قصائد تسبح في دوائر الميثولوجيا وتعتمد الموروث الحكائي / الاسطوري المبني على صناعة البطل وفق رؤية قرائية قائمة على استنطاق المعاني التأويلية للنص من أجل خلخلة الحواس والخوض في الرموز الاسطورية .. صور شعرية ضاجة بالمعاني الدلالية، غنية بالبلاغة، رغم لغة الترميز التي يتبناها الشاعر برهان شاوي في مجاميعه الشعرية ( مراثي الطوطم 1983 ، رماد المجوسي 1987، ضوء اسود 1997 ، تراب الشمس 1998 ، رماد القمر 1999 ، شموع لسيدة سومرية 2001) ، يوظف الاسطورة بشكل كبير في قصائده :
فمن السماء هـوى
دبُ مـن الكريستال
إنه في الحديقـة يتجـول..؛
يناغـي الطيـور
ويداعبُ الأسماك في البحيرة..!
إستيقظي ايتها السومرية
فلقـد صـاح الديكُ ثلاثا
والبقرات
ذهبن الى المرعى
أما العسس
فلقد ألقوا بأسلحتهم.. /
من مجموعة ( ضوء اسود )
لغة متينة يزاوج فيها مابين السردي والشعري ، الطقوسي والدرامي ، وفق خيال يفوق الزمن المحكي ويخلق جدلا حضاريا حول صناعة البطل في النص الاسطوري القائم على وحدتي الفناء والبقاء والبحث عن الخلود . هذه اللغة الضاجة بالرمز الاسطوري توهمنا بان النص محاولة لاستلاب العقل الواعي من خلال الرمزي الديني ، تشعر من خلال قراءة النص انه قولا مأثورا يستنهض اليومي والاسطوري بضربات فنية مركزة :
كان
ثمة شتاء أعمى
قاده الربيع الهرم
إلى صيف أخرس .../
من مجموعة (ضوء اسود)
هذه اللغة التصويرية التي تبناها الشاعر في هذا النص الزاخر بالمعاني التأويلية يستلب المتلقي من الزمن الماضي (كان) الى الربيع الذي يمثل الحاله الوسطية مابين الماضي والحاضر وكأنه محطة تأمل لسيرة ما ، مسيرة حياة ، مسيرة بطل ، مسيرة شعب ، الشتاء اقتيد الى صيف أخرس ، نص باذخ يغوي للقراءة والتامل .. فالشتاء في الاسطورة يمثل حالة الموت التي لاتدركها حواس الانسان ولذلك راح يبحث عن اشياء توصله الى الخلود كالاعشاب والتعاويذ والرقي وغيرها من الادوية السحرية التي تعيد الشباب ، ولذلك نرى ان هناك مرادفات قد تاتي مصادفة لتجعل من الخرافي واقعي ، تماما مثل عشبة الخلود التي عثر عليها كلكامش واكلها الثعبان بعد ان ذهب ليستحم ، وتغيير الثعبان لجلده اعطى فكرة الخلود واستعادة الحياة ، بينما بقي الانسان بعد تلك الحالة يصارع الموت ، لانه لو حصل على تلك العشبة لما مات .... اما الربيع في الاسطورة فيمثل بدايات وجود الانسان على الارض والذي ولدت معه اساطير البطولة التي عرفت فيما بعد بالملاحم رغم ادراك الانسان القديم على ان هناك قوى مؤثرة في الوجود ورمز لها بألهة من صناعة العقل البشري ... وينتهي الشاعر في ربيعه الهرم الى الصيف الاخرس المرادف للشمس واقترانه بها والتي تمثل قوة البطل وصلابته وبالتالي تقبل الانثى له ، اي اتحاد السماء بالارض على الصعيدين الروحي والجنسي ، وصف جميل ، فالربيع مثل المبصر الذي يقود الاعمى ( الشتاء ) الى مكان اكثر امن وصلابة ( الصيف ).... اذن توظيفه في النص يعطي بعدا رمزيا دلاليا للنشاط الجنسي الذكوري واستعداد الاخر للوقوع في شرك الاغواء من خلال الجانب البطولي
الشـمسُ برتقــالـة اللــه..؛
التي ألقــى بهـا في الأفـــق المجنــون
والأكـــرادُ
أطفــال من الجـــن..؛
بهـا هــامـوا وجنـوا..
أرأيـت الجــن جُنــت..؟؟؟
الشـمـسُ ليــلُ مـن ذهــب..؛
الشـمسُ نـوروز سـماوي..؛
بـه قـد حــلم الجــنُ../
من مجموعة ( اطفال الجن )
مسرحة النص ، اللغة الخطابية ، المسحة الدرامية ، عناصر يعتمدها الشاعر في تشييد نصه الشعري ، القائم على وحدتي الزمان والمكان ورسم صور أو لقطات ممسرحة ( فلاشات ) يسحب معه القارئ الى منطقة اشتغاله الضاجة بالصور الشعرية الملحمية :
كان
ثمة صياد
ضاع
في زئبق المرآة .. /
من مجموعة (ضوء اسود)
الضياع هنا مجازي، لم يضيع الصياد في المرآة وإنما في (زئبق المرآة) أي ماوراء البعد البؤري، مساحة التشكيل البصري والرؤيوي ، عمق الدال والمدلول .. كما ان حالة الخطاب الدال في العقل اللاواعي المنتج لنص متخيل يرسم لوحة اقرب ماتكون الى المدرسة السريالية ، ماورائية النص تجعل القارئ يعيش لحظة صناعة النص / الفكرة :
وأذهب
إلى ماوراء الجبل
كي أوقظ الشمس الكسولة
قصائده ذات طابع درامي طقوسي يتعدد فيها الايقاع تماما كما في الاناشيد الدينية التي كانت تؤدى على المسارح البابلية والسومرية أوترتل في المعابد ، تعتمد المحاكاة التي بدأت مع الفعاليات الاولى للانسان واكتشافه لتأثير الشعر الديني والطقوسي في بنيته وتفكيره :
اقيم الولائم للروح
ادعوا لها الزمن القاسي
والايام المنافقة
ادعوا لها الحماقات
والنزوات الصغيرة .../
من قصيدة (الولائم)
درامية المشاهد وتراجيدية النصوص والتعدد الايقاعي والصوتي في النصوص الشعرية للشاعر برهان شاوي يقربها من لغة الملاحم والاساطير التي تتداخل مع الطقوس الدينية التي تعطي للقصائد جانب التقديس ، ولذلك كانت تلقى في المعابد وتردد على المسارح ويحفظها المتلقي الذي يبحث عن ذاته في تلك النصوص.. كل تلك الصفات يعتمدها الشاعر في نصوصه ليقرب الذات الانوية من خلال النص / السرد الى ذات الاله :
في شوارع أوروك الضيقة
سمعت أقاويل الرجال عنك
سمعت أقاويل كالافاعي
غير أن فهدي أخمدها
بضربة مخلب واحدة ... /
من مجموعة (ضوء اسود)
الاساطير تعطي الاجابة المباشرة للاسئلة الازلية القاطنة في ذهن الانسان ، كيف ، اين ، لماذا ، واسئلة شتى عن مجاهل الكون والحياة والموت والخلود ويكون القاسم المشترك بين الاساطير هو الاتصال المباشر مع المتلقي من خلال السرد المعرفي المبني على صناعة البطل او الشخصية الاسطورية ، صراع الانسان مع القوى الطبيعية او مع الالهة .. فمثلما كانت الشمس تمثل رمز الخلود لانها الشئ الذي لاينتهي وكرمز قريب من النار فقد لجا الانسان اليها كجانب طقسي واعتبرت في تلك المجتمعات مادة الخلود ....
إشـهدي أيتهـا النـارُ
جـاءنـا الغــزاةُ جيشـا من الألــم..!
قيـل..
جـاءنـا الـوبـاءُ..!!
مـرمـرُ الجبــال أستغاث بنـا..
والياقـوتُ بكـى..
قيـل أقبـل المـوتُ..
وقيــل مــات..
تحـت ظـلال أشـجارنا الباسـقات..!
/ من مجموعة (رماد المجوسي)