اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ظهيرة ساخنة جدا - ح 3
01/03/2008
معد فياض
عراق..يا عراق

كان العراق قريبا مني، بعيدا عني، كانت لا تفصلني عن بغداد، مدينتي التي ولدت وترعرعت فيها سوى ساعات عشر بواسطة السيارة من عمان. شاشة الفضائية العراقية (الرسمية في عهد صدام) تنقل احاديث صدام حسين لقواده حاثا اياهم تعليم الجنود كيف يغسلون اياديهم بعد استخدام التواليت، مستمعا لاحاديث مكرورة عن بطولاتهم في قادسية صدام (الحرب العراقية الايرانية)، كان القائد منتشيا، وهو يمنح متحدثيه كل الرضا بمفردته المشهورة (عفية)، بينما شاشات العالم كله كانت مشغولة بنقل تفاصيل نقل آلاف الاطنان من المعدات العسكرية من اميركا وبريطانيا واستراليا، وآلاف المقاتلين الذين كانوا يتوافدون الى الكويت لخوض حرب اخيرة ضد صدام، حرب تحرير العراق، والبعض من الصحافيين العرب كانوا يظهرون على شاشات الفضائيات العربية منتشين، كصدام، بالنتائج والدروس التي سيلقنها «بطل التحرير القومي» للاميركان، ومتهمين أيانا بالعمالة لاننا كنا في انتظار ساعة الصفر التي ستنقذ العراق من صدام. لم يبق صحفي، كبيرا كان او متواضعا في موهبته، إلا وتحول في تلك الايام الى محلل سياسي وعسكري في الشأن العراقي، وكانت بعض المحطات التلفزيونية تستبعد، عن عمد، الصحفيين العراقيين الذين في الخارج كي لا يتحدثوا عن الاحداث بواقعها الواضح مما يزعج المواطن العربي الذي غسلت دماغه ابواق فارغة.

في نهاية شهر شباط من العام 2003 ، حيث كانت انباء الحشود العسكرية الاميركية والبريطانية في منطقة الخليج تؤكد ان الرئيس بوش اتخذ قراره ببدء العمليات العسكرية لتحرير العراق وإزاحة صدام حسين، كان غالبية من الصحافيين والمحللين السياسيين لا يقرأون الاحداث بصورة واضحة فيتصورون ان كل هذه الارتال العسكرية هي مجرد تهديد ليس إلا! بينما كنا نحن نسمع هدير محركات الدبابات والمدرعات التي كانت تتحرك عن قرب.

كنت ابحث عن طريقة أدخل فيها الى العراق لاهداف كثيرة، قد تكون التغطية الصحفية ضمنها لكنها ليست كل شيء بالنسبة لي، فدخول العراق بعد عقد من السنوات، ومعايشة حدث رحيل او ازاحة صدام حسين من الداخل، الى جانب اني لم اكن لاتحمل مراقبة الاحداث من خلال شاشات التلفزيون ، كل هذه الامور كانت تدفعني لاكون هناك، في الداخل، وليس في أي مكان آخر. كان العراق قريبا مني وبعيدا عني، ففي الحسابات الجغرافية والعاطفية كان اقرب ما يكون، وفي الحسابات المنطقية والسياسية كان بعيدا.. بعيدا جدا. كيف لي ان اصله وانا المطلوب هناك لاكثر من جهاز امني؟ لم ارتكب اية تهمة سوى انتمائي للعراق الذي كتبت فاضحا جروحه التي كان يعتملها النظام في جسده.

كنت وقتذاك في عمان امضي اجازتي مع عائلتي حين اتصل بي هاتفيا عبد المجيد الخوئي، الامين العام لمؤسسة الامام الخوئي، ليفاجئني بانه في عمان ويريد مقابلتي.

بعد ظهيرة ذلك اليوم، نهاية شباط، كنا نقف معا، الخوئي وأنا، عند النافذة العريضة للجناح (605) في فندق (الفور سيزن) في الدوار الخامس بعمان الغربية، نتأمل تساقط الثلج مثل نتف من القطن، ومعه يتحول كل شيء الى بياض ماحيا كل التفاصيل اللونية للطبيعة، كان في الغرفة المجاورة فوزي الموسوي الذي كان مقربا من الخوئي. فاجأني الخوئي بسؤاله لي فيما اذا كنت ارغب بالسفر معه الى العراق.

كنت، في الايام التي سبقت اتصاله المفاجئ بي، دائم الاتصال معه، باعتباره الصديق الاكثر قربا لي، فكنت افاجأ بهاتفه النقال المغلق في غالب الاحيان، فاترك له رسائل صوتية كان يرد عليها فيما بعد، مرة من واشنطن، واخرى من ديترويت، ومرة من طهران او قم، او من الكويت او البحرين. ولم اكن لأسأله كعادتي عن سبب تنقلاته وجولاته المكوكية الكثيرة، سوى اننا كنا نتحدث عن آخر اخبار الوضع العراقي وتطورات الموقف.

كان سبب وجود الخوئي المفاجئ في عمان هو حضوره ندوة نظمها الأمير حسن بن طلال الذي تربطه به علاقة وثيقة، بل ان الامير حسن، والملك الحسين من قبله، كان يناديه بـ(ابن عمي)، وكان غالبا ما يلتقي بالخوئي في بيته في لندن، اضافة الى اللقاءات الرسمية التي كانت تتم في المؤسسة.

اخذت سؤاله، كالعادة، موضع الجد واجبت: نعم، قبل ان اساله: كيف؟ قال: «منذ اشهر وانا اشتغل على هذا الموضوع، رحلاتي خلال الفترة الماضية هنا وهناك كلها بسبب هذه الرحلة. ثم روى لي كيف امضى ثلاثة ايام متتالية متنقلا من طائرة لاخرى لإنجاح ما خطط له، ألا وهو جمع عدد من شيوخ العشائر والوجهاء العراقيين المقيمين في الخارج، والمنحدرين من مدن ومحافظات وسط وجنوب العراق، ليدخلوا معه الى العراق من اجل اغاثة ومساعدة الناس هناك. وبالفعل كان هناك اكثر من مائتي عراقي يريدون الذهاب معه لكنه قسمهم على شكل مجموعات حيث تكونت المجموعة الاولى من خمسة وعشرين شخصا.

لم يشرح الخوئي طريقة الدخول الى العراق، فقد كانت الخطط تتغير دائما، بل ان هذه الرحلة كانت قد تأجلت مرات عدة، وكادت ان تلغى بسبب ان الرياح كانت تأتي بما لم تشتهِ السفن في احيان كثيرة.

تعودت خلال علاقتي مع الخوئي ان لا أساله عن التفاصيل، فهو لا يطرح أي مشروع قبل دراسته وانضاجه، وكنت متأكدا من انه يعني ما يقول، كما ان الحياة علمته الا يكشف الكثير من تفاصيل عمله.

عصر اليوم التالي، وبعد ان تناولنا وجبة الغداء في جناحه بالفندق، اعاد علي السؤال فيما اذا كنت ارغب بمرافقته الى العراق؟ قلت له: «لقد اجبتك بالامس، نعم سأكون معك». قال: «عليك ان تفكر جيدا، اسأل عائلتك، فكر بالامر لانها ليست سفرة اعتيادية، فربما تكلفنا حياتنا». قلت: «انا معك مهما حدث». كان يعرف جيدا انني ساقول له نعم، انا معك، بل انه كان يريدني ان اكون معه.

ونحن نحتسي الشاي، ومعنا الموسوي، طلب مني الخوئي الاسراع في العودة الى لندن استعدادا للرحلة الى العراق، واتفقنا على ان اكون هناك بعد يومين، وغادر هو في اليوم التالي بالرغم من تلال الثلوج التي قطعت حركة المواصلات في عمان الغربية، بينما اجلت الثلوج موعد سفري لاكثر من اربعة ايام الى لندن في الثاني من آذار.

عدت الى لندن واتصلت بالخوئي الذي ابلغني ان موعد الرحلة قريب جدا، وطلب مني وضع مخطط مفصل لما يمكن ان نقوم به في هذه الرحلة، وكيف سنتوجه إعلاميا للعراقيين لدعوتهم إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات الاجتماعية وعدم الاقتتال وتكرار اخطاء تجربة انتفاضة آذار 1991.

وبالفعل التقينا في المؤسسة صباح اليوم التالي وناقشنا معا المخططات والخطابات الاعلامية التي وضعتها والتي كانت ستطبع او تذاع في الاذاعات المحلية وكلها تدعو على التسامح والتعاون والمحبة.

بعد ثلاثة ايام، أي في السابع من آذار بُلغت من قبل الخوئي بان اكون جاهزا للسفر خلال ثمان واربعين ساعة. هل لي ان اشرح درجة انفعالي لهذا الخبر؟ وبالفعل هيأت حقيبتي التي كان يفترض ان تكون صغيرة، كما هيأت الكومبيوتر النقال (لاب توب) وآلة تصير ديجتال صغيرة، وكان الاتفاق ان تجري الامور بصورة سرية للغاية حتى نصل الى العراق. لكن تبليغا لاحقا في نهار اليوم التالي افسد سعادتي، إذ كان علينا ان نجتمع مساء ذلك اليوم في تمام الخامسة مساء في مؤسسة الخوئي، وهذا يعني ان هناك أمرا قد تغير بصدد موعد السفر.

اجتمعنا في المؤسسة، وكانت هذه هي المرة الاولى التي التقي بها مع بقية المجموعة التي ستنطلق من لندن. كنا ثلاثة عشر شخصا، وعرفت ان هناك اثني عشر آخرين سوف يلتحقون بنا من الولايات المتحدة عندما يحين موعد السفر. ابلغنا الخوئي بأن موعد السفر قد تأجل، وانه لا يعرف الموعد الجديد، وطلب منا وضع الخطط والتصورات التي يمكن ان تنفعنا في الداخل.

كنت اقرأ في لهجته كلاما آخر غيْرَ الذي قاله في الاجتماع، فبالرغم من انه بدا متماسكا ويوحي للجميع بأن المشروع ما يزال قيد التحقيق إلا انني شعرت بانه قد ألغي وانه ليست هناك اية رحلة الى العراق.

انتهى الاجتماع، دخلت مع الخوئي الى مكتبه واغلقنا خلفنا الباب، فسالته: «هل الغي المشروع»؟ فاجاب: «لقد تم الغاء الرحلة، وليس المشروع الذي امضيت من اجله اكثر من اربعة اشهر لم ارتح خلالها ولم التقِ بعائلتي بسبب كثرة رحلاتي هنا وهناك، لقد انفقت حتى الان ما يقرب من ثلثمائة وخمسين الف دولار من حسابي الخاص ولن اسمح لأحد بتدمير هذا المشروع».

كان من المفترض ان تصل فجر اليوم التالي طائرة خاصة من واشنطن، وعلى متنها الاثني عشر عراقيا الذين كانوا ضمن المجموعة، كي تنقلنا الى قاعدة عسكرية في الكويت، ومن هناك ندخل برا الى مدينة البصرة. كنت قد عرفت هذه التفاصيل من الخوئي مباشرة بعد الاجتماع، لكن احد اطراف المعارضة العراقية، الدكتور أ.ج ، قام بتحريض السلطات الكويتية للوقوف ضد هذا المشروع الذي ـ حسب زعمه ـ «سيجلب للكويتيين مشاكل هم في غنى عنها».

صمت الخوئي وكان محتدا في داخله، وقال: «اولاد الحلال لا يعملون ولا يقدمون شيئا للعراقيين، ولا يدعون غيرهم يعمل» وكان يعني الجهة العراقية المعارضة التي حاولت افشال المشروع، ثم اضاف قائلا: «هل يعتقدون ان لي اهدافا سياسية منافسة لهم من وراء هذا المشروع؟ والله لا هدف لي سوى مساعدة اهلنا في الداخل.. مشروعي الاساسي هو نجاح هذه المؤسسة، ولهم ان يوفقوا سياسيا في الداخل، ولكن يبدو ان عملنا سوف يفضح تقاعسهم عن القيام بأية خدمة للعراقيين».

ابلغ الخوئي المجموعة التي كانت تنتظر في واشنطن بتأجيل موعد الرحلة، حيث كان يتوجب عليهم التوجه تلك الليلة الى المطار للمجيء الى لندن، وكان هذا الخبر قد اصابهم بخيبة امل، لكن الخوئي طمأنهم بان المشروع سيتحقق قريبا وعليهم البقاء في واشنطن في انتظار الموعد الجديد.
كنت على يقين من ان الرحلة ستتحقق وذلك لإصرار الخوئي على تنفيذها بالرغم من انها قد الغيت تماما وتم حفظ اوراقها في الارشيف، ولانه كان يتحدث بثقة عالية، بل بعناد كبير، من يعرفه عن قرب يعرف مدى عناده واصراره على تنفيذ ما يفكر به، ولكن هذا العناد ليس مفيدا دائما .

كنا، الخوئي وانا، ما نزال في مكتبه ولم يدخل علينا اي شخص، اتصل من هاتفه الجوال بشخص ما وراح يناديه بمفردة «شيخي» و«سموكم»، كان منفعلا للغاية، تصورت انه كان يتحدث مع احد اعضاء العائلة الحاكمة في الكويت لكنني غيرت رأيي عندما قال «شيخي، تصوروا انهم اذا لم يسمحوا لنا بالدخول الى بلدنا من خلال اراضيهم فسوف يتوقف كل شيء». كان المتحدث في الطرف الآخر يطمئنه ويقترح عليه الحلول، وكنت اشعر بالدم يجري في عروق الخوئي بصورة طبيعية، وهو يهدأ تدريجيا، ثم يبتسم اخيرا، وقبل ان يغلق هاتفه الجوال قال: «شكرا شيخي سأكون عندكم غدا ان شاء الله» اجرى بعدها مكالمة تحدث فيها باللغة الانجليزية، عرفت بسهولة انها مع الجانب الاميركي، شرح لهم ملابسات اللحظات الاخيرة، ورفض ان تقوم الادارة الاميركية بالضغط على الكويتيين لاستمرار العمل وفق الخطة، وقال لهم «هناك باب آخر سأخبركم بالتفاصيل لاحقا».
عندما اغلق هاتفه نظر الي مبتسما وقال «اذا اغلق في وجهنا باب فإن الله تعالى سيفتح ألف باب». عرفت بعدها انه كان يتحدث مع ملك البحرين الذي طلب منه مقابلته للانطلاق من الاراضي البحرينية الى العراق.

قرر الخوئي السفر فجر اليوم التالي على متن ذات الطائرة القادمة من واشنطن، التي كانت ستقلنا الى الكويت، وقال:«سأذهب لأصحح ما افسده غيري، هذه الرحلة يجب ان تتم، واذا رفض الكويتيون دخولنا الى وطننا عبر اراضيهم فهناك ان شاء الله الف باب ندخل من خلاله» وغادر الخوئي فجر اليوم التالي.

عدت الى شقتي في اطراف لندن وانا اشعر في تلك الليلة بنوع من خيبة الامل، تأملت حقيبتي التي هيأتها للسفر وانا اقول لنفسي: «لو كانت الامور قد سارت حسب ما خطط لها لكنا الان في طريقنا الى العراق. والعراقيون يفهمون هذه المشاعر جيدا، ذلك انني تركت العراق قبل ثلاثة عشر عاما، وهذه اول فرصة تتهيأ لي للعودة الى بلدي وخدمة ابناء شعبي من غير شعارات او خطابات او قعقعة اعلامية فارغة، لكن كل شيء بات الان مؤجلا».

رن هاتفي الجوال وكان المتصل الشريف علي بن الحسين، الذي اكن له الاحترام، سألني معاتبا «هل ستغادر الى العراق من غير ان تقول وداعا؟» استغربت السؤال، فانا لم أخبر الشريف علي بالرغم من العلاقة الطيبة التي تربطني به بموضوع السفر ولا بمشروع الخوئي، فكيف عرف؟ اجبته: «عن اية سفرة تتحدث سعادة الشريف؟» قال: «سفرتكم مع السيد عبد المجيد الخوئي، يفترض ان تكون الآن في المطار»، اجبت: «انا في البيت وليست هناك اية سفرة للعراق»، قال: «يبدو ان الجماعة سافروا وتركوك» ثم توادعنا وانتهت المكالمة. كانت معلومات الشريف علي صحيحة تماما حول الموعد الاول للسفرة، ولكن بدا ان الذي اخبره بالموعد، حسين الفايز، لم يخبره بتأجيلها.

قبل الحديث حول من كان يقف وراء هذه الرحلة، ساتحدث عمن وقف ضدها اولا. كانت هناك جهة عراقية شيعية معارضة هي التي حاولت افشال مساعي الخوئي في هذا المشروع خشية تنامي نفوذه السلمي بين شيعة العراق في الخارج والداخل، فالمعروف عن الخوئي انه لم تكن لديه أي طموحات سياسية في العراق سوى المشاريع الخيرية.

كما ان ايران وقفت وبقوة ضد نجاح هذه الرحلة الى العراق، وهذا ما اوضحته الاخبار التي بثها الاعلام الايراني وقتذاك من خلال قناة «المنار» الفضائية التلفزيونية، فعندما كان الخوئي في لندن ذكرت وسائل الاعلام الايرانية أن القوات الحكومية العراقية هاجمت (قوات) الخوئي في البصرة وقتلت ثلثمائة منهم وحاصرت الاخرين، وان الخوئي ما يزال حيا مع بقية المحاصرين حيث لم تستطع القوات البريطانية مساعدته. وكانت هذه الوسائل تؤكد في الانباء التي تبثها ان الخوئي في العراق مبعوثٌ عن الخارجية البريطانية. عندما سمعت ذلك الخبر سألته مازحا عبر الهاتف: «هل نحن ضمن المحاصرين أم مع المقتولين؟» فضحك وقال: «اطمئن أنت في لندن، وهذا يعني أنك ضمن المحاصرين معي».

كانت هناك شخصيات عراقية معارضة، في اوروبا وايران، لم تكن هي الاخرى تتمنى نجاح رحلتنا الى العراق لاسباب تتعلق بفشل ادائهم المعارض ضد نظام صدام حسين، ولم يكونوا راغبين برؤية آخرين يقدمون شيئا ولو بسيطا للعراقيين في الداخل، وكان يغيضهم ايضا ان يصل قبلهم الى العراق أي شخص آخر، كانت مهمة هؤلاء هي التشويش علينا هنا وهناك.

بالرغم من ان الخوئي كان قد طلب منا العمل بتكتم إلا اننا كنا نفاجأ بآخر أخبار الرحلة، التي كنا نتداولها في اجتماعاتنا، تتردد في مساء ذات اليوم او اليوم الثاني على ألسنة الآخرين في المقاهي، ووصل الامر حد ان اصدقاء لنا، مقيمين في سوريا او الاردن او اوروبا، كانوا يتصلون بنا وهم يستفسرون عن صحة هذه الانباء، وعن موعد سفرنا الى العراق، بل كنا نقرأ تفاصيل خيالية عن الرحلة التي لم تكن قد تمت وقتذاك على صفحات بعض المواقع العراقية (الانترنت).

اما من كان قد دعم هذا المشروع، وحسبما كان يردد الخوئي، فان هناك شخصية عربية مسؤولة هي التي دعمت هذا المشروع الإغاثي الانساني، من حيث تقديم التسهيلات فيما يتعلق بالاتصالات والحركة من غير ان تقدم الدعم المادي الذي كان الخوئي قد تعهد به. ثم ان هناك نقطتين حصل حولهما الكثير من اللغط والتشويش، ولا بد من ايضاحهما، الاولى هي حقيقة الدعم الاميركي او البريطاني في إنجاح رحلتنا، والثانية تتعلق بالدعم المادي الذي قدم من قبل الادارة الاميركية لهذا المشروع.

لقد تحدث البعض واصفا الخوئي، ونحن الذين معه جميعا، بـ«العملاء» لدى الادارة الاميركية او البريطانية، وعلى حد الوصف الايراني فإن الخوئي ذهب «مبعوثاً للنجف عن الخارجية البريطانية!». فقد سربت وسائل الاعلام الايرانية خبرا مفاده أن آية الله السيد السيستاني، المرجع الشيعي الاعلى، رفض استقبال السيد عبد المجيد الخوئي، «المبعوث عن وزارة الخارجية البريطانية»، هذا قبل ان نغادر لندن. كما ان جهات رسمية ايرانية تعمدت وقتذاك اعادة طبع صورة الخوئي وهو برفقة توني بلير، رئيس الحكومة البريطانية، لدى زيارة الاخير لمؤسسة الامام الخوئي الخيرية في لندن، وكانت تلك اول زيارة يقوم بها رئيس حكومة بريطانية لمركز اسلامي ويتحدث من خلال منبرها عن الإسلام والسلم، وهو ما أثار حسد الكثير من المراكز الاسلامية، الشيعية والسنية، في بريطانيا. كانت الجهة الايرانية التي اعادت طبع صورة الخوئي وهو يتمشى، مبتسما، مع بلير مودعا اياه عند باب المؤسسة، قد ارفقتها بتعليق كتب باللغة الفارسية يقول: «الخوئي عميل بريطانيا»، وكان واضحا ان تلك الجهة الايرانية كانت تنتقم من آية الله، المرجع الديني الأشهر السيد «أبو القاسم الخوئي»، الذي لم يكن يؤيد سياسة الجمهورية الاسلامية الايرانية وخاصة طروحات السيد الخميني حول ولاية الفقيه، فجاءت الحملة ضد السيد عبد المجيد بمثابة الانتقام من الاب والابن، في آن واحد، لا سيما ان عبد المجيد الخوئي لم يكن على وفاق مع السياسة الايرانية بل وقف ضدها وضد تدخلها في الشأن العراقي.

كان الدور الاميركي يتلخص بتسهيل عملية دخولنا الى العراق، وبوساطة من الشخصية العربية التي دعمت مشروعنا، وكان ذلك امرا طبيعيا، فكيف لنا ان ندخل الى العراق والحرب تدور رحاها، والحدود مغلقة من كل الجهات؟ حتى وسائل الإعلام الغربية ومنظمات الاغاثة والعون الدولية كان عليها ان تحصل على موافقة قوات التحالف (الاميركية والبريطانية) مسبقا لتكون في الداخل.

وأسأل اليوم أولئك الذين انتقدوا دعم الادارة الاميركية، ومساعدتها لنا بالدخول الى العراق، عمّن دعمهم هم وسهّل لهم عملية دخولهم بعدنا الى الاراضي العراقية ؟ وعمّن وفر لهم الحماية للتحرك هناك؟ وعمن قلدهم مناصب قيادية في العراق؟ ألم يعتمدوا كليا على القوات الاميركية للوصول الى الاراضي العراقية؟ أولَم تكن الادارة الاميركية هي التي أقعدتهم فوق كراسي من ذهب وفضة؟

أعترف ان القوات الاميركية ساعدتنا كثيرا من اجل الوصول الى العراق بسلام، فقد كانوا يعرفون حجم الجهود التي كان سيبذلها الخوئي ومجموعته من اجل استقرار الاوضاع في المدن الشيعية، وكان ذلك لصالحهم وصالح العراقيين في الداخل في آن واحد. كما ان الادارة لاميركية كانت على يقين من ان هذه المجموعة لا تشكل حزبا معارضا وليست لها اهداف سياسية في الداخل، وبذلك لن تثير لهم إشكالات امنية هم في غنى عنها.

أما موضوع الدعم المادي، فطالما أكد الخوئي، لي شخصيا، وأمام الآخرين من أعضاء المجموعة، أنه هو من تحمل تكاليف هذه الرحلة ومن حسابه الشخصي، وأفاجأ اليوم بمن يسألني إن كان الخوئي قد تسلم ثلاثة او عشرة، وحتى ثلاثة عشر مليون دولار، من الاميركان، لدى دخولنا العراق؟ واجد أنّ من الامانة ان اكتب الحقيقة التي اعرفها، فقد كنت من الملازمين للخوئي في تلك الرحلة، كنا ننام تحت خيمة او سقف غرفة واحدة، وكان يتحدث لي عن كل شيء، وقد اكد لي أكثر من مرة انه تحمل تكاليف هذه الرحلة من حسابه الخاص، ولم نر أية ملايين من الدولارات. فأين كان يخبئها ونحن ننام في الصحراء مرة، وفي معسكرات هي عبارة عن خيام عادية مرة اخرى؟ ومبلغ عشرة، او ثلاثة ملايين دولار، نقداً، كان بحاجة الى من يحمله له او يخزنه او يخبئه! وحقيبة ملابس الخوئي كانت بين حقائبنا مفتوحة باستمرار، وكان كل من يطلب منه علبة سكائر او أي شيء اخر يقول له: «افتح حقيبتي وخذ ما تريد»، ولم نسمع بموضوع الملايين من الدولارات إلا في لندن، وهو جزء من حملة منظمة أطلقتها بعض الاصوات المريضة لتشويه المشروع او سمعة الخوئي. أما ما تسرب من انباء فيما بعد قالت إن الادارة الاميركية كانت قد رصدت ثلاثة عشر مليون دولار لهذا المشروع فذلك محض افتراء، والدليل ان بعض الاشخاص من مجموعتنا وجدوا فرصتهم للمزايدة وإظهار نواياهم الحقيقية للاستفادة من الرحلة وتنصيب انفسهم بموقع الخوئي، بعد مقتله، حيث طلبوا من الاميركان في النجف البقاء والاستمرار في العمل بأهداف جديدة، وطمعا في اموال كانوا يعتقدون بوجودها، فما كان من الاميركان إلا الاعتذار قائلين: «إن هذا هو مشروع الخوئي وهو من تكلف به، وبالصرف عليه، وليس عندنا الامكانيات المادية لاستمراره، فمن يريد البقاء لخدمة بلده وشعبه فذلك شأنه، لكننا لا نتحمل اية تكاليف، ربما سنساعده ببعض الامكانيات المادية البسيطة عندما نتأكد من نجاح عمله» فرفض هؤلاء البقاء تحت حجة ان استمرارهم في العمل يحتاج الى اموال طائلة. ثم اني اتصلت هاتفيا من لندن بـ(ديفيد)، الذي كان يرافقنا من الادارة الاميركية في الرحلة، بعد اشاعة اخبار الملايين من الدولارات، وكان ديفيد الذي لقبناه بـ«ابو علي» وقتذاك في مطار بغداد، وسألته عن الانباء التي تتحدث عن الثلاثة عشر مليون دولار التي كانت مرصودة لرحلتنا الى العراق، ضحك وقال: «لا اعتقد ان وقتنا يسمح الآن بالمزاح» قلت له: «انا لا امزح واحتاج لمعلوماتك عن هذا الموضوع كي أنشرها في جريدة «الشرق الاوسط»..» فأكد انه لم يسلم الخوئي اية اموال، «ولو كانت هناك اية اموال من الادارة الاميركية مخصصة لهذا المشروع لكنت انا اول من يعرف بها وبتفاصيلها، ولكانت قد وصلت عن طريقي، فنحن اوقفنا المشروع لعدم وجود ميزانية له من الخزينة الاميركية، وتعرف انت اننا لم نستطع تعويضك عن الخمسة الاف دولار التي سرقت منك خلال حادث مقتل الخوئي».. واختتم حديثه بسخرية مرة قائلا «ارجوك اذا عثرت على اي مليون دولار من الاموال الاميركية اخبرني».

نعود الى الخوئي الذي كان قد عاد من رحلته، بعد ثلاثة ايام، مستبشرا بنجاح مساعيه، اتصل بي فور عودته واخبرني ان كل شيء على ما يرام واننا في انتظار موعد قريب آخر للدخول الى العراق. كنا، نحن مجموعة بريطانيا، او لندن، نجتمع مساء كل يوم مع الخوئي في المؤسسة للتباحث في الافكار والمقترحات والسلبيات والمشاكل التي يمكن ان تواجهنا في الداخل. وكانت المجموعة قد قسمت حسب المدن التي ينحدر منها كل شخص، وكان كل افراد المجموعة من الشيعة باستثنائي، فقد كنت السني الوحيد بينهم، وغالبا ما كان الخوئي يذكرهم بذلك، ويقول لهم ان المستشار الاعلامي لهذا المشروع هو سني، وعلمت ان أكثر من واحد قد عاتب الخوئي على اختياره لسني بينهم، فما كان من الخوئي إلا ان يقول علنا «ان مشروعنا ينصب حول دعوة العراقيين الى التسامح وإلغاء التفكير الطائفي وانتم تلوموني لانني اخترت سنيا بيننا، فكيف سنتعامل في الداخل مع السنة او المسيحيين او الصابئة؟».

كان هناك من يتحدث بلغة منطقية عن الصعوبات التي يمكن ان تواجهنا وكيفية معالجتها، وكان في المقابل من يبالغ في الحديث المشحون بالعواطف وانه سيذهب ليقود كذا عشيرة من غير ان يترك اي هامش للخطأ او للخوف، مطالبا بمستلزمات لانجاح مشروعه، مئات آلاف الدولارات ليوزعها على الناس، سيارات حديثة، فريق حماية ورواتب، هواتف ثريا، وكان الخوئي لا يعد بشيء، بل على العكس كان يقول «علينا ان نتصرف بامكانيات بسيطة». الاغرب من ذلك كان هناك من يحول لهجته الى الهتاف بانه مع الخوئي حتى الموت وانه يفديه بحياته، وكم كانت هذه اللهجة تحرج الخوئي وتدفعه الى الطلب منهم ان لا يكرروها وانه مجرد شخص مثلهم والكل في ذات المستوى.

ذات مساء طلب الشيخ حازم الشعلان من الخوئي ان يشكل حركة او حزبا سياسيا ليكون لنا دور سياسي في العراق بعد تحريره من نظام صدام، والبعض طالب بمنصب حكومي كان يراه انه من حقه، لكن الخوئي رفض ذلك بشدة وقال «انا ذاهب في مشروع اغاثي ولا علاقة لي بالسياسة ومن يريد ان يعمل في السياسة فله ذلك ولكن ليس معي، مشروعي في العراق محدد، سأبقى هناك ليس اكثر من تسعين يوما واعود الى عملي في المؤسسة». لكننا فوجئنا بعد ثلاثة ايام من اجتماعاتنا بانهم كتبوا وثيقة مبايعة وعهد للخوئي وبانهم سيبقون معه حتى الموت وسيضحون بحياتهم من أجله، وحملت الوثيقة تواقيعهم. كنت اجلس الى جانب الخوئي عندما وصلته الوثيقة، قرأها بامعان ثم طواها ووضعها في جيبه، بعد الاجتماع دخلنا، هو وانا، الى مكتبه وقال «تعرف هذه الوثيقة ذكرتني بما كان العراقيون يقدموه لصدام من بيعات مكتوبة بالدم، انا لست صدام ولا اريد ان اشتغل بهذه الطريقة، كل ما احتاجه هو ان يخلصوا في خدمتهم لأهلهم» سألته:«هل تعتقد انهم سيخلصون لك او لمهمتهم؟» تأمل قبل ان يجيب «لا استطيع ان اجزم في ذلك الان». لكن الاحداث كشفت عن الحقيقة فيما بعد، إذ لم يتبق مع الخوئي في اللحظات الصعبة عندما بدأ الهجوم الغوغائي علينا سوى اثنين، وتبخر الباقون بطريقة عجيبة.

بدأت العمليات العسكرية ضد العراق، وكنت اشعر كانني محبوس هنا في قمقم، كلما سألت الخوئي عن موعد رحلتنا يجيب «قريبا ان شاء الله»، ولا ادري ان كان هو يعرف بالموعد الجديد ام لا . وعرفت ان هناك مجموعة اخرى ضمن مشروعنا كانت قد تسللت الى العراق من مدن الجوار ومزودة بهواتف ترتبط بالاقمار الصناعية، وكان هؤلاء يرفدون الخوئي بآخر التطورات في داخل العراق، وخاصة في مدن الوسط والجنوب.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima