| |
الشاعر كنز معرفي من النبوءات والرؤى (حوار مع د. برهان شاوي نقلا عن جريدة الصباح)
10/11/2007
ما ان بلغ عقده الثاني من العمر حتى شد الرحال متوجها صوب المجهول في مدن الغربة التي ظل يطل من نوافذها اللامرئية على وطن تلبس فيه منذ القدم حينما كانت الالهة (إنانا) تغازل (دموزي) الفلاح السومري.
وطن ابتلي بالديكتاتورية، فآثر الهجرة لكن دون ان يغلق نافذته من ورائه بل تركها فاتحة فاها لتسرد له ماتراه من ظلم وحروب وطغيان دونها في رقيمات اشعاره الطينية المملوءة بازيز الرصاص وصرير ابواب ماقبل لحظة الاعدام. هو شاعر اصر على اثبات وجوده الشعري فحققه ورغب بتعلم الفنون فاصبح مخرجا سينمائيا ومسرحيا وكاتبا لهما، ليسبر بعدها غور الترجمة والاعلام حتى وصلت اصداراته الى العشرات مابين شعر ودراسة وترجمة. انه (برهان شاوي) الذي التقيناه في ميدانه الجديد بعد عودته وقد بلغ عقده الخامس حيث يعمل مديرا لقناة (الحرية) الفضائية التي خط منهاجها من رؤاه الشعرية فكان لنا معه هذا اللقاء:
* تنقلت في اصقاع المنافي لمدة طويلة، مالذي يضيفه المنفى للمبدع باعتقادك وماالذي يسلبه منه؟
- الحديث عن المنفى، حديث متشعب لانه قبل كل شيء يجب ان نعرف اين هو المنفى؟ هل هو انتقال جغرافي؟ ام هو غربة روحية، ام ماذا؟ ربما قبل ان نخرج الى المنافي الجغرافية اي الى خارج العراق، كان الواحد منا يشعر انه منفي وهو داخل العراق كان يشعر بعزلته الخاصة ولكن ماان خرجنا كان هنالك نفس آخر كانت هناك حرية افتقدناها في العراق. اضافت لنا مهنا جديدة لم تتح لنا في العراق، ولكن بالمقابل سلبت منا اشياء كثيرة. فالمنفى على المستوى الشخصي افادني كثيراً لانني خرجت وعمري (22) سنة ورجعت وعمري (50) سنة اي انني قضيت اكثر من نصف عمري في الخارج، رجعت وانا اعرف لغات اخرى ومهنا اخرى، درست السينما والمسرح وترجمت واشتغلت في التلفزيون وصرت استاذاً اكاديمياً وهذا كله من منافع المنفى، ولكن في الوقت نفسه هناك بعد وقطيعة، لو لم ارجع الى العراق لكان هو العراق الذي تركته اخر لحظة في عام 78 ـ 79، انا فوجئت حينما رجعت وجدت عراق آخر جغرافية اخرى أناساً آخرين علاقات اخرى ومن ثم فان المنفى قاس بارد ولالون ولا طعم ولا رائحة له، هنالك اخرون استطاعوا ان ينزعوا ذاكرتهم وعاشوا في المنفى مرتاحين بعد ان حرقوا الجسور مع العراق وان رجعوا اليه فيرونه بعين السائح الذي يبقى شهرا ثم يعود ليكتب ما يشبه النزهة عن العراق وما رآه ويكيل ما يشاء من الاحكام.وهذا ماخلق قطيعة ايضاً ما بين الداخل والخارج وظهرت مفردات الداخل والخارج حتى على مستوى السياسة، ونرى الكتل السياسية تتحدث عن هؤلاء القادمين من الخارج ونحن اهل الداخل، ناهيك عن الادباء والفنانين، فلذلك اشكالية المنفى اشكالية كبيرة لا يمكن حصرها باجابات بسيطة.
*يقال ان للاعلام تأثيراً سلبياً على عمل الشاعر، فكيف اذا اضيف للعمل الاعلامي المسؤولية الادارية كما هو حاصل معك، كيف يتنفس الشعر تحت وطأة العمل الاعلامي الذي هو محرقة حروف واعصاب؟
- هذا صحيح لحد كبير العمل الاعلامي يأخذ من الشاعر الكثير من الوقت وسيتنزفه ولكن لو اعتبرنا الشاعر مثقفا فهو في التحليلات الاجتماعية والسياسية يبقى موظفاً غير عضوي يتحول الشاعر الى موظف عضوي حقيقي فاعل حينما يعمل في الاعلام او يعمل في وظيفته كمثقف ومنتج للفكر، لذلك عمل الشاعر في مجال الاعلام مهم وضروري جداً، واعتقد ان كثيرا من كبار الشعراء ومعظمهم كانوا يعملون في مجال الاعلام الصحافة او التلفزيون او مجالات اخرى، بالنسبة لنا مهمة الاعلامي في العراق مهمة عسيرة جداً انه يمشي في حقل من الالغام امامه مهمات التنوير الاجتماعي وترسيخ قيم ومفاهيم جديدة وبادوات بسيطة لذلك عمل الشاعر في مجال الاعلام مهم على الاقل على المستوى اللغوي والمستوى المعرفي، الشاعر كنز معرفي من النبؤات والرؤى ولذلك هو الاقدر على هذه المهمة على المستوى اللغوي والصياغة ويبقى عمل الشاعر مع القصيدة هذا شيء آخر، انا بالنسبة لي اثرت فيّ كثيراً لان الاعلام اخذ مني الوقت الكثير، حتى انه صرفني عن دراساتي الاكاديمية وبحوثي ولكن احس انني افعل واقدم شيئا في هذا المجال على المستوى الاجتماعي، على مستوى الفعل الاجتماعي اي انك تؤثر وتنشر فكرا تقدميا ديمقراطيا ليبراليا تنويري، تستفز الذاكرة العراقية وتنورها بمفاهيم علمية هذا هو الفعل وهو مهم.
* اشتغالك بالترجمة هذه الخيانة الذهبية، هل جعلك تفارق مقولة هيدغر الذي اوصى ان تكون اللغة بيت الكائن، ام ان هناك بيتين ووطنين لكل صاحب لسانين؟
- اولاً انا لست بمترجم محترف، وانا لا احترف الترجمة، انا اترجم ما اردت ان اقوله فقاله غيري، حينما اقرأ نصا لشاعر وكنت احلم ان اقول مثل هذا القول عند ذاك اترجم هذا النص، وحينما اترجمه اعيد بناء النص، دون ان ابتعد عن النصّ الاصلي لكن في الوقت نفسه انا اعيش معه تجربة كتابة نص جديد احيانا الترجمة تأخذ من شحناتي الشعرية والجمالية. انا حينما ترجمت (برودسكي) كلفني سنتين من الزمن وأما (فاندلشتام وانا اخماتوفا)، فأخذت مني ثمان سنين، كما اني ترجمت لاخرين ربما من باب التنوير، ولو تأخذ ترجمات (حسب الشيخ جعفر) مثلاً تجد ان أفضل ترجماته هي للشعراء الذين يحبهم (كالكسندر بلوك ويسينين).
لقد اعتكفت (ثماني) سنوات على الترجمة ولم اكتب شيئا سوى قصيدة في السنة، ولكن بعد سنوات من الصمت صار مثل الانفجار الشعري فاصدرت خلال 3 - 4 سنين اربع مجاميع شعرية، اضافة لترجمتي كتبا في الفيزياء الكونية والتي ساهمت باعادة رؤيتي للاشياء.
*نعرف ان كثيراً من الكورد ابدعوا باللغة العربية، كسليم بركات مثلاً، وانت ايضاً تدخل في هذا السياق، الى اي حد شكلت العربية هويتك الثقافية اولاً، وكيف اسهمت في تكوينك الشخصي؟
- انا عراقي ولغتي التي افكر بها واجيدها هي العربية، انا ولدت في مدينة الكوت امي كانت تتحدث معي بالكردية، انا كردي فيلي يتحدثون معي بالكردية واجيب بالعربية، العربية ربما هي اللغة الوحيدة التي اجيدها، وحتى اللغات التي اترجم منها هي لغات مكتسبة وليست لغات نفكر بها واللغة الحقيقية هي التي تفكر بها وتعبر بها عن هواجسك ومخاوفك ورؤاك واحلامك ولهذا لغتي هي العربية انا لا اتحدث الكردية بشكل جيد حتى استطيع ان افكر فيها او اكتب فيها وعلاقتي قدرية لكون امي وابي كرديين لكنني ولدت في محيط عربي ولغتي عربية افكر واكتب بالعربية وبالتالي لا تشكل لي هذه مشكلة، يعني (سليم بركات) لغته عربية لكن روحه كردية ومضامينه كردية رواياته كلها عن الكرد ابطاله اكراد جغرافية الحدث عنده كردية اضافة الى جغرافية النص المسرحي والشعري، انا لا امتلك هذا مع الاسف، انا نصي نصّ عراقي منبثق من هموم البيئة العراقية وربما احاول من ذاكرتي وانحيازاتي احياناً ان اعبر عن هموم هؤلاء الناس المسحوقين، عن هذا الشعب المدمر لذلك ترى في نصي ما يتحدث عن هذا المشكل ولكن جغرافيتي مختلفة لذلك ممكن بكل جدارة ان يكون سليم بركات شاعرا كرديا، لكن من الصعب ان يقول عني احد انني شاعر كردي انا سومري وذاكرتي السومرية ذاكرة طويلة خاصة في كتبي الاربعة الاخيرة(ضوء اسود، وتراب الشمس ورماد القمر، ومديح السيدة السومرية) انا سليل هذه المنطقة ورجعت في التسعينيات للدراسات حول السومريات وقرأت كل ما كتب بالروسية والالمانية والعربية عنها وانعكس حتى على نصي الشعري، وفضاء القصيدة عندي فضاء سومري اعرف ماذا كان يأكل السومريون وكيف كانت بيوتهم انذاك الضيقة وبالتالي اعرف اساطيرهم واشعر احياناً بالتناسخ وكأني اعيش تلك الفترة، فشرف كبير ان ننتمي لسومر.
* الملاحظ في شعرك انك تقول عراقيتك ليست بدءاً من الحاضر وانما تقولها باثر رجعي عائداً الى الحضارة الاولى منذ سومر ورموزها الا تجد في الحاضر ما يستحق ان يسهم في صياغة عراقيتك؟
- بلا شك ولكن انا اعتقد حينما تتعرض الشعوب او الاشخاص للمحن الكبرى والامحاء تراهم يعودون للجذور هذا الشعور انا احسست به في الفن والادب العراقيون عندما تعرض العراق للحصار احسست ان الجميع رجعوا الى الجذور الاولى فتجد في لوحات (عفيفة لعيبي) وجدارياتها رموزاً سومرية وكذلك (فيصل لعيبي) وغيرهم وانا ايضاً عدت للنص السومري، بعد القراءة المتواصلة عنهم واحسست بالانتماء لهذه الحضارة والانتماء لهؤلاء الناس لانهم موجودون فأهل الاهوار هم امتدادا للسومريين فالعمارة والناصرية والديوانية والكوت ما هي الا امتداد لهم، الى جانب انني درست النص السومري واستفدت منه في طريقة الكتابة، بدءاً من قصيدتي (ضوء اسود) مروراً (بتراب الشمس او ضوء القمر) لذلك البناء الحقيقي ينبع من الحضارات الاولى ولو نتكئ على الحضارات الاسلامية لما استطعنا ان نقاوم بدليل ان الحضارة الاسلامية تمزقت واصبحت دولا وكتلا وشعوبا واعتقد ان هذه الجذور السومرية ومن ثم الحضارات التي تلت هي من صنع الانسان العراقي وهي حضارات اصيلة وليست وافدة، حضارة نبعت من هذه الارض وخلقت هذا الانسان العراقي وتجد حتى على مستوى اللغة فلو ندرس اللهجة العراقية نجد كثيرا من الملامح وظلال اللغة السومرية مثل الـ(جا) والـ(مو) والـ(شكو ماكو) وحتى الاسماء تجد في الجنوب اسم (شمخي وشمخة) وشمخة اسم موجود في ملحمة كلكامش وحتى مساعد الاله (انكا) كان اسمه (سويلم) وهكذا الاكل كان عبارة عن (الكراث والباجه والنعناع والخس والرشاد والعدس والثوم) فنحن من هناك نبدأ واعتقد ان هناك بداية قبل سومر لم تكتشف بعد وهم ما يطلق عليهم (الجنوبيون) لان (سومر) كانت حضارة وأكيد قبل اي حضارة توجد بدايات وتشكيلات، لذلك فان المتكأ الحقيقي هو في سومر. وليس لانني لا اجد في الحاضر ما اتكئ عليه وانما وجدت في ذلك العالم الكثير من البراءة والكثير من الجمال وكثيرا من اللمسات الانسانية المرتبطة بجغرافيتك وانسانيتك. العراق ابو الحضارات وقدم (خمس) حضارات وكانت سومر هي الاولى التي اخذ الجميع عنها والنبع الاول فاثر في نصي الشعري واثر في كتابتي وفضائي الروحي وبحثي عن المرأة السومرية..مهووس انا بسومر واحس احياناً واؤمن بالتناسخ وكأنني كنت اعيش بذلك الزمان.
*عملك في المسرح هل انطلقت فيه من رؤاك كشاعر او مخرج مسرحي؟
- انا اشتغل في كل الاشياء كشاعر حتى في مجال الاعلام والسياسة وهذه مطباتنا ولذلك انكساراتنا كبيرة، حتى عندما اترجم كتابا علميا افكر بمنطق الشاعر او بالرؤية الشعرية، اكيد كان الشاعر الذي بداخلي يسوقني للتعامل مع كل الاشياء حتى في الحياة اليومية فكيف في مجال العمل الابداعي؟ ولكن لكل جنس فني خصوصياته ولغته.
* تدهور صيت الشعر ومصيره هل يتعلق هذا الامر بالشعر العراقي وحده ام يشمل مصير الشعر العربي والعالمي؟
- في كل العالم هنالك تراجع في انتشار الشعر او تقبله، عالمنا عالم غير شعري هذه المحنة يعاني منها الاوروبيون، اكبر شاعر قد يحضر جلسته من 40 ـ 50 شخصا، الناس تسخر من الشعر في هذا الوقت، المشكلة ليست فقط في الشعر العراقي او العربي بل يعاني منها العالم كله، الدراسات الانسانية في حالة تراجع والشعر مصيره سيئ برغم انه ضرورة.
*هل استهلك الشعر وجوده الادبي؟
- كلا لم يستهلك ولا اعرف اين تكمن المشكلة لان اكبر شاعر عربي يمكن ان لا يطبع اكثر من 2000 ـ 3000 نسخة من ديوانه ومعظم الشعراء يوزعون دواوينهم بالمجان والامسية لا يحضرها اكثر من عشرة او فقط الصحفيون وبالتالي هناك تراجع بالشعر والدراسات الانسانية امام الحياة العملية. امام استهلاك وسائل الاعلام الاخرى واعتقد ان بالامكان ان ينتعش الشعر وينتشر وينعش بوساطة وسائل الاعلام وبالتحديد التلفزيون والراديو او على الاقل تربية الذائقة الشعرية عند الناس لان هذه الوسائل بالذات ساهمت في تحديد الذائقة وبالتالي عزوف الناس عن الشعر والقراءة وهي ادوات مهمة ممكن ان نستخدمها بالضد ان تفيد او تضر ان تهدم او تبني.
* هل تقصد ان هذا حصل بعد ان اصبح الشعر مطية للسياسة وزاداً للمناسبات اثناء الحروب؟
- أُجري استفتاء شعري قبل فترة وقلت انني مليء بتنبؤات سوداء عن مستقبل الشعر العراقي وقلت ستخرج القصيدة العمودية وقصيدة المدح وقصيدة المراثي وقصيدة المناسبات وهذا الحديث كان بعد سقوط النظام المباد وانه سيكون هناك انحسار بالحداثة ولكن برغم ذلك لا اكون يائساً جداً لانني احياناً اقرأ نصوصاً جميلة لشعراء متألقين ولكنني اعرف مدى انتشارها لانني اعرف ماذا تقرأ وانها عزفت عن القراءة.
*عانى العراق طوال (35) عاماً من الاختناق الايديولوجي بغاز الحزب الواحد، هل اطاحت هذه الفترة بالصرح الثقافي السلمي وادخلته في مناخ الحرب والعسكر؟
- انا اعتقد ان هذه الـ(35) سنة دمرت المنظومة القيمية للمجتمع ودمرت الاسس التي يبنى عليها المجتمع السليم لان هذا الحزب الواحد ملك وسائل الاعلام ودمر العائلة ودمر الدولة ومؤسساتها وبالتالي هو هشم الشخصية العراقية وضعضعها واساء بلا شك للادب والفن والفكر والثقافة والتي تأثرت بشكل عام بهذا الجو وكان هناك عدم تواصل بين مثقفي العراق في الداخل والخارج والانفتاح على الثقافة العالمية كان صعبا، النشر في الداخل كان يجب ان يتضمن المديح للحزب الحاكم والحرب لذلك الشاعر الذي كان لديه شيء ليقوله انحسر وصمت، اما الان فنجد انطلاقة جديدة ولكن ما زالت هنالك اسئلة كثيرة امام الثقافة العراقية لم تطرحها او تتجنب طرحها او لم تواجهها وهي كيف تتعامل مع ما موجود؟ هل تتعامل مع احتلال، ام قوات متعددة الجنسية ام محررين؟ وكيف يتعامل مع السلطة وهذا اللاانسجام الذي يحدث بين الرئاسات الثلاث، اين دور المثقف والمبدع.. نحس ان الامور تحتاج الى هزة او صدمة واشعر احياناً باليأس ولكنه يأس مضيء وكما يقول (سعد الله ونوس): (نحن محكومون بالأمل).
|
|
|
|