اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
البينة تلتقي مع الأديب والشاعر د. برهان شاوي
04/03/2008
في مبتدآت الحوارمع د.برهان شاوي يجب اولاً اعلان تسقيط مباشر لكل الادوات التقليدية في الخطاب الثقافي فعنده يبدو التجريد رمزاً

تنبسط معه كل الاشياء لتغدو استباقا للفكرة العارية بالمعنى الفقهي للعواري. ومن هنا فمن غير الممكن سلوك المسارات المطروقة سابقا في حوار غير مطروق يتحدث في اكناه الاشياء على غير ما تبدو عليها,فكان الحوار مع الشاعر د.برهان شاوي. برهان شاوي يرى أن في ذات الشاعر ما هو أكبر من الشاعر و الشاعر وحده مؤهل لان يفلت من كل الفضاءات التي يولد الإنسان بها و لتلتصق به طوال العمر . قال الكثير من الأفكار التي ولدت لديه شعراً, مراثي الطوطم, رمـــاد المجـوسي ضـوء أسـود, تـراب الشمس رماد القمر وشموع للسيدة السومرية, خطــــوات الــروح كلها كانت دواوين شعرية أنبأت بولادة شاعر قفز الى الكوني في الثقافة من منطلق جغرافي مدقع في الارتباط مع الجذر الأساس لتأتي معها التجربة السياسية التي سارت به بين المعتقلات و المهاجر و سياط الجلاد و فشلت في كسر الشاعر الذي يسكن برهان شاوي

* كيف تصفون الذات بعد هذه المسيرة الطويلة التي اختلط فيها الشاعر بالادب والسينما والسياسة؟

ـ الذي اجد نفسي فيه هو وصف الانسان فالشاعر و السياسي او المثقف كلها اوجه لواقع لا يتغير مع تغير هذه التوصيفات زمانيا ومكانيا لكنني مع ذلك اجد في نفسي انحيازا للشاعر في رؤيتي للاشياء , أي ان الشاعر هو المتغالب في داخل الذات وهو الذي اعتز به من الانسان الذي يسكنني.

* اذن الشاعر هنا هو الاساس او مبتدأ الاشياء؟

ـ عشت هذه الثنائية قبل عشرين عاما وكنت قد حسمت الجدل الداخلي الذي اعتراني فوجدت ان النظرة للعالم يمكن ان تختزل في مسارين , هناك نظرة (نثرية) للعالم واخرى (شعرية) والشعر هنا لا يعني ان يكتب ويقرأ فقط بل ان هناك اناسا بسطاء واميين يعيشون الشعر في حياتهم , الشعر بمعنى السلوك والنظرة للحياة.

* اذن انت تتحدث عن مفهوم شعري بلا حدود؟

ـ نعم , هناك اجناس ادبية لا توصف بانها شعر ولكنها تنبض به فمن يقرأ لديستوفسكي وتوليستوي وبلزاك او فلوبير او عبد الرحمن منيف , كل هؤلاء وغيرهم يكتبون الرواية بحس مليء بالشعر لكن هناك من يكتب شعرا ويكون ابعد توصيفا من ان يكون شعرا , مثلا هل يمكن ان نصف الفية ابن مالك بانها شعر,أو أطنان قصائد المديح و الهجاء يمكن أن تكون ( شعراً ), انا استبعد ذلك. من جانب آخر هناك علوم تقنية وانسانية اجرائية مليئة بالشعر ,علم الكسمولوجيا او علوم الفلك والفضاء هذه كلها تنبض بالشعر وحتى على المستوى الذاتي فكل الصفات السيئة انا اشير الى انها (نثر) وليست (شعر) بينما الحب والصداقة والوفاء هذه كلها تتحرك في حيز شعري.

* هل استوقفت برهان شاوي اسئلة باهظة الثمن او انه دفع ثمنا لاثارته اياها؟

ـ أسئلتي مع النفس هي التي قادت حياتي , لانني اعتبرت ان السؤال هو المتن والجواب هو الهامش , اسئلة عن الله , عن الكون وعن الموت وما بعد الموت كل هذا قادني الى حقول معرفية وفلسفية ما كنت لاجد فيها جوابا لولا الاسئلة الابتدائية , هناك اسئلة بلا اجوبة لكن ليس هناك اجوبة لاسئلة غير موجودة , الجواب تابع والدليل هو السؤال. ولكني على المستوى الشخصي عدت خائبا وذكرت ذلك في احد نصوصي فوجدت ان السؤال عن ( المعنى) يقود الى (اللامعنى) و اللامعى هو معنى المعنى هذه هي متاهة الفلسفة فالاجابة عند خالق الوجود وليس عند البشر لكن هناك عموما اعمار للأسئلة فهناك اسئلة طفولية واخرى مراهقة وهناك اسئلة هرمة.

* تقصد ان هناك اسئلة صغيرة واخرى كبيرة؟

ـ لا , لا أقصد ذلك لكن يمكن القول بأن الأسئلة الإجتماعية هي أسئلة وقتية و محدودة إنها أسئلة محكومة بعلاقة الفرد بالجماعة لكن هناك أسئلة وجودية كبرى أسئلة تخص الذات الفردية و الكون الرحيب أسئلة عن معنى الحياة و أسئلة عن بدايات الموت و بدايات الحياة و الزمان الذي سبق الزمان الفيزياوي و الزمان الذي سبق الزمان الفيزياوي و المكان الذي سبق خلق الكون أسئلة عن الوجود و الحرية أسئلة و أسئلة و أعتقد أن مثل هذه الأسئلة هي أسئلة كبرى و هي قد تبدو غير مهمة و تبدو كأنها ترف فكري لكنها أسئلة حقيقية الإشتغال عليها يمنح الإنسان و الروح و العقل معنى لوجوده.

* هل اقتربت من تجربة الموت؟

ـ الموت الجسدي اقتربت منه مرات وهو ليس الحالة الاهم اننا مثلا عندما نكون في النوم فلنتساءل اين تذهب الذات فانا لم اكن في هذه اللحظات أنا نفسي , السؤال هو هل ان الانسان هو ذاته أي أنه هو ذلك الفكر العامل ام انه ينتهي بانتهاء فترات عمله لذا اعتقد ان حياتنا المادية مليئة بالماورائيات وهذا ما تحدثت عنه في كتابي ( الله والعلم).

* الرازي قال ان القديم في الكون اثنان الله والهيولى فما قولك أنت في هذا السؤال الكبير. ـ أنا أشك في دقة هذه الجملة لانها حددت شيئين ( القديم ) و هو زمان و ( الكون ) و هو مكان و كما أعرف فإن الفلاسفة المسلمين قالوا بالتوحيد و التنزيه و التجريد لا سيما و إن ابن رشد الذي لخص المبدأ الأول للوجود في كتابه تهافت التهافت بأنه هو القوة التي تهيمن على الوجود هيمنة القوانين التي تحفظ له النظام و تفيد التركيب و العلاقات الجديلية لتشمله بالإحاطة التي هي العلم فالمبدأ الأول هو عقل الوجود و علمه و نظامه و محركه ( المنزه ) عن المادة و عن مشابهة أي شيء وصل الى تصور عقل الإنسان بل إن ابن رشد يؤكد بأن للموجودات وجودين , وجودا محسوسا و وجودا معقولا كما أن للصور وجودين وجودا معقولا إذا تجردت عن الهيولى و وجودا محسوسا إذا كن في الهيولى و بالمناسبة فإن الوجودية المؤمنة حاولت الإقتراب من أسئلة الوجود و العدم .

* نرى منجزك الشعري قد انغمس في الكون بمعناه الشمولي؟

ـ هذا صحيح , فمثلاً اسبينوزا يقول ان الوجود نفحة من نفحات الله وهيغل يسميه الروح المطلق لكن الفيزياء تتحدث عن موسيقى كونية تلك التي يسميها القرآن تسبيح , هذه الموسيقى نحن قاصرون عن سماعها.وفي هذه المساحة بين ماهو مقدر وما هو محتوم انشغل فلاسفة التاريخ وبخاصة في الفلسفة الاسلامية على المستوى الشعري وجدت أسئلتي عن الوجود أو لأقل ( محنتي ) في البحث عن أجوبة حول الوجود و العدم عبر انعكاس نبضها في نصوصي الشعرية لكن ليس كنصوص فلسفية و إنما كبوح شعري.

* انتقالة الى الذات والنشاة بعد هذه الرحلة مع الفكر الذي يتبناه برهان شاوي, حدثنا عن النشأة الاولى؟

ـ معلوم اني ولدت في حي يقال له عكد الاكراد وهو اقدم احياء مدينة الكوت تعلقت هناك ذكرياتي بالفلكلور الشعبي الفرح والصاخب بعدد كبير من الاحتفالات "دورة السنة" وأطباق " الزردة" المنزلية ومواسم زيارات الأضرحة كانت الاحتفالات مشتركة وعامة , موكب الكورد الفيليين في ايام عاشوراء كان يتميز بالبذخ على تفاصيله الصغيرة . لكن "عكد الاكراد" كان يسمى فترة نشوئي بموسكو الصغيرة حيث كان يسوده ميل فطري لليسار العراقي. والكورد الفيليين كشريحة اجتماعية كانوا يشكلون عمودا فقريا لليسار العراقي, انتفاضتهم ضد البعثيين بعد عام 1963 كانت اهم اسباب حقد النظام المباد الاستثنائي الذي واجهوه فيما بعد.

* وكيف كان المبتدأ مع الادب والفن وسط هذه الولادة الشعبية ؟

ـ ابتداء كان والدي ذا تأثير مباشر عبر قراءاته و رواياته لكثير من القصص و الأساطير و الطقوس الحسينية كان حكواتياً متميزاً إضافة الى الجو العام في البيت , أخي الأكبر المرحوم ( فرج ) كان شاعراً محباً للشعر قراءة و نظماً, أذكر أن في الكوت كانت هناك مكتبة صغيرة عامة ضمت أولى قراءاتي و أذكر أحد أساتذتي ( عبد الوهاب اليماني)كان ذا قدرة متميزة على حثنا على القراءة و ريادة مكتبة المدرسة الصغيرة وهو على العموم كان ذا توجه يساري على الرغم من أن مدينة الكوت كانت تطفو على بركة من التسامح لم تؤثر يساريتهم في نظرتهم المتسامحة بشكل عام مع الجميع . و في وقت مبكر بدأت أطلع على منتج الفكر الإسلامي بعد قراءاتي للأدب العربي المتاح آنذاك , المنفلوطي و الرافعي و المازني و إيليا ابو ماضي ثم توالت قراءاتي في الأدب العالمي و الروسي خصوصاً , قرأت من الفكر الإسلامي مقدماته فقرأت حينها المراجعات و شجرة طوبى ثم جذبتني كتابات السيد باقر الصدر و صار عندي فضول للقراءة عن الماركسية على الرغم من أن النصوص الأولى لم تكن متاحة لي حين انتقلت الى بغداد كانت قراءاتي أغزر حينذاك.

* هل شكلت بغداد هنا إنعطافة فكرية في رحلتك؟.

ـ نعم ، تزامن مقدمي الى بغداد مع بواكير التنظيم الطلابي الذي انتميت له أي الاتحاد العام لطلبة العراق ,و الذي كان واجهة من واجهات الحزب الشيوعي و على الرغم من ذلك فكان ميلي السياسي آنذاك غير مهضوم عائلياً وسط التنشئة الأسرية الدينية , وهذا التوجه السياسي جلب معه من نسميهم ( زوار الفجر ) آنذاك و جلب للعائلة الكثير من المشاكل و المضايقات الى أن اعتقلت في العام 1978و عذبت بعدها اضطررت لمغادرة العراق في العام 1979 مشياً على الأقدام الى أوروبا .

* هل جعلك ذلك تشعر بأن إنتماءك العراقي يتعرض لهدم متعمد من قبل السلطة الدكتاتورية.؟.

ـ لا ، أبداً لطالما جاهرت بانتمائي لمدينتي , الكوت التي شكلت ضلعاً مهماً في حياتي و راسخا من رواسخ نشأتي , على الرغم من أنني مع رؤيتي كوردستان للمرة الأولى و رأيت حينها جبال هورمان و قصبة سيد صادق أحسست بنداء جبلي ما في كياني و أحسست بانتماء للجبل الذي في داخلي .

* و قضية نزع الجنسية العراقية .؟

ـ هذه مهزلة نحن البلد الوحيد في العالم الذي تصدر فيه الحكومة وثيقة شخصية ثم تصدر وثيقة تشهد بأن الوثيقة الأولى صحيحة و هذا الحال مع الجنسية و شهادة الجنسية , فعلى ماذا تشهد شهادة الجنسية إن كانت ثمة جنسية , حاول النظام بشتى الطرق لصق اتهاماته بأغلبية الشعب العراقي كانه أراد عراقاً من غير عراقيين و إنما أتباع فقط يمنحهم الجنسية كما يشاء و إلا هل يمكن اسقاط الجنسية عن الجواهري الكبير مثلاً؟.

* عودة الى الشعر , هل كان لديك هوى شعري أم أنك تشعر أن ثمة شاعرا يتحرك في داخلك .؟

ـ الحياة التي كانت فاعلة في بغداد حين انتقلت اليها كانت مليئة بالشعر و الاستقرار النسبي في الحياة السياسية أيام العرس الجبهوي كان الشعراء يمارسون الترميز في المنجز الشعري و لم يكن هناك ما نسميه قصيدة سياسية كل القصائد كانت تضم السياسة بشكل ما كانت الرمزية الأدبية سائرة و شائعة باجادة عالية .لكن ارى أن الرمزية السياسية في الشعر العراقي مازالت لم تدرس بشكل جيد و أن منتهى الشاعر أن يخرج من فضاءجغرافيته , أنا شعري مثلاً عكفت فيه على استنطاق الأثر السومري فخرجت بأربع مجاميع شعرية كلها تحمل الخارطة السومرية في بنائها و صورها انا سليل هذه المنطقة ورجعت في التسعينيات للدراسات حول السومريات وقرأت كل ما كتب بالروسية والالمانية والعربية عنها و كنت دائماً أقول ان فضاء القصيدة عندي فضاء سومري, اعرف ماذا كان يأكل السومريون وكيف كانت بيوتهم انذاك الضيقة وبالتالي اعرف اساطيرهم واشعر وكأني اعيش فترة سومرية حقيقية.
حاوره/ قيس قاسم العجرش
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima