د. برهان شاوي
( 16 )
عــــواء الــذئـــب
كان علي عند منعطف فرعي لشارع السعدون ببغداد حينما تقدم منه فجأة أربعة رجال، أمسك اثنان منهم به، كل من جهة وبشدة بحيث تعذر عليه تحرير نفسه. لقد فوجىء، التفت بسرعة اليهما وخلال لحظة عرف انه تم القاء القبض عليه من قبل المخابرات.
ــ انته فلسطيني، سأله أحدهم.
ــ لا، آني عراقي.
ــ شبيك خفت. سأله الثاني
ــ آني ما خايف. أجاب علي
ــ لعد ليش صار وجهك أصفر.
ــ هه
استغرب علي لطريقة الحوار. كانوا يسيرون به أثناء الحوار إلى زاوية المنعطف حيث تقف سيارة (بيجو) بيضاء، استطاع أن يقرأ رقمها بسرعة خاطفة… (13760 بغداد).
كان علي يشعر بخفقان قلبه وبنبضاته تكاد تسمع، لم يكن خائفا بل كان مرتبكا، لقد خاف للحظات لكن ثمة برودة سرت في روحه، لقد كان متهيئا لمثل هذا الموقف، فمنذ أشهر وحملة مطاردة واسعة تشمل أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه، وأخبار التعذيب والاغتصاب أصبحت موضوعاً مهماً في الحديث اليومي.
دخل أحدهم السيارة وجلس خلف مقودها، ثم دخل آمر في القسم الخلفي ودفع الآخران علي إلى داخلها.. جلس شخص ثالث إلى جانبه فأصبح هو وسطهما في حين جلس الرابع في مقدمة السيارة إلى جانب السائق ثم التفت إلى علي قائلاً:
ــ وين جنت رايح؟
ــ رايح للبيت.
مد الرجل يده في جيبه وأخرج وريقات صغيرة مطوية ثم سأل:
ــ وهذي الأوراق، شنو معناهه.
فقال علي وقد استجمع شجاعته:
ــ هذه الأوراق ما أعرف شكو بيهه أولاً، ثم انه انته طلعتهه من جيبك.
ابتسم الرجل الذي فهم علي من سياق الأحداث بانه رئيسهم قال:
ــ يعني انته تتهمنه، طيب.
ثم مد يده في جيب بلوزته وأخرج رصاصات مسدس وقال:
ــ وهذه الرصاصات، شنو معناهه، يا هو من الملوك والرؤساء العرب تريد تغتال، ثم وين المسدس.
هلع علي من هذه التهمة الملفقة وتذكر فجأة بانه الآن يعقد ببغداد مؤتمر للملوك والرؤساء العرب قال علي بارتباك:
ــ هذي الرصاصات جانت بجيبك، ثم اني ما عندي أي مسدس.
التفت الرجل الشرطي إلى زملائه قائلاً بجدية:
ــ سمعتو، يتهمنه بالكذب، طيب نتفاهم بعدين.
تحركت السيارة متجهة نحو شارع (أبو نؤاس) ثم استدارت باتجاه (ساحة التحرير) ثم صعدت جسر (الجمهورية) عابرة إلى ضفة الكرخ مجتازة الشارع التي تقع فيه محطة الاذاعة والتلفزيون.
كان رجال المخابرات في حالة مرح، بينما أحس علي برغبة عارمة بالتبول لكنه أمسك نفسه رغم نزول قطرات قليلة. قال الرجل الذي في مقدمة السيارة:
ــ راح نوصل
فهم الآخران ماذا يعنيه، فجأة أخذا علي وضغطا على رأسه وكتفيه ثم مدداه بين أرجلهم كيلا يعرف ويرى أين سيدخلون به.
***
كانت السيارة العسكرية تقطع الطريق بين المعسكر والسليمانية، وقرب مقهى صغير على جانب الطريق وقفت السيارة بعد أن خرجت عن الطريق الأسفلتي العام. نزل الجندي السائق وأقبل إلى جهة الخلف، أطل عبدالله عليه وسأل:
ــ شصار، ليش وكفت؟
ــ انزل نشرب فد استكان شاي، عدنه وكت.
التفت عبدالله إلى شيرين، كانت حزينة ومرعوبة ومنكمشة على نفسها.
نظر إليها لحظات، كان متأثراً لوضعها لكنه لا يدري كيف يساعدها. نزل من السيارة، دخل مع الجندي السائق المقهى، بعد لحظات عاد وهو يحمل قنينة كولا، أطل على شيرين، التفتت إليه فأشار إليها بأن تأخذ القنينة، ولانه لا يعرف الكوردية فقد قال بالعربية:
ــ اشربي.
لم تجبه، نظرت اليه بتردد، فكر في نفسه وبما لكونه يثير فيها الرعب، ترك قنينة الكولا بالقرب منها ونزل ثانية، بعد دقائق خرج الجنديان، صعد السائق إلى موضع القيادة في حين أطل عبدالله ثانية ليرجع القنينة الفارغة، فوجىء بانها لم تمس قط، نظر إليها للحظات، صعد إلى حيث كان وألقى بالقنينة المليئة إلى الأرض، خرج صاحب المقهى بملابسه الكوردية، نظر باستغراب إلى الجندي، بينما تحركت السيارة.
***
في عتمة الغرفة ذات الأثاث الفاخر، كانت جمرة السيجار متقدة. في العتمة تحرك شيء، انه الرئيس وقد جلس في مقعده، تناول سماعة الهاتف ودون أن يطلب رقما ضغط على زر في الهاتف وقال للذي على الطرف الآخر من الخط:
ــ صيح لي عريف طراد.
وضع السماعة وفي اللحظة دخل طراد وأدى التحية العسكرية رغم انه في الملابس المدنية.
قلب الضابط الرئيس بعض الأوراق التي أمامه وقال:
ــ انته متأكد من معلوماتك عن هذا؟
نظر إلى ورقة أمامه وأكمل:
ــ هذا المتدين هاشم؟
ــ نعم سيدي، شفت غرفته.
ــ شلون شفت غرفته، شنو المناسبة؟
ــ ما كو أي مناسبة، سيدي، سويت مفتاح عن القفل بالباب دون أن يعرف طبعا، ودخلت الغرفة دون أن يعرف أحد سيدي.
قال الضابط بعد لحظة من الصمت:
ــ اكمل.
ــ شفت كتب وآيات قرآنية عله الحايط، كتب مثل القرآن و(فلسفتنا) و(اقتصادنا) لمحمد باقر الصدر، كتب سيد قطب، وجان دولاب صغير مثل صندوق مقفول بقفل جبير ما كدرت افتحه، ما أدري شكو فيه.
ــ اليوم بالليل تقبضون عليه، هسه اتصل بنايب الضابط خضر وأبلغه.
أدى التحية وخرج، بقي الضابط الرئيس وحيداً، نهض، تجول في الغرفة، اقترب من ذئب محنط، امتص نفساً من الدخان ونفخه بوجه الذئب.. بقي للحظات ساكناً ثم اتجه نحو الباب، أغلقها من الداخل، نزع سترته العسكرية وألقى بها على المنضدة، أخذ الذئب المحنط ووضعه في وسط الغرفة ثم جلس قبالته في وضع حيواني، حدق بوجه الذئب بنظرة ذئبية ثم بدأ يعوي، يعوي.
***
في الشارع وقرب باب أحد فروع مديرية المخابرات في الكرخ وقفت سيارة البيجو البيضاء، نزل منها رجال المخابرات ومعهم علي الفيلي معصوب العينين بشريط من قماش أسود، قاده اثنان من رجال المخابرات، كانوا قرب السيارة لكنهم أرادوا أن يحموه نفسياً ويملؤنه بالرعب.
قال أحدهما:
ــ دير لليسرة.
استدار واستدار معهما، ساروا بضع خطوات، قالوا:
ــ دير لليمنه.
ساروا خطوات أخرى، كانوا يدورون ويستديرون قرب السيارة.
ــ والآن يسرة
ــ ساروا خطوات
ــ والآن يمنة
ساروا خطوات
ــ نزل رأسك
قوسوا ظهره فسار محني الرأس لمسافة وكأنه يتجنب شيئاً، بعد ذلك داروا لخطوات، وساروا به إلى الداخل، دخل الجميع من الباب المفتوح على ظلمة، اختفوا في الظلمة.
( 17 )
الفـــــرقــة الســـــابـعـــة
دخلت السيارة التي تقل شيرين والجندي عبدالله مدينة السليمانية، استدارت حول الساحة في وسط المدينة وانحدرت في طريق رئيسي ثم استدارت ثانية في شارع فرعي حيث يقع هناك مقر الفرقة السابعة. وقفت السيارة أمام الباب الرئيسي، نزل عبدالله وفتح الباب الخلفي ثم اشار لشيرين بالنزول فوقفت وجلة لا تدري كيف تنزل، مد لها يده، ترددت في أخذها، استدارت ممسكة باحدى الجهات الجانبية من السيارة ونزلت لوحدها.
تحركت السيارة من أمام الباب وسار عبدالله وخلفه شيرين باتجاه أحد جنود الانضباط الذين يحرسون الباب الرئيسي. وقبل أن يسأله الانضباط قدم عبدالله له الكتاب الرسمي الصادر من مقر الفوج. قرأه الجندي الحارس ودون أن يقول شيئاً أرجعه لعبدالله ثم قال موضحاً:
ــ السيد قائد الفرقة طلع، والسيد آمر الاستخبارات باجازة، بس ضابط الاستخبارات ونائب الضابط موجودين. غرفتهم بنهاية الساحة. روح على ضابط الخفر قبل كل شيء حته تحصل عله مكان تنام بيه.
فسأله عبدالله بحذر:
ــ وهاي البنية؟
ابتسم الحارس ثم قال وقد ارتسمت على وجهه مشاعر جنسية لم يستطع اخفاءها:
ــ هي البنية ليلتهه سوده، الليلة يحققون وياهه وباجر تروحون لمقر الفيلق الأول بكركوك.
انقبض قلب عبدالله وارتسم الانزعاج والقلق على وجهه، كانت شيرين حزينة وخافضة رأسها وكأنها جثة تتنفس، كانت مرعوبة ومتوترة توتراً داخلياً. تحرك عبدالله داخلاً تتبعه شيرين.
***
كان طراد ورجلان آخران يقفون بالقرب من باب الدار التي يسكنها، وعند منعطف الزقاق تقف سيارة بيضاء يقبع في داخلها سائقها، كان طراد يدخن بقلق.
مر بعض الوقت وهم على وقفتهم، فجأة رمى طراد سيجارته وسحقها بقدمه مبدياً انتباهاً خاصاً فانتبه الرجلان الآخران أيضاً ونظرا باتجاه المنعطف، كان هاشم مقبلاً وما أن تجاوز السيارة البيضاء بخطوات حتى هز رأسه بحركة تأكيد، وحركة سريعة وخاطفة طوق الرجلان هاشم ونزل السائق بسرعة وهو يمسك مسدساً بيده، حاول هاشم المقاومة والافلات لكنه لم يستطع، وبدون أن يصرخ أدرك كل شيء فألقى نظرة خاطفة على طراد وعلى وجوه الرجال الذين أمسكوا به، نظرة مليئة بالاحتقار والغضب.
***
في باحة مقر الفرقة السابعة وفي أقصى الساحة يميناً كان عبدالله جالساً على صفيحة فارغة متخذاً منها مقعداً ومتكئاً للأمام على بندقيته، وعند الجدار كانت شيرين مقرفصة ورأسها منخفضاً، كانت تبكي بصمت وكان عبدالله حزيناً ولا يدري ماذا يفعل، كان يجوب ببصره في أرجاء المعسكر. نظرات تائهة ومليئة بالضجر. انتبه فجأة لبكاء شيرين، التفت إليها، كان وجهه حزيناً ومتوتراً. وفجأة سمع أصواتاً رتيبة لوقع أقدام عديدة، التفت فرأى أكثر من عشرة جنود يتقدمهم عريف ويمشون في طابور عسكري متجهين نحوهما، وقف الجنود وشكلوا بسرعة خطاً أفقياً. كانت شيرين وحيدة وقفت متكئة بظهرها إلى الحائط وبسطت يديها على الجدار لائذة، كان وجهها مليئا بالرعب.
صرخ العريف: استعد
استعد الجنود ثم صرخ العريف ثانية: تهيأ.
تهيأ الجنود وشرعوا بنادقهم مصوبين باتجاه شيرين.. نظر العريف والجنود بتعجب حيث لم يكن ثمة أحد عند الجدار.. اختفت شيرين.. اقتربوا.. وجدوا أوراق وردة متناثرة وقفص مفتوح.. غضب العريف فسحق أوراق الوردة بجزمته ثم أخذ بندقية من أحد الجنود وأطلق كل ما فيها من طلقات مصوباً نحو القفص.. ثم التفت إلى الجنود وصرخ: استعد.
***
انتبه عبدالله على اثر الصوت، التفت بارتباك فرأى العريف يقف قربه، نهض مرتبكاً وقال:
ــ العفو عريفي.
ابتسم العريف وجال بنظره ما بين عبدالله وشيرين التي رفعت وجهها الباكي في هذه اللحظة. وما أن رأت العريف واقفاً حتى مسحت وجهها بسرعة وكأنها لا تود أن يرى أحد ضعفها وبكاءها.
قال العريف:
ــ تعال وياي إلى ضابط الخفر، وخلي هاي الكوردية تجي وياك، لازم تسلمها لضابط الخفر.
مشى العريف فسار عبدالله خلفه، التفت، كانت شيرين مازالت في مكانها. نظر إليها بحنو مشوب بحزن وكآبة. وقفت ثم سارت خلفه متجهين إلى غرفة ضابط استخبارات الخفر.
طرق العريف باب الغرفة وفتحها داخلاً.
***
فتح الباب للداخل، كانت الغرفة مظلمة، دخل شخص وضغط زر الكهرباء فأضىء المكان، كان (علي الفيلي) مشدوداً لكرسي وسط الغرفة وعلى وجهه آثار تعذيب، دخل رجل آخر، اقتربا منه، كان وجهه ملقى على صدره فرفع أحدهم وجهه ضاغطاً على فكيه وصرخ بحقد:
ــ يعني ما راح تعترف، وين أخفيت المسدس.
رفع علي الفيلي رأسه بصعوبة كان مازال معصوب العينين، لم ينطق بكلمة، أخرج أحدهما سيجارة وأشعلها، نفث نفساً من الدخان في وجه علي ثم فجأة وبلا تردد وضع جمرة السيجارة على فخذ علي وظل ممسكاً بها، تململ علي ألماً ثم ارتسمت علامات ألم كبير على الجزء المكشوف من وجهه، كانت النار قد أحرقت البنطلون ومست لحم الفخذ. سحب الرجل يده رافعاً السيجارة إلى فمه ساحباً نفساً منها، كانت علامات النشوة الباردة ترتسم على وجهه، ومرة أخرى مد يده ووضع السيجارة على موضع آخر، بدأ علي بالضغط على نفسه من أجل أن لا يصرخ متألماً لكنه لم يستطع فكظم ألمه ثم انفجر بصرخة عالية: آخخخخخخخ.
( 18 )
لـيـــلة شـــرقـــيـة
قال الرئيس وهو ينفث دخان سيجاره الكوبي بهدوء: نضال آخر زمن.
ــ أنتم عملاء، تعملون لصالح الأجنبي من أجل أن تخربوا البلد وتخلقوا الفوضى.
كان الرئيس غارقا في العتمة كعادته ولم يكن في المكان سوى هاشم الذي كان مشدوداً للكرسي أمام الرئيس. كان خيط من الدم على طرف شفته اليسرى من أثر الضربة، وفي عتمة الغرفة كان رجال المخابرات يبدون كأشباح تقف خلف هاشم.
ــ نحن لسنا عملاء، هذه اتهامات باطلة ليس لها أساس من الصحة، نحن مسلمون وهدفنا أن نقيم حكم الاسلام.
سأله الرئيس ساخراً:
ــ ونحن ألسنا مسلمين؟
فقاطعه هاشم بحماس:
ــ أنتم أعداء الاسلام، أنتم دمى بيد الغرب… أنتم…
ولم يكمل جملته إذ تقدم منه أحدهم من الخلف وأراد خنقه بحبل كان يمسكه بيده، اختنق هاشم واختنقت الكلمات في فمه، أشار الرئيس من العتمة أن اتركواه فسحب الرجل الحبل عن رقبة هاشم الذي أخذ يتنفس بصعوبة.
ــ طيب، شنو رأيك لو أثبت لك بالوثائق بانه كل هاي التنظيمات الدينية هي تنظيمات ارهابية مرتبطة بأمريكا واسرائيل وايران.
فقال هاشم بتحد:
ــ وثائق مزورة، انكم تستطيعون أن تزوروا كل شيء، حتى التاريخ.
علق الرئيس:
ــ تعجبني شجاعتك، شنو رأيك لو تشتغل ويانه، طبعا تبقى صلتك بالتنظيم الديني مستمرة.
فقال هاشم بغضب:
ــ جبناء، الموت أشرف لي.
ومع جملة هاشم جاءت ضربة قوية من الخلف قلبت هاشم والكرسي إلى الأرض.
***
ألقى ضابط الخفر بالكتاب الرسمي بصدد شيرين على المنضدة التي أمامهن نظر إلى شيرين بتمعن ثم نهض من كرسيه متجهاً نحوها.
كانت شيرين واقفة وسط الغرفة التي تؤدي بدورها إلى غرفة أخرى داخلية تفصلهما باب خشبية.
على مبعدة من شيرين كان العريف في وضع استعداد عسكري وخلفهما قرب الباب كان عبدالله واقفا.
أخذ الضابط يدور حول شيرين متأملاً قوامها متفحصاً جسدها بنظرات شهوانية، وقف أمامها، كانت شيرين المرعوبة خافضة الرأس. فجأة مد يده مداعباً نهدها وبسرعة خاطفة لم يكن يتوقعها دفعت يده ورجعت خطوتين إلى الوراء ناظرة إليه نظرة جريحة وغاضبة مليئة بالكره والاحتقار. فوجىء الضابط، بهت لحظة ثم بدأ يقهقه عالياً. ابتسم العريف ايضا وهو ينظر إلى شيرين بينما كان عبدالله ساكناً وثمة غضب في أعماق عينيه.
أشار الضابط للعريف بالخروج دون أن يقول كلمة فاستدار العريف متجهاً نحو الباب. بقي عبدالله واقفاً وكأنه ينتظر شيئاً، نظر الضابط إليه بلا مبالاة ثم قال للعريف:
ــ باجر الصبح تعالوا خذوها.
التفت العريف للضابط مبتسماً بخبث مؤدياً التحية.
ــ حاضر سيدي.
ثم دفع عبدالله أمامه خارجين.
***
في زنزانته كان علي الفيلي وحيداً مشدوداً للكرسي ومعصوب العينين.
كان الصبيان يلعبون بالكريات الزجاجية الملونة (دعبل) يرمونها بأصابعهم، ولم يكن الزقاق حينها مزدحماً، خرجت امرأة تقارب الخمسين من أحد البيوت وصاحت متجهة صوب الصبيان:
ــ علي… علاوي
انتبه أحد الصبيان إليها وأجاب من بعيد:
ــ شتريدين؟
ــ تعال تغده ابني
ــ هسه أجي
قال ذلك واستمر في لعبه، ظلت الأم تنظر إلى الصبيان نظرات حنونة.
كان علي مازال على كرسيه مشدوداً، انحدرت دمعتان من عينيه المعصوبتين، فجأة فز على صوت صياح ديك.
***
فز عبدالله أيضاً، كان في فراشه، نهض من السرير، وعندما فتح باب غرفته كان يرتجف.
كان حافياً، ذهب بخفة إلى باب غرفة السيدة‘ وسمع صوت شخير.. وأخيراً دخل الممر الذي يقود إلى غرفة السيدة….. وهو يحس أنه يتألم، وفتح بيد مرتجفة بابها الذي أطلق صريراً مخيفاً. كان في الغرفة بعض الضوء ينبعث من مصباح ليلي يضيء تحت المدفأة، وعندما رأته السيدة داخلاً قفزت بسرعة خارج سريرها وهي تقول:
ــ أيها التعيس..
لم يرد عبدالله على لومها الا نه أكب على أقدامها مقبلاً ركبتيها صاعداً بقبلاته إلى الأعلى دافعاً بها إلى السرير رافعاً ثوبها الخفيف إلى الأعلى.
سقط الكتاب من السرير، كان عبدالله مازال في ملابسه العسكرية مستلقياً على سرير في غرفة ضيقة وواطئة السقف. نهض ببطء، تقدم من المصباح المعلق وسط الغرفة متدلياً من السقف…. دفعه فأخذ المصباح يتحرك حركة بندولية، فجأة سمع صرخة نسوية عالية، صرخة وحشية، صرخة استغاثة فاقشعر جسده وشعر بالخوف.
***
كانت شيرين مشدودة اليدين ومربوطة بقضبان السرير الحديدي للخلف. كانت شبه عارية، إذ كان صدرها عارياً ونهداها بارزين وسروالها منزوعاً عند قدميها المفتوحتين على سعتهما، كانت كمجنونة، تائهة النظرات، وحشية الألم. وكان الضابط قد استدار لها بقفاه منشغلاً بتنظيف عضوه من دم بكارتها. زرر بنطاله وألقى بمنديل أبيض ملوث بدم إلى جانب حوض حنفية الماء.
(19)
مــــاديــون ومثـــاليــــون
فتحت الباب فدخل رجل ضغط زر الكهرباء. أضيئت الغرفة التي كان ولايزال هاشم مشدوداً على كرسيه في وسطها مغمى عليه من التعذيب. دخل رجلان آخران يحملان (علي الفيلي) وهو على كرسيه مشدوداً ومعصوب العينين. وضعاه قبالة هاشم وخرجا غالقين الباب وراءهم مطفئين النور، فغرقت الزنزانة بالظلام سوى بعض النور الذي كان يتسرب من نافذة تطل على ممر مضيء.
مر وقت ليس بالقصير كان علي الفيلي يئن بخفوت، فجأة بدأ هاشم باستعادة وعيه، انتبه لوجود شخص ما من خلال صوت الأنين الخافت. انتبه علي الفيلي كذلك لحركة هاشم وصوت صرير الكرسي، حبس كل منهما نفسه بتوجس، ظن كل منهما بأنه واهم. عادا إلى حالتهما التي كانا عليها بعد أن تأكد وهمهما. بدأ علي الفيلي بأنينه الخافت وهاشم بتنفسه المسموع.. انتبها ثانية، وفجأة سأل هاشم:
ــ من هناك؟
لم يجب علي الفيلي فأعاد هاشم سؤاله:
ــ من هناك؟
أجاب علي الفيلي بألم:
ــ آني، آني اسمي علي، انته منو؟
ــ أنا هاشم. لماذا أنت هنا؟
ــ آني معتقل، وانته؟
ــ أنا معتقل أيضاً، ولكن لماذا اعتقلت؟
ــ تهمة سياسية، وانته؟
ــ تهمة سياسية أيضاً، ولكن بأي شيء اتهمت؟
ــ اتهمت بالارهاب ومحاولة اغتيال الملوك والرؤساء العرب وحيازة مسدس.
ــ وهل هذا صحيح؟
ــ كذب طبعاً
ــ لماذا اعتقلت اذن؟
تردد علي الفيلي ثم أجاب:
ــ لأنني شيوعي.
فقاطعه هاشم:
ــ عليك اللعنة، أنتم الشيوعيون تستحقون هذا الجزاء.. لأنكم خونة.
فوجىء علي الفيلي.. صمت.. مرت لحظات صمت بينهما، حاول علي مواصلة الحديث فسأله:
ــ انته من التنظيمات الاسلامية؟
ــ نعم والحمد لله، أنا لست مثلك ضللت طريقي فلم أعرف عدوي من صديقي.
صمت علي الفيلي لحظة ثم قال:
ــ أولاً.. أنا أعرف طريقي جيداً، وثانياً..
فقاطعه هاشم:
ــ رغم أن وضعنا الحالي لا يليق بنقاش جدي، ورغم اني لا أعرفك ولم أرك، فانني أقول لك بانك واهم باعتقادك بانك تمشي بالطريق السليم. ان الطريق السليم الوحيد هو الطريق الذي يضيئه نور المعرفة، نور العقل والايمان.
صمت علي الفيلي لحظة، كان قد نسي ألمه، لم يشأ أن يرد لكنه وجد في الحديث شيئاً من المشاركة الانسانية تخفف عنه صعوبة الموقف وثقل الحالة التي هو فيها فقال:
ــ كل منا يبحث عن طريق الخلاص، ويعتقد أن الطريق الذي يسلكه هو الطريق الصحيح الوحيد. القضية تكمن في القناعات الشخصية لكل انسان.
أجابه هاشم بشيء من العصبية:
ــ وهل تعتقد أن طريق الالحاد وانكار وجود الله تعالى هو طريق الخلاص. هل هو بالانحلال الخلقي والتحرر الجنسي وعدم التقيد بالضوابط والأخلاق.
فرد عليه علي الفيلي بعصبية ايضاً:
ــ اسمع جيداً، آني بوضعية ما تسمح لي نهائياً سماع هذي السخافات والاتهامات الباطلة الناتجة عن جهل كامل بأفكار الآخرين وقناعاتهم، المفروض قبل ما تتهم الآخرين هو أن تعرفهم جيداً وتعرف مبادئهم وأفكارهم.
صمت هاشم لحظة، أحس بالاحراج فهو لم يقرأ حقاً كتب الشيوعية، لكنه لم يشأ أن يتراجع عن موقفه فقال:
ــ أفكاركم واضحة، أنتم ملحدون، لا تؤمنون بالله واليوم الآخر.
فقاطعه علي الفيلي مهاجماً:
ــ تكدر توضحلي من هو الله، ومن أين جاء، وأين هو الآن، وكيف خلق العالم، ثم لو هوه موجود اذن ليش هذا الظلم والجهل والمرض موجود على الأرض، ليش الشر هو المسيطر.
صمت هاشم لحظة ثم قال بهدوء:
ــ كان الله في عوني، أنت تريد أن أجيبك الآن وببساطة وفي زنزانة التعذيب على أسئلة شغلت البشرية منذ مئات القرون وكتبت آلاف الكتب والمجلات للاجابة عليها. ولكن رغم ذلك سأحاول فانني أود أن أقول لك بانكم أيها الماديون تقولون بان الانسان هو أعلى شكل لتطور الطبيعة والحياة وان العقل البشري أعلى مرحلة توصلت اليها الطبيعة في تطورها وان التفكير سمة الكائن البشري فقط ولكن كما ترى فان الانسان لايزال يتخبط في ظلمات نفسه وظلمات الكون المحيط به ولم يستطع أن يجيب على المسائل الكونية بينما الطبيعة وهي التي لا تفكر وجدت قبل الانسان بملايين السنين بهذا النظام العجيب الدقيق والمذهل، كيف استطاعت الطبيعة غير المفكرة أن تفكر وتكون نفسها بهذه الدقة والنظام. أما أن الطبيعة مفكرة وهي عبقرية ومطلقة التفكير بحيث تكون بهذا النظام وهذا يطرح سؤالين وهما: كيف وجدت الطبيعة ومن أين جاءت؟ وكذلك في ان الانسان ليس أعلى شكل لتطور الحياة والطبيعة. أو أن هناك من خلق الطبيعة بما هي عليها من نظام. وهو الله عزل وجل.
فقاطعه علي الفيلي:
ــ ولكن من هو الله؟
فغضب هاشم ورده قائلاً:
ــ بسم الله الرحمن الرحيم: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
ــ ولكن هذا ليس جواباً.
فرد هاشم:
ــ بسم الله الرحمن الرحيم: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
فقاطعه علي الفيلي:
ــ على كل حال، لا أريد أن أدخل معك في نقاش فلسفي، شخصياً أنا أشك في كل شيء، لأنه حتى المادية والماديين لم يستطيعوا أن يجيبوا على سؤال من أين جاءت المادة الأولى وكيف خلقت الطبيعة وهذا ينطبق على المثاليين أيضاً فانهم لم يستطيعوا الاجابة عن ماهية الله.
فقاطعه هاشم بصوت عال:
ــ استغفر الله ربي وأتوب إليه.. استغفر الله.
في هذه اللحظة فتح الباب ودخل ثلاثة رجال، أضاءوا الغرفة.
***
كان عبدالله والسيدة مستلقين على السرير في عتمة الغرفة. تمتم عبدالله:
ــ سأترككم غداً وارحل إلى العاصمة، أحد المهتمين بي وجد لي وظيفة أمين السر لدى أحد الشخصيات المهمة هناك.
ندت صرخة مضطربة عن السيدة:
ــ إلى العاصمة.
ــ أجل سيدتي، سأترككم إلى العاصمة.
ثم حاول عبدالله أن يشعل النور فاعترضت السيدة فقال:
ــ هل تريدين اذن أن لا تبقى لدي ذكرى بأنني رأيت جسدك الرائع.
نظرت اليه ولم تجبه، كان في عينيها حنان وسعادة، فجأة سمعا طرقاً على الباب، قفز عبدالله.
***
دخل العريف الغرفة وبيده مظروف، كان عبدالله قد أخفى الكتاب تحت الوسادة. نهض عبدالله واقفاً ببطء.. قال العريف:
ــ هذا كتاب البنت الكوردية جاهز.. باجر عليك أن تأخذهه إلى الفيلق الأول بكركوك.
أخذ عبدالله المظروف من العريف قائلاً بصوت فيه رنة ألم:
ــ صار عريفي.
خرج العريف من الغرفة. جلس عبدالله على السرير مفكراً للحظات، وضع المظروف تحت الوسادة ثم أخذ الكتاب، استلقى على السرير وفتح الكتاب ليستمر بالقراءة.
( 20 )
الأرنــــــب
ــ أنا صامد.. صامد.
ــ أنا صامد
كان العريف بملابسه العسكرية وخوذته وسلاحه يهرول وخلفه عدد من الجنود وهم يهرولون مرددين الكلمات نفسها، كان العريف يصرخ ليثير حماس الجنود:
ــ من أجل بلادي
ــ أنا صامد
ــ رغم الأعادي
ــ أنا صامد
خرج عبدالله من غرفة الضابط تتبعه شيرين وهي تمشي بانكسار منكسة رأسها.
نظر عبدالله إلى العريف والجنود، نظروا هم بدورهم اليه والى شيرين، سار عبدالله تتبعه شيرين باتجاه الباب الرئيسي بينما استمر العريف والجنود يواصلون الهرولة وترديد الشعارات.
***
كان الرسام صباح مستلقياً على سريره عارياً إلا من سرواله حينما طرق الباب:
ــ منو
أجابه صوت رجولي:
ــ احنه
نهض فجأة، لبس معطفاً صوفياً كان معلقا عند رأسه، وما أن فتح الباب حتى دخل أربعة رجال.
ــ خيراً، شنو القضية؟
فقال أحدهم:
ــ ما كو شيء أستاذ صباح، كل ما هناك نريدك تجي ويانه لمديرية الأمن.
ارتبك صباح وسأل:
ــ ليش
ــ ما كو شيء، شوية أسئلة وأجوبة.
صمت صباح للحظة ثم قال:
ــ خلوني ألبس ملابسي
فاحاطوه وأخذوه خارجاً
ــ ما كو داعي، هي خمس دقائق وترجع.
حاول أن يعترض
ــ بس هيج ما يصير يا اخوان، خلوني ألبس ملابسي.
فأجابه أحدهم بصوت حازم:
ــ لا تطولهه، كلنه خمس دقائق وترجع.
خرجت العجوز أم طارق من غرفتها على الضجيج الذي تعالى في الطابق الثاني، رأت صباح بين الرجال الأربعة وهو في معطفه الصوفي المفتوح حيث يبدو جسده عارياً إلا من السروال فسألت برعب:
ــ هاي شصار.. منو انتم.. شتردون من صباح.
فدفعها أحدهم:
ــ هذا موشغلج.
فألحت بالسؤال:
ــ عيني شنو مو شغلي، صباح ساكن ببيتي.
فرد عليها أحدهم:
ــ كلنه هذا موشغلج، هذا شغل الحكومة.
فردت ساخرة وغاضبة في آن واحد:
ــ عيني هاي ياحكومة اللي تاخذ الناس من الفراش مصاليخ.
فصرخ بها أحدهم:
ــ اسكتي وإلا نسكتج بالقوة.
كانوا قد وصلوا إلى الباب الخارجي، خرجوا وصفقوا الباب وراءهم. بقيت العجوز أم طارق وسط باحة الدار، نظرت إلى الطيور السجينة في قفصها، نظرت إلى الطابق الأعلى ثم خفضت بصرها وأطلت بنظرها إلى غرفة علي الفيلي وهاشم، حدقت بالقفص، فتحت باب القفص… وأطلقت الطيور.
***
كانت السيارة العسكرية تمضي بسرعة على الطريق الاسفلتي الذي يتعرج بين سهول ومنخفضات ترابية. ومن بعيد كانت الجبال تبدو شامخة بقممها الثلجية.
كان عبدالله يواصل القراءة في الكتاب الذي معه وبين فترة وأخرى كان يرمق شيرين بنظرة ألم وتعاطف وكانت شيرين قد تكورت على نفسها مثل طفل في رحم أمه، كانت تبكي بصمت.
***
كان عبدالله ببدلته السوداء وحيداً في قاعة المكتبة الفخمة وكان يستنسخ فقرات من كتاب ما.. دخل رجل نحيل ذو نظرة متوقدة وشعر أشقر إلى القاعة، كان يبدو من هيئته بانه الشخصية المهمة التي يعمل عنده عبدالله كأمين سر.
ــ لست واثقاً من املائك.
فقال عبدالله بهدوء:
ــ أظن ان املائي صحيح.
فقال الرجل وهو يشير إلى الكلمة المكتوبة خطأ:
ــ عندما تنتهي من كتاباتك ابحث في القاموس عن الكلمات التي لا تثق تماماً من صحة كتابتها.
نظر الرجل إلى الساعة الجدارية التي كانت تشير إلى الساعة السادسة ثم ألقى نظرة على ملابس عبدالله وعلق قائلا:
ـ ألم أقل لك بأن عليك أن تكون بملابس السهرة كل يوم تمام السادسة، اليوم أعذرك، والآن دعنا نذهب إلى الصالون فالعائلة والضيوف بانتظارنا.
اتجه الرجل نحو الباب يتبعه عبدالله، أمسك بأكرة الباب فاتحاً اياه.
فتح باب الصالون، دخل السيد، يتبعه عبدالله. كان الجميع قد جلس على المائدة لكن لم يبدأوا بالطعام بعد. جلس السيد وأشار إلى عبدالله بالجلوس على مقعد قريب جنب امرأة قدم عبدالله لها. كانت امرأة ذات قامة طويلة وهيئة مهيبة.
أخذت عبدالله روعة الصالون لكنه وجد نفسه غريباً وسط هذا المجتمع الجديد. كان الجميع يتحدثون بصوت واطىء وبتهذيب منشغلين عنه، وفجأة دخل الصالون شاب وسيم ذو شارب، شاحب اللون، أنيق، ذو رأس صغير، فقالت السيدة صاحبة الدار حينما تقدم الشاب مقبلاً يدها:
ــ دائماً تجعلنا ننتظر يابني.
في هذه اللحظة ذاتها انتبه عبدالله لفتاة شقراء شابة جميلة تجلس قبالته، عرف انها ابنة السيد، لكنها لم تعجبه، وحينما تطلع إليها بانتباه، فكر بانه لم ير في حياته عينين بهذا الجمال، لقد كانتا تلمعان من تأثير ضوء الشمعدان.
قال السيد متجهاً لابنه الذي كان قد وصل متأخراً وهو يشير إلى عبدالله:
ــ أطلب منك الاهتمام بالسيد الذي ادخلته إلى هيئة أركاني، وأظنني سأجعل منه رجلاً لا يرتكب أخطاء لغوية عندما يكتب.
ثم التفت إلى السيد الذي يجلس جواره قائلاً:
ــ انه أمين سري الجديد.
تطلع الجميع إلى عبدالله الذي أحنى رأسه قليلاً محيياً الضيوف.
فجأة اهتزت المائدة وما عليها من صحون وكؤوس وارتجت، تماسك الجالسون بالكراسي والمائدة.
***
كانت السيارة قد ارتجت واهتزت من أثر وقوفها المفاجىء.. تمسك عبدالله بمقعده وكذلك شيرين حيث أمسكت المقبض الجانبي.
مد عبدالله رأسه مطلاً على جهة السائق وسأل:
ــ هاي شصار، ليش وكفت
فأخرج الجندي السائق رأسه من النافذة الجانبية وأجابه:
ــ مر أرنب من الطريق وما ردت اسحكه.
بعد لحظات سارت السيارة منحدرة حيث اختفت في الطريق الذي يمتد بين تلال ترابية.
( 21 )
التــــعـهــــــــــــد
كان صباح عارياً وهو على الكرسي وسط الغرفة المعتمة أمام الرئيس، وكان الرجال الآخرون الذين اعتقلوه يقفون قرب الباب في العتمة. سأل الرئيس:
ــ يعني انته مو سياسي
فقال صباح:
ــ آني ما اهتم بالسياسة، وانما آني فنان، بالنسبة لي…
فقاطعه الرئيس:
ــ احنه نريدك تصير عضو بالحزب.
فقاطعه صباح:
ــ بس
فرد الرئيس بغضب:
ــ أولاً، لا تقاطعني، ثانياً بلا اعتراضات، لازم تصير عضو بالحزب وإذا ما تحب نعاملك بطريقة أخرى.
قال الرئيس ذلك ومد له ورقة طلب منه التوقيع عليها:
ــ وقع هنا.
أخذ صباح القلم مفكراً، أراد أن يوقع لكنه توقف سائلاً:
ــ وإذا لم أوقع؟
حدق الرئيس به لحظات بصمت ثم أشار بيده للرجال في العتمة، خرجوا لحظات ثم دخلوا. كان كل اثنين منهم يجران شخصاً، ألقيا بالشخصين أمام صباح، لقد عرفهما، انهما جاراه في الطابق الأرضي. كانا أشبه باللحم المدهوس.. كانا مشوهين حد البشاعة من أثر التعذيب.
لم يستطع صباح تحمل المشهد فأمسك بالقلم ووقع بسرعة لكنه ألقى برأسه على الورقة وغطى رأسه بيديه ثم أجهش ببكاء مسموع.
***
من وراء ظهور الكتب كان ثمة باب دخلت منه الآنسة الشقراء إلى قاعة المكتبة دون أن ينتبه لها عبدالله والرجل الذي حصل له على هذه الوظيفة، حيث كانت رفوف من الكتب تفصلهم. كانت الفتاة قاسية الهيئة متعالية النظرات، باردة بالطبع.. ألقت نظرة على عبدالله والرجل الآخر بكبرياء دون أن يراها. قال عبدالله للرجل:
ــ هل أن تناول الطعام مع السيدة الكبيرة هو واجب علي يدخل ضمن عملي هنا؟
فرد الرجل باستغراب:
ــ على العكس، انه لشرف كبير لك أن تجلس معهم على مائدة واحدة.
فقال عبدالله:
ــ لكنه بالنسبة لي أشق قسم من عملي.. انني أشعر بالضيق حينما أجد السيدة الكبيرة تتثاءب لأنني أحس برغبة في النوم.
سمعت الآنسة هذا الحديث فأحست برغبة بالضحك لكنها منعت نفسها ولم تتنبه إذ سقط كتاب من الرف قربها، انتبها لها فحياها الرجل برأسه ثم خرج. بقي عبدالله مرتبكاً إذ أدرك بأنها سمعت كل شيء غير ان القساوة والكبرياء سرعان ما عادا إلى وجهها رغم أن عينيها الجميلتين المليئتين بالضجر العميق تعلقتا بوجه عبدالله وقالت له بصوت حي خال من الأنوثة:
ــ هل دعيت هذه الليلة إلى الحفلة الراقصة؟
ــ لا آنستي.
فقالت بلهجة جافة:
ــ اعتبر نفسك من المدعوين.
ولم تقف لتسمع جوابه إذ خرجت من الباب الرئيسي بينما وقف عبدالله صامتاً يتآكله الغضب مع شعور بالاهانة.
***
تفتحت الأبواب المتداخلة، وصل عبدالله إلى الصالون، كان منفعلاً من الاعجاب. كان الصالون مزدحماً وكان عدد كبير من الحاضرين يرقصون، أراد أن يعبر إلى الصالون الثاني لكن الازدحام عند المدخل قد أعاقه. فسح الطريق فاستطاع الدخول وقرب المدخل وجد الآنسة كانت تجلس على كرسي وثير يحيط بها عدد من الشبان الأنيقين رأته هي أيضاً فسألته مباشرة:
ــ أيها السيد، ألا ترى ان هذه هي أجمل حفلة خلال هذا الموسم.
لم يرد عبدالله مباشرة، أحست هي بالاحراج فالتفت الشبان ليروا مع من تتكلم.
فقال عبدالله بجفاء:
ــ لا يمكن أن أكون حكما طيبا يا آنستي، فأنا أقضي حياتي في الكتابة وهذه الحفلة الراقصة هي الاولى التي أحضرها.
بدت علامات الاستغراب على وجوه الشبان فقالت ببطء:
ــ يبدو لي أنك تنظر إلى هذه الحفلات بعين فيلسوف، فهذا الجنون يدهشك لكنه لا يسحرك.
في هذه اللحظة اقترب أحد الرجال الأنيقين من الآنسة فما كان من عبدالله الا ان ابتعد باحترام لكن الآنسة ظلت تتبعه بعينيها.. إلى ان بدأ بالحديث مع أحد الضيوف، تفرق الشبان عنها وكذلك ابتعد الرجل الأنيق. اقتربت أمها منها سائلة:
ــ تبدين منزعجة.
فأجابتها الآنسة بلهجة متضايقة:
ــ أشعر بصداع.. الطقس هنا حار.
ثم نهضت متجهة حيث عبدالله والرجل يتحدثان، لم ينتبها لها. بدت وكأنها تتصنت لهما.
قال الرجل لعبدالله وهو يشير إلى أحد الضيوف:
ــ هل ترى هذا الرجل.. انه سفير بلادي. لقد قدم طلبا إلى وزير خارجيتكم يرجوه بتسليمي لحكومته.
فقال عبدالله:
ــ يا للحقارة.
كانت الآنسة تتابع الحديث بكل اهتمام.
فرد الرجل:
ــ لاتزال صغيرا ياصديقي، ان الناس يقومون بأكبر الأعمال قسوة، ليس هذا فحسب وانما دون أن يحسوا بلذة.. ودون أن يتذكروا ما قاموا به، حتى الجرائم.. تصور في هذه الحفلة أستطيع أن أدلك على أكثر من عشرة أشخاص لو حوكموا على أعمالهم لكان جزاؤهم السجن المؤبد، لكن هم أنفسهم نسوا جرائمهم وكذلك نسيها الناس بل أستطيع أن أقول لك، أنا وأنت ربما نكون الوحيدين الطاهرين في هذا الحفل.
ــ ليس هناك أصح من هذا الكلام.
التفت الرجل إلى الآنسة بدهشة، أما عبدالله فلم يعرها نظرة واحدة وانما واصل حديثه معلقاً على حديث الرجل وقد ملأ الغضب عينيه:
ــ هكذا يسير العالم، لعبة شطرنج.
وعبرت عيناه عن نيران وعيه واحتقار لأحكام البشر العبثية. وفي هذه اللحظة تلاقت عيناه، مع عيني الآنسة. فازداد هذا الاحتقار حدة. أحست الآنسة بصدمة عميقة ولم يكن باستطاعتها أن تتجاهل نظراته فابتعدت بحزن يخالطه غضب مكتوم.
قال الرجل:
ــ انها حفلة رائعة لكن تنقصها الأفكار.
***
ــ هذا ما كان ينقصنا، شنو انتي خرسه، ليش ما تتكلمين.
قال النقيب المسن لشيرين التي كانت تقف وسط الغرفة وكان ضابط الخفر جالساً على كرسي جانبي.
لم تجب شيرين بأي شيء، كانت صامتة وفي نظراتها ألم وحزن وضياع.
كان ضابط الخفر جالساً على كرسي جانبي، قال النقيب:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله، يابنتي اتكلمي.. اذا ما تعرفين عربي نصيح مترجم.
ظلت شيرين صامتة وكأنها غير المقصودة بالكلام. التفت النقيب إلى ضابط الخفر:
ــ التقرير يشير على انها احدى الخطيرات، وانها تعمل بالسر مع البيشمركة وتنقل الرسائل بين منظمات البيشمركة بالجبل والمدينة.
نظر الضابط إلى شيرين وقال بسخرية ووقاحة بعد أن أطلق صفيرا من فمه:
ــ كل هذا الجمال وهيجي خطيرة.
نظر النقيب اليها نظرة اشفاق وقال:
ــ دافعي عن نفسج يابنتي لانه باجر نحولج لسجن الموصل.
لم تفهم شيئاً مما كان يقال لها.. كانت نظراتها تائهة:
ــ خذهه سيد عدنان إلى غرفة السجن وبلغ الجندي المرافق أن يواصل الايفاد وياخذهه لسجن الموصل.
نهض ضابط الخفر وأدى التحية للنقيب وأشار لشيرين بيده كي تسير أمامه فاستدارت خارجة خلفه.
***
دخلت الآنسة إلى المكتبة، كانت ترتدي ثوباً أسود، لم ينتبه عبدالله لها، كان غارقاً في أحلامه، وقفت أمامه لكنه لم ينتبه، وفجأة انتبه لوجودها فانطفأ بريق الحلم في عينيه… انتبهت الآنسة لذلك فسألته بمرارة وخيبة:
ــ أرجو أن تحضر لي الكتاب الذي سألتك عنه أمس.
نهض عبدالله وأحضر سلماً طويلاً. قرب عبدالله السلم من الرفوف وأحضر المجلد وأعطاه لها دون أن يستطيع التفكير بها. كان لايزال مستغرقاً في تفكيره، وإذ كان يعيد السلم إلى مكانه اصطدم كوعه باحدى مرايا المكتبة فاستيقظ من تفكيره وهو يستمع لتحطمها على الأرض، فسارع بالاعتذار لها. تطلعت الآنسة إليه طويلاً ثم ذهبت ببطء.
جلس عبدالله إلى مكتبه وغرق في أفكاره ثانية، عادت الآنسة ولم ينتبه لها، اقتربت منه.. وقفت أمامه وسألته:
ــ لاشك أنك تفكر بأشياء مهمة؟
لم يجبها وانما نهض ليرد كتاباً كان على المكتب إلى الرف. بقي مديراً لها ظهره، نظرت اليه بتوسل. استدار فجأة وقال وهو يقترب منها:
ــ هل تسمحين لي بالذهاب.. أرجو أن لا يكون قلة ذوق مني في أن أتركك وحدك.
أراد أن يمر من أمامها، فشدت على ذراعه بقوة وهي تقول بصوت ذائب مليء بالانفعالات:
ــ ستتلقى هذه الليلة رسالة مني.
ثم ابتعدت هاربة. وقف عبدالله مندهشاً، صفقت الآنسة الباب وراءها.
( 22 )
جـحيـــــــم الـضــعـــف
دخل جندي الغرفة فرأى عبدالله مستلقياً على السرير غارقاً في القراءة بينما مازال السرير الآخر فارغاً، انتبه عبدالله للجندي الداخل. كان الجندي الآخر نحيلا، وعابس الوجه وقاسي النظرات، ألقى نظرة عابرة لكنها متفحصة على عبدالله ثم جال بنظرته في أرجاء الغرفة مستقراً بها على عبدالله ثانية. قال وهو يتجه نحو سريره:
ــ السلام عليكم.
ــ وعليكم السلام.
أجابه عبدالله وهو مستمر بالقراءة، انتبه للحظة تاركاً الكتاب. جلس الجندي على السرير الفارغ وبدأ يخلع حذائه العسكري. صمت عبدالله وهو ينظر اليه منتظراً أن يواصلا الحديث ويتعارفا، لكن الجندي الآخر كان منهمكاً بنفسه وغارقاً في أفكار عميقة. انتهى من خلع حذائه واضطجع على السرير دون أن يقول أية كلمة، انتظر عبدالله لكن الجندي الآخر ظل صامتاً فواصل عبدالله قراءته.
***
تقدم أحد خدم المنزل من عبدالله وأعطاه رسالة، كان وجهه متوتراً وعصبياً، فتح الرسالة وقرأها، انبسطت أساريره وارتسمت الفرحة على وجهه وأخذ يرقص في الغرفة وحيداً. توقف، جلس على الكرسي خلف المكتب وأخذ يفكر، فجأة وقف ثم خرج مهرولاً إلى الحديقة. كان ظلام الليل قد غمر كل شيء، نظر إلى نافذة احدى الغرف في الطابق الثاني من المنزل، كانت الآنسة خلف ستائر النافذة تبدو وكأنها واقفة تنتظر، تحرك إلى احدى زوايا البيت وعاد بسلم طويل، التفت حذراً ثم ألقاه إلى الأرض تحت النافذة، تعالى سعال حاد.
***
تعالى سعال الجندي الآخر بشدة، جلس على السرير حانياً رأسه إلى الأرض، قطع عبدالله القراءة ناظراً إليه، انقطع السعال، نظر الجندي الآخر إلى عبدالله وفي عينيه نظرة ود:
ــ اعذرني عن الازعاج.
ابتسم عبدالله وهو يلقي الكتاب جانبا قائلاً:
ــ لا أبداً، ماكو كل ازعاج.
ظل الجندي صامتاً ينظر للأرض ثم التفت إلى عبدالله سائلاً:
ــ انته جاي ايفاد مثلي؟
ــ نعم، هاي أول ليلة آني هنا بالفيلق الأول وليلة سابقة جنت بالفرقة السابعة وباجر راح أروح للموصل.
ــ يعني صارلك فترة قصيرة، آني صار لي اسبوعين.
فسأل عبدالله باستغراب:
ــ اسبوعين؟
ــ بلى، اسبوعين، ما أكدر أتحمل أكثر.
ثم التفت بشكل مفاجىء متجهاً لعبدالله:
ــ صار لي اسبوعين جاي ايفاد مع امرأة كوردية حامل بالشهر الرابع أو الخامس، رجلهه بيشمركة اجتنه اخبارية بان زوجهه موجود بالقرية جاي يشوف زوجته وأطفاله بالسر، رحنه أكثر من خمسين جندي مسلح مع ثلاثة ضباط، هجمنه عله القرية، طوقنه البيت وفتحنه النار، مات الزوج وأطفاله وبقت بس زوجته الحامل وصار اسبوعين اتنقل بيهه بين اللواء والفرقة والآن بالفيلق، وين ما نوصل لمكان يغتصبون المره وهي حامل، بالفرقة السابعة بقت اسبوع، اخذوهه ثلاثة ضباط، عروهه واغتصبوهه ثلاثتهم سوه، المره راح تتخبل، صار لي أيام، قبل شوية سمعت صار عدهه نزيف حاد. يا إلهي وين العدالة.
ثم أخذ يسعل ثانية، تأثر عبدالله جداً، الا ان الجندي لم يشأ أن يواصل الحديث وانما سأل:
ــ عندك جكاير؟
ــ مع الأسف، ما أدخن.
لبس الجندي حذاءه العسكري ثم قام خارجاً وهو يقول:
ــ راح أدور عله جكاير، إذا سألوا عني، اني بالحانوت.
ثم خرج.. بقي عبدالله مستلقياً على سريره.
***
دخل ضابط الخفر إلى غرفة السجن ـ نظر إلى السرير الفارغ، كانت شيرين ملتفة ببطانية ومتمددة على الأرض، رفعت رأسها بخوف، رأت الضابط، كان عند الباب، أغلقه وأسند رظهره إليه، نظر اليها بشبق، عرفت نواياه فالتفت حول نفسها بالبطانية. أغلق الضابط الباب بالمفتاح، قفزت شيرين وهي ملتفة بالبطانية لائذة بالزاوية.
***
عند الحانوت كان الجندي النحيل يدخن سيجارته وكان ثمة صوت خافت لأغنية عربية ينبعث من مذياع في الحانوت. علت صرخة نسائية انتبه الجندي على اثرها، التفت إلى جهة الصوت، شعر بالقلق.. ألقى سيجارته على الأرض منفعلاً، سحقها بقدمه ومشى مختفياً في الظلمة باتجاه غرفة السجن.
***
رفع عبدالله وجهه إذ رأى الآنسة تدخل، وقفت أمامه وقالت:
ــ هل تشك بعد اليوم بحبي؟
انتبه عبدالله لها ولم يجب فواصلت:
ــ انني حامل.
أصيب عبدالله بدهشة وقال:
ــ ماذا؟
لم تهتم هي لارتباكه وانما استمرت بحديثها:
ــ سأكتب عن ذلك لوالدي، انه أكثر من أب لي.
فقال عبدالله برعب:
ــ يا إلهي، ماذا تريدين أن تفعلي.
فردت وعيونها تلمع بالفخر والفرح والاباء:
ــ ان من واجبي أن أخبره، ان هذا من حقه، يجب أن يعلم، سأعطيك ذراعي ونخرج من الباب الرئيسي في وضح النهار.
دهش عبدالله وقال:
ــ ولكن هذا جنون وتهور.
ــ لن أستطيع أن أخفي ذلك عنه، ان من واجبي أن أخبره ومن حقه أن يعرف.
***
ــ البنت الكوردية اللي جبتهه ايفاد جانت تصرخ؟
قال الجندي النحيل ذلك لعبدالله.. فوجىء عبدالله لانه لم ينتبه للجندي حينما دخل، ارتبك.. كان تائهاً ما بين الكتاب وما سمعه من الجندي فقال:
ــ شنو، شتكول؟
فقاطعه الجندي الآخر:
ــ أعتقد، ضابط الخفر اغتصبها.
تاهت نظرات عبدالله، جلس بنصف جسده على السرير، لبس حذاءه العسكري وكأنه يتأهب للخروج، لكنه ظل جالساً على السرير. أخرج الجندي الآخر علبة سجائره، قدم واحدة إلى عبدالله، لكن عبدالله كان غارقاً في أفكاره فلم ينتبه له ولم يرد على حركته، سحب الجندي الآخر يده، ثم أشعل سيجارة لنفسه، بعد لحظات قال بصوت واطىء:
ــ مساكين الأكراد، خاصة النساء الكورديات.
فقال عبدالله بحذر وبصوت بطىء وواطىء:
ــ العالم كله متورط بالمذابح والدم، كلنا ظالمين ومظلومين، ندور بدوامة القتل، ما كو عداله.
فقال الجندي الآخر بمرارة وكأنه يواصل حديث عبدالله:
ــ تصور هاي الأرض شكد صغيرة، ذرة رمل بهذا الكون الهائل، بس انظر بهاي ذرة الرمل شكد احنه متوزعين إلى شعوب ودول، نتقاتل، نذبح بعضنا البعض.
فجأة دخل رئيس العرفاء فنهضا واستعدا له عسكرياً فقال رئيس العرفاء موجهاً كلامه للجندي الآخر:
ــ حضر حالك وياي لضابط الخفر.
فسأل الجندي:
ــ صار شي؟
فقال رئيس العرفاء بلا مبالاة:
ــ المرة الكوردية الحامل ماتت، صار عدهه نزيف حاد، نزل الجنين ميت وهي ماتت بعده بدقايق.
صعق الجنديان من الخبر لاسيما الجندي النحيل، واصل رئيس العرفاء بلا مبالاة وهو يخرج:
ــ حضر حالك حته ترجع لوحدتك هسه، لا تنسه بندقيتك، اخذهه من المشجب.
لم يستطع الجندي الآخر أن يتمالك نفسه، أخذ طاقيته، وقال وهو يصرخ:
ــ جبناء، فاشست
جلس عبدالله للحظات مفكراً ثم أخذ الكتاب ليواصل القراءة.
***
كانت شيرين متمددة على أرض الغرفة وسروالها منزع من أحد ساقيها وثوبها مرفوع إلى خصرها كاشفاً عن جزء كبير من فخذيها. كانت تبكي دون صوت مسموع وكان وجهها رغم الألم والدموع يعبر عن الاستسلام والانهيار النفسي التام.
فتح الباب، دخل رئيس العرفاء، نظر إلى شيرين، أغلق الباب بالمفتاح من الداخل بسرعة واقترب منها، رأته.. حاولت أن تنهض لكنه أسرع فأمسك يديها وبقوة فتح فخذيها ودخل بجسده بينهما. طوى يديها وأمسك بهما بيد واحدة بينما راحت يده الأخرى تفك أزرار بنطاله، كانت هي تقاوم بيأس مقاومة الذبيحة.
***
دخل عبدالله، كان السيد الكبير في هياج فظيع، نظر إلى عبدالله نظرة شرسة مليئة بالغضب والحقد ثم انهال عليه بالشتائم:
ــ أنت أيها التافه، الضئيل، النكرة، أيتها الحشرة، كيف تجرأت على ذلك؟
كان عبدالله هادئاً ومستسلماً دون أية علامة من الغضب ثمة ارتياح نفسي يرتسم على وجهه… قال وكأنه يستدر عطفاً أو يعترف بذنب:
ــ لست ملاكاً، قمت بخدمتك على أحسن ما يرام ودفعت لي أنت بسخاء لم يكن أحد يفهمني في بيتك إلا أنت وتلك الفتاة الحبيبة.
فصرخ السيد الكبير:
ــ أيها الوحش، كان عليك أن تهرب في اليوم الذي وجدت فيه حبيبة.
ــ لقد حاولت، طلبت منك حينذاك أن أرحل لكنك منعتني، لم أكن أقدر حينها أن أصرح لك بالسبب.
صمت السيد الكبير لحظة ثم واصل هيجانه:
ــ ولكن بماذا ستسمي ابنتي، أي لقب ستحمل.. لقبك التافه المغمور.. لا.. يجب أن تهرب.. تغور في أعماق الأرض قبل أ، أصب عليك غضبي.
في هذه اللحظة دخلت الآنسة، صمتا كلاهما للحظة، كان الجو متوتراً، لم تدر هي كيف تبدأ لكنها أدركت بأن ثمة حواراً ساخناً دار بينهما فقالت دون مقدمات لوالدها:
ــ إذاً مات سأقتل نفسي، وإذا ما أبقيت على نفسي من أجل ابني الذي في احشائي فانني أقول لك انني سألبس السواد حداداً عليه طول عمري وسأحمل لقبه ما حييت ولتتكلل أنت وألقابك بالعار والشماتة.
كان الأب في غاية الانفعال لكنه فوجىء بغضب ابنته ومواجهتها له فقال لها بعصبية وهو يدير لها ظهره:
ــ سأكتب لك وثيقة تؤمن لك مدخولاً سنوياً كافياً يبعد عنك وعن صاحبك هذا غائلة الموت جوعاً.
فقالت الآنسة بتحد لاسيما بعد أن أحست بأنه ضعيف أمامها لشدة حبه لها:
ــ انني لا أكتفي بهذا وانما أطمع بأكثر، أريدك أن تحضر حفل زواجنا.
فالتفت إليها برعب قائلاً:
ــ هذا مستحيل.
نظرت إليه بشجاعة وقالت:
ــ هذا ليس بمستحيل على أب يحضر حفل زواج ابنته.
صمت الأب لحظة ثم قال:
ــ لقد أرسلت من يسأل عنه ويأتيني بمعلومات كافية عنه، لكنني سأعطيك شهادة بتعيينه فارساً في فرقة الفرسان الخفيفة، لا تعارضيني ولا تسأليني أكثر، اذهبي قبل أن يعميني الغضب فأغير رأيي.
نظرت إليه بحنان ثم التفتت إلى عبدالله ونظرت إليه نظرة انتصار، وفي هذه اللحظة دخل رجل وبيده رسالة مغلقة، نظر الأب إلى الرجل بقلق ثم إلى يده فتقدم إليه مسرعاً وهو يقول:
ــ لقد جئت أخيراً
أخذ الرسالة وتنحى جانباً فاتحاً اياها قارئاً لها:
خيم صمت للحظات وفجأة استدار الأب باتجاههم ووجهه يرتجف من الألم والغضب:
ــ عليك لعنتي أيها السافل.
ثم نظر إلى ابنته قائلاً:
ــ قولي له أن يغرب عن وجهي… لتبتلعه الأرض.
فوجئت الآنسة، أدركت بأن ثمة كارثة قادمة فسألت:
ــ ما الذي جرى؟
فقال الأب وهو في حالة هيجان:
ــ لقد كتبت السيدة التي كان يعمل مربياً لأولادها رسالة جوابية على بعض استفساراتي.. انها تكتب بانه استطاع بجشعه وأنانيته واسلوبه الملتوي أن يغوي امرأة ضعيفة تعيسة، أن يستغلها ليكون لنفسه مستقبلاً وليصبح رجلاً مهماً.. انها تكتب بانه نذل ودنىء.
في هذه الأثناء كانت شفاه الآنسة ترتجف من الألم، نظرت إلى عبدالله نظرة غضب متسائلة تبحث عن توضيح بينما كان عبدالله يغتلي غضباً، لم يقل شيئاً، نظر إليهم نظرة غاضبة مليئة بالمرارة وغادر الغرفة صافقاً الباب بقوة، انذهل الجميع.
***
فتح الباب، دخل ضابط الخفر، فوجىء عبدالله فنهض مسرعاً، لبس حذاءه العسكري على عجل مؤدياً التحية. نظر ضابط الخفر إليه، جال بنظره في الغرفة بسرعة خاطفة ثم سأل:
ــ وين جارك؟
ــ راح يستلم بندقيته من المشجب سيدي.
ــ استلم بندقيته من المشجب بس اختفه، السيارة تنتظر.. لازم يرجع لوحدته… وين راح.
لم يدر عبدالله بماذا يجيبه فظل صامتاً، نظر الضابط إليه بلا مبالاة ثم قال وهو يخرج:
ـ إذا رجع كله السيارة تنتظر عند الحانوت.
أدى عبدالله التحية ثانية وهو يقول:
ــ صار سيدي.
خرج الضابط، أطلق عبدالله زفيراً حاداً من رئتيه ثم جلس على سريره، لم يتمدد، ظل بحذائه العسكري جالساً، أخذ الكتاب وفتحه مفتشاً عن الصفحة التي انتهى إليها.
***
كانت السيارة العسكرية عند الحانوت تهدر بصوت عال وكان سائقها الجندي يدخن سيجارته بعصبية.
جاء جنديان وهما بكامل عدتهما العسكرية، اقترب أحدهما من السائق بينما صعد الثاني إلى القسم الخلفي من السيارة. قال الجندي للسائق:
ــ ها ما اجه؟
فقال السائق بعصبية:
ــ لا.. صار ساعة انتظر.
ــ اسمع، طفي السيارة وأمشي نشرب جاي بالحانوت إلى أن يجي. هو يعرف السيارة تنتظر عند الحانوت.
سحب السائق نفساً طويلاً من سيجارته ثم قال:
ــ خوش فكرة.
اطفىء محرك السيارة، هدرت ثم همدت. نزل السائق عن مكانه ودخل مع الجندي إلى الحانوت.
***
عند الباب الخارجي لبيت السيدة، كان عبدالله ينتظر. لم يكن ثمة أحد في البيت، فالنوافذ مطفأة الضوء وكذلك الحديقة معتمة. فجأة سمع صوت ضجيج عربات وجياد قادمة، تنحىجانباً عن الباب، وقفت عربتان، نزلت السيدة دي مع امرأة أخرى ومن العربة الثانية نزلت امرأتان ورجلان. اتجه الجميع نحو باب الدار فظهر عبدالله من مكانه، رأته السيدة، فوجئت.. نظرت إليه بحنان وغفران وكأنها أدركت بأنه جاء لينتقم منها، وبسرعة خاطفة أخرج عبدالله مسدساً وأطلق عليها. دوى صوت الطلقة في سكون الليل.
***
قال السائق لصاحبه وهما يحتسيان الشاي:
ــ سمعت صوت طلقة.
فقال الجندي فزعاً:
ــ اني أيضاً سمعت، امشي نروح نشوف.
نهضا خارجين، كان ثمة هرج في المعسكر وصفارات انذار، كان ضابط الخفر يهرول باتجاه غرفة السجن، فهرول الجنديان خلفه، جاء عبدالله مهرولاً أيضاً… سأل وهو في طريقه أحد الجنود مستفسراً:
ــ شصار
فقال الآخر بعجلة:
ــ جندي انتحر يم السجن.
اتجه عبدالله مهرولاً باتجاه غرفة السجن، رأى جنوداً يقفون على شكل دائري، اقترب أكثر وأطل على وسط الدائرة، كان جاره الجندي النحيل ملقى على الأرض وبجنبه بندقيته، نظر عبدالله إليه بتأثر ودون أن يقف طويلاً انسحب حزيناً عن تجمع الجنود متجهاً إلى غرفته حيث اختفى في الظلمة.
كان المعسكر يبدو من السماء غارقاً في ظلمة حالكة سوى جثة الجندي القتيل كانت تتألق في دائرة من الضوء.
( 23 )
رمـــــاد النــــــار الــقـــــادمــــة
كان عبدالله في الزنزانة الحجرية وحيداً، يبدو الذهول والقلق على وجهه، نهض واقفاً وأخذ يتجول في الزنزانة الضيقة جيئة وذهاباً، مرت لحظات.. جلس ثانية على المصطبة التي كانت بمثابة السرير.
سمع قلقلة مفاتيح عند باب الزنزانة، دخل السجان ثم تبعه رجلان يبدو أحدهم من ملابسه بأنه قاضي السجن أما الآخر فكاتب الاستجواب.
نظر القاضي بامعان إلى عبدالله فلم يستطع عبدالله تحمل نظراته الدارسة المتفحصة فقال بعصبية:
ــ لقد قتلت عن سابق تصميم واصرار فماذا تريد بعد، ها انني اعترف أمامك بأني قاتل؟
نظر القاضي إليه بنفس النظرة ثم ابتسم قليلاً وقال:
ــ أنت لست بقاتل وانما حاولت القتل.
فوجىء عبدالله، تغيرت ملامحه فجأة، وكأنه لم يفهم، نظر القاضي إليه ثم استدار خارجاً يتبعه الكاتب. ظل عبدالله جالساً على سريره الحجري مذهولاً بينما وقف السجان ينظر إليه مبتسماً بتملق، فجأة انتبه عبدالله إلى السجان، أراد أن يقول شيئاً فلم يسعفه لسانه فأشار بيده وكأنه يطلب تفسيراً لكلام القاضي فقال السجان على عجل:
ــ ان السيدة.. لم تمت من أثر الرصاص، لقد جرحت في كتفها فقط.
أحس عبدالله برغبة بالبكاء والضحك معاً فنهض وأخذ يدور في الزنزانة فرحاً.
ــ يا إلهي، انها لم تمت.. لم تمت.. شكراً لك ياربي، ستعيش اذن لتغفر لي غلطتي المرعبة.
نظر عبدالله إلى الحارس نظر شاكرة.
***
كانت شيرين قد جلست القرفصاء في احدى زوايا القسم الخلفي من السيارة، انتبهت كان عبدالله ينظر إليها، نظرت إليه بوجل أول لحظة ثم لانت نظراتها شيئاً فشيئاً فأصبحت أكثر اطمئناناً. كانت شيرين تفكر وهي تنظر إليه بانه الوحيد الذي لم يسىء إليها بل كان يحاول مساعدتها رغم انهما لا يفهمان لغة بعضهما. لكنها فكرت بانه عسكري مثلهم ومسلح فانكمشت لأعماقها ثانية.
ارتبك عبدالله عند انكماشها فقد كان يود أن يفهمها بانه معها، وانه متعاطف مع همومها لكنه لا يستطيع عمل شيء لمساعدتها، انه ليس سجانها وانما هو سجين مثلها.
فجأة استدارت السيارة أمام مقهى على الطريق كانت ثمة سيارة عسكرية محملة بالجنود بأسلحتهم ومصفحتان عسكريتان تقفان على بعد أمتار من المقهى.
نزل السائق من مكانه وقد كان مسلحاً بمسدس يحمله بنطاقه، اتجه نحو المقهى بينما بقي عبدالله وشيرين في مكانهما. أطل عبدالله برأسه خارج السيارة فرأى هرجاً أراد أن ينزل لكن السائق عاد مسرعاً وقال:
ــ لا تنزل.. راح نتحرك.
ــ ليش.شصار، خل نشرب جاي.
ــ لا جاي ولا بطيخ، شوف هذا الازدحام.
ــ شصار؟
ــ ما أدري
ــ واحد عربي من الجنوب، قتل أخته ورجلها اللي حبته وشردت وياه.. يكولون صاره سنه يدور وراهم وهسه لكاهم.
ــ وشلون عرف هم هنا.
ــ ما أدري.
ثم صعد السائق إلى مكانه فتحركت السيارة متوجهة نحو الطريق العام.
***
في غرفته، كان صباح بوجهه غير الحليق عارياً إلا من سرواله الداخلي منهمكاً برسم لوحة فنية تتضمن أجساداً بشرية تعاني من التمزق والحصار، كان منفعلاً وهو يضع لمساته الأخيرة عليها، سمع رنين جرس الباب الرئيسي، وضع فرشاته ولوحة الأصباغ جانباً وخرج من الغرفة ليرى من الداخل. أطل من السياج الواطىء الذي يطل على الباحة فرأى رجلين من رجال المخابرات يدخلان، نظر أحدهم إليه مبتسماً، ناداه من الأسفل:
ــ أهلاً أستاذ صباح.
ابتسم صباح بمرارة ودخل الغرفة.
دخل الرجلان غرفة أم طارق التي كانت تشرب الشاي في غرفتها، فوجئت لدخولهما:
ــ عيني هاي شنو، منو انتم، دحك، ما يستحون يدخلون قبل ما يستأذنون.
ابتسم الرجلان لها:
ــ مساء الخير أم طارق.
ــ مساء النور، بس جنابكم منو؟
ــ احنه من وزارة الصحة.
ــ من وزارة الصحة ليش جايين عندي، شنو دتشوفون نظافة البيت؟
ــ لا أم طارق، اجينه نسأل على عناوين أهل علي الفيلي وهاشم اللي جانو ساكنين عندج.
نظرت إليهما بريبة ثم قالت:
ــ ليش شصار، آني أدري واحد أخذته الحكومة وواحد صارله أيام مسافر.
ــ ما صار شيء، مجرد حادث بسيط نقلناهم على اثره للمستشفى، وهسه نريد نعرف عناوين أهلهم حته نخبرهم.
ــ شنو همه ما يكدرون يحجون، اسألوهم.
نظر الرجلان لبعضهما ثم قال أحدهما:
ــ سوولهم اليوم عملية جراحية وبعدهم لحد هسه تحت البنج.
ــ بس اني، تردون الصدك، دا اشك بكل حجيكم.
نظر الرجلان لبعضهما ثم خرجا دون أن يجيبا عليها.
***
سمع صباح طرقاً على باب غرفته وصوت يسأل.
ــ ممكن أستاذ صباح.
ــ تفضلو.
دخل الرجلان إلى غرفة صباح، كان منهمكاً بالرسم، استدار أحدهم ليرى اللوحة التي يرسمها صباح.
ــ أووه… يا للروعة… يا للجمال.
استدار الرجل الثاني ليرى اللوحة، كانت منظراً طبيعياً مليئاً بالأزهار الأشجار والسواقي.
***
فتح باب الزنزانة، دخلت الآنسة… كان عبدالله واقفاً وقد أدار ظهره للباب، التفت…. فوجىء… ركضت الآنسة وألقت بنفسها بين ذراعيه، كان وجه عبدالله لا يعبر عن الشوق بل كان ثمة برود في عينيه لكنه وجد من غير اللائق أن لا يجيب على حرارة شوقها وعواطفها فأخذ يربت على كتفيها. ثم فجأة نظر إلى وجهها ماسكاً بها من كتفيها، كان وجهها حزيناً فقال لها:
ــ ان المستقبل يرتسم أمامي بوضوح، انني سأموت، وعليك أن تتزوجي بعد موتي، لكن كأرملة يكفيك هذه التضحيات. مجيئك كان خطأ، اذا علم الناس فستكون ضربة قاسية أخرى لأبيك.
ابتعدت خطوة للوراء وقالت:
ــ لا يهمني ما يقال وما سيقال، انني أقوم بواجبي نحو الرجل الذي أحبه، ان ما قمت به ليس جرماً وانما مجرد انتقام نبيل يدل على عزة نفسك وقلبك الكبير البطولي.
أدار عبدالله لها ظهره وقال بحزن:
ــ لقد تعبت من البطولة، انني أحتاج إلى الحنان أكثر مما احتاج إلى البطولة، أنا لا أحتاج لجمهور، أنا لست ممثلاً.
نظرت إليه بحنان يمازجه الحزن وقالت:
ــ لا تدع اليأس يدب إلى قلبك.
وفجأة سمعا هديراً فالتفتا.
***
وقفت السيارة العسكرية، أطل عبدالله من جانب السيارة برأسه، رأى السائق وهو يصافح عسكرياً آخر وكأنهما أصدقاء قدماء لم يلتقيا منذ زمن طويل:
ــ هاي شجابك هنا…. انته موجنت بغداد.
فرد العسكري الآخر:
ــ نقلوني، صار لي شهرين هنا، وين رايحين هسه.
ــ للموصل.
ــ للموصل؟ لازم تباتون هنا بالنقطة العسكرية، لأن الطريق خطر بعد الساعة ستة.
ــ بس شلون نرجع وصارلنه أكثر من ثلاثة ساعات نمشي بالطريق؟
ــ لكن ما كو معسكر بالطريق تكدرون تنامون بي، يعني انتو راح توصلون بالليل والطريق خطر، لأن العصاة الأكراد بعد الساعة ستة يقطعون الطريق.
ــ شنو الحل.
ــ ما أدري، إذا مشيتو ترى عله مسؤوليتكم.
نظر السائق إلى عبدالله المطل برأسه جانباً وسأل:
ــ انته شتكول؟
فكر عبدالله لحظة ثم قال:
ــ نطلع عله مسؤوليتنا.
نظر الانضباط العسكري إليهما وهز كتفيه:
ــ هذي مغامرة، الأوامر تأكد بعدم التحرك بعد الساعة ستة.. عله مسؤوليتكم.
صعد السائق إلى مكانه ثم أغلق الباب فهدرت السيارة، أخرج السائق رأسه وقال للعسكري الآخر:
ــ سلملي عله الأهل وكلهم اجازتي بعد اسبوعين.
فحرك العسكري يده مودعاً وقال:
ــ صار
***
نزلت دموع على كف عبدالله فاستيقظ من نومه فجأة، فرأى السيدة.. التي صرخت مرتمية على قدميه وهي تقول باكية:
ــ ها أنا أراك مرة أخرى.. هل هذا حقيقة؟
ارتبك عبدالله وقال بخجل:
ــ عفواً ولكنني لست سوى قاتل في نظرك.
فاختنق صوتها بالدموع:
ــ ياحبيبي
فقال وهو يرفعها لترتمي بين ذراعيه.
ــ هل هذا يعني بانك سامحتني؟
فضمته هي بدورها وهي تقول:
ــ أنا التي تطلب السماح، لقد أسأت اليك لكنني كنت مجبرة على كتابة الرسالة المخزية.
فصرخ عبدالله من الفرح والانفعال وهو يضمها إليه فندت عنها صرخة، ارتبك هو فقالت له:
ــ ليس شيء يذكر.
فأخذ يقبل يديها وهو يقول:
ــ هل أصبت كتفك؟
فقالت له وهي تقبله:
ــ أنا المذنبة.
أخذ عبدالله يديها ونظر إلى وجهها الجميل وقال بعمق وهدوء:
ــ اعلمي انني احبتتك دائماً ولم أحبب غيرك مطلقاً وحتى عندما أطلقت عليك النار كنت أعلم بانني أحبك.
اغرورقت عينا السيدة بالدموع والحنان وبعد لحظة قالت بدلال:
ــ وتلك الآنسة الشقراء؟
ــ انها زوجتي، لكن أنت حبيبتي وأكثر.
فضمته إلى صدرها.
***
وقفت السيارة العسكرية متنحية إلى جانب الطريق، كانت الشمس وقت الأصيل، نزل السائق من مكانه، أطل عبدالله برأسه من جانب السيارة فالتفت السائق إليه وقال:
ــ هسه، اجي، راح أبول.
ومضى السائق هابطاً من جانب الطريق حيث أقعى جالساً على الأرض. نظر عبدالله إلى شيرين بطيبة ولأول مرة نظرت هي إليه بلا خوف، ثم فجأة تاهت نظراتها في البعيد، نظر عبدالله باتجاهها.
***
رأى عبدالله صفاً من القضاة والمحامين ورجال القانون وإلى جانبهم رأى الملازم صلاح رشيد وضابط الخفر في الفرقة السابعة وكذلك ضابط الخفر في الفيلق الأول ومراتب عسكرية عديدة.
كان عبدالله وحيداً في قاعة كبيرة وواسعة وخالية من الجمهور بل كانت مزدحمة بالجنود المسلحين والمصوبين رشاشاتهم نحوه من كل زاوية.
نظر عبدالله إلى قضاته نظرة جريئة وملتهبة ثم قال بصوت عال:
ــ أيها السادة، لي الشرف بعدم الانتماء إلى طبقتكم.
فنهض الجميع من قضاة ومن جلس جنبهم من ضباط ونظروا إليه بغضب بينما صوب الحرس المسلحون رشاشاتهم نحو عبدالله الذي كان في قفص الاتهام وأطلقوا سيلاً من الرصاص.
***
أصاب الرصاص زجاج السيارة فسمعه عبدالله يتهشم، قفزت شيرين لائذة قرب عبدالله، فجأة أحاط البيشمركة السيارة وكانوا بملابسهم الكوردية ومسلحين بشكل كثيف.
صرخ به أحدهم بعربية سليمة:
ــ انزل
تطلع عبدالله إليهم أول الأمر بارتباك ثم هدأت نظرته، رفعت شيرين رأسها، نظروا إليها، أنزل أحدهم الحاجز الخلفي، تحرك عبدالله نازلاً والبندقية مازالت معلقة على كتفه.
عرف رجال البيشمركة بأن شيرين كوردية من ملابسها فقال لها أحدهم بالكوردية:
ــ انزلي أيتها الأخت.
ومد لها يده، ترددت أول الأمر، نظرت اليهم ثم بعد لحظة مدت يدها ونزلت.
ظل عبدالله وسط رجال البيشمركة الذين أحاطوا به على شكل نصف دائرة وهيأ البعض رشاشه للاطلاق… انتبهت شيرين لنواياهم فوقفت مباشرة أمام عبدالله وغطت جسده بجسدها، أرادت أن تتكلم فلم تستطع وانما اغرورقت عيناها بالدموع وارتجفت شفتاها. نظر رجال البيشمركة بعضهم لبعض واخفضوا أسلحتهم. فجأة صرخ عبدالله:
منو منكم يحجي عربي؟
فأجابهم أحدهم:
ــ آني عربي من الجنوب، شتريد؟
فقال عبدالله:
ــ آني اسمي عبدالله آدم، جندي مكلف، خريج معهد الفنون الجميلة، أطلب منكم لا خوفاً من الموت ولا محاولة لاسترضيكم، بأن أكون وياكم، واحد منكم.
يكولون عنكم عصاة ومخربين وبس آني، بعد ما شفت بعيني الكثير من الظلم والطغيان، أحس بالشرف بالانتماء إلى صفوفكم.
ولم يكمل عبدالله جملته إذ دوت طلقة أصابته في البطن، وكانت ثمةصرخة بالعربية مع صوت الاطلاقة:
ــ خائن.
التفت البيشمركة لمصدر الصوت وأطلقوا سيلاً من الرصاص فتدحرج السائق ميتاً.
جلست شيرين على الأرض، وضعت رأس عبدالله في حجرها، نظر إليها عبدالله بألم محاولاً الابتسام.. غامت عيناه.. رأى وجه السيدة.. كانت شيرين تذرف الدمع. وكان وجه السيدة يذرف الدمع.
كان عبدالله متمدداً على الأرض ورأسه في حجر شيرين، جلس البيشمركة على الأرض نصف جلسة على شكل دائري، أخذ عبدالله يد شيرين وقبلها.. رأى وجه شيرين وليس وجه السيدة.. أخذ بيدها ومدها على عقب البندقية التي كانت قد سقطت جانباً، ضغط يد شيرين على البندقية ومات.
انحنت شيرين باكية وقبلت جبينه.
كان المساء قد هبط وكان البيشمركة قد أشعلوا النار في السيارة، وعلى جانب الطريق ارتفع قبر من الحجارة بينما ظلت جثة السائق ملقاة على الجانب الآخر من الطريق.
كانت شيرين تمشي مع البيشمركة وبندقية عبدالله على كتفها.
كان البيشمركة قد صعدوا تلاً عالياً مطلاً على الطريق، كانوا يصعدون، بينما وقفت شيرين على صخرة ناتئة مطلة على الطريق حيث قبر عبدالله.
كانت النار تلتهب من السيارة… بينما يضيء ضؤوها قبر عبدالله الحجري.
(تمـــــــــت)
1987
الجزء الاول
الجزء الثاني