اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ظهيرة ساخنة جدا - ح1
19/02/2008
معد فياض
ماذا.. لو
يأتي على المؤرخين وقت ما يغريهم فيه التساؤل: «ماذا لو..؟» ماذا لو كانت كليوباترا ملتوية الأنف؟.. ماذا لو أن قيصر لم يعبر نهر الروبيكون؟ ماذا لو أن الإمام علي بن أبي طالب لم يقع في فخ التوسط بعد معركة صفين؟

وتاريخ تحرير العراق من صدام حسين، الذي هو غير مدون حتى الآن، وعندما يحدث ذلك فلا شك في أنه سيثير التساؤل ولمرات عديدة «ماذا لو..؟»: ماذا لو ان صدام قرر ترك العراق قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة؟ ماذا لو أن الفرنسيين لم يشقوا الأمم المتحدة، مشجعين بالتالي صدام على المضي في تحديه حتى النهاية؟..

وإحدى حالات «ماذا لو..» المثيرة للاهتمام تتعلق بعبد المجيد موسوي الخوئي الذي تبقى جريمة قتله في النجف قبل ساعات من سقوط نظام البعث مثيرة للجدل والنقاش الساخنين. فهناك العديد ممن يعتقدون انه لو لم يقتل، لأدى دورا حيويا في إحلال المصالحة الوطنية في عراق ما بعد صدام. ذلك ان مقامه ابنا وخلفا لآية الله العظمى الحاج سيد أبو القاسم موسوي الخوئي، مرجع التقليد وأعلم علماء الشيعة لأكثر من ثلاثين عاما، يقدم لعبد المجيد الشرعية في السعي الى إمامة الشيعة. فرغم انه لم يتجاوز سن الواحدة والأربعين وقت اغتياله، فقد تمتع بخبرة طويلة اكتسبها من إدارة «مؤسسة الخوئي» ومن اتصالاته السياسية والدبلوماسية في عدد من كبرى عواصم العالم. وعام 2003، وقت مقتله، كانت له قنوات مفتوحة الى السواد الأعظم من القوى الدولية التي يمكن ان تؤدي أدوارا مهمة ومفيدة في العراق. وكانت فيه خصلتان نادرتان: الأولى هي سحره الشخصي الذي لا يقاوم والذي سهل عليه الأمور حتى في أصعب المفاوضات على الإطلاق، والثانية شجاعته التي كثيرا ما تجاوزت حدود الجرأة والإقدام.

كانت هذه الخصلة الثانية هي التي قادته الى العودة الى العراق في نيسان 2003 قبيل سقوط نظام البعثيين، وهو يعلم انه يقوم بمغامرة كبرى. فعائلته وجدت الأمرين من سياسة صدام القاتلة تجاه زعماء الشيعة الدينيين. فقد كان الاغتيال مصير المئات من أئمتهم الذين تربط القربى العديد منهم بعبد المجيد، وكان السجن أو النفي مصير عدد آخر أكبر. أذن، عاد عبد المجيد الى العراق وهو يعلم ان وقوعه في يد النظام يعني الموت المحتم.

لكنه كان يعلم أيضا ضرورة دخوله العراق قبل سقوط نظامها. وكان قد أطلعني على نيته هذه قبل أسبوعين من سفره. وقد ساعدته على ترجمة مقال، إلى الانجليزية، رحب فيه بتحرير العراق (نشر في «الشرق الأوسط» و«ناشونال ريفيو» إضافة الى عدد آخر من الصحف). وفي اليوم السابق لاغتياله، اتصل بي هاتفيا ليخبرني بوصوله الى النجف، ووعد بالاتصال مجددا اليوم التالي بعد «ترتيب الأشياء» مع «الحوزة العلمية»، ولعله كان يقصد آية الله العظمى على محمد حسيني السيستاني على وجه التحديد.

المكالمة الهاتفية الموعودة لم تأت أبدا، إذ اغتيل عبد المجيد على أيدي الدهماء في النجف. فجاء مقتله ضربة موجعة لآمال الوحدة الشيعية كأساس للمصالحة الوطنية في عراق ما بعد البعث. وبدون أي مبالغة، يمكن القول إن الكثير من العنف كان يمكن تلافيه وإن الكثير من الدماء كان يمكن أن تحقن لو أن عبد المجيد ظل على قيد الحياة.

قصة الاغتيال هذه سردت في عدد لا يحصى من المقالات والتقارير على صفحات الجرائد. لكنها لم تسرد بشكل يأسر الألباب كما وردت في كتاب معد فياض. فالمؤلف، كراو للأحداث، يتمتع بما لا يتوفر للكثيرين غيره. ذلك انه اصطحب الخوئي طوال رحلته التي بدأت في لندن وانتهت في النجف. وعليه فإن ما يقدمه لنا هنا هو رواية شاهد عيان من الطراز الأول. أضف الى ذلك ما يتمتع به من قدرة صحافية عالية على الرؤية والمراقبة. وحتى في قمة المأساة، لا ينسى فياض التفاصيل الدقيقة الخاصة.. ألوان الأشياء.. تعبير خاص على وجه ما.. ويمضي ليروي لنا أحداث ذلك اليوم الشديد الحرارة – المشمس بعد أيام من المطر - بتلاحق سريع مثير فكأننا نقرأ رواية بوليسية. ورغم أننا نعلم ما حدث سلفا، تظل أعيننا مسلطة على صفحات الكتاب بحب استطلاع يتعاظم مع التالي منها.

من قتل عبد المجيد الخوئي؟
هذا السؤال طرح ونوقش في متاهة الإجراءات القضائية العراقية على مدى السنوات الثلاث الماضية. على أن رواية فياض توضح بجلاء ان مرتكبي الجريمة قريبون من مقتدى الصدر الإمام – السياسي الصغير الشأن الذي راح من وقتها يؤدي دورا متعاظما في لعبة السلطة الجديدة في العراق. والمؤكد هو أن الصدر، الذي تربطه صلات القربى الوثيقة بالخوئي، رفض أن يفتح بابه لعبد المجيد الجريح، وهو ما سمح لمهاجميه بإتمام فعلتهم الذميمة. وكتاب فياض هو صرخة من الأعماق من أجل العدالة، حتى يستطيع القضاء العراقي أن يبين لنا ما حدث في النجف في ذلك اليوم الشديد الحرارة.

وفي نقطة ما في هذا الكتاب المتلاحق الأحداث، ينقل لنا فياض عن ابن أخي الخوئي قوله: «هل يلزم لنا، نحن الشيعة، الاستمرار في قتل أئمتنا فقط من أجل الحزن عليهم»؟

وصحيح أن العديد من كبار قادة الشيعة قتلوا منذ اغتيال عبد المجيد. لكن الجريمة التي شهدها ذلك اليوم الشديد الحرارة في النجف تكتسب معنى خاصا على المستويين الإنساني والسياسي.

ويضيف الكاتب ملحقا في آخر الكتاب ضمّنه مجموعة من الحوارات مع عبد المجيد الخوئي ملقيا مزيدا من الضوء على الرجل وأفكاره. وفي أحد هذه الحوارات يقول الخوئي إن ثلاثة أشياء في حياتنا نحن البشر بيد الله وحده: الزواج، والرزق، والأجل.

وكون الخوئي عاش حياة قصيرة فقد يكون لأسباب خارج حدود فهمنا. ولكن، في الوقت الراهن، لدينا هذا الكتاب الثمين الذي يتيح لنا ان نعيش ظروف ذلك الموت المأساوي من جديد.
لندن – أيلول 2006



لماذا...؟
هذه ال"لماذا"هي واحدة من جملة أدوات الاستفهام والسؤال التي دفعتني لانجاز هذا الكتاب الذي استغرق من وقتي،مشدودا ومسترخيا،ثلاث سنوات.

منذ ان فجعت بجريمة مقتل أخي وصديقي الاعز السيد عبد المجيد الخوئي ظهيرة العاشر من نيسان 2003 في مدينة النجف،حيث كنت معه،والاسئلة تنهال علي،بعد ساعة واحدة أو اقل من الاعلان عن مقتله وحتى هذه اللحظة،كان علي أن اجيب عن ملايين الاسئلة سواء من اذاعات وحطات تلفزيون فضائية وصحافة مكتوبة..أسئلة تلد اسئلة عن: من قتل الخوئي؟لماذا؟كيف؟متى؟أين؟و و و ،حتى يصل محتوى هذه الاسئلة الى التفاصيل التي تحرجني امام نفسي لقسوتها وقسوة الاجابة عنها خاصة عندما تتعلق بتفاصيل تفاصيل القتل.

عندما عدت الى شقتي الصغيرة في اطراف لندن بعد رحلة مرعبة وشاقة الى مدينة النجف،وبعد خمسة ايام من مقتل الخوئي،كنت أرى كل ليلة السيد عبد المجيد الخوئي يجلس فوق مقعد وفير في صالون الشقة وهو مبتسما بينما الدماء الطازجة والتي ما تزال ساخنة ولماعة باحمرارها تلون لحيته التي صارت بيضاء تماما.

كنت أعيش تلك الاحداث الصعبة والقاسية كل ليلة،بتفاصيلها واصواتها وروائح اجساد الناس الموجودين ضمن المشاهد الدامية.لم يكن الامر،وما يزال، سهلا بالنسبة لي،انه الاصطراع الذي يفتعل في داخلي رغم عني او بارادتي.

احتجت لكي اتطبع مع الحدث استشارة واحد من افضل الاستشاريين النفسانيين الالمان،وكان قد شارك بمساعدة بقايا ضحايا النازية الذين يعانون من مناظر الموت والتعذيب منذ الحرب العالمية الثانية.

بعد ستة اشهر متتالية قال لي الدكتور الألماني والذي اصبح صديقا لي"كل ما استطع قوله هو اني لم اصادف شخصامثلك عاش مثل هذه الاحداث مباشرة وبقى متوازنا حتى اليوم،لقد انتصرت على اشياء فضيعة كثيرة ويجب ان تنتصر على ما تبقى".

وبعد ان تمعن في النظر الى عيني قال"هناك حقيقة واحدة وهي انك كنت جزءا من هذا النزال الدموي وعليك ان تؤمن بهذه النتيجة،وما فعلناه هو ان نتعاون سوية على ان تتطبع مع الحدث لا ان تنساه،فلو نسيته اليوم سيعود اليك غدا أكثر ضخامة وقد يؤدي الى نتائج مرعبة".

كان وما يزال الاخرون يسألوني في التفاصيل دون الانتباه الى مدى العذاب الذي يسببونه لي وانا احكي لهم عن هذه الحادثة الجلل.حاولت التخلص منها عندما ادليت باحاديث تلفزيونية واذاعية او عندما كتبت بعض فصولها لصحيفة"الشرق الاوسط".لكنني صرت اكتشف ان الحادثة ما تزال تنام وتنهض معي ملتصقة بي اكثر من ظلي.

ثم قررت كتابة هذا الكتاب الذي اذكر فيه الحقائق كاملة مثلما شاهدتها لعلني اتطبع مع الحدث تماما فلا يعود يؤثر بي،من جهة،وكي اتخلص من اسئلة الاخرين وذلك من خلال قرائتهم محتويات هذا الكتاب،من جهة ثانية.

وليتأكد القارئ بان كل ما وارد هنا هو عين الحقيقة التي عشتها بتفاصيلها اذ لا مصلحة لي ان أزيد او اقلل او اتهم او ابرئ من خلال الاحداث التي يتوفر عليها هذا الكتاب الذي حرصت على ان ازوده بملحق يؤكد كل ما جاء فيه ويقود القارئ الى يقين مفاده:من قتل الخوئي.

لا يسعني هنا الا ان اشكر عائلتي التي عانت طوال فترة وجودي في النجف،وشكر خاص للكاتب الصديق عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير صحيفة"الشرق الاوسط" والزميل الصحافي عثمان ميرغني نائب رئيس تحرير"الشرق الاوسط" والكاتب الايراني الزميل أمير طاهري لقرائته مسودة الكتاب وكتابة التقديم له،والزميل سامي يعقوب الذي تحمل اخطائي الاملائية والنحوية وصححها،والاخ حازم الشعلان وزير الدفاع الاسبق لتقديمه معلومات مهمة اغنت هذا الكتاب وللقاضي الشجاع رائد جوحي.

لندن- فبراير- شباط 2007


الى روح الشهيد السيد عبد المجيد الخوئي
إمام المحبة والتسامح
والى روح الشهيد الشاب السيد ماهر الياسري
الذي ضحى بحياته من اجلنا
والى روح السيد حيدر الرفيعي
ضحية الشجاعة
من اجلكم ومن اجل الحقيققة كما عرفتها
اقدم هذا الكتاب







موجز في تاريخ القسوة

طوال حياتي كنت أخشى مشهدين، رؤية أولئك المعدومين شنقا ومعلقين بالحبال تهزهم نبضات متشبثة، بلا طائل، بالحياة. ومشهد ذلك الذي يُقطع رأسه بالسيف تعزيرا.. فبينما يكون الشخص الذي سيقطع رأسه معصوب العينين، جاثما على ركبتيه، وهو يستمع لقرار إعدامه، يفاجئه الجلاد من الخلف ليهبط بسيفه على رقبته فتنفصل مثلما خيارة طازجة، فيما يتدحرج الرأس بعيدا عن الجسد تصدر عنه كلمات غير مفهومة..

هل لي أن اضيف المزيد من المشاهد التي تقشعر لها طاقة الخوف والارتعاش في روحي؟ حسنا، هناك المشاهد التي اعتدناها، فيما بعد، خلال احتفالات الإعدام الجماعية رميا بالرصاص على إيقاع الهتاف للسيد الرئيس القائد.

كنت صبيا عندما شاهدت لاول مرة في حياتي جثث بعض الاشخاص معلقة في ساحة (ام البروم) في مركز مدينة البصرة، حدث ذلك في بداية السبعينات عندما افتتح البعثيون مشاهد القتل العلنية بإعدام من تم اتهامهم بالتجسس. كانت جثتان لجارين لنا بين الجثث التي علقت في هذه الساحة التي كانت مقبرة في العهود السابقة، والتي ايضا خلدها الشاعر بدر شاكر السياب في قصيدة تحمل اسمها (ام البروم)، الاول كان اسمه جمال ولم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره وقتذاك، كانت جثته معلقة مثل قطعة قماش حمراء، وتحول لون وجهه الى الاصفر الباهت، وتدلى لسانه بشكل غريب، بينما امه كانت تنادي من بين الجموع آمرة أياه بالترجل لاحتضانه.

والثاني، صباح حاييم، كان من يهود العراق، وبيتهم كان ملاصقا لبيتنا، لم يكن معه سوى أمه العجوز الطيبة التي كانت تحوز محبة سكان الحارة كلها، وخاصة النساء، وبينما كانت جثة صباح، الشاب الهادئ الذي لم يتدخل في شؤون احد من الجيران، تتدلى، لملمت أمه حقيبة ملابسها ورحلت بصحبة أحد اقاربها الى مكان مجهول.

فيما بعد حضرتُ مرغما حفلات مأساوية للقتل، او الاعدامات الجماعية، كانت تنفذها فرق الإعدام في جبهات القتال بين الجيشين العراقي والايراني. بل ان هذه الحفلات الدموية كانت تمتد الى الاحياء الشعبية في المدن العراقية، وقريبا من بيوت المعدومين «ليكونوا عبرة لغيرهم من الخونة» حسب البيانات الصاخبة التي كانت تتلى على الملأ الهاتفِ بحياة الرئيس القاتل، عفوا، القائد. وبلا أدنى احساس إنساني كان البعثيون، او الذين يكلفون بتسليم جثة المعدوم الى عائلته، يطالبونها بثمن الرصاصات التي اخترقت جسد ابنهم مع التشديد بعدم إقامة مراسم العزاء.

في صيف عام 1985 صدرت تعليمات تقضي بطرد مدرسة ثانوية وزميلتيها من الحزب والوظيفة، وكان السبب ان الاولى ابدت مشاعر الحزن وارتدت ثياب الحداد السوداء، كما هو متبع في العراق، لإعدام ولديها(الخائنين) وزميلة لها وشت الى الحزب بالزميلتين الاخريين عندما سمعتهما تقولان لها «البقاء في حياتك».

خلال سنوات الحرب العراقية الايرانية كان يقام اكثر من مهرجان للقتل الجماعي، الاول هو ذلك المشهد الاعتيادي الذي تدور احداثه في ميادين القتال بين الجيشين العراقي والايراني والذي تستخدم فيه كل صنوف الاسلحة والمخترعات الحديثة للقتل والابادة، وعادة ما تكون نتائج هذه الجولات من الذبح المجاني المئات من جثث الجنود العراقيين والايرانيين، وعندما تبلغ هذه المشاهد ذروتها وترسل بالحشود البشرية الايرانية او العراقية في مواجهات مباشرة تكون احصائيات القتلى بالآلاف من البشر.

اما مشاهد الاحتفال المتفرعة عن المنظر العام فهي عديدة، ابرزها انتشار فرق الاعدام التي كانت خاضعة لسيطرة الاستخبارات العسكرية واجهزة التنظيم البعثية وامن الوحدات العسكرية. كان (الرفاق) البعثيون ينتشرون في ما وراء خطوط القتال وهم يضعون فوق اذرعهم شارات خضراء او حمراء للدلالة على انهم من مفارز فرق الإعدام التي تصطاد «المتخاذلين الفارين» من سوح الوغى والموت ليلاقوا موتهم على ايدي ابناء جلدتهم عن طريق إعدامهم فورا ومن غير محاكمة، او حتى سماع افاداتهم، وكان قائد فرق الاعدام لفترات طويلة هو عزة الدوري.

اذكر هنا حادثتين موثقتين حول فرق الاعدام، الاولى شهدتها بنفسي وخلال الايام الاخيرة من مشاهد الحرب الطويلة، وبالضبط في أواسط شهر تموز عام 1988، اي قبل توقف العمليات الحربية بشهر تقريبا، حيث انتهت الحرب في الثامن من آب عام 1988، كنت مراسلا حربيا في القاطع الاوسط من جبهة القتال، وكانت ثمة معارك ختامية تدور لاحتلال مدينة صالح آباد الايرانية المتاخمة للحدود العراقية في قاطع بدرة وجصان التابعتين لمحافظة واسط. تقدمنا انا والمصور عصام بواسطة سيارة «لاند كروز» عسكرية كنت اقودها بنفسي، كانت درجة الحرارة في الظل قد بلغت ما فوق الخمسين درجة مئوية، وأرتال القوات العراقية تتحرك تحت أشعة الشمس المحرقة من غير ان توفر للجنود عربات ماء وطعام.

وفي استرجاع تاريخي ادون هنا ان الملك البابلي نبوخذ نصر، وكان عاشقا للحروب، تقدم من هذه الدرب لمحاربة الجيش الفارسي، حدث هذا قبل خمسة آلاف سنة، مثلما تذكر المصادر التاريخية، كانت حملته قد بدأت في شهر تموز ايضا، وكانت الحرارة شديدة، حتى ان الراوي البابلي، وحسب موسوعة حضارة العراق الصادرة عن وزارة الثقافة والاعلام سنة 1985، ولا ادري ما مدى دقة هذا الراوي، قد وصف حرارة الشمس التي كانت السيوف من شدتها عندما تتلاقى خلال القتال تقدح نارا، في هذه المنطقة بالذات، في بدرة، حيث ينتصب تل أثري يعود تاريخه الى العصر البابلي دارت تلك المعركة، وها هو صدام حسين يتتبع خطى من يعتبره مثلَه الاعلى نبوخذ نصر ليكتب الصفحات الاخيرة من تلك الحرب التي اشتعلت بعبثية تافهة قبل ثماني سنوات من تاريخ وجودنا في تلك الرقعة، وقتذاك

كنا نحتفظ في سيارتنا بصندوق من الفلين الابيض فيه اكثر من نصف قالب من الثلج وقناني ماء وفاكهة، وفي مناسبات مثل هذه حيث تحتدم القوات بالمواجهات تضيع تفاصيل كثيرة ومنها مواقع بعض المقرات الادارية للوحدات العسكرية التي تكون قد تحركت فجأة وبناء على أوامر سريعة وطارئة مما يمنع بعض الجنود الذين تاهوا في حمأة هذا الخلل من الالتحاق بوحداتهم، وهكذا كنا نتوقف لنساعد هذا الجندي او ذاك للالتحاق بوحدته او ليشرب الماء البارد، بعد فترة قصيرة تجمع في سيارتنا اكثر من ثمانية جنود منتسبين لوحدات مختلفة وكانوا يخشون من الوقوع في ايدي مفارز الاعدام.

فجأة وصلنا الى مفرق لا نعرف الى اين يؤدي، والخطأ في مثل هذه المواقف قد يقودنا الى القوات الايرانية لنقع بين ايديهم كأسرى جاهزين، كانت هناك خيمة نصبت في هذا المفترق وخارجها جنديان يضع كل منهما شارة خضراء فوق ذراعه الايمن، سألت احدهما عمن يكونا فقال متباهيا بانهما من الرفاق اعضاء مفارز الاعدام، كان الجنود الذين معنا يرتجفون خوفا خشية ان نسلمهم لجنود المفرزة، اقسمت لهم باننا لن نسلمهم الا لوحداتهم مع اخذ تعهد بعدم معاقبتهم، حيث كان الضباط يكنون بعض الاحترام لنا لاننا كنا نظهرهم على شاشات التلفزيون او على صفحات جريدة (القادسية) العسكرية. فجأة لمحني الجندي الآخر واقترب لتحيتي فعرفته، كان جنديا احتياطيا وهو موظف في وكالة الانباء العراقية، سالته عما يفعله هو وزميله هنا.. قال: عندنا ثلاثة جنود متخاذلين وننتظر المزيد لإعدامهم، سألت باستغراب: إعدام من؟ الجنود ؟ بأمر مَن ؟ قال بأمر من الرفيق المسؤول الحزبي للفوج، فجأة فقدت السيطرة على نفسي ورحت اشتم (الرفيق) واوبخه كونه موظفا في وزارة الاعلام ويستخف بحياة هؤلاء المساكين، تركت السيارة ودخلت الى الخيمة لأجد فيها ثلاثة جنود وقد ربطت اياديهم الى الخلف وتدلت السنتهم من العطش، اعتقدوا اني الرفيق المسؤول الذي سيأمر بإعدامهم فراحوا يتوسلون بانهم اضاعوا الطريق الى وحداتهم وليسوا بمتخاذلين، رافقني المصور لفتح اياديهم ، قلنا لهم ان يطمئنوا لاننا سنساعدهم، لم يصدقوا كلامنا في البداية حتى اقتدناهم الى السيارة وحشرناهم فيها فراحوا يشربون الماء كما الدجاج العطشى. كل هذا حدث وسط تهديد (الرفيقين) باطلاق النار علينا اذا لم نترك لهم الجنود الثلاثة، قلت لهم إذا كنتم رجالاً فاطلقوا النار علينا، لم اقل ذلك بدافع بطولي مني بل كنت متأكدا انهم لن يقدموا على عمل كهذا ولن يتجرأوا بإطلاق النار على سيارة عسكرية (لاند كروز) تابعة للتوجيه السياسي. اخذنا الجنود الى المقرات (القدمات) الادارية الخلفية لمعالجة اوضاعهم، وبينما كنت اشرح لضابط برتبة رائد، كان معوقا، اصيب بجرح في ساقه في احدى المعارك، وعلى هذا الاساس فهو محظوظ في نظر زملائه كونه لا يخدم في الجبهات المتقدمة، ملابسات العثور على الجنود سألني ضابط آخر برتبة ملازم ثان، وعلى وجهه ترتسم كل علامات الحقد: لماذا لم تسلموهم لفرق الاعدام لتتخلصوا منهم، كان يتحدث وكأنه يقول لماذا لم تتخلصوا من هذه الحيوانات الضالة وليس عن بشر. تأكدت عند ذاك ان غالبية لا يستهان بها من شبابنا قضوا على ايدي (رفاقهم) وبرصاص عراقي من اجل اشباع غريزة القتل المجانية.

الحادثة الثانية رواها لي ضابط احتياط، وللاسف كان يكتب الشعر وعمل في صحيفة «القادسية» فيما بعد، كنا نجلس في اتحاد الادباء ونحن نناقش ضرورة توقيع رسالة موجهة للرئيس باسم الادباء العراقيين للإعفاء عن اديب عراقي كان جنديا (ح.م) واتهم بالهروب من الجيش ويواجه عقوبة الاعدام. بينما كان الاديب العراقي يوسف نمر ذياب وبتشجيع من (اديب) آخر يدعى عبد المنعم حمندي، كان بعضنا يلقبه «حمنديخ»، يمرر علينا رسالة اخرى يدعو فيها الرئيس وباسم الادباء العراقيين إعدام هذا الاديب المتخاذل «حتى لا يكون وصمة في تاريخ الادباء العراقيين»، وقد رفض غالبيتنا وضع توقيعه على هذه الرسالة بالرغم من التهديد المبطن والمعلن الذي وجهه لنا نمر ذياب.

تساءلت كيف يمكن لأديب المطالبة بإعدام انسان؟! مهما يكن هذا الانسان اديبا او غير متعلم، نعرفه او لا نعرفه؟ وهنا ابتسم صاحبنا الضابط واجابني متسائلا: تستغرب إعدام شخص وفي الجبهات يعدم كل يوم العشرات؟ وبعد ان ثمل قص علينا الحكاية الغريبة التالية، قال: كنت مسؤولا لمفرزة اعدام في القاطع الجنوبي، وبعد معارك ديزفول الشهيرة القى جنود المفرزة، وكانوا كلهم من الرفاق البعثيين، القبض على ما يقرب من ستة جنود (متخاذلين) حيث اصر النائب ضابط (رقيب) وهو المسؤول الحزبي والامني للمفرزة على اعدامهم فورا «كي يكونوا عبرة لغيرهم ولا تنكسر الجبهة فنخسر الحرب». كان الوقت ظهرا وكنت اشعر بالتعب فقررت اخذ قيلولتي وقلت لنائب الضابط: دعنا نؤجل اعدامهم الى ما بعد الظهر، فربما يتغير مزاجنا ونقرر الاعفاء عنهم.

يستمر الضابط الشاعر في حديثه قائلا: صحوت على بكاء وعويل امرأتين، لا ادري كيف وصلتا الينا، خرجت لأرى امراة عجوزا ومعها ابنتها الشابة تنتحبان لان ابنهما من بين الجنود الذين سيتم اعدامهم، قبَّلت المرأة العجوز يدي وقالت ان ولدها الوحيد بين الذين سيتم اعدامهم، وهذه شقيقته وطلبت مني العفو عنه وعن الاخرين، متوسلة لان اعتبرهم مثل اخوتي، وان ابنها قد عاد لوحدته توا من اجازته الشهرية فقد ضل الطريق الى وحدته التي انتقلت في ظل ظروف القتال ولم يتخاذل، طلبت احضار ابنها وكان فتى في التاسعة عشرة من عمره، نحيلا، متعبا ذا وجه شاحب يدل على اصابته بفقر الدم، سألته عن سبب نحوله فقال بانه تَعِب ولم ينم منذ يومين لبحثه عن وحدته التي تفرقت بسبب الهجوم الايراني ولا احد يدري اين صار الآمر او بقية الضباط والجنود، اشعرني هذا الجندي بالمرارة واليأس، سألته: ماذا تقول الان اذا قررت إعدامك؟ اجاب بلهجة يائسة: وما الفرق بين اعدامي او بقائي حيا، فنحن في الجبهة نموت مائة مرة يوميا.لا ادري من اين استجمعَ هذه الشجاعة ليواجهني بهذا الاسلوب، قلت له: تتحدث معي هكذا وحياتك بيدي، اجاب على الفور: حياتي بيد الله تعالى وليست بيدك، كنت قد فقدت السيطرة على اعصابي، وما زاد النار اشتعالا النائب الضابط الذي كان يقف الى جاني وهو يقول: وتريد العفو عن هؤلاء؟ انهم لا يستحقون الحياة وهم خونة للقادسية وللسيد الرئيس.. فما كان مني إلا ان آمر بإعدامه فورا وعلى مرأى من امه وشقيقته وبقية الجنود (المتخاذلين) لالقي لهم محاضرة في معنى الاخلاص للوطن وللرئيس القائد، فناديت بهم: هل هذا مفهوم؟ فلم يرد احد، كررت سؤالي وانا أحدق في عيونهم، كانوا يوجهون نظراتهم لي بقوة من غير ان يردوا، ولو قالوا نعم مفهوم لكنت عفوت عنهم لكنني امام اصرارهم على الصمت امرت بإعدامهم جميعا ودخلت الى غرفتي لأواصل نومي.

احتفالات القتل الجماعية هذه كانت تحدث في العلن، وعلى مرأى من حشد من الجنود والضباط، وكانت هذه المشاهد المروعة تدفع ببعض الجنود الى التخلص من (شرف الخدمة العسكرية) باسلوب النصف انتحار وليس الانتحار الكامل، وهو اسلوب اخترعه الجنود العراقيون تحت شعار الحاجة ام الاختراع. والنصف انتحار هذا يعني البحث عن إعاقة تعفي المعوق من الخدمة العسكرية في الجيش العراقي، فكان بعض الشباب والفتية يتعمدون فعل اعاقة بأجسادهم قبيل استدعائهم للخدمة العسكرية، كبتر بعض اصابع اليد اليمنى بواسطة منشار الخشب الكهربائي، كما كان بعض المعوقين اصلا، امثال من له عوق في ساقه منذ الولادة، او ضعيفي البصر، بل وحتى الذين لا يتمتعون بقدرات عقلية طبيعية، مثار حسد الاخرين، كون هؤلاء لا يخدمون في الجيش حسب قوانين التجنيد العراقية، ومع ذلك تم تسويق غالبية هؤلاء للخدمة العسكرية تحت باب (سالم وغير مسلح) اي انه لا يخدم في جبهات القتال بل يتم وضعهم في المقرات الادارية للوحدات العسكرية.

اما هؤلاء الجنود الذين كانو ينتحرون نصفيا، او الشروع بالانتحار، فكانوا يتعمدون الدوس على لغم بتار (اللغم الذي يبتر الساق فقط) اذ كانوا في جبهات القتال يميزون بين اللغم البتار او القاتل، فتبتر الساق التي ضغط بواسطتها على اللغم، او يرمي كف يده اليمنى برصاصة تشل عمل الكف ويسجل الحادث كإصابة خلال المعركة، وبذلك يعفى من الخدمة العسكرية، لكن القيادة العراقية، وبعد ان اكتشفت ان اعدادا غير قليلة من الجنود العراقيين كانوا يصابون بألغام بتارة او برصاصات في اليد اليمنى، وتحققت من ان هؤلاء الجنود انما يتعمدون فعل ذلك، للخلاص من قسوة الحرب، عمدت لإصدار قانون يعاقب بموجبه مفتعل هذه الحالات التي سميت بـ(ايذاء النفس)، فضلا عن الاخرين الذين كانوا يصابون بنوبات عقلية او عصبية نتيجة الظروف القاسية التي لم يتمكنوا من تحملها في جبهات القتال، ومع ذلك كانت اللجان الطبية العسكرية تصر على ابقائهم في الخدمة العسكرية.

واذكر ان صديقا لي (......) وكان خريج كلية الادارة والاقتصاد ومجنداً برتبة ضابط احتياط مشاة، راجع الشعبة النفسية في مستشفى الرشيد العسكري كونه يعاني من كآبة سوداوية بسبب ما كان يشاهده من مآسٍ في جبهات القتال، فرد عليه الطبيب المختص بأنه سوي للغاية، فمن الطبيعي ان يعاني المجند في جبهات القتال من هذه الحالات، لكنه من غير الطبيعي ان يكون الانسان سويا في مثل هذه الظروف وان لا يعاني من حالات الكآبة، ورفض التوصية بنقله من جبهات القتال الى مواقع خلفية، لكن هذا الضابط الشاب انتحر في منطقة السن الصخري في قاطع سومار وسجل انتحاره (شهادة) لعدم حرمان عائلته من الامتيازات المادية التي كانت تمنح لـ(الشهيد).

ذات يوم شتائي في آواخر شهر كانون الاول من عام 1996 حيث كان العالم كله سيحتفل بعد خمسة ايام بحلول العام الجديد وصلَتْ الى مقر الفيلق الاول الخاص، الذي كان يقوده الفريق الركن اسماعيل تايه النعيمي، برقية من احدى الوحدات القريبة من خطوط القتال تفيد بان مجموعة من جنود صنف المخابرات وسائقي العجلات (السيارات) سيقومون بغارة على موقع ايراني متقدم وان مثل هذه العملية تحتاج الى توثيق كون القائمين بالغارة هم جنود غير مقاتلين تطوعوا للقيام بالمهمة كي يبرهنوا انهم من الأشدّاء وانهم ليسوا جبناء يتحصنون وراء بدلاتهم وسياراتهم.

اوصلتني سيارة الواز العسكرية قريبا من المنطقة التي تعسكر فيها تلك الوحدة حيث لم يستطع السائق الاقتراب من الموقع بسبب ضوء القمر الذي قد ينعكس على زجاج السيارة فيرصدها الايرانيون ثم يقصفونها، وهذا غالبا ما كان يحدث. تركني في منطقة تبعد حوالي عشر او خمس عشر دقيقة مشيا بعدما وصف لي جيدا الطريق الى تل صخري تتخذه هذه الوحدة مقرا لها. كنت اضع خطواتي على ممشى ضيق داسته اقدام الجنود قبلي، فالخطأ في مثل هذه الظروف قد يوقعني في حقل ألغام، عندما وصلت كان هناك جندي يقف بكامل استعداده وتجهيزاته مثل تمثال، سألته عن آمر الوحدة فلم يُجبني، كررت عليه سؤالي، لكنه بقي صامتا حتى ادركني جندي آخر ليخبرني ان هذا الجندي لا يسمع ولا يتكلم! استغربت بقاءه كحارس في الموقع، لكن آمر الوحدة شرح لي معاناة هذا الجندي الذي كان قد فقد شقيقه في نفس المكان الذي يقف فيه نتيجة القصف المدفعي اذ كان الشقيقان يخدمان في ذات الوحدة وكان عليه ان يرافق التابوت الذي يحمل جثة شقيقه الاصغر الى بيتهم في العمارة، ومنذ ذلك الوقت صار الجميع يفاجأون بوجوده هنا بين فترة واخرى. هو لا يتحدث، لا يسمع، لا يشعر بأي شيء، وكلما اعادوه الى عائلته، او ادخلوه المستشفى يهرب الى حيث هذه الوحدة.

لقد شجع (الرئيس القائد) حفلات القسوة البيتية او العائلية دافعا الاب لقتل ولده البكر ليمنح الاب اعلى وانبل وسام عراقي، وسام الرافدين من الدرجة الاولى وامتيازات مادية، لان الاب (المخلص) قتل ابنه (الخائن) بسبب عدم التحاقه بالخدمة العسكرية، وهذا ما شجع بعد فترة قصيرة أحد الاباء في مدينة الثورة على قتل ابنه العائد من جبهة القتال ليلاً طمعاً في الامتيازات المادية التي كانت تمنح لعائلة (الشهيد)، والقصة التي كنت قد نشرتها بنفسي في اواسط الثمانينات في صحيفة «القادسية» تتلخص في ان احدى العوائل في مدينة الثورة بُلغت باستشهاد ابنها، وبالفعل تسلمت التابوت الذي كان يفترض ان يضم جثة الابن، والتعليمات كانت تحرِّم على اي كان فتح التابوت بل يتم دفن الشهيد مع تابوته مباشرة، وتسلم الاب الامتيازات المادية للشهيد وهي عبارة عن قطعة ارض سكنية، ومنحة مادية لبناء دار سكنية، وسيارة حديثة، ومبلغ من المال، وراتب شهري مجزٍ، الى جانب درع الشهادة الذي يمنح لعائلة الشهيد امتيازات اخرى.

بعد أقل من اربعين يوما، عاد الشهيد ليلا بعد ان كان قد اصيب بجرح في رأسه بمعارك (نهر جاسم) في قاطع البصرة، وفوجئ اصدقاؤه الذين كانوا يسهرون في مقهى الحي بعودته، فأخبرهم بإيجاز بانه كان مصابا وفاقدا للوعي في مستشفى البصرة العسكري، وشاهد بأم عينه اللافتة السوداء التي تعزي بوفاته، وكانت ما تزال مثبتة على ركن في الزقاق المؤدي الى بيتهم، وما ان دخل البيت، حيث كان والده يتابع برامج التلفزيون فيما امه واخواته نيام فوق سطح الدار صيفا، وبعد ان قص على والده حكايته، باغته الاب بضربة فأس في رأسه ودفنه في بالوعة البيت كي لا يحرم من الامتيازات المادية التي كان قد حصل عليها. في اليوم التالي ابلغ اصدقاؤه الشرطة عن اختفاء الشهيد العائد، بعد ان اصر الاب على كذب ادعاءاتهم، وبعد تفتيش البالوعة تم العثور على جثة الابن. ونجد ان مثل هذه القصص الشاذة قد تكررت هنا وهناك من مدن العراق من اجل نيل رضى «الرئيس القائد» وامتيازاته المادية.

بعد سنوات قليلة من انتهاء احتفالات او مهرجانات القتل الجماعي المعلن عزز النجل الاكبر للرئيس القائد مشاهد الدم المسفوك منذ ايام السومريين وحتى اليوم، بقطع رؤوس النساء والصبايا الحسان، وسط الاحياء السكنية في المدن التي كانت غارقة بالظلم الجماعي، تحت حجة حمايته للعفة، وازهاق ارواح «العاهرات»، باعتباره وصيا على عفاف العراقيات، اللواتي اغتصب منهن من شاء ومن طالتها يداه.

حتى اليوم اتجنب بشدة مواجهة مشهد دجاجة او خروف يذبح، وكنت استغرب من زملائي الجنود في جبهات القتال الذين لم يمانعوا من ان يتجولوا بين مئات من جثث الجنود العراقيين والايرانيين، وهم يأكلون قطعا من خبز الجيش الاسمر ليسكتوا جوعهم عقب معارك كانت تمتد لايام طويلة، بينما كانت تصيبني نوبات من الغثيان والتقيؤ وازمات ليلية حادة اشاهد خلالها جحافل من القتلى المقطوعي الرؤس والايادي تمشي في طوابير نحو اتجاه مجهول في الظلام. فكيف لي اليوم ان اكون في حمأة هذا الانفعال الدموي؟ وكنت اتساءل في داخلي عن الطاقة الخفية التي تدفع بهم لاستسهال عملية نحرنا.

ولكن استرجاعا سريعا للتاريخ المعاصر لاحتفالات القتل الجماعية المشاعة في شوارعنا، التي كان «بابا صدام» يشرك فيها اطفال المدارس الذين كانوا يبدأون يومهم الدراسي على ايقاع اصوات الرصاص المنطلق من رشاشة الكلاشنيكوف كل صباح، يلخص لي ولكم سيكولوجية سعادة القاتل لحظة الجريمة.

اتذكر انني كنت أمر بأزقة في الاحياء الشعبية في بغداد، فيفاجئني مواء قطة صغيرة، او جرو ينبح باعلى طاقته الصوتية مستنجدا لانقاذ حياته التي صارت رهن ايدي مجموعة من الاطفال الذين شدوا حبلا حول رقبة القطة، او الكلب، وهم يجرجروه (يسحلوه) ليموت مشنوقا ببطء هاتفين بأعلى اصواتهم (هيه.. هيه.. سحلناه) او يحرقون ذيله وهو حي. ترى هل لنا ان ندرس سيكولوجية (السحل) ايضا؟ وسعادة (الجماهير) المحتفلة بسحب (سحل) جثة القتيل وتقطيعها في الشوارع ؟.

واتساءل عن تلك السعادة الدموية التي انبعثت في نفوس الجماهير وهي (تسحل) جثث الامير عبد الإله، الذي كان وصيا على عرش العراق، والباشا نوري السعيد، رئيس الوزراء الاكثر شهرة في العهد الملكي وفي تاريخ العراق السياسي، ونجله صباح، إبان الإطاحة بالحكم الملكي في الرابع عشر من تموز عام 1958، لتحيلها فيما بعد الى قطع متناثرة. ولم تكتفِ الجماهير الثورية بذلك إذ سحلت حتى التماثيل البرونزية للملك فيصل الاول والجنرال البريطاني مود وألقت بها في نهر دجلة في مشهد لا يختلف كثيرا عن مشاهد سحل تماثيل صدام حسين يوم التاسع من نيسان عام 2003، وقبل ايام قليلة من خروج الآلاف لملاقاته في حي الاعظمية وسط رصافة بغداد والهتاف له «بالروح.. بالدم.. نفديك يا صدام».

مشاهد السحل هذه صارت جزءا من التاريخ السياسي و(النضالي) للعراقيين، كما ان حشود الغوغاء في النجف دشنت عصر حريتها بسحل جثة السيد عبد المجيد الخوئي في العاشر من نيسان عام 2003، لتعبر عن دمويتها وطاقة الشر الكامنة فيها.

ان اسلوب الاحتفالات الجماعية في القتل ليس جديدا على التاريخ المعاصر للانسانية، وهو ليس امتيازا عربيا او عراقيا، بل امتياز انساني، فالانكليز كانوا يهتفون سعادة خلال مشاهد إحراق من يتهم بخروجه عن طوع كنيستهم. والفرنسيون كانوا يذهبون بكامل اناقتهم ليحتفلوا امام المقاصل مستمتعين بمنظر الشفرة الحادة المنزلقة بسرعة ليتدحرج بعدها الرأس في سلة اصطبغت بالدم. ومحاكم التفيش في روما كانت هي الاخرى، وباسم الرب، تقيم احتفالاتها الجماعية لإزهاق ارواح معارضي افكار القساوسة الظلامية بطرق مبتكرة. وفي اسواق المدن الفارسية كانت الجموع من الناس تشارك طوعا بقتل من يتهم بالزندقة حتى وان كان اتهامه جاء نتيجة إنشاده قصيدة او طرح فكرة علمية، تماما على غرار محاكم التفتيش. وقبل كل هذا علينا استذكار المشهد الاحتفالي لسكان القدس وهم ينهالون بالضرب على جسد السيد المسيح وهو يجرجر صليبه صعودا الى الجلجلة ليصلب هناك.

وفي تاريخنا تبرز تلك القصة المأساوية حين شارك اكثر من سبعين الف جندي لقتل الامام الحسين ومعه اقل من سبعين مقاتلا من ابنائه وعائلته واصحابه، والتمثيل بأجسادهم، لتبتدئ بعدها مباشرة مراسم الاحتفال بسبي النساء والاطفال من كربلاء وحتى دمشق.

الصفحة التالية التي تلي احتفالات القتل الجماعية هذه، هي الشعور بالندم والبكاء والتطهير، هذه هي التراجيديا بأقصى ذروتها النبيلة. قتلوا السيد المسيح ثم عبدوه باعتباره ابن الرب، ونحروا الإمام الحسين ثم خرجوا في مواكب عزاء (يلطمون) ويشجّون رؤسهم بالسكاكين و(القامات)، ويمزقون ظهورهم بالسلاسل الحديدية.. أليست هذه هي التراجيديا في أبهى صورها؟

ترى هل سيتذكرون السيد عبد المجيد الخوئي، ذلك الإمام الشاب، إمام المحبة، والتضحية، الذي نحروه في منتصف نهار ساخن جدا، عند قبر جده الامام علي، ثم أخذوا يبكون ويضربون على صدورهم ندماً وحزناً؟ وهل ما زال تاريخنا بحاجة الى المزيد من الضحايا الذين نذبحهم لنبكي عليهم؟ هل نحن بحاجة الى دماء هؤلاء الشرفاء لتطهر ذنوبنا ؟.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima