المجد لك يا سيدة النخل
يا ابتسامة تاهت بين المدن
يابركاناً صامتاً يترقب الغيوم
يا نخلة المهاجر من ( اريدو)
مدي سعفك الظليل علي
على أبواب (أريدو) يعزف الشاعر برهان شاوي الحانه بأوتار قيثارة سومرية بانتظار فجر جديد تعود معه إبنة سومر الى احضان الشمس ...
يبدأ الشاعر قصائده بنشيد عذب يستغل فيه (المغالطة الوجدانية) على حد تعبير الشاعر الفرنسي جان كوكتو والتي تعود بنا إلى العالم الخيالي حيث كان يعيش فيه أجدادنا فيذكرنا بالمرحلة التي مرت بها الانسانية ، لأن مهمته أن يستردها أو يبرزها، أنه يستمتع بهذا العالم الحافل بصور حيوية هائلة وطاقة متدفقة يزيد من تأثيرها إستخدامه لبعض الأسماء والإشارات المنسوبة الى التأريخ والأساطير (الثيران المجنحة، المعبد الابيض ، الوادي المقدس، اور، اريدو)، وبهذه الإشارات التأريخية والإسطورية تكتسب الجملة الشعرية ثروة معنوية واضحة وتمتلىء بشاعرية لا تتوافر بدونها ولكن ثم ما هو أهم من هذه الخلفية، تلك المواقف الدرامية التي يضع فيها الشاعر شخصيته وذلك كون جوهر الشعر في نهاية الامر الإنفعال ، والإنفعال لايبلغ ذروته إلا في المواقف الدرامية.
يقوم بناء القصيدة عند برهان شاوي في مجموعته الشعرية (شموع للسيدة السومرية) على فعل الأمر المنسوب إلى ضمير المخاطب فيفيد هذا الإستخدام تفجير المشاهد وكسر الرتابة والسكون في القصيدة، كذلك يستمد النص الشعري قوته من إستعماله لإسلوب النداء الذي يشكل مع صيغة فعل الأمر تقنية مهمة يرجع إليها الفضل في تكوين جمالية النص، وتبقى تقنية الفصل والوصل من أبرز سمات التصوير في هذه المجموعة، تقنية تعتمد على الفصل بين الشاعر ومخاطبته (المحبوبة) :
يادرب الآمي ..
ياسديم حنيني ..
ويامتاهتي ..
إنهضي ..
تقدمي إلى برج الأنوار
إرفعي رأسك عالياً إلى براري السماء
أضيئي عتمة المجرات
وهنا لابد من الإشارة إلى ظاهرة مهمة يمثلها حضور المرأة الطاغي والذي لايترك مجالاً للشك بان الشاعر يعاني عزلة قاتلة جعلت قلبه ينزف شعراً وألماً وهو ينتظر من حبيبته أن تنهض لتضيء ظلمة أيامه .
والشاعر برهان شاوي يستعمل وسائل متعددة منها إعتماده أحياناً على البدائل ، هذه البدائل هي مفارقات أو متقابلات يلجأ إليها للإرتفاع بمستوى القصيدة ، وبهذا فهو يجمع بين الإحتفاظ بروح القصيدة القديمة وبين الإفادة من أفاق الحداثة الفنية والجمالية التي أتاحتها القصيدة الجديدة :
الصمت لغتي ..
والكلام عزلتي المكسورة الاجنحة
وأنا الاعمى ..
يقودني ظلي من يدي
ففي العزلة ينتفي الكلام حيث لا صوت الا صوت المنعزل الذي يكون مأساوياً ، لاسيما عندما تكون العزلة مفروضة بالقهر أو القسر ، أي ان هذا التأليف بين عدة متقابلات لتحقيق الإنسجام داخل النص الشعري يتم بوعي كبير ، لأن الأحاسيس التي تستغرق نفس الشاعر هي التي تتخذ إيقاعاتها المناسبة أثناء تنقلها من حالة شعورية الى أخرى .
إن الحرية في التعبير وإستخدام الرمزية العالية أصبحت من الخصائص الفنية التي تميز قصيدة برهان شاوي كونه شكلها بوعي وإلتزام بهذه المرجعية المتميزة في خصائصها الغنية بالكثير من عناصر الثراء والمخيلة البهية ، فلاشك أن القصيدة أرادت على يده أن تخلق لنفسها كوناً مستقلاً ، أنها جذوة الإحساس والذكريات كما يفهمها أو كما تصورها عقليته ونزعته الإنسانية ،وبهذا إستطاع خلق رمزه الخاص باستعارته للمفردة ( التراثية ) أو باستدعائه للإيقاع الشعري الموروث بلغة تحاكيه وصياغة تحتفي به ، وأن لم تبلغه ، محاولةًً منه لنقل أكبر قدر من الاحاسيس والمشاعر وشحن لغته بها ، فقد تمكن من بث مايريد بثه خلال الصيغ التي إستعارها ، لأن قصائده تظل تطبيقاً ناضجاً لما يسمى اليوم بالحس التأريخي ، أي قدرته على أن يحيا الماضي ويشاهده ويحس بقرابته ، ويرجع نجاح إستخدام الرمز التراثي في الأساس الى مقدرة الشاعر على إستيعابه والإقتناع به ليصبح بعضاً من مشاعره كما يقول الدكتور محمد مندور ( لن نستطيع أن نخلق من التراث قيماً فنية جديدة ما لم نتمثله فيصبح جزءاً من أصالتنا )
أما على مستوى الصورة فإن الشاعر يحمل في عقله إنطباعات إنفعالية حية يعمل على إظهارها ويستعيد للبصر براعته ويفك عقدة الإدراك إلى عناصره الحسية ثم يختزن هذه العناصر والإنطباعات الإنفعالية مستمداً منها مادة شعره
أتذكرين ..
الأمواج
الأمواج الغاضبة ..
إنها تتلاطم أمام العتبة
تقرع بابي ..
بينما حطت الغربان على النافذة
إنقذيني بصوتك الرحيم اذاً ..
تلك صورة من صور العزلة التي يعاني منها الشاعر ، فالأمواج تلطم الأبواب والغربان حطت على النافذة وهو ينادي محبوبته بالترجيعة عليه بصوتها الرحيم ، وهذا ما يفسر إعتماده على ذاكرته التأريخية كمادة أساس وتشكيلها لصورٍ متحركة شديدة الإيحاء ، تحمل كلها عطر الماضي ، يضفي عليها من خياله وتصوراته الكثير ، مستوحياً دلالاتها ومغزاها من مكنونات الوعي لديه ، كأنما يؤكد وجوده من خلال تأكيد وجود حضارة وطنه وإستمرارها فتتجسد هذه العلاقة شعراً عاطفياً حيناً وملحمياً حيناً آخر .
وشاعرنا بأعماقه الضاربة في صميم القضايا الإنسانية يستوحي النفس كما يستوحي المجتمع الذي يحيط بها وهو يستلهم المدن والمرأة وغيرها من كائنات الوجود وبرؤية ثاقبة ، ولعل السبب الرئيس وراء تمكن برهان شاوي من التعبير عن خلجاته الفكرية والوجدانية ببعديها الذاتي والإنساني يعود الى قدراته في توظيف التراث وإمتلاكه لقدر من الحس الدرامي المنطلق من حدث متنامِ ، فقصيدة ( شموع في معبد السيدة السومرية ) ضمن مجموعته الشعرية تعد مثالاً لنجاحه في نسج رؤية جديدة للماضي وإسقاطها على الحاضر ، لانه ظل يتوغل كثيراً في الماضي لتصوير الحاضر بنبرة مريرة بإستخدام قدرته البلاغية والدرامية التي تبث الحركة والحرارة في هيكل القصيدة :
من بعيد
سأنثر في المعابد المهجورة ..
إبتهالاتي العاشقة
كي لا أثير الغبار
تحت شرفتك العالية..
هذه مناجاة يفجر فيها الشاعر أعمق المشاعر الذاتية من حب وشجن وإبتهال للحبيبة بصوت عاشق متيم وفق أجواء رومانسية عالية .
وما يلفت النظر في قصائد برهان شاوي هو ذلك البعد الوجداني للقصيدة الذي يشكل أداة فنية لها دور هام في ايصال المعنى الى القارىء ، البعد المشحون بزخم الرؤيا الهادفة والمتطلعة الى المستقبل ، كذلك تميز شعره بخلوه من التزويق حين يقدم حدثاً ماضياً بطريقة تخلق علاقة وطيدة بين الشعر وعالم الاسطورة لسعيهما الى اضاءة الحقيقة ومنح المتلقي مساحة واسعة من التأويل والاستدلال .
فعالم الاسطورة عالم درامي يعج بالاحداث والطاقات والقوى المتصارعة ، عالم تتألف منه روح القصيدة بوصفه مصدر لثقافة الشاعر والتي تعبر عن مدى نضجه الفني والتعبيري ، حتى ليغدو التأريخ ملاذاً للعملية الابداعية الشعرية ومعبراً عن تمثل واعٍ ٍ وادراك عال ٍ لقوانين النص ، بمعنى انه يعلق على اجزاء العالم الاسطوري ( الموروث السومري ) خواطره النفسية والمرتبط وجودها بمحاولة من جانبه لفهم الحياة ، فهو يحاول ان يجد لهذه الحياة قانوناً وليكن هذا القانون احدى الاساطير التي تربط بين الموقف والتداعي العاطفي .