اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
فلسفة الحرية - الوقفة الثالثة
23/04/2011
د. برهان شاوي
الوقفة الثالثة

إيمانويل كانت وإرادة الحــرية

           مــن وعــــي الـحـــريـة إلـــى إرادة الحــــريـة
إيمانويل كانت (1724-1804) هو فيلسوف التنوير الأكبر، بل أن (د. عبد الرحمن بدوي) يخصص له فقرة في موسوعته الفلسفية متحدثا عن (كانت) حيث يكتب جملة واحدة في الفقرة الأولى: أعظم فلاسفة العصر الحديث(الموسوعة الفلسفية – ج 2- منشورات ذوي القربى- ط 1- 2006).
في العام 1784 طرحت إحدى الصحف الألمانية على مفكري ألمانيا سؤالاً محدداً: ما هو التنوير؟ وكان رئيس تحرير الصحيفة من أصدقاء (كانت)، وقد ألح عليه بالإجابة من حيث أن شهرته كانت قد أطبقت على آفاق أوروبا، فجاء جوابه في صفحات قليلة، إلا أن هذا النص القصير صار من أهم نصوص التنوير الأوربي. في هذا النص يكشف (كانت) عن مفهوم باعتباره (النقد بالمعنى العميق للكلمة)، لكن (التنوير) لا يمكن أن يكون بدون (الحرية)، فها هو يكتب: (لكي ينتشر التنوير فإنه لا يلزمنا سوى الحرية. وأقصد بها حق الإنسان في الاستخدام العلني لعقله في كل المجالات. ولكن عندما ألفظ هذه الكلمة أجدهم يصرخون من كل النواحي: لا تستخدموا عقولكم أيها الناس! الضابط في الجيش يقول: لا تستخدموا عقولكم، وإنما تدربوا على المناورات العسكرية. أو نفذوا ثم اعترضوا أو حتى لا تعترضوا أبداً ! وموظف الضرائب يقول: لا تستخدموا عقولكم ولا تناقشوا وإنما ادفعوا ! والكاهن المسيحي يقول لنا: لا تستخدموا عقولكم ولا تجادلوا، آمنوا ! وفي كل الحالات هناك حصر وتقييد للحرية). هذا الفيلسوف العظيم يختتم كتابه المهم (نقد العقل العملي) بعبارة نقشت فيما بعد على شاهدة قبره تقول: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في باطن نفسي). هذا الفيلسوف الذي مضى بالعقل إلى أقصى مدياته لم يتوان عن نقد هذا العقل.
الحديث عن مفهوم (الحرية) عند (ايمانويل كانت) يعني الحديث عن فلسفة الأخلاق لديه، وقد ترك لنا في هذا المجال ثلاثة كتب مهمة هي: تأسيس فلسفة الأخلاق، نقد العقل العملي، ميتافيزيقا الأخلاق.
في كتابه (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) يكتب: (مِن كل ما يمكن تصوره في العالم، بل وخارج العالم بعامة، ليس ثمّ ما يمكن أن يُعد خيراً بدون حدود أو قيود، اللهم إلا الإرادة الخيرة). ولكي يوضح طبيعة هذه (الإرادة الخيرة) يستعين (كانت) بفكرة الواجب لأن الإرادة التي تعمل وفقاً للواجب هي إرادة خيرة. وكما يوضح (د. ع. ر. بدوي) في (موسوعته الفلسفية) أن (كانت) (لا يقصد من ذلك أن الإرادة الخيرة هي بالضرورة تلك التي تعمل وفقاً للواجب، بل العكس، لأن الإرادة الخيرة الكاملة لا تعمل ابتغاء أداء الواجب، لأن في فكرة الواجب فكرة ما ينبغي التغلب عليه من الميول والرغبات. إن الإرادة الخيرة الكاملة تعمل من تلقاء نفسها ولنفسها، وتتجلى في الأفعال الخيرة).
لكن ما هو (الواجب)؟ يوضح (كانت) بأن الواجب هو ما يقرر وفقا ً لقاعدة، والقاعدة هي المبدأ الذاتي، من حيث أن كل ما في الطبيعة يعمل وفقاً لقوانين. والكائن العاقل (الإنسان) هو وحده الذي لديه القدرة على الفعل وفقاً لفكرة عن القوانين، أي وفقا لمباديْ، و(الواجب) هنا ضرورة انجاز الفعل احتراما للقانون، لكن ما هو هذا القانون الذي علينا احترامه؟ ويجيب (كانت) على هذا السؤال أيضا حينما يؤكد بأن الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء. والقانون الأخلاقي هو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقياً إذا سيطر العقل على كل ميوله. وهذا يعود بنا إلى (رينيه ديكارت) في فهمه للإرادة والعقل.لكن لدى (كانت) أن (القانون الأخلاقي) ليس شيئا مفروضاً على الإرادة من خارجها، بل أن القانون الأخلاقي ينبثق من الإرادة نفسها. لكن هذه (الإرادة الحرة) هي وليدة (الوعي بالحرية). و(وعي الحرية) هذا لا يمكن أن يسبق (وعي بالوجود)، لأن السؤال: هل أنا حر؟ لا يمكن أن يولد قبل السؤال: هل أنا موجود؟ علما أن (هيغل) يضع (الوعي بالحرية) ضمن الأسئلة التاريخية والوجودية التي يطرحها الإنسان من خلال علاقته بالعالم، بل هو يؤكد بأن (التاريخ هو مسار وعي الحرية بذاتها).

الحــرية والمعـــرفة
يرى (كانت) بأن كل معرفة عقلية تنقسم إلى قسمين، الأولى: معرفة صورية تسمى (المنطق) وتتناول صورة الفهم والعقل نفسه وقواعد الفكر بشكل عام، أما الثانية فهي معرفة مادية وتتناول بالبحث موضوعات بعينها والقوانين التي تخضع لها هذه الموضوعات، وهي تنقسم بدورها إلى قسمين، فإذا كانت الموضوعات والقوانين تخص الطبيعة فيسمى (علم الطبيعة)، وإذا كانت الموضوعات والقوانين التي تخص الحرية فيسمى (علم الأخلاق) أو نظرية الأخلاق. إذن، فالحرية موضوع أخلاقي، حسب (كانت). فهو يؤكد في كتابه (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) بأن :( الأخلاقية تكمن في علاقة كل فعل بالتشريع القانوني الذي يستطيع وحده أن يجعل مملكة الغايات ممكنة. ولكن هذا التشريع ينبغي أن يوجد في الكائن العاقل نفسه وأن ينبثق من إرادته التي يكون مبدأها حينئذ هو المبدأ الثاني: ألا يقدم الإنسان على فعل إلا بما يتفق مع مسلمة من شأنها أن تكون قادرة على أن تصبح قانونا ً كليا ً عاماً، وألا يفعل الإنسان الفعل كذلك حتى تعد الإرادة نفسها في عين الوقت واضعة تشريع كليّ عام عن طريق مسلمتها، فإذا لم تتفق المسلمات بطبيعتها مع هذا المبدأ الموضوعي للكائنات العاقلة بوصفها مصادر تشريع كليّ عام، اتفاقا ً ضروريا ً، فإن الضرورة التي تقضي بالفعل طبقا ً لذلك المبدأ يطلق عليها الإلزام العملي، أي الواجب. والواجب، لا يكلف به الرئيس في مملكة الغايات، بل يلتزم كل عضو من الأعضاء بمقدار متكافيء).
يوضح (فكتور دلبوس) وهو أحد شارحي فلسفة (كانت) بأن علينا أن نفهم (الحرية) عند (كانت) بمعنيين : 1. الحرية بمعنى أنها والقانون شيء واحد 2. الحرية كما يصادر عنها القانون، أي أن الحرية ليست ملكة تكون بها الإرادة المحضة مستقلة بذاتها بل هي (حرية الشخص) في أن ينجز مهمته الأخلاقية تحت سلطان التشريع. وتبعا لذلك هناك (حرية) يبرهن عليها القانون و(حرية) يصادر عليها القانون. ويعلق (بدوي) على تفسيرات (دلبوس) بأن ( هناك (حرية) واحدة لها وظيفتان: أن تشرّع لذاتها قانونها الأخلاقي، وأن تطبق هذا التشريع في سلوكها. ولهذا لا نرى عد الواحدة مصادرة والأخرى واقعة، بل ثم حرية واحدة يصادر عليها العقل العملي لأنه لا يستطيع أن يسلك سلوكاً أخلاقيا إلا بافتراض وجود الحرية. فالفاعل الأخلاقي لا بد له أن يفترض بأنه حرٌ في أفعاله، بمعنى أن إرادته هي مصدر مباديء فعله، وأنه قادر على أن يفعل وفقاً لهذه المباديء. إن الفاعل الأخلاقي يجب أن تعمل تحت فكرة الحرية) (الموسوعة الفلسفية – ج2).

مملكــة الـغــايات
ويوضح (كانت) مفهومه لما يقصد ب(مملكة الغايات) قائلا: ( أنا أفهم من كلمة مملكة ذلك الترابط المنظم الذي يجمع بين كائنات عاقلة متعددة عن طريق قوانين مشتركة. ولما كانت القوانين تحدد الغايات من جهة صلاحياتها لأن تكون غايات كلية عامة فإن من المستطاع، إذا جردنا الفروق الشخصية بين الكائنات العاقلة وكذلك محتوى غاياتهم الجزئية، أن نتصور كلاّ عما ً يشمل جميع الغايات" سواء في ذلك غايات جميع الكائنات العاقلة، بوصفها غايات في ذاتها، والغايات الشخصية التي يمكن أن يضعها كل لنفسه" في وحدة منتظمة مترابطة، أي مملكة للغايات ممكنة الوجود بحسب المباديء السابق ذكرها).
ومن هنا فإن (كانت) يرى (الحرية) باعتبارها فكرة مجردة وان واقعيتها الموضوعية لا تظهر من خلال القوانين الطبيعية، لكننا نعرف إمكانها لأن (حرية الإرادة) هي شرط القانون الأخلاقي. فالحرية كما يرى هي المصدر الذي يصدر عنه كل فعل أخلاقي أصيل، أو حتى امتناع عن الفعل، فالحرية ليست فاعلية وإنما إمكانية، ومن ثم فهي تحتاج إلى الإرادة لتتحول إلى فاعلية، وهنا تغدو الإرادة علة الفعل والحرية صفة له، كما يرى بعض المفسرين لفلسفة كانت.
إن الإنسان، في مملكة الغايات، هو غاية في ذاته، أي لا ينبغي أبدا ً أن يستعمله أحد كوسيلة فقط دون أن يكون غاية في ذاته في الوقت نفسه، لأن الإنسان هو موضوع القانون الأخلاقي، أي موضوع كل ما هو مقدس بذاته، وهذا القانون الأخلاقي يقوم على أساس استقلال الإرادة بذاتها، بوصفها إرادة حرة ينبغي، وفقاً لقوانينها العامة، أن تكون بالضرورة قادرة على الاتفاق على ما يجب عليها أن تخضع له. كما يرى (د. عبد الرحمن بدوي) في شرحه لفلسفة (كانت) الأخلاقية في الموسوعة الفلسفية.
إن (كانت) يفكك (وعي الحرية) من خلال التوقف عند (الإرادة) (باعتبارها نوع من العلية تتصف به الكائنات الحية، من حيث هي كائنات عاقلة، و(الحرية) ستكون هي الخاصية التي تمّيز هذه العلية فتجعلها قادرة على الفعل وهي مستقلة عن العلل الأجنبية التي تحددها). ف(الحرية) حسب (كانت) (هي خاصية تتصف بها (إرادة) جميع الكائنات العاقلة). وإن كل كائن لا يمكنه أن يفعل فعلا إلا تحت تأثير(فكرة الحرية).( وإن إرادة الكائن العاقل لا يمكن أن تكون إرادة ذاتية إلا بالقياس إلى فكرة الحرية) كما جاء في كتابه( تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) الذي ترجمه للعربية (د.عبد الغفار مكاوي).
وتتكشف (الحرية) إذا، وفق (كانت)، في قدرة الإنسان على ترك (فعل) ما وإتيان (فعل) ما وممارسة حرية (الاختيار) بين الأفعال، وهنا تكون الحرية أيضا هي الإمكانية التي تتيح للمرء أن يرتبط بالقانون الأخلاقي، أي بأن يأتي الفعل وفقا للقانون انطلاقا من حرية الإرادة، فالإنسان حُر في أن يجعل فعله فعلاً أخلاقيا، أي أن الحرية تحتاج إلى الإرادة لتتحول إلى فاعلية، أي تغدو الإرادة هي علة الفعل والحرية صفة له. وعلى هذا الأساس يؤكد (كانت) بأن الإرادة علة للفعل الإنساني. إذن (الإرادة) هي علة الفعل وتجسيد للقدرة على الاختيار.
وكما يوضح المفكر (زكريا إبراهيم) في كتابه (مشكلة الحرية) : ( تظهر فكرة الاختيار على اعتبار أن الحرية إن هي إلا المقدرة على فعل شيء أو الامتناع عنه، والاختيار هو الذي يحدد. إن الاختيار كما عـّرفه التوحيدي في المقابسات: إرادة تقدمتها روية مع تمييز، أما الفعل الحُر – على حد تعبير الغزالي- ما يصدر عن الإرادة حقيقة ً، بينما الفاعل الحر هو من يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل وعلى سبيل الاختيار والعلم والمراد. ومحصلة كل هذا أن تصبح الحرية هي تلك الملكة التي تميز الكائن الناطق من حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أي إرادة أخرى غريبة عنه).
بل إن (كانت) أوضح بأن الإرادة هي علة للفعل الإنساني لذلك فهي الأساس لوجود الأفعال التي يجترحها الإنسان في مجال الظواهر وتقوم عليه كل الأفعال الأخلاقية.
وقد تعرضت فلسفة (كانت) الأخلاقية لانتقادات (هيغل) ومن ثم (ماركس) وفي عصرنا من قبل (هابرماس)، من حيث أن الحرية لدى (كانت) تنتمي إلى العقل النظري، ولا يمكننا أن نحيط بها وإنما نقف على تجلياتها في الأفعال، بينما يرى (ماركس) بأن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، وان الوجود سابق على الوعي.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima