اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
لاهذا،و،لاذاك هذا هو مدني صالح
28/08/2007
علي المالكي
من هو مدني صالح؟هل كان أستاذا للفلسفة،أم ،كان فيلسوفا عراقيا يملك منهجا ورؤية فلسفية للعالم،ونسقا تبدى عبر ما كتبه وقاله؟ هل كان من فصيلة ال (نعم)،ام،من فصيلة ال(لا) في مواقفه الفكرية والاجتماعية والسياسية،؟وهل تلخص تجربته درسا فلسفيا،يمكن تمثله، والتذاكر بشأنه بما يربي ويشيع قيما حضارية في الثقافة العراقية؟...

هذه ألأسئلة وسواها كانت تسابقني وانا اسعى للحصول على صورة واضحة عنه،وأعلم انها تشكل منطلقا مناسبا للقيام ببحث عن التجربة الفلسفية للمفكر الاستاذ مدني صالح،كما كانت ترافقني وانا اتردد على قسم الفلسفة في كلية الاداب،ابان ثمانينيات القرن الماضي، ،وبقيت معي حتى حانت لحظة تداولها،ما ان اعلن عن رحيله.ولكن اضيف اليها الان،وهذه المرة، السعي للحصول على صورة مناسبة اعن النسق الفلسفي لعقل مدني بوصفه ثمرة اللوغوس الفلسفي...

لاأعلم كيف يصف احدنا،مفكرا عراقيا مثل الراحل مدني صالح،في كونه عدمي،ويحشره مع مجموعة اخرى من المثقفين العراقيين،واصفا الحشد ايضا بالعدمية؟*

أقول ان مدني صالح لم يكن عدميا،بل هوعقل كبير،وان مايحدد ويطلق الحكم عليه هو الدراسة المنهجية لاثاره في ،الفسلفة ،والنقد الادبي،وسواهما،أما ان امسك بالقلم فاطلق وصفا او حكما على علاته ففي هذا ظلم وتجن على الاخر.ان تخطيط صورة لمدني الناقد والفيلسوف سيكون كم كبير من اطاريح للماجستير والدكتوراه، عن وفي فكر هذا الاستاذ والمعلم الكبير،ولنقارن وصفه بالكاتب العدمي مع النعي الذي اصدره الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق،وياللفرق بين التوصيفين يقول بيان الاتحاد (بصمت شبيه بإعتكافه ، رحل أستاذ الفلسفة المفكر والناقد والأديب اللامع مدني صالح بعد حياة أكاديمية وإبداعية ثرة كان خلالها سيداً لكثير من النقاشات والحوارات على صفحات الجرائد والدوريات كافة ، وكانت حجته دالة ، وموقفه وطنياً تقدمياً ، محبا لشعبه وعراقه ورموزهما الثقافية ، وتربى الكثير بهديه في رحلة الدراسة والكتابة والحياة .

برحيله ، تخسر الأوساط الثقافية والأكاديمية العراقية مثقفا تنويريا مرموقاً ، ومفكراً عالي اللغة والمنطق والمقام ، وقدوة في الاباء والرفض لإملاءات السلطان،عزاؤنا ان مدني صالح المفكر والمربي والإنسان سيظل حيا في قلوب محبيه ومريديه وأصدقائه والعاملين في الحياة الثقافية العراقية عامة .

وسيظل دائما نبراساً ومثالاً للموقف التنويري الشجاع الذي انتهجته الرموز المضيئة الكبيرة في ثقافتنا العراقية ....)،.

ليس الانحاد المؤسسة الممثلة للانتلجنسيا العراقية الوحيدة التي اثنت على التجربة الحياتية والفكرية لذا المفكر الكبير بل هناك الصحف والفضائيات التي رثته بما يستحقه،كمفكر عراقي قدم للثقافة العراقية نموذجا راقيا للاستاذ والمربي والمفكر،

لم يكن مدني كاتبا صحفيا فقط كما لم يكن مجرد فيلسوف اثر العزلة بل كان ما ينبغي ان يكونه كل مفكر ينتمي الى الانسانية،قولا وسلوكا،كان مفكرا تنويريا،ورمزا مضيئا من رموز الثقافة العراقية..

وبحثا وراء صورة لنسقه الفلسفي،وجدنا ان الدكتور علي عبد الهادي قد عثر على ثلاثة مراحل في فكر مدني صالح،(هناك ثلاث مراحل ... يمكن أن نسمي الأولى: مرحلة الكتابات الادبية؛ والتي أهمها (هذا هو السياب) و(هذا هو البياتي) و(مقامات مدني صالح) والصراعات والمساجلات الأدبية بينه وبين العديد من الادباء ..والمرحلة الثانية؛ ... تمثلت في كتاباته: (الوجود) (ابن طفيل - قضايا ومواقف) (الغزالي وفلسفة النشوء والارتقاء) (رسالة التربيع والتدوير للجاحظ) وكتابات أخرى بين بحث ومقالة.

أما المرحلة الثالثة .. والتي يمكن تسميتها بالمرحلة الاستشرافية، تؤرخ بدايتها مع عام 1997 ، والتي توجها بكتاب (ما بعد الطوفان) و(خراب الفلسفة) وكتاباته حول فلسفة التاريخ والحضارة)ويلاحظ الدكتور علي ..إن مدني صالح في المرحلة الثالثة ظهر أكثر انسجاما مع نفسه ومع الواقع ، إذ نجده قد وظف كل قراءاته وكتاباته السابقة لقراءة واقع التخلف الذي نعيشه وإشكالات النهضة ومحاولة استشراف المستقبل عبر رؤية علمية تعتمد المنهج الاستقرائي منهجا في التفكير، غير متخل في الوقت نفسه عن أسلوبه الخاص في الكتابة، والذي يميز كتاباته التي تبتعد بشكل أو بأخر عن صرامة المنهج الأكاديمي الذي يحاول كثيرا الانفلات منه ) ،وفي توصيف اخر لمدني صالح كتب الدكتور فوزي حامد الهيتي (عرفته قبل أن أراه وحين التقيته وصحبته عرفت انه اكبر بكثير من كل الأوصاف والمديح الذي قيل بحقه، اسمه لا يحيل إلى شخصه فقط بل هو وصف مطابق للموصوف تمام المطابقة. هو مدني ينتمي بفكره إلى كل ما هو جميل وحضاري وإنساني في الوجود ولا يذكر الناس إلا بالخير محب لكل من حوله بسيط بساطة أهل الريف وطيب طيبة ارض العراق كريما كان مثل نخل العراق،)،

وكتب الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ عن الراحل النبيل(مدني صالح كان عراقيا بالمعنى الوطني تقدميا بالمقياس التنويري ! كان والله حالما بعراق نظيف لا يتسخ بالشللية والطائفية والعنصرية والجغرافية ! لقد عود طلابه وزملاءه على ترك اسئلة اللؤم الأسود من مثل من اي مدينة انت هل انت مسلم ام مسيحي ! هل انت شيعي ام سني ! الكبار من المفكرين لن يكونوا كباراً مالم يكونوا قدوة طيبة يقتدى بها ! ومهيعا لاحبا يغدق على طارقيه ! مدني لم يكن سياسيا مع انه عقل كبير وجبار ولكنه كان وطنيا ولم يكن هيتاويا مع انه ابن هيت الوفي بل كان ابنا عراقيا نجيبا ! مدني صالح لو تعاشره العمر بطوله فسوف لن تعرف مذهبه مع احترامه الشديد لكل المذاهب ولكن سنة المصلحين ان يرتفعوا عن الصغائر ! فكم هو محزن اذن ان نخسر هكذا عراقيا وحلكة الليل العراقي تشتد ونباح الغوغاء والمتزيدين يملأ الرحب صخبا )

فهل بعد هذا نحتاج للتحقق اكثر من ان لدينا مفكرا تمرد على الاكاديمية الانكليزية وتقاليدها الصارمة،ولتعود ذات الاكاديمية بعد حين لتقر له بالتميز الذهني والفكري بين عقول منطقة الشرق الاوسط. ولم يخضع مدني لاية سلطة غير سلطة العقل،وسلطة التواصل الانساني مع الاخرين،بما لايخدش مشاعرهم او يؤثر على حريتهم..

حسنا لنتأمله من زاوية اخرى،كتب رباح ال جعفر واصفا الراحل(..ولم يدخر قط فلسا في حياته ، ويتساوى لديه التبر والتراب ، فهو يؤمن أن لكل غد شمسا وطعاما .. وكان يسخو بإفراط على الأصدقاء ، فهو زاهد في حياته ، متقشف في ملبسه وطعامه .. وطوال عشرين عاما لم أجد مدني صالح يتدافع على مائدة من الموائد ، ولم أجده يأكل لقمة من طبق غيره ، ولم أجده يتأبط أوراقه في ندوة ، أو مهرجان ، ولم أره يظهر على شاشات التلفزيون ، ولم أسمعه يتكلم بصوت عال ، حتى حين يتكلم بحماس وفخر ، فان صوته يخرج خفيضا .. ومع ذلك ، فان مدني صالح لم يشأ أن ينأى بنفسه عن مجتمعه ، فتراه يتابع أدق التفاصيل في حياة من حوله ، ويسأل عنها ، لكن من دون أن يتدخل إلا حين يجد أن تدخله ينفع من دون أن يضر أحدا .

ولمدني صالح طريقة في الحضور إلى كلية الآداب لا تشبهها أية طريقة .. انه لم يأت يوما ما بأي كتاب ، أو مصدر ، ولا يدخل الصف إلا ويداه خاليتان من كل هذه الأشياء .. ومدني لا يتقاطع مع طلبته ، ولا يبتكر المشاكل معهم ، إنما يعمل باستمرار على تشجيعهم ، ويمدهم بالعلامات العالية ، وان كان يعرف أنهم لا يستحقونها ... فهو من النوع الذي لا يسهر ، ولا يثرثر ، ولا يكثر الكلام ، ولا يدخن ، و لا يشارك في الاحتفالات ، والمناسبات ، ولا يحضر فرحا ، ولا مجلس فاتحة ، ولا يحضر مؤتمرات الثقافة ومهرجانات الشعر والأدب ، وكان يعدها نوعا من التدافع على الموائد والطناجر والخواشيق ، وأنا أعرف عنه أنه لم يشرب الماء طوال حياته إلا من بيته .. وفي سنوات عمره الأخيرة لم أره يوما يشرب شايا ، أو قهوة ، أو ماء ، ولا يأكل أبدا خارج بيته .. وفي إحدى المرات دعي ليناقش أطروحة دراسية في جامعة الكوفة ، وذهب صباحا ، وبعد الانتهاء من المناقشة ، أحضروا الموائد ، لكنه امتنع عن حضورها وعاد إلى بغداد مساء من دون أن يتناول شيئا من الطعام) ..

كتب عنه الدكاترة(عبد الاله الصائغ،وعبد الستار الراوي،وسيار الجميل،وفوزي حامد الهيتي،ورسول محمد رسول،وعلي عبد الهادي المرهج..)وسيكتب اخرون،وستطرح عناوين اطاريح جامعية في الماجستير والدكتوراه يكون موضوع بحثها مدني صالح،الذي برهن في نفكيره وسلوكه على مدنية راقية في السلوك والتفكير، فكان صالحا بحق ومصلحا مؤثرافي مجتمعه،(...) ،ثم ماذا؟

علينا ان نتعلم الدرس والحكمة اللذين تركهما لنا هذا المفكر العراقي ،النزيه ،والعادل ،والعاقل،والمحب..كما انه لمن المهم ان نثبت قولة المؤرخ فيه فقد كتب عنه الاستاذ الدكتور سيار الجميل،وجهة نظر تؤشر ما ذهبنا اليه من القيمة الحقيقية للراحل،كتب الاستاذ الدكتور الجميل عنه يقول (.. لقد عرفت الفقيد منذ زمن بعيد من خلال قراءتي للعديد من مقالاته في مجلة الاقلام العراقية التي صدرت في الستينيات .. ثم ازدادت معرفتي به مذ قرأت له بعضا من كتبه وبعضها الاخر اطلعت على بعض فصوله .. لقد توغل مدني صالح في مضامين فلسفية متنوعة ، واجاد في عرض مفاهيمها ، لكنه لم يختص بمنهج فلسفي او نظرية فلسفية محددة .. كنت اجده ينعي على العالم خراب الفلسفة مستذكرا فيها الفهم القاصر لمفاهيم الثقافة والمدنية والحضارة .. وما اعتور التفكير المعاصر من الخلط والارباك ، فهو يرى الثقافة مجرد حيازة اعلامية بينما الحضارة حيازة تننظيمية وسياسة وتشريع واخلاقيات .. .

في كتابه عن ابن طفيل : قضايا ومواقف الذي طبع عام 1998 عن دائرة الشؤون الثقافية العامة بوزارة الثقافة والاعلام / العراق مثلا .. اعادتني قراءته الى جذور التكوين وتشكيل الوعي .. ويقدم الكتاب تفاصيل عن مواقف ابن طفيل الوزير والفقيه والمقرئ والمحدث من الفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة كما يتناول روايته حي بن يقظان وتأثيراتها وتفاعلها في آداب كثير من الامم والشعوب.

امتلك مدني صالح اسلوبا رشيقا ساخرا يجذب الاخرين ويريد ان يشركهم في البحث عن الحقيقة ، والفلسفة في تعريفها المختزل هي البحث عن الحقيقة .. فهل نجح مدني في مواجهاته ؟ وهل انتصر في مهمته الصعبة ورحلته الشائكة الغريبة ؟؟

اعتقد ان بداية منعطفه كان في كتاب ( الوجود ) الذي اصدره عام 1955 ، متأثرا بفلسفة العصر او موجة تلك المرحلة التي انعكست على فكره .. بعد عام واحد اصدر كتابه (اشكال والوان ) عام 1956 الذي سخر فيه من كل ما اجتاح الحياة من اللامعقول ,, وهكذا توالت سلسلة كتبه المثيرة في الفلسفة والادب والنقد والاجتماع .. وكلها تترجم تفكيره المتمرد على الواقع وتعكس اللحظة التاريخية التي يعيشها .. وهي ساخطة على كل الاوبئة التي تجثم على صدر المجتمع ، بحيث لا تتركه يتنفس قليلا .. ثم كانت رحلاته الممتعة مع السياب ومع البياتي .. وقد اختتمها مع نفسه بـ ( مقامات مدني صالح ) عام 1989 الذي اثار النقمة عليه ووصف بالنرجسية والتعالي خصوصا وانه صنف الناس الى ثلاثة اصناف ، هي : الغريزي المندفع واللامعرفي المتشكك والمتسول المقّلد .. وثلاثتهم رفضهم ووصفهم ببكم عمي لا يبصرون مذ ولدوا .. وهم يثيرون الضحك ..

بقي مدني صالح يكتب طوال حياته بقلم جرئ قلما امتلكه غيره .. بقي مستقل الارادة ولم ينحن لأية عاصفة او اعصار في العراق .. كتب المسرحية وحلل جوانب فلسفية وكتب نقدا شعريا رائعا .. لقد بقي مدني صالح ثابتا لا يهتز ابدا .. كان اقوى من تحديات الزمن .. وكان ينتصر دوما في استجاباته لها .. كان اقوى من كوارث العراق التي عانى منها اسوة بغيره من الاصدقاء العراقيين . صحيح انه كان يكتب في القسم الثقافي بجريدة الجمهورية زمنا طويلا ، لكنه لم يكن يقبل في اعماقه احادية الاشياء ولا الدكتاتورية ولا الظلم ولا كل القيود .. انني مؤمن بأن ثقافة الرجل كانت ترفض الاشياء ، ولكنه لم يكن من الجرأة كي يقول كل ما عنده .. لقد مضى مدني صالح ورحل بعد ان كان قد سجل في تاريخ ثقافتنا العراقية المعاصرة اسمه وفكره ونقده .. رحل بصمت اسوة بكل اقرانه الذين حان وقت رحيلهم .. وستبقى ذكراه بيننا لن ترحل نحو عالم النسيان) .
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima