اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ظهيرة ساخنة جدا - ح 4
15/03/2008
معد فياض
المسافات اقرب مما كنا نعتقد

في الساعة الواحدة من ظهر يوم السادس والعشرين من آذار تبلغت بان موعد السفر بعد اثنتي عشرة ساعة من الان، اي عند منتصف الليل، كان هذا التبليغ بمثابة المفتاح الذي سيفتح بوابة العراق المغلقة امامنا.

لكن تبليغا لاحقا جاء عبر هاتفي الجوال في تمام الساعة السادسة وخمس وثلاثين دقيقة من مساء ذات اليوم، وكنت حينها اشتري حذاءً رياضيا يساعدني في مهمتي المقبلة، من احد محلات شارع اكسفورد وسط لندن، يعلمني بان الرحلة قد تأجلت مرة اخرى من غير ذكر اية تفاصيل عن اسباب التاجيل او ذكر الموعد الجديد للرحلة.

شعرت بالانقباض، فالموعد الاول كان قد تأجل لما يقرب من ثلاثة اسابيع، وها هي الرحلة تتأجل مرة اخرى لموعد غير محدد. شعرت ان موجة دافقة من الدم قد ضغطت على رأسي، تحول الشارع الصاخب المزدحم بالمتسوقين والمارة الى علبة وانا محاصر في داخلها.

هاتفت الخوئي لاستفسر عن حقيقة الامر، وكانت نبراتي تفضح استيائي بالرغم من محاولتي لان ابدو طبيعيا في الحديث معه، لكن رهافته وحساسيته جعلته يكتشف ما بداخلي من قلق على موعد الرحلة، فبادرني قائلا «انت ابن حلال، انا بصدد الاتصال بك الان لأسئلك عن اسم الجهاز المخابراتي الذي كان صدام قد انشأه بعد انقلاب تموز 1968» فاجبته على الفور بانه جهاز «حنين»، شكرني وقال «بالمناسبة موعد الرحلة تأجل لأربع وعشرين ساعة، الموعد الجديد سيكون منتصف ليلة الغد ان شاء الله» وكان كمن سكب الماء على الحرائق التي بدأت تشتعل في داخلي، ابتسمت وقلت: «شكرا». عندها عاد شارع اكسفورد الى اتساعه الحقيقي، وشعرت انني اتحرر من العلبة الضيقة التي كانت قد قيدتني قبل قليل.

كان هناك اثنى عشر عراقيا يرتشفون الشاي في منزل الخوئي شمال لندن قبل ان التحق بهم بعد منتصف ليلة السابع والعشرين من آذار. صف الحقائب وأكياس زرقاء اسميتها المظلات (البارشوتات) عندما وقع نظري عليها، والاصوات المتداخلة ورائحة القهوة الممتزجة برائحة الدخان، هي اول ما استقبلني عند مدخل البيت، اما هذه الاكياس الزرقاء فقد كانت تحتوي على اسِرَّة نوم سفرية، ربما سنحتاج اليها مستقبلا، وقد احتجناها بشدة فيما بعد، حيث لم يترك الخوئي اية تفاصيل ومهما كانت صغيرة الا وفكر بها.

لم يكن أي منا يعرف الوجهة التي سنذهب اليها، فكل ما نعرفه هو اننا سندخل الى البصرة عن طريق الكويت، لكننا فوجئنا في تلك الليلة بان طريقنا الى العراق قد تغيرت خارطته. وعندما سأل احد اعضاء المجموعة عن الطريق الذي سنصل خلاله الى بلدنا، اجاب الخوئي «هذه التفاصيل غير مهمة، نحن نريد الوصول الى بيتنا واهلنا، واذا اغلق بوجهنا باب فهناك ابواب اخرى فتحت امامنا، ولن يمنعنا احد من الوصول الى بلدنا، اتركوا التفكير بهذه التفاصيل، كيف سنذهب، وبأية طائرة، ومن أي مطار.. المهم اننا سنكون في العراق».

امضينا الليلة، بعد ان تناولنا وجبة لا ادري ان كانت عشاء متأخراً، ام فطورا مبكرا، نتحدث ونشرب الشاي ، وبعد صلاة الفجر، قرأ علينا الخوئي بعض آيات المصحف الكريم، ودعا للجميع بالتوفيق، وصعدنا الى الباص، وتوجهنا على بركة الله الى مطار «لوتن» خارج لندن.

بعد وصولنا لى المطار وانتظارنا لاكثر من ساعة الطائرة التي ستأتي من واشنطن وهي تقل بقية المجموعة القادمة من الولايات المتحدة، علمنا ان الضباب حال دون هبوطها وان علينا التوجه الى مطار «غاتويك»، فالطائرة حطت هناك وهي في انتظارنا منذ ساعة.

حتى ذلك الوقت لم نكن نعرف الى اية جهة نحن ماضون، كان البعض يخمّن بصوت مسموع فيبتسم الخوئي من غير ان يقول شيئا بهذا الصدد، لقد تعلم من الدرس السابق عندما تسربت تفاصيل الرحلة قبل بدئها، ما ادى الى فشلها وتأخير موعدها، الان سيتأكد بانه لن يخبر اي شخص قبل صعودنا الى الطائرة حيث لن تتبقى اية فرصة للإخبار عن المكان الذي سنذهب اليه.

كان الضباب والازدحام شديدين عندما تركنا مطار «لوتن» ونحن نتوجه الى مطار «غاتويك»، فالمعروف ان حركة المرور في ساعات الصباح المبكر تكون بطيئة في لندن وما حولها، كان السيد فوزي الموسوي هو الذي يقود الباص وكان حاذقا بالدروب القصيرة واختصار المسافات، لكن ذلك لم يمنع من ان نتأخر في الوصول الى «غاتويك». بالطبع لم نذهب الى صالة المطار والتفتيش وفحص الجوازات، فهذه رحلة خاصة، توقف الباص قرب بوابة صغيرة بعيدة عن صالة المطار، كان هناك من ينتظرنا، وقد جهزوا القهوة وبعض البسكويت لنا. بعد اجراءات سريعة توجهنا الى الطائرة، وكانت طائرة خاصة ومترفة المقاعد (درجة اولى). قبل ان نرتقي سلم الطائرة اخبرنا الخوئي الى الوجهة التي سنمضي اليها.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima