اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ظهيرة ساخنة جدا - ح 5
15/03/2008
معد فياض
الطريق الى دلمون
هدير محركات انواع من مختلف الطائرات ما يزال يدور في رأسي، بدءا بهدير الطائرة الخاصة التي كانت قد اقلتنا من مطار «غاتويك»، ومرورا بطائرات الشحن العسكرية العملاقة، وليس انتهاء بطائرات الهليكوبتر المتعددة الاغراض.

اكثر من ستة انواع من الطائرات تعاقبت على ايصالنا الى الاراضي العراقية، وربما اكون قد ارتكبت خطأ عندما اغفلت معرفة وتسجيل انواع هذه الطائرات واجيالها وامتيازاتها.. طائرات كنت قد شاهدت مثيلاتها في الافلام السينمائية الحربية او خلال الاخبار عن الحرب الاميركية على العراق، وما كنت لاتصور بأني سأصعد يوما على متن إحداها.

كنت قد سافرت كثيرا، بالطبع، بواسطة طائرات نقل المسافرين الاعتيادية، ولن انسى انني اقحمت مرارا في نوعين من طائرات الهليكوبتر التابعة لطيران الجيش العراقي خلال الحرب العراقية الايرانية عندما كانت تحتدم المعارك فأنقل فجأة كمراسل حربي، استطيع ان اميز واحدة مترفة منها وهي (الغزال) الفرنسية الصنع والتي لا تتسع إلا لأربعة اشخاص بضمنهم الطيار .

الطائرة الخاصة التي كان يفترض ان تقلنا الى ارض الوطن كانت تبدو مترفة من الخارج، وهي كذلك، كنا نتصور ان يتم نقلنا بطائرة عسكرية معتمة اللون، لكن هذه طائرة بيضاء، ليس عليها أي شعار يوحي بعائديتها لاية شركة طيران معروفة، فهي طائرة للأجرة (تكسي)، مثلما كان مدونا في داخلها وعلى لوائح الأمان وتعليمات النجاة.

كان من المقرر ان يبقى اسم المسؤول العربي الذي دعم الخوئي في مشروعه الاغاثي والانساني، واسم الدولة التي استضافتنا، والتي اتجهنا منها الى الاراضي العراقية، قيد الكتمان، بل وسريا للغاية، وان لا نذكر اسم المسؤول او تلك الدولة. وقد شدد الخوئي علينا ان لا نذكر حتى لعوائلنا ولأي من كان اننا مررنا من هنا.

هناك سألت الخوئي: «الى متى سيبقى هذا السر قيد الكتمان؟» اجاب «لا تتصرف مع هذا الموضوع بإحساس الصحفي الذي يجب ان يقول ويوثق كل شيء، اعرف انك لا بد ستبوح بهذا السر يوما ما، وسيكون لك ذلك»، سألت:«متى؟» اجاب: «عندما نعود الى لندن» وكان يعني عندما تنتهي مهمتنا، قلت:«هل هذا اتفاق؟» قال: «نعم».

وكان اتفاق الأمين العام لمؤسسة الامام الخوئي معنا في لندن، وقبل سفرنا باسبوعين، انه ملتزم معنا بالعمل في هذا المشروع الاغاثي لثلاثة اشهر، بعدها سيعود الى عمله في المؤسسة في لندن، ومن يريد ان يبقى في العراق فذلك شأنه، ومن يريد العودة قبل ذلك، او أي وقت يشاء فسوف يوفر له طريقا للعودة بذات الطريقة التي سافرنا بها، ولم نوقع في البداية على اية عقود او شروط، فالعمل مع الخوئي لا يحتاج الى اية عقود او ابرام اتفاقيات، كانت كلمته اهم من اي اتفاق او عقد، لكننا، وعلى متن الطائرة الخاصة التي اقلتنا من مطار «غاتويك» فوجئنا باصرار الخوئي على ان نوقع عقود العمل معه لثلاثة اشهر مع توقيع شهادات التأمين على حياتنا، وقال وقتذاك «لقد عملت ذلك لضمان حقوقكم وحياتكم وحقوق عوائلكم، فانا اليوم معكم، وغدا لا أحد يعرف، قد اموت او يحدث اي شيء لأي منكم، هذه العقود تضمن لكم الحقوق في وجودي وغيابي»، ولا ادري ماذا حل بتلك العقود اليوم، فقد وعدنا مايك، الموظف الاميركي الذي رافقنا، بانه سيزودنا بنسخ عن تلك العقود وشهادات التأمين على الحياة، لكنه للاسف لم يفعل، ولا تتوفر اي نسخ منها في مؤسسة الامام الخوئي في لندن. والادارة الاميركية وفقا لقسائم التأمين على الحياة مطالبة بتعويضات خاصة لعوائل الخوئي والياسري وابو عمار، ومن ثم حميد التميمي والشيخ صلاح بلال وأنا. كنت اتوقع من مؤسسة الامام الخوئي ان تبادر بدفع جزء من التعويضات لعائلتي الياسري وابو عمار في الاقل، ثم تدفع للتميمي ولبلال ولي، خاصة اننا، التميمي وانا، فقدنا ما وزع علينا في البحرين لاحقا، خمسة آلاف دولار اميركي، لكن هذا للاسف لم يحدث.

كان بيننا من له طموحات سياسية يريد تحقيقها في العراق بعد رحيل صدام، وابرزهم حازم الشعلان الذي كان واضحا في رؤيته، دقيقا في خططه، على عكس ما فعله الآخرون بإطلاق الهتافات والشعارات الكاذبة الذين لم يحققوا اي شيء. وقد طلب الشعلان من الخوئي في لندن، وبصورة مباشرة، ان يؤسس حركة سياسية ندخل باسمها الى العراق لكن الخوئي اجابه بانه صاحب مشروع انساني لا سياسي، وهو رجل دين، والسياسة تتعارض مع الدين «إما ان اكون رجل دين او رجل سياسة، وانا اخترت الاول».
من الظريف ان اذكر هنا اننا كنا نجلس، الخوئي وحسن بحر العلوم، اكثر الاصدقاء وفاء والتصاقا للخوئي، وانا، في مكتبه في المؤسسة قبل رحلتنا ذات مساء، وسألته عن عدد الذين تطوعوا للعمل في المشروع الاغاثي، قال «هناك الكثير من المتطوعين ولكن هل سيأتون كلهم عندما تحين ساعة الحقيقة؟» قلت: «ماذا تعني؟» اجاب: «سوف نسمع العديد من الاعتذارات»، ثم سحب ورقة وراح يدون عليها بخط يده وقال «ماذا تتوقعون صيغة الاعتذارات التي سنسمعها من الذين تطوعوا لاغراض الاستعراض الشخصي وهم يعتقدون ان المشروع لن يتحقق وبالتالي سيقولون نحن تطوعنا والمشروع لم يتحقق» قال حسن بحر العلوم بينما الخوئي يكتب: «اول عذر ان احدهم سيقول ان زوجتي ستطلب الطلاق اذا ذهبت الان للعراق»، وبدأنا باقتراح الاعتذارات التي سنسمعها فخرجنا بقائمة فاجئني بها الخوئي ونحن في النجف عندما اخرجها من حقيبته وقال «هل تتذكر هذه القائمة؟» قرأناها ثانية ونحن غير مستغربين ان تتطابق توقعاتنا مع الاعتذارات التي سمعناها فيما بعد من الاخرين، ومنها: «زوجتي هددت بطلب الطلاق اذا ذهبت الآن الى العراق»، «ابني مرض فجأة ولا استطيع تركه»، «سادخل المستشفى الاسبوع المقبل لاجراء عملية جراحية»، «سأكون معكم في الوجبة الثانية»، «عندي سفرة الى بعض الدول الاوربية...» وهكذا، حتى ان احدهم لم يتوان عن اخباري بعد عودتنا من العراق، فقال لي: «كنت اعرف ما سيجري لكم، لهذا لم آت معكم».

نعود الى موضوع الشخصية العربية التي دعمتنا في تلك الرحلة، الان وقد عدنا الى لندن، وقد انتهى المشروع، اجد نفسي، وحسب اتفاقنا، الخوئي وانا، في حل من كتمان السر، وان لي الحق في الكشف عن اسم المسؤول العربي ودولته التي مررنا من خلالها الى العراق.

البعض كان يعتقد باننا مررنا من خلال الكويت، وآخرون توقعوا الاردن، وهناك من اعتقد ان سوريا هي من سهل لنا المرور، او تركيا عبر كردستان العراق، وليس هناك بالطبع من وضع ايران على القائمة بسبب موقفها المعادي للخوئي اولا وللمشروع ثانيا.. هنا سأجيب عن كل هذه الاسئلة.

في مطار «غاتويك»، وبعد ان تم تفتيش حقائبنا في ركن من اركان المطار، وليس في اقسام مغادرة المسافرين العاديين، وقبل ان نرتقي سلم الطائرة، سبقنا الخوئي ووقف في منتصف السلم وقال «هل تريدون ان تعرفوا الى اين نحن ذاهبون؟ حسنا، الى البحرين». كان لذلك السر وقعُ المفاجأة على الاخرين، الذين كانوا على يقين باننا سنذهب الى الكويت باعتبارها الاقرب الى الاراضي العراقية، وان القوات الاميركية اتجهت من اراضيها نحو العراق.

ثم انه ليس هناك ما كان يمنع دخولنا الى بلدنا من خلال الكويت المؤيدة للحرب والمعادية لنظام صدام. بل كنا نتوقع كل الدعم والمساعدة من الكويتيين لمشروعنا الانساني من جهة، ولاننا ضد نظام صدام من جهة ثانية.

أما انا الذي كنت على اطلاع، ومن الخوئي مباشرة، على تفاصيل الرحلة، وكنت اعرف ان تأجيل تنفيذ مشروعنا، ووصوله الى حافة الإلغاء، كان بسبب عدم موافقة السلطات الكويتية على مرورنا من خلال اراضيهم الى العراق، فقد كنت اتصور ان الخوئي، وخلال سفرته الاخيرة والسريعة للكويت، اقنع الكويتيين بمشروعنا وانهم سمحوا لنا بالمرور عبر اراضيهم، لكنه اخبرني فيما بعد بانه كان قد اتجه الى دولة عربية اخرى لطلب المساعدة بتوفير محطة لنا نصل من خلالها الى العراق وتوقعت ان هذه الدولة هي الاردن.

وعندما اسقط بيد الخوئي وادرك ان مشروعه على حافة الانهيار بسبب عدم وجود منفذ لنا الى العراق، استعان بالشخصية العربية التي كانت قد ساعدته منذ البداية لانقاذ المشروع، وكانت هذه الشخصية الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، الذي فتح لنا اراضيه لتكون لنا الجسر الذي ينقلنا الى بلدنا.

نعم كنت اعرف اننا سنمضي الى العراق من خلال ارض عربية هي غير الكويت، لكنني لم اكن اتصور ان هذه الارض هي البحرين، لبعدها عن العراق اولا، ولان لا طريق برياً يربط بينها وبين اية مدينة عراقية، لكن ملك البحرين كان قد رتب مع الخوئي كل شيء من اجل انجاح مشروعنا الانساني.

على متن الطائرة الخاصة استقبلنا مايك، وهو شاب اميركي، وموظف في القوات الاميركية، والمكلف بالوقوف على طلباتنا، وساكتشف فيما بعد كم هو دمث الاخلاق وصبور في تحمل طلبات البعض منا. وسيشكل مايك الصامت على الدوام الوجود الاميركي الوحيد بيننا، كما تعرفنا على زملائنا القادمين من الولايات المتحدة. اتخذنا مقاعدنا، وقبيل الساعة الواحدة ظهرا بدأت الطائرة بالاقلاع. وبينما كنت اراقب لندن وهي تتحول الى خطوط ومربعات من خلال النافذة، استسلمت للنوم، حيث لم اكن قد نمت خلال اليومين الاخيرين سوى اربع ساعات.

كان لكل منا طموحه في هذه الرحلة، واذا كانت للبعض منا طموحات سياسية وجد الان الفرصة المناسبة لتحقيقها، فقد كنت شخصيا اريد معايشة حدث التخلص من نظام صدام حسين من الداخل، ذلك النظام الذي لم نكن لنتخيل الطريقة التي سينزاح بها من فوق صدور العراقيين، وكانه قدرنا الأزلي.

حتى الحشود العسكرية الاميركية والبريطانية العملاقة كان هناك شكوك لدى غالبية من العراقيين بامكانياتها لازاحة ذلك النظام الذي بالغ في قسوته ففاق الخيال.

قرب مقصورة قيادة الطائرة كانت هناك مقصورة اخرى احتلها ثلاثة من الاميركان بملابس مدنية، اذ لم يكن احد يرتدي الملابس العسكرية، هؤلاء منتدبون من الادارة الاميركية، وزعوا علينا وثائق التأمين على الحياة وكل وثيقة بمبلغ مائة الف دولار وكان علينا قراءتها وكتابة اسماء الاشخاص الذين نوصي باستفادتهم منها وعناوينهم في حالة تعرضنا للقتل او للاصابة بجروح، مع وثيقة اخرى هي بمثابة عقد عمل مع السيد عبد المجيد الخوئي لثلاثة أشهر، وقد وقعنا الوثائق التي كان من المفترض ان يزودونا بنسخ منها في البحرين لكننا لم نتسلم تلك النسخ وهكذا ضاعت حقوق عوائل الخوئي وماهر الياسري وجلال الزيادي (ابو عمار).

عندما فتحت عيني كان المساء يخيم في الخارج، ووجدت ان الخوئي استلقى على المقعد المجاور لي، اخرجت دفتر ملاحظاتي الصغير من جيبي ودونت ما يلي «هل الوطن مجرد قصيدة في اشعار الجواهري او السياب او البياتي او مظفر النواب؟ ام هو صورة سياحية متخيلة او محفوظة في ذاكرتنا نستعيدها كلما اشتقنا اليه؟ ام هو اغنية تنساب بصوت ناظم الغزالي او كاظم الساهر او في مقامات فريدة؟ ام هو لوحة من اعمال فائق حسن او منحوتة اعتنى بها جواد سليم؟ ام انه رواية من روايات غائب طعمة فرمان او فؤاد التكرلي؟».

لا ادري لماذ افكر الان بمعنى الوطن وانا انتظر مع الاخرين موعد وصولنا اليه بعد كل هذه السنوات. الم تتحول بريطانيا التي استقبلتنا ومنحتنا الأمان الى وطن؟ الم يقل الامام علي قبل اكثر من خمسة عشر قرنا ان خير البلاد من آواك وآمنك، وان الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن؟ لم يكن يعني باي حال من الاحوال الغنى المادي بل غنى الروح والافكار.

مرت في ذهني صور فلمية عن أولئك الملايين الذين نزحوا من العراق منذ بدء فصول الذبح المجاني والدم التي دشنها الضباط الاحرار عندما اخترقوا حرمة العائلة المالكة وذبحوها صباح يوم صيفي قائض عند مدخل مسكنها في قصر الرحاب في حي الحارثية الراقي بجانب الكرخ من بغداد، فصار كل ضابط، يحلم بان يكون رئيسا، يصعد على ظهر دبابته ويتجه نحو قصر الحكم ليغير النظام بقوة السلاح من غير وضع اي اعتبار للشعب الذي يتحدثون باسمه، ويبيدونه في ساحات الاعدام والانقلابات والحروب تحت حجة رعاية المصالح الوطنية والقومية، ثم ماذا بقي لنا من وطننا العراق؟ واي وطن هذا تجردنا حكومته من الانتماء اليه وتسحب اوراقنا الثبوتية في اية لحظة تريد، وطن تتهمك شرطته السرية بالخيانة والارتداد والتجسس عندما تشتم حواسُّهم الظلامية ميولك للتحرر من ابسط القيود، وطن حولته الانظمة الشمولية والعسكرتارية الى سجن كبير، ومن ثم نكتشف انه صار سراً مقبرة جماعية هائلة؟

مرت صور العراقيين المهاجرين عبر المضايق الجغرافية من خلال البسفور في تركيا، او الغابات السوداء التي تربط الاراضي التشيكية بالمانيا، وزوارق الموت المجاني وهي تتحطم بين امواج البحار والمحيطات مخلفة مئات من الغرقى الاطفال والنساء والرجال وهم يحلمون بالعبور الى استراليا. قصص الهجرات الجماعية التي نعجز اليوم عن تدوينها والتي فتحت امام تجار الموت مهنة جديدة لجني الارباح على حساب مصادرة ارواح العراقيين الهاربين من جحيم وطنهم، بينما تغلق الدول العربية بوابات حدودها امام مواطنينا، فلا المشاعر القومية الزائفة التي تهرأت في الشعارات والخطابات السياسية المجانية، ولا مبادئ الدين الاسلامي التي يتقنع بها بعض المسؤولين، انقذت حشود التائهين بين خرائط المعمورة، حيث قادت خطى بعضهم الى الاراضي المتجمدة في اقاصي فنلندا، فماذا تعني العروبة اذن؟ ومتى تترجم مبادئ الدين؟ ولماذا يلومنا العرب اليوم عندما يعبر العراقيون عن افكارهم مطالبين العرب والمسلمين بعدم التدخل بالشأن العراقي؟ ولماذا لم يتدخلوا لانقاذهم من حمامات الدم طوال ما يقرب من اربعة عقود من القتل الجماعي والاضطهاد والذل المنظم، والذي كان المسؤولون العرب يصفونه بالشأن العراقي الداخلي، وها هو اليوم شأن عربي اسلامي؟.

اتساءل اليوم ونحن نعود الى وطن شوهته ممارسات بولغ في قسوتها وشعب ضغطته ماكنة الظلم الجماعي فغيرت من تقاليده ومسخت الكثير من علاماته الفارقة.. نعود بعد عقود من النفي من غير ان نعرف باية لغة سنتفاهم مع عراقيي الداخل الذين شوه صدام صياغتهم خلال خمسة وثلاثين عاما من الحروب والقسوة والحرمان.

هل سنجد اهلنا مثلما هم، مثلما تركناهم، ام ان الظلم والاضطهاد غيَّرا من انسانيتهم وجعلاهم يتشبهون بالظالم؟ كان غالبية الاصدقاء المقربين قد حاولوا جهدهم إثنائي عن المشاركة في هذه الرحلة من غير ان يقنعوني بالاسباب سوى القول «ليس هذا الوقت المناسب» مع اني وجدته الوقت المناسب جدا لاكون هناك في العراق.

افكر اليوم واتساءل: ترى ما الذي دفع بذلك الشاب العراقي الذي ظهر على شاشات الفضائيات لحظة دخول القوات الاميركية الى بغداد لان يهتف قائلا «انا اليوم اصبحت اميركيا» ولم يقل اني استعدت اليوم عراقيتي، ان لم يقل عروبتي؟.

على مدى سنوات طويلة ونحن في اوروبا، او في بعض الدول العربية، نتحدث للاصدقاء ونكتب عن قسوة نظام صدام حسين، فلا يكاد يصدقنا احد، هناك من كان يقول لنا «انتم تبالغون لانكم ضد الرجل (صدام)»، نتحدث عن سجون سرية تحت الارض فيقولون: هذا غير معقول.. نخبرهم عن إعدامات بالمجان ومقابر جماعية تضم نساء واطفالا وشبانا، فيسخرون من «خيالنا». وها هي الحقائق التي تتكشف اليوم والتي تفوق ما كنا نقوله حتى قبل شهر من كشف هذه الحقائق بعد هزيمة النظام السابق، واستغرب من وقاحة بعض الاعلاميين العرب الذين ما زالوا يوغلون في ايلام واهانة العراقيين عن طريق التمسك بنظام صدام بحجة وقوفهم ضد الاحتلال الاميركي والبريطاني.

ذات مرة اخبرني صدام كامل، ابن عم صدام حسين وصهره، خلال وجوده في عمان التي هرب اليها مع شقيقه حسين كامل عام 1996، بانهم اذا ما عادو الى العراق فسوف يثرمهم صدام بماكنة ثرم اللحم. كان حسين كامل وقتذاك يفكر جديا بالعودة الى العراق. اعتبرت كلام صدام كامل مبالغة، لكنه اكد لي ان هناك ماكنة لثرم البشر وهي تشبه في فكرتها ماكنة خلط الاسمنت.. عندما كتبت من عمان، وعن لسان صدام كامل عن تلك الماكنة، لصحيفة «الشرق الاوسط» التي كنت اعمل مراسلا لها من الاردن، لم يصدقني الدكتور (س. ذ) المحرر الذي كان مسؤولا عن عمل مكتب عمان، وقال لي هاتفيا «يا استاذ حرام عليك، افهم انت معارض لصدام وضد الرجل، لكن ان تكون عنده ماكنة لثرم البشر فهذا كثير، اتريد ان يضحك علينا القراء؟» ورفض نشر الموضوع. بعد ايام من سقوط نظام صدام تم الكشف عن ماكنة لثرم البشر في دائرة الاستخبارات العسكرية في الكاظمية بجانب الكرخ من بغداد.

قبل ان نهبط بأقل من عشرين دقيقة شدد علينا الخوئي بعدم إخبار الاهل او أي شخص عبر الهاتف باننا في البحرين، وقال اخبروهم اننا في الخليج وحسب اذا تطلب الامر ذلك، ويفضل ان لا تتحدثوا عن الامكنة التي سنكون فيها حتى ندخل العراق.

بدأت الطائرة تهبط تدريجيا من ارتفاع خمسة وثلاثين الف قدم الى مستويات قريبة من الارض، فجأة تكشفت ومن خلال نوافذها انوارا بدت وسط ظلمة الصحراء مثل ثريا كبيرة وزاهية، تلك هي البحرين اذن، وها هو الجزء الاول من الرحلة قد اوشك على البداية.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima