اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
السرد الشعري والتوظيف الاسطوري في قصائد برهان شاوي (2)
20/06/2008
جمال المظفر
هذا السرد الشعري ينمي الجانب الروحي لابتكار مرادفات اسطورية اخرى بصناعة ذهنية من اجل انتشال النفس البشرية من حالات اليأس والانكسار، خصوصا مع ظهور قوى شديدة الظلم، حينها يلجا الانسان الى الاسطورة او الخرافة من اجل شحذ الهمم، ولذلك نجد ان الشعوب المضطهدة دائما تنتظر المخلص الذي تتعدد تسمياته في مختلف الديانات او حتى لدى الشعوب التي لاتؤمن بالاديان ، صناعة البطل الاسطوري حتى لو كان في الخيال :

في تلك الساعة من اليأس ....
يطرق بابي عراف بلا نبوءات
يفتح لي قميصه الأزرق ...
فأرى في صدره ...
عين قط مطبقة الجفن ...
أفتحها ...
فأرى صحراء يغمرها الليل
وثعالب تنظر إلي ...
بعيون فسفورية ...
وأرى سمكة ذهبية ...
تنط فوق الرمل .... 


                            من مجموعة (ضوء اسود)

لغة انيقة وشفافة تلك التي يستخدمها الشاعر في نصوصه، تشكيل النص من خلال التلاعب باللغة وفق مساحات يرسمها فضاء المخيلة ، فلكل شاعر لغة ومفردات تشكل مساحة النص ، ولكن الشاعر الحريف الذي يتقن التلاعب باللغة واكتشاف معان ضاجة بالصور الشعرية :

الكآبة نسر من الثلج
يقبض على قلبي بمخالب باردة /

                              من مجموعة (تراب الشمس)

المباشرة واللامباشرة تؤكد قدرة من يملك ناصية الابداع وجعل المتلقي يعيش في فضائه المتخم بالصور والوقوف امام جزالة المفردات وحيويتها، لغة مموسقة ، متناسقة ، التقطيع الفونولوجي مدروس بدقة ، حتى التوزيع للمساحات البيضاء ينعش مساحة القراءة :

زمن يسيل على الأكف وآخر ....
يبكي مع الصلبان في أعلى الكنائس 

                                         من قصيدة (الساعات)

الخرافة جزء من تاريخ الشعوب التي تعيش الاضطهاد الفكري والسياسي ، فعندما تضطهد تلجأ الى الخرافات ، مثلما يلجأ المريض اليائس الى العلاج الشعبي او التعاويذ او العلاج بالرقي عندما يقف الطب عاجزا عن علاج الكثير من الحالات المستعصية . وكون الشاعر متخصص في الفن السينمائي وكتابة السيناريو فأن نصوصه تأخذ منحى كتابة السيناريو ، كل مقطع من قصائده عبارة عن مشهد درامي ، له زمانه ومكانه الخاص وبعده البؤري :

فجأة ...
يهبط من السماء نسر أقرع
ينقض على سبت النور الذي أنطفئ
فترتعش الأبواب
ويغمض القط عينه الصفراء
ويرتبك العراف ... صديقي
فينتزع العين من الصدر 
ويلقي بهامن النافذة ....

/                             من مجموعة (ضوء اسود)

وفي نص جميل استوقفني كثيرا، وجعلني اتأمل لوحات سلفادور دالي وسرياليته الغريبة التي فتحت افاقا واسعة في الفن الحديث ، لم يستخدم دالي المباشرة ، ولم يدخل قوقعة الواقعية او الانطباعية ، أدار وجهه لكل المدارس وأسس له مدرسة خاصة تنم عن إبداع حقيقي ، في أن تؤسس وتصنع لاأن تقلد ، الكثير من الرسامين يرسمون لوحات طبيعية متشابهة في المضمون وإن اختلفت في الالوان أو المساحات أو الشخوص ، ولكن الابداع ان تكتشف وتؤثر في المتلقي ، السريالية في الشعر ، استنباط آخر للغة المموسقة الضاجة بالمعاني التأويلية :

أرى ساعات على قدمين
تهرول تائهة في العتمة ....

وفي نص أقرب مايكون الى الحكمة ، أو إلى البناء الاسطوري الذي يستنهض المقدس الديني ، يؤدلج الشاعر يوما له مغزاه في الادب الروماني وهو ( الاربعاء) والذي يعني يوم كوكب عطارد (اله التجارة والفصاحة والمكر واللصوصية) ، مشبها الشاعر هذا اليوم بقائد عجوز يعيش على دكة الذكريات وماخلفته الايام من بقايا بطولات هرمة :

وهاهو الأربعاء ....
قائد عجوز 
محمل بالاوسمة

للمنفى تأثير واضح في نفسية الشاعر ، حيث يعكس المنفى صورته على الذات الباثة ، المنكسرة ، المتشظية بين ( الضياع والحرمان ) ، حينما يكورك المنفى داخل بؤرته الضيقة ، وكما قلت في مرات عديدة ان صناعة المنفى مشكلة كبيرة ، بين ان تفصل منفى على مقاساتك وضمن رؤاك وتصوراتك ، وبين ان يشكلك المنفى ويرسم الصورة الضبابية للمستقبل . صناعة نص متقن ولغة جميلة تلك التي تبناها الشاعر بحكمة بالغة في هذا المقطع (أحزانكم لوثتها المنافي ) ، التلويث ليس من قبل المنفي للمكان كما هو متعارف عليه ، وانما المنافي هي من يلوث المنفي :

احزانكم
ستدور معي في المنافي
احزانكم
ستواجه مثلي المخاوف عند الحدود
لتعرف مثلي ضجيج المحطات
والامتحان امام الحجر
احزانكم
لوثتها المنافي ..... /

     قصيدة ( تنويع غير عروضي عن الالم )/ مجموعة رماد المجوسي .

الغربة والتغريب متلازمتان في اشعاره ، ينعكسان على اغلب قصائده ، المنفى الذي يفرض نفسه على الذات ، حتى لو كان في داخل المكان ، قد تكون منفيا وأنت في داخل وطنك ، حينما يشعر الانسان انه تائه في البرية ليس هناك من بوصلة شعرية لاهداء الشاعر الى الضفة الامنة ، غير ان يقضم زهور الكآبة ، عشبة الخلود كتلك التي كان يبحث عنها كلكامش :

وبرغم شيخوختي المبكرة
فأنا مثل جواد
سأركض في البرية لأقضم زهور الكآبة
فالرحلة لازالت عند تخوم الغيم
وحمار قصيدتي الذهبي
يرتد عن حكمة النهيق !!/

                               ( قصيدة الحمار الذهبي ) مجموعة رماد المجوسي

الترميز في الشعر يعطي لغة مشوقة ويفتح مجالا اوسع للتاويل ، عندما تكون اللغة غير مباشرة ، مسرفة في السرد ، تستفز القارئ وتجعله يعيش لحظة القراءة الانية لا الاستغراق مع النص أو إعادة قراءة القصيدة لاكثر من مرة من اجل اكتشاف صور أخرى فيه ، فلغة الصلب هي المظلومية الابدية والانتظار للمنقذ الذي تتغير تسميته لدى الشعوب المظلومة والمضطهدة :

انا المصلوب الابدي
لاأصعر خدي للصفعات 
                                          من قصيدة (يهوذا)

استحضار الاسطورة في الشعر والقصة والرواية يعني استحضارا للتاريخ والميثولوجيا والخرافة والسحر ، وهي الملاذ الأول للإنسان للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه . وهي الرؤية التخيلية ، الحلمية الكامنة في ذات الشاعر .. هي استحضار للبطولة الغائبة ، واستدعاء البطل الاسطوري والتاريخي يكون بمثابة المخلص والمنقذ تماما مثلما ينتظر النصارى ظهور المسيح ليخلصهم من الاضطهاد وكذلك في الحركة المهداوية التي ترى في ظهور المهدي بأنه المخلص والمنقذ لهم من المظلومية : لكنني اعرف انك غائبة وان الصبر فارس عجوز يقطع الصحراء على ظهر ماموث اعرج يجر خلفه عربة حجرية مليئة بالاسمال والخوذ المثقوبة ... وفي نص اخر يوزع الشاعر الفكرة القاطنة في وعيه على مساحة نظر المتلقي في رؤيا حلمية جميلة توصله الى تلمس الخيال ، موت النجوم في الممرات القصيرة ، فالممرات هي الزمن الافتراضي الذي يعيشه الانسان :

مالهذا الجميل
يشاغل عينيه عنا
ويرشق هذا البلاط بنظرته الصارمة
المجوس اقبلوا من بلاد بعيدة
غير ان النجوم تموت هنا
في سماء الممر القصير ...

                                          من قصيدة (رماد المجوسي)


جمال المظفر / 2
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima