اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
ظهيرة ساخنة.. جدا - ح2
19/02/2008
معد فياض
الحلقة الثانية :

كانت نظرات عينيه راسخة، تبدو وكأنها مستقرة هناك في نقطة مجهولة بالنسبة لي، نقطة لا يعرف مكانها إلا هو. نظرات توحي بأن صاحبها كان يستشعر مقتله بعد لحظات بطريقة تراجيدية تحت اشعة شمس ساخنة.

ما زلت اتذكر كل تفاصيل تلك الاحداث، وكيف لي ان انساها، و«من يستطيع ان يوقف النزيف في ذاكرة المحكوم بالإعدام قبل الموت؟»*.

اتذكر تلك الوجوه الحادة ذات النظرات الزائغة، والاصوات الزاعقة المنادية بموتنا، ولمعان السكاكين والسيوف تحت اشعة الشمس. ما زال صدى تلك الاصوات يتردد في اذني، واكاد اشم روائح الاجساد المتعرقة بفعل اللهاث، والخوف ايضا. تلك الصور او المشاهد، التي اخشى ان تبقى لاصقة في ذاكرتي، تنبض ككوابيس ليلية مفزعة، فمن عاش اللحظات الاخيرة قبيل اعدامه، ونجا بالمصادفة ليس له ان ينسى تلك التفاصيل الفلمية، التي ستتجسد مشاهدها في ما بعد لتتجذر في الذاكرة.

كان اللون الاسود يغلف المكان، واجهات الاسواق والبيوت موشحة بقماش اسود يمتد لمئات الامتار. وجوه الناس تبدو بلون التراب الذي يغسل المدينة صباح مساء بفعل العواصف التي لا تنقطع خلال الصيف الساخن. وجوه لن تتردد عن البكاء، وهم يتحلقون رجالا ونساء حول منبر القارئ وهو يتلو قصة مقتل الامام الحسين قبل ما يناهز من الف واربعمائة عام.

ما يزيد عن اربعة عشر قرنا والقصة تتردد وتتفاعل تفاصيلها، بل وتتضخم، والقارئ (الملا) لا يفتأ باحثا عن القصائد والتفاصيل التي تزيد من شحنات الحزن والبكاء، يصف الاحداث وكأنه شاهد الاثبات او الشاهد العيان الوحيد الذي كان يراقب الموقف عن قرب من غير ان يسأل، أو يجرؤ على سؤال اي من المستمعين المنتشين بلذة الحزن والبكاء عن زبدة الحقيقة في هذه القصة التي تتلى منذ قرون بالعربية والفارسية بأنماط واساليب مختلفة وعن الاضافات التي تزيد من مأساويتها، وكلما امعن القارئ بضخ شحنات حزينة أكثر تأثيرا صار هو المميز بين أمثاله.

مكبرات الصوت تبعث بشحنات الالم وتحرض على النحيب مستذكرة قصة مشاهد المقتل الدامي، تلك المشاهد التي ستتكرر بعد لحظات هنا، مدشنين ما يفهمونه من عصر الحرية التي اختلطت بالسادية والانتقام المجاني. كيف لهؤلاء الرجال ان يجمعوا بين نقيضين متباعدين في آن واحد؟ بين البكاء وذرف الدموع، والضرب على الصدور حزنا وندما على حادثة مقتل امامهم قبل ما يقرب من اربعة عشر قرنا، وبين ان يستعيدوا تنفيذ الحادثة بأيديهم؟ بين الرقة ورهافة الاحاسيس واللين الذي يبعث بكل هذا الشجن والبكاء والدموع، وبين القسوة المطلقة في ذات المشهد؟.

بالتأكيد لم تكن هذه الاسئلة لتتردد على ذهني ونحن تحت وابل من الرصاص الذي انهمر علينا كمطر في غير موسمه. لم اكن لأقارن بين الحنين الذي يولده الحزن الدافئ، وبين القسوة الصحراوية الجافة لحظة تقييد ايدينا وصفنا امام الجدار في انتظار تنفيذ الاعدام، لم تخطر على ذهني صورة الجفاف الذي يعقب المطر في الصحراء.

حدث كل هذا في النجف، في ذات محيط المنطقة الجغرافية التي قتل على مقربة منها، في مدينة الكوفة، الإمام علي، ابن عم الرسول محمد (ص)، والمدفون هنا في هذا المرقد، الاكثر قدسية لدى المسلمين العراقيين، الشيعة خاصة، وعلى مبعدة عشرات الاميال، في مدينة كربلاء قتل ابنه الحسين.

وفي سياق ذات الاسترجاع التاريخي اذكر ان في محيط هذه المدينة، (في الكوفة) كان الامام الحسين قد بعث قبل اربعة عشر قرنا برسوله، مسلم بن عقيل، في مهمة نسميها ـ بلغة اليوم ـ دبلوماسية، فصلى خلفه اكثر من سبعين الف مسلم دليلا على تأييدهم لمهمته، لكنهم، في اليوم التالي غدروا به وقذفوا بجسده من السطح العالي لقلعة الحاكم بعد ان قطعوا رأسه بحد السيف.

قبل ثلاثة ايام من الاحتفال الدامي الذي هُيئ لقتلنا، كان الخوئي يقود سيارته وانا جالس بجواره، في جولة في مدينة النجف. كان اكثر من سعيد، وعواطفه مثارة، حتى انه ربت مرتين على ساقي وهو يردد «نحن في النجف، نحن في النجف» وكأنه يريد ان يؤكد لنفسه بأنه ليس في حلم يقظة، وسرعان ما بادرني «عليك ان تتذكر اننا اول من دخل مدينة عراقية»، النجف.

قبل ان نصل الى ساحة ثورة العشرين كانت هناك حشود تتفرق توا، لم يستطع الخوئي ان يقود سيارته بسهولة حيث كانت هناك اشلاء تمثال تشظى قبل وصولنا بعشرين دقيقة، اشلاء نحاسية تناثرت على الاسفلت، كان هذا تمثالا لصدام حسين على هيئة فارس يمتطي فرسه الجامح مثلما الريح، وكان ذلك اول تمثال لصدام حسين يتم تفجيره من قبل القوات الاميركية، في اول مدينة عراقية يتم تحريرها تماما، النجف. وكنا اول مجموعة عراقية تدخل الى الاراضي العراقية قبل تحريرها من سيطرة النظام و«فدائيي صدام»، وكنت أول صحفي عراقي يدخل من المنفى الى العراق لانقل لـ«الشرق الاوسط» تفاصيل هذه الرحلة من خلال تقارير يومية، وبذلك كانت «الشرق الاوسط» اول صحيفة عربية تصدر في الخارج تغطي أحداث الحرب من الداخل.

كانت جموع الناس غير متأكدة، قلقة، متشككة، لما يجري حولها، يسألوننا بدقة «هل انتهى صدام بالفعل؟» وعندما كنا نؤكد لهم ذلك كانوا يجيبون، وكأنهم اتفقوا على صيغة السؤال والاجابة، «لكنهم قالوا لنا ذلك عام 1991 ثم تركونا ليذبحنا صدام، من يضمن لنا ان الاميركان لن يتركونا لقوات صدام مرة ثانية؟».. كانوا محقين في ذلك، فكل عائلة فقدت اكثر من ثلاثة من ابنائها خلال انتفاضة آذار 1991.

تركت السيارة لأصور اشلاء صدام النحاسية وفرسه، سألت بعض الرجال: لماذا لا تزيحون الاشلاء من الشارع؟ خذوه، هذا نحاس سينفعكم. كانوا لا يريدون التورط بعملية تفجير التمثال، فربما سيعود صدام ونظامه وهناك من سيخبر عنهم. قال احد الشباب إن فتوى صدرت تحرِّم مس اموال الدولة وهذا النحاس ملك للدولة.. ولكن عن اي دولة يتحدث هذا الشاب الورع؟.

امتدت جولتنا حتى الكوفة، درنا حول مسكن الامام ابو القاسم الخوئي، والده، توقف السيد عبد المجيد قليلا وهو يتأمل البيت الذي امضى فيه ردحا من الزمن، ربما كانت تتسلل من ذاكرته الاصوات والحيوات التي كانت تنبض في هذا البيت الذي كان شاغل الناس لسنوات طويلة كونه منزل اهم واكبر مرجع ديني للشيعة في العالم، ابو القاسم الخوئي، الذي كان يحمل ألقابا اخرى مثل «استاذ الاساتذة» و«زعيم الطائفة». خلف هذا السور، ذي اللون البني الكالح، حديقة، قال الخوئي: كان السيد الوالد يحرص على ان يربي فيها الدجاج، وفي هذا البيت كانت تقوم واحدة من اهم واكبر المكتبات العلمية والدينية. ايقنت ان روحه وبصره قد تجاوزا أسوار البيت، وراح يفتش بين غرفه وممراته بحثا عما يكون قد فلت من قبضة الماضي. التف حول السيارة بعض المارة الذين صوبوا نظراتهم نحونا كما يفعل القناص الماهر، وما ان شعر الخوئي بوجودهم حتى انقض، كمن يجفل من حلم بهي، فسارع بتشغيل المحرك لترك المكان.

عكفنا عائدين الى النجف التي لم تعد منفصلة في حدودها عن الكوفة، بل ان العمران ربط بينهما، وعندما مررنا بمسجد مسلم بن عقيل استذكرت قصة مقتله، فخطر على بالي ان اسال الخوئي سؤالا، لا ادري لِمَ ظل يدور في رأسي، أطلقت السؤال كمن يريد ان يتخلص منه: من الذي سيضمن ان هؤلاء لن يلقوا بأجسادنا من فوق اي سطح هنا ؟ كنا نمر مسرعين برجال يتشحون بالدشاديش السوداء، ويصوبون اعينهم في وجوهنا مثل الدبق، لاحظ هو تلك النظرات الغريبة، التي كانت تضمر ما لا يبشر بالخير، قال مبررا «انهم مستغربون، سيارة فارهة جديدة وسط مدينة تزدحم بالسيارات القديمة والعربات التي تجرها الحمير، وجهك وملابسك يجعلانك تبدو غريبا عن الولاية، ومن الطبيعي ان يوجهون لنا مثل هذه النظرات». كان هو يرتدي، مثلهم، دشداشة سوداء ويلف رأسه وجزءا كبيرا من وجهه بكوفية خضراء. اعدت سؤالي، الذي اراد ان يتجاهله عن قصد، من غير ان اخشى بأن يفهم ذلك كأنه تحريض على اهل ولايته، ذلك لاننا كنا في مركب واحد، ومصيرنا ذاته، ولاننا تعودنا ان لا يشك احدنا بنيات الآخر، مرت فترة صمت قبل ان يجيب عن سؤالي، ولا ادري ان كان قد فكر بالاجابة او انه اراد ان يطرد الفكرة الوسواسة من ذهنه، وقال «لماذا يفعلون ذلك بي وانا جئت من اجلهم»؟ هل كان يسأل نفسه ام يحاول الاجابة على سؤالي؟ قلت: مثلما فعلوا بمسلم بن عقيل، ومن ثم الامام الحسين، الم يأتِ مسلم بن عقيل نزولا عند رغبتهم، وتبعه الحسين، لتحقيق مطالبهم وانقاذهم؟ قال «الزمن تغير، والناس تغيرت، وهؤلاء ليسوا هم من غدر بمسلم او قتل الامام الحسين، انهم اهلنا وعلينا ان نعمل على مساعدتهم مهما كلف الامر». عندما لمست ذلك الاصرار الاكيد في لهجته توقفت عن طرح اسئلتي وأجَّلتها الى مناسبة اخرى. وكانت المناسبة قد جاءت، لكن ازيز الرصاص وتسارع الاحداث، لم يتيحا لنا مناقشة الامر ثانية. لكنني كنت على يقين من انه تذكر في تلك الدقائق الحرجة، التي انتصرت فيها فوضى الغوغاء والرعاع، على منطق الايمان والدين والعقل المسالم.. كلما فلتت نظراتنا من الرصاص الماطر في فضاء الغرفة، كنت اقرأ في عينيه اعترافا بصدقية اسئلتي وربما ندما مشوبا بشعور بتحمل مسؤولية ارواحنا المرهونة الان لقبضة القتلة.

احداث هذه القصة ابتدأت عند الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الخميس المصادف العاشر من نيسان للعام 2003. امطرونا بزخات من الرصاص الساخن، كان الرصاص اللماع يرتطم بالجدار والارضية الرخامية، فيقدح شرارا، ثم يعود بهدوء ليصيب جسد احدنا فنشعر بحرارته وهو ينطفئ في جلودنا.

كنت هناك.. لقد وثقوا يدي خلف ظهري، في المرة الاولى اوقفونا عند الجدار لاعدامنا، ما زلت استمع لصوت عتلة التهيؤ للاطلاق في رشاشة الكلاشنيكوف تسحب من مأمنها، ولم يتبق سوى الضغط بدم بارد على الزناد، بينما كان احدهم ينادي: اقتلوهم..اقتلوهم ماذا تنتظرون؟ قبل ان تتغير خططهم. لن انسى وجه ذلك الذي نادى اولا بقتلنا محرضا الاخرين، كان يرتدي دشداشة سوداء وقد رفع طرفها الامامي الى حزامه الجلدي، عيناه كانتا تفيضان شرا وإصرارا غير مبرر على القتل من غير ان يعرف من هم هؤلاء الذين ينادي بقتلهم.

ربما يتهيأ لكم ان ما جرى لم يستغرق سوى لحظات، ولكنه بالنسبة لي كان زمنا يعادل كل سنوات حياتي، منذ ان حبلت بي امي، وانتظرت اطلالتي للدنيا، وبكل الثواني التي ربتني وارضعتني وقلقت علي وحتى لحظة موتها وانا بعيد عنها، ثم حتى آخر لحظة، تلك التي اقف فيها امام الجدار في انتظار ان يضغط احدهم على زناد سلاحه ليحيلنا الى جثث هامدة، من غير ان نعرف اسمه، او نحفظ شكل وجهه، بل من غير ان يعرف هو اسماءنا، او يحفظ اشكال وجوهنا والوان ملابسنا، وروائح اجسادنا، ومن غير ان يطلع على تواريخنا الشخصية ويحصي ذنوبنا وافعالنا الطيبة.

في تلك اللحظات الزمنية، التي قد تبدو لكم قصيرة للغاية، سرقوا سنوات عمري، وصادروا تعب امي، وحرص ابي على أن يربيني كآدمي صالح، والغوا وجود عائلتي وحبيبة عمري واسماء ولدي وابنتي، وتجاهلوا ذكرياتي مع اخي واخواتي واصدقائي، واللحظات العجيبة التي عشتها مع عشيقاتي، ومزقوا كل القصص والقصائد التي كتبتها بنزق عاطفتي، ومحوا ذاكرتي، واخذوا ظلي. فهل هذا زمن قصير للغاية؟

تساءلت وقتذاك، هل جئنا، نحن الماثلين هنا بمواجهة حشد الاشخاص المزدحمين بحيرة حولنا، بالطائرة الخاصة القادمة من واشنطن، مرورا بمطار غاتويك في اطراف لندن، وتحملنا كل عذابات هذه الرحلة الى وطن كنا نعرفه، ولملاقاة شعب، كنا منه، لنواجه هذا المصير العبثي؟ هل ستصدقوني اذا قلت لكم إنني اشفقت بحزن على هؤلاء لانهم سيتحملون ذنوب دمنا، ويطهروننا من عذابات القيامة لينالوها هم وحدهم؟

نعم انا عدت من الموت لأتلو بصدق شهادتي بينما الاسئلة تستفزني، والاستنتاجات تستيقظ مثل وحش ينهش في ذهني، استعيد بهدوء المشاهد بكل تفاصيلها واستذكر دور كل واحد منا، فانتبه الى ان اكثر من شخص كان معنا وترك المكان مبكرا على أمل ان يطلب النجدة لنا، او يفعل ما بوسعه لإنقاذنا، لكن ايا منهم لم يعد، ولم يسعَ إلا للهروب من مصير كان مرسوما لنا. واتساءل، ايضا، هل سيتحرر هؤلاء من عقدة الذنب بعد ان قادهم خوفهم للتحرر من ذلك المصير؟ ام علي ان استسلم للاعتقاد الشعبي الذي يقول «هذا هو قدركم وعليكم ان تؤمنوا به؟».

كانت الساعة التاسعة صباحا عندما تهيأنا للصعود الى (الجلجلة)، كان النهار مشمسا على العكس من الايام الثلاثة الماضية التي غطت المدينة برداء من التراب الاحمر، كنت اتأمل وجه عبد المجيد الخوئي الطافح بالسعادة والفرح وهو يمضي الى اكتشافه الاخير مستذكرا وصف جبران خليل جبران ليسوع ابن الانسان «فأشرق وجهه كأنه الذهب المحترق، وبسط ذراعيه وقال لنا: انظروا إلى الارض في ثوبها السندسي وتأملوا كيف طرزت السواقي اهدابه بالفضة اللامعة. حقا ان الارض جميلة، وكل ما عليها جميل. ولكن، وراء كل ما تنظرون ملكوت سأحكمه وأسود فيه، فإذا شئتم ورغبتم من قلوبكم فأنتم ايضا ستذهبون إليه معي وتحكمون معي. إن وجهي ووجوهكم لن تتقّنع فيه، ولن تحمل يدنا سيفا ولا صولجانا، وسيحبنا رعايانا وسيعيشون بسلام من غير ان يعرفوا خوفا منا**»

* عبد الوهاب البياتي
** يسوع ابن الإنسان ـ جبران خليل جبران
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima