور العبادة لم يبق لليبرالي إلا الإنزواء في زاوية المنزل.

تسبب رجال الدين من طرف ما بتسلط الأفكار القومية و العنصرية التي تجد شرعيتها من خلال فتاوى "الغلبة بالسيف" و التي شرعها السنيون و تراكمت طوال ألف عام مضت، و من المؤسف حقا أنْ نجد دعاة الإصلاح في منطقتنا يذهبون ضحية المؤامرة الداخلية للدكتاتوريين و المُعمّمين المتطرفين، بالتالي فإن طريق التغيير شبه مسدود.

و لحسن حظ العراقيين فإن ما كسر الجمود الّذي كان جاثما على الصدور و كان يمنع أيّ أملٍ بالتغيير، تمّ إزاحته عبر التدخل الأمريكي الّذي لم يكن نتيجة اعتباط كما يروّج له العروبيون و القوميون ـ القوميون هنا تسري على العرب و غير العرب في العراق و خارجه ـ من أمثال "فيصل القاسم" الّذي يهلل و يُصفـّق لكل بوق يبكي على أيام المآتم و الحروب أيام البعث الغاشم، لكن العراقيين الطامحين إلى الحرّيّة الحقيقية لا بُدّ لهم من أن يدخلوا صراعا ـ بأسلوب سلمي ثقافي ـ ضدّ قوى الظلام الرجعية المستترة بالدِّين تارة و بالقومية و الحقوق التاريخية تارةً أُخرى، و هذا الصراع يتطلب وعيا ثقافيا و اجتماعيا.

علينا كعراقيين أن ندرك "الخدعة" التي يروج لها أرباب الوراثة و النزعات القومية و الطائفية، فالحق و الحقوق لا معنى لها إلا بفهم "حقوق الفرد" إذ لا معنى لحقوق الجماعة بدون الأفراد. كان القرن العشرين عصر صراع بين ثلاث أنماط من التفكير:

أولا: المـاركسية التي أرادت إلغاء الفرد و جعله رقما بسيطا لا معنى له، و الماركسية وجدت رواجا بين كثير من الشعوب بفضل نزعتها المتجاوزة للقومية، لكنها سقطت لموقفها السلبي من الدِّين الّذي تحول إلى ما يشبه الاضطهاد العقائدي، كما أنها تحولت و منذ قيام الأنظمة الشيوعية إلى تبرير سخيف للدكتاتورية.

ثانيا: الفلسفات التي انطلقت من نيتشه و هيجل في خلق "الدولة القومية" التي اختصرت نظريتها في النهاية على نظرية "الدّم النقي"، و كانت حرب ألمانيا النازية مع الاتحاد السوفيتي إحدى الأدلة الواقعية على وحشية و استبداد الطرفين.

ثالثا: الديمقراطية اللبرالية العلمانية التي تجسدت في الغرب و أستراليا و دول أخرى كثيرة، هذه النظرية الأخيرة هي أكثرها نجاحا و استمرارا لأنها و باختصار لا تزعم الكمال و المثالية لأن الإنسان نفسه مليء بالعيوب، لكن التكامل يحصل عبر إتاحة المجال لحرية التعبير و طرح المشاكل و الحلول و حرية الفرد و المجتمع منظمة بقانون يكفل للمواطن حماية من العسف أو الإعتداء على حريته الشخصية و الاقتصادية، من هنا استطاعت هذه الدول أن تلغي كل الحدود بينها و على كافة الأصعدة لأن الحرية في ظل قانون ـ لا يكون فوقه أحد ـ كفيلة بخلق أقوى اتحاد شهده التاريخ ـ نموذج اتحاد الولايات الأمريكية و الاتحاد الأوروبي ـ .

إنتهى القرن العشرين بهزيمة الشيوعيين و القوميين على حدٍّ سواء و هنا و نحن في بدايات القرن الحادي و العشرين فإن الصراع الدائر الآن بين الديمقراطية اللبرالية و أنظمة الشرق الأوسط القائمة على التبرير الدِّيني "الإسلامي" ستنتهي بالتأكيد بهزيمة هذه الأنظمة و نهوض الحرية و الفرد كأساس للقيم.

 Website: www.sohel-writer.i8.com  
Email: sohel_writer72@yahoo.com  
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima