اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
كردستان السبعينيات..(الجحيم المقدس) لبرهان شاوي
22/07/2008
محمد خضير
كردستان السبعينيات

«الجحيم المقدس» لبرهان شاوي

انها وقائع حقيقية تحت شمس البلاد، يبدأ معها بروز أول ناب للديكتاتورية فـي نهش المجتمع آنذاك، ويبدأ معه أول تمزيق لوحدة القوى الوطنية التي كانت تؤلف شكلا زائفا من آمال سياسية عريضة. كما يدشن النظام الديكتاتوري طفولة مجازره فـي ممارسة لعبة العسكرة والموت والتشريد والقتل، ويتمرن على تدعيم إحساسه العنصري العميق ووحشيته الكامنة عبر معاينة العنف ولعق الدماء البريئة. والرواية لا تقدم تلك الموضوعة السياسية بشكل تقريري جامد، كما لا يمكن اعتبارها رواية سياسية بالمعنى المباشر للكلمة، إلا أنَّ المواقف السياسية العامة لمصائر الشخصيات، تتحدد فـي ضوء معالمها الإنسانية واجتياح القسوة لفضائها وكيانها الإنساني.

من جانب آخر، عبأت الديكتاتورية نفسها ورصت نوازع البطش لديها على نعومة أظفارها القمعية فـي نهاية السبعينيات من أجل التصدي لقضية شائكة منذ عقود طويلة، وهي قضية كردستان العراق التي تواصل أوارها عبر عهود ملكية وجمهورية ، حتى تلقّاها الغاز السام فـي حرب الأنفال سيّئة الصيت.

والسؤال :كيف جاءت هذه الوقائع على خارطة السرد الروائي داخل رواية «الجحيم المقدس»، وكيف ارتسمت مواقع السرد للشخصيات، و ما هو المكان المناسب الذي شكل إطارًا لحركة الشخصيات وبناء الحدث؟

المُعسكَر
اختار المؤلف ان ينفذ الفكرة السردية الحكائية على النحو الذي تؤلف فـيه مكانا استعاديا لخبرات ومشاعر الشخصيات ، وهو المكان الذي يجمع مسار الروي لعدد من الشخصيات المنتمية الى أمكنة أخرى لكنها تعيش أجواء مستحدثة فـي مكان جديد وتستجمع خبراتها ومشاعرها السامية والعفوية من أصل تجذرها فـي مكان حقيقي آخر. انه موشور التبئير السردي، وما عداه يمثل شتات أفكار الشخصيات، فالمكان الجديد فـي رواية «الجحيم المقدس»، فـي الغالب، هو المعسكر بكل جفافه الإنساني والأنطولوجي، غير أن الشخصيات تبث أقوالها وتنشىء صفاتها من محتوى مكانها الحقيقي إنسانيًا وانطولوجيًا، ولا يصبح المكان الجديد إلا إطارًا مكانيًّا لمسار الأحداث، إطارًا يضم أنحاء منفصلة عن أصل الحدث ويلف اشياءه داخل زمن سجين فـي حدود المعسكر وما يلف دهاليزه من انتهاك للمكان الحقيقي أو المكان الآخر فـي متخيل السرد، ويضفـي رمزية تعبيرية على مكان حقيقي غادرته الشخصية مرغمة، ليشكل جزءًا من صراعها مع جحيم الواقع، وهذا التمظهر المكاني بعينه ، يشمل عبد الله وصباح والفـيلي والجندي النحيل وغيرهم، فـي حين لا يشمل الشخصيات الكردية (شيرين، أم هيمن، البيشمركة) بل يأخذ الاطار المكاني هنا صيغة مُغرَّبة، فهو مكان حقيقي لشخصيات مقهورة، تكافح من أجل استعادته والحياة فـيه بتلقائية.
وهكذا تتجه مستويات السرد إلى ما يسميه خبراء السرد، موقعة الشخصية داخل أمكنة جديدة، وليس المقصود هنا تحديد موقع الشخصية فـي سياق الروي، الضمير، الراوي، المؤلف، أي إنها تنتمي الى مكان ستعود إليه، رغم ديناميتها فـي المكان القائم؛ مكان تشعرالشخصية فـيه بأنها مقحمة عليه وتسعى بقوة سرية إلى التحرر منه، بقوة الأفكار والحلم، وشخصيات أخرى من جانب آخر، تنتمي إلى مكانها الحقيقي من دون أن تشعر بامتلاكه. ومستوى السرد المتصاعد هنا يكمن فـي الصراع بين مصائر سجينة، منزوعة من سياقها الإنساني ومرمية إلى معركة فـي قضية غير عادلة، فـي نزاع مع الحق والفضيلة والجمال وهكذا يشتغل السرد على تعميق الصراع بين المشاعر السامية التي نشأ عليها الفنان، خريج أحد المعاهد الفنية والسجين الإيديولوجي الصلب، والمشاعر العفوية المجبول عليها جندي من قرى الجنوب، من جهة، وتصادم هذا السمو بانحطاط السلوك الاستبدادي للقتلة والمغتصبين. كما يسعى السرد، بصعوبة بالغة، بعد أنْ تمركز على ساحة الجحيم الاستبدادي، إلى إيجاد نهاية للأحداث من غير أن يخفف من حدة هذا التناقض المتدفق، ممّا أوقع المؤلف فـي مشكلة لمعالجة الموقف فاضطر إلى المعالجة المأساوية التي تنتهي بموت الشخصية (محور الرواية: عبد الله) إلا أنها تمتدّ لترمّم مسار السرد وتعطيه تماسكا على نحو معين.
 
التصوير بالكلمات
ثمة مشكلة أخرى مهمّة، كما ترى هذه القراءة، فقد كتب المؤلف، على غلاف الرواية، كلمة مضافة «رواية سينمائية» ولم يكتف بذلك وإنما أوضح فـي المقدمة - الإشارة أنه استثمر خبرته فـي دراسة السينما فـي كتابة هذه الرواية. ونفهم أن الرواية معدة للتصور عبر تقنيات الكاميرا وليس تقنيات اللغة، وبهذا نحتاج الى رؤية وتخيل الصورة فـي التتابع الصوري والقطع السينمائي؛ لا فـي تفاصيل المعالجة اللغوية واستدعاء الصور عبر الكلمات، أي إن المؤلف يستطيع كتابة رواية على شكل سيناريو سينمائي، مثلما يستطيع كتابة سينمائية على شكل رواية، والفرق كبير بين الاثنين، فالأول: مقاربة روائية سينمائية أساسها أنْ تكون فـيلما سينمائيا وحسب، وفـي الثاني، وهو الأهم، تأتي المعالجة السينمائية، بتقنية لغوية تحاول إبراز الصور واستثمار العمق اللغوي لمزيد من استدعاء الصورة المتخيلة بالقدر الذي لا تستطيعه تقنية الكاميرا بل ان من يستخدم تقنية الكاميرا بالكلمات عليه ان يتفوق على أداء الصورة (اللقطة) بفعالية الكلمة (الصورة) ما أمكنه ذلك.

وإذا كانت رواية الدكتور شاوي قد تعرضت، فـي أحد أوجهها، إلى شكل تسجيلي من معاناة الشخصية العراقية فـي حقبة السبعينيات من القرن الماضي، فإن علم الاجتماع العراقي يشير إلى شرخ عميق فـي كيان هذه الشخصية التقليدية الوديعة، التي باتت معقدة جدا الآن، بعد أن توالت ضربات الطغيان واشتد أوار الحروب والتشريد على مجتمعها، إلى الحد الذي جعلها خارجة عن مقاييس الشخصية الطبيعية فـي التعاطي مع الشأن العام. وصار من الصعب إيجاد هوية وطنية لهذه الشخصية، من دون استعادة الوضع الطبيعي لها وتحليله فـي سياق التراكمات الثقيلة. إن الافكار الشقية لعبدالله وصباح وعلي الفـيلي والجندي النحيل وأم هيمن وغيرهم فـي الرواية لم تعد بذلك المستوى من الشقاء المبكر، وإنما فاق العناء السيزيفـي حدوده المتخيلة. لقد غدت تلك الشخصية المعذبة أكبر من وطنها بامتياز وعلى علم الاجتماع ان يقلب المعادلة فـي ضوء المتغيرات التي حدثت على أرض الواقع.

حرب وجنس وميديا
فـي بغداد صدر العدد المزدوج الثالث والرابع من مجلة «مسارات» الفكرية الثقافـية فـي سنتها الثالثة، مخصصاً أبوابه لموضوعات الحرب، والجنس، والميديا، هذه الموضوعات التي تكاد لتقاربها أن تلتحم معمّقة أثرها فـي المجتمع والإنسان، وهي تولّد مَيْلاً واضحاً للعنف والاستلاب؛ مسارات قدمت ملفا خاصا بالحرب حمل عنوان «الحرب: رؤية عراقية»، فاتحة من خلاله المجال لمراجعة ثقافة العنف، مقدمة شهادات ومواجهات لمحمد خضير، وعلي حاكم صالح، وحسن كريم عاتي، وناظم عودة، وأحمد سعداوي، وسعدون محسن ضمد، وجمال العميدي، وأحمد ثامر جهاد، وعباس خضر، ونجم والي، وقد سعت رؤى الكتاب على اختلافها وتباين توجهاتها لمراجعة المشهد العراقي، بما فـيه من صعوبة وتعقيد، ومحاورة اللحظات الشخصية للاقتراب من الذاتي سبيلا لقراءة الواقعة ورصد متغيراتها، كما احتوى العدد مراجعة لمشروع أستاذة الفلسفة فـي جامعة فاندربلت، الولايات المتحدة، كيلي أوليفر بعنوان (العراق والجنس والميديا) أعدها وترجمها أمير دوشي، كيلي عملت فـي مشروعها على قراءة العلاقة بين الجنس والعنف فـي الثقافة المعاصرة ورصد الكيفـية التي تُقدم بها هذه العلاقة المتخيلة على مسرح الحرب الجارية فـي الشرق الأوسط.

كتاب المجلة، بدوره، عمّق اتجاه العدد فـي محاولته دراسة (فوضى اللغة والبواعث النفسية للعنف الثقافـي)، أنجزه الباحث سلام عبود مؤكداً أننا حينما نقترب من التربة العراقية تغدو علاقة اللغة بالعنف أكثر وضوحاً لكنها ليست أقل تعقيدًا.

فـي المسار النقدي كتب جميل الشبيبي عن ملامح التجريب فـي القصة العراقية القصيرة، راصداً بعض تحولات المشهد القصصي فـي بداية التسعينيات، وفـي المسار المسرحي كتب ياسر عبد الصاحب البرّاك دراسة بعنوان «المسرح الأهلي والرسمي فـي العراق.. ثنائية المركز والهامش»، وفـي مسار القص نقرأ نص القاصة والروائية سميرة المانع المعنون «وزّة فـي الخليج»، وفـي المسار الشعري نقرأ نصاً بعنوان «طريبيل... نص مغلق» لحسن عبد راضي، وفـي المسار السينمائي كتب الدكتور برهان شاوي عن (كوبريك ومعاناة الآلة). وبعنوان «ألم رائع يعرض الحياة» ضيّف العدد الفنان ستار كاووش عبر مجموعة من الرسوم والتخطيطات؛ توّجتها قراءات لتجربته، أنجزها محمد مهدي حميدة، وعدنان حسين أحمد، وموفق السواد. افتتح العدد بكلمة لسعد سلوم عنوانها ( كبش الفداء)، واختتم بمسار أخير عنوانه (استباحة المأوى) كتبه لؤي حمزة عباس.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima