اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
الواقعية السحرية...في الجحيم المقدس
25/04/2008
ماجد طوفان
* يحفل المتن الشعري العراقي بتوقع عالي الوجهة والنوع ، ربما لايزاحمه عليه احد ، ولعلي بذلك لااريد ان اؤشرمقارنة بين الشعر وجنس اخر ، ولكنني بصدد القول ان المتن الروائي العراقي يمتلك منحى تاريخيا يمكن الوقوف ازاءه بنوع من الدقة والموضوعية، وربما تتشكل او تنزاح مجموعة من الاسئلة ...هل حققت الرواية العراقية زخما في تطورها؟ هل ظهرت في العراق اجيال (مع تحفظي على مصطلح التجييل) روائية كما هو الحال مع الشعر ؟ وهل كان الروائي العراقي محايثا للروائي العربي ؟ وهل الوضع السياسي في العراق القى بظلاله على هذا الجنس بشكل سلبي ؟ . وهل تم اجتراح الواقع السياسي العراقي روائيا ؟

* سئل الروائي الكولومبي ( ماريو بارجس يوسا ) عن الواقعية السحرية فقال ( فيما يتعلق بالواقعية السحرية لااحد يستطيع ان يعرفها بطريقة محددة وحاسمة ، هي الجمع بين عنصرين مهمين هما الواقع والفانتازيا ) .

لعل النقد كقراءة ثانية يقف ازاء النص محاولا تفكيكه وفق منهج بعينه ، ولكن رغم تطور وتعدد مناهج النقد تبقى المتعة لجنس الرواية تحديدا هي المعيار الاول ، ومن ثم تاتي المعايير النقدية تباعا ، ولعل رواية ( الجحيم المقدس ) للكاتب د. برهان شاوي تتوافر على ( متعة ) كبيرة ، وانا اعتقد ان توافر هذه المزية لايمكن الوصول لها بسهولة ، الرواية يمكن التوقف عند عنوانها كموجه رئيسي ، فقد جمعت بين الاضداد ، الجحيم / المقدس ، وهذا النسق الروائي اجتهد الكاتب في توظيفه بشكل محسوب ودقيق طيلة احداث الرواية ، ولعل الرواية استطاعت ان تمسك اكثر من مفصل في التاريخ الذي حددته ( من عام 1977 الى عام 1980 ) ، فقد تعرضت للتاريخ السياسي العراقي ، والذي يمكن وصفه بالمنفجر والمتحول آنذاك .

* يصف عمانوئيل كانت المكان بـ ( ثروة الوجود المتخيل ) ، وهذا مايمكن ملاحظته وبدقة طيلة احداث الرواية ، الكاتب أثث لامكنة روايته بشكل جعل من شخوص روايته يرتبطون ( جنينيا ) بهذه الامكنة ، ولعل تعدد الامكنة التي بدءها من الشمال وانزاحت وانفرطت بعد ذاك الى بغداد ، ومن ثم اخترقت حاجز الزمان ليعود الى عام 1830 بـ ( رواية الاحمر والاسود ) للروائي الفرنسي ستاندال ، وبذلك عمد الكاتب الى تجاور زمنين ومكانين بطريقة افقية وعمودية ، ولعله اعتمد على التكنيك السينمائي الذي يعرف بـ ( الفلاش باك ) . ولعل الثنائية التي عمد اليها الكاتب بقيت مستمرة من خلال عنوان رواية ستاندال ، الاسود / الابيض ،والتي يمكن القول ان المهيمن لفعل الثنائية هو الصراع بين القبح والجمال ، في رواية ( الجحيم المقدس ) ، في حين ان الاسود والابيض لدى ستاندال تشيران الى سلطتين كانتا تهيمنان على المجتمع الفرنسي ، الاحمر يشير الى سلطة الجيش والاسود يشير الى رجال الدين ( الكنيسة ) ، ولاادري ان كان برهان شاوي قد استعار اللونين بدلالة ان الاحمر يشير الى الحزب الشيوعي والذي كان عنوانا للحزب في العراق في تلك المرحلة !! وربما استعار الاسود في اشارة الى الاحزاب الدينية الشيعية !! باعتبار ان الكاتب اشار الى اعتقالات واقصاءات ُمني بها الحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة . كاتب الرواية عمد الى سحب دلالة رواية عالمية الى متن روايته من خلال الشخصية الرئيسة ( عبد الله ) ، الذي كان يهرب من واقعه العراقي الدامي و( هو نفسه برهان شاوي ) ليتسلل بعيدا عن سلطة النائب ضابط ومنظومة الامن ويعيش الحب مع مدام (دي لامول ) التي اقام معها ( جوليان سوريل ) بطل ستاندال في رواية الاحمر والاسود علاقة حب عنيفة . ولاادري ان كان كاتب الرواية قد اطلع على قول ستاندال ( ان اقحام السياسة في مخيلة الرواية ، بمثابة اطلاق رصاصة على احتفال ما ) !!

*( الجحيم المقدس ) اشارة واضحة للعراق ، وكأنه اصبح ( جحيمنا ) الذي لايمكن الفكاك منه ، نساء يتم اغتصابهن بالجملة من قبل افراد الجيش حتى الموت ( تحت طائلة الخيانة والجوع الجنسي ) ، امرأة كردية عجوز تبحث ابنها في زنزانات ( ابو غريب ) وبعد توسل وبكاء يشير ( الرئيس ) الذي مديرا لجهاز حنين ( اخذوها للثلاجات ،_ ثم اكمل بسخرية _ خلي اتشوف ابنهه ) ، لتموت هي الاخرى ، اعتقالات للشيوعيين والاسلاميين ، وكأن العراقيين اصبحوا كلهم مجرمين في عين النظام ، ومع ذلك بقي العراق جحيما / مقدسا ، فرض علينا جحيمه وقدسيته بشكل ميتافيزيقي .


* اشارات / الكاتب اعتمد على السيرة ( وهي سيرته الشخصية ) ، مازجا اياها بفعل ونسق روائي مشدود وغير مترهل ، لذا يمكن القول انها ( سيرة روائية ) ، ولعل اللافت للنظر استعماله اللغة المحكية في معظم حوارات شخوص الرواية ، والمثير انه استخدم اللهجة المحلية العراقية والكردية ( المعربة ) ، الام العجوز وهي تتوسل بـ ( الرئيس ) : ( بس اني يعرف ابني هيمن هنا ، اني اجه زيارة قبل نيم سال . فصرخ الرئيس : شنو / ارتبكت العجوز وقالت : اني اجه هنا زيارة ، شفت هيمن هنا )، والكاتب يذكرنا بمحاولات الروائي العراقي الراحل فؤاد التكرلي باستعمال اللغة المحكية .

وانت تقرأ الرواية يمكن القول انك ازاء شريط سينمائي / تسجيلي ، فقد مزج الكاتب المعلومة واللقطة السنمائية ، وهذه من ثنائية اشتغالاته ايضا ، وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في انتقالاته الزمانية والمكانية وارتباط الحركة الاخيرة ( كمشهد ) بالمشهد الذي يليه ، واحيانا يعمد الى تكنيك السينما في نهاية وبداية مشهد والذي يعرف بـ ( fead  in ) ( اختفاء تدريجي ) و ( fead out ) ( ظهور تدريجي ) .

الجحيم المقدس ، محاولة تذكر واستعادة ، يمكن الاشارة الى الايقاع السردي ، اذ ثمة توتر وانفعال استثمرها الكاتب في رسم ابعاد الرواية . وهي في النهاية وثيقة مهمة في تاريخ متن الرواية العراقية ، وتشكل البداية ( لتأرخة ) الواقع السياسي العراقي بشكل فني .
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima