اجعلنا صفحتك الرئيسية أضف الى المفضلة أخبر صديق لمراسلتنا
الجحـيم المقـدس(رواية)-الجزء الثاني
د. برهان شاوي

( 6 )

مــدام دي رينـــال... ستندال

عادة يحمل الجندي عبدالله معه حينما يعود إلى المعسكر بعد أن يقضي عند أهله اجازته الدورية التي يستحقها كل ثلاثة أشهر، بعض الكتب الأدبية والروايات المترجمة، كان يقضي معظم وقته بالقراءة بعد انتهاء وقت الدوام الرسمي.
كان عبدالله يفضل أن يأخذ كتاباً ويذهب إلى خارج المعسكر حيث النبع الذي يبعد عن القرية والمعسكر، يجلس هناك بعد أن ينزع جزمته العسكرية ويغسل قدميه بماء النبع.
أحياناً كان يقرأ عدة فصول خلال جلسة واحدة، وأحياناً كان يأخذ الكتاب معه لكنه ينشغل عن القراءة بتأمل الطبيعة أو بالتمدد هناك تحت شجرة التوت ليسرح بأفكاره إلى مدينته أو إلى العاصمة ومسارحها.
كان عبدالله جندياً غير مرغوب فيه من قبل قيادة المعسكر لعدم انتمائه للحزب الحاكم، فهناك معلومات سرية لديهم بانه كان عضواً في تنظيم طلابي محظور رسمياً حينما كان طالباً، لذا فان الضباط والعرفاء يحقدون عليه، وكانوا يحاولون جاهدين أن يرهقوه بالعمل ويكرروا من خفاراته الليليلة ويذلوه في التعامل أمام بقية الجنود فكان يتحمل كل ذلك بصبر منتظراً ذلك اليوم الذي سيسرح فيه من الخدمة العسكرية الالزامية.
تناول عبدالله كتاباً سميكاً وخرج من الغرفة الطينية التي يسكن فيها مع أربعة جنود آخرين وعند الباب التقى بصديقه ستار الذي بادره قائلاً:
ــ رايح تقره
أجابه عبدالله باسماً:
ــ نعم
فقال ستار راجياً:
ــ ابق ويانه، راح نسوي جاي، عندك وقت للقرايه، ما كو وره القرايه غير وجع الراس وضعف البصر.
ابتسم عبدالله معتذراً:
ــ النهار ما بقه منه شي، أريد أقره جم صفحة.
تلفت ستار يمنة وشمالاً وبحذر قال:
ــ البارحة، دخلوا لمخربين للقرية.
فوجىء عبدالله:
ــ يمته
بادره ستار عجلاً:
ــ البارحه قبل الفجر
ــ وكيف عرفت الحكومة
ــ مختار القرية هوه اللي نقل الخبر لآمر المعسكر
فقاطعه عبدالله غير مبال
ــ على كل حال آني رايح يم النبع
دخل ستار الغرفة وسار عبدالله باتجاه النبع فقفز سور المعسكر الواطىء وانحدر بقفزات سريعة نحو النبع الأول البعيد الذي لا يرتاده الجنود أو أهل القرية. مر على بعض الجنود وهم يرمون الحجارة على السرطانات التي كانت تختفي تحت الصخور الصغيرة عند نبع المعسكر، تجاوزهم ذاهباً باتجاه النبع الآخر، علق أحد الجنود حينما مر عبدالله قائلاً لزملائه:
ــ اجه الفيلسوف
ابتعد عبدالله عن المعسكر، لم يعد يسمع أصوات الجنود سوى كصدى بعيد، أحس بحركة وخشخشة سريعة، التفت، رأى أرنباً يختفي في حفرة، ابتسم، هز رأسه مبتسما ثم اقترب من الأشجار التي تحيط بالنبع، جلس تحت أغصان نفس الشجرة التي استلقت تحت أعضائها شيرين حينما وصلت القرية مع أمها.
وضع عبدالله الكتاب جانباً، أسند ظهره إلى جذع الشجرة ومد رجليه إلى الأمام. خرير الماء المنبعث من النبع وسقسقة العصافير هي الأصوات الوحيدة التي تقاطع سمفونية الصمت والسكون الجليل الذي يحيط بالمكان. مد رأسه وأرهف أذنيه وكأنه يحاول أن يسمع شيئا، كان بوده لو أن يوقف خرير الماء ويبعد العصافير عن المكان كي يستطيع أن يسمع موسيقى الصمت.
ظل على هذه الحالة لحظات ثم انبسط بجسده وأخذ الكتاب مقلباً صفحاته.
***
ارتجف عبدالله حينما سمع صوتا ناعما يقول قريبا من أذنه:
ــ ماذا تريد هنا
التفت عبدالله بسرعة ونسي بعض بلادته مأخوذاً بالحنان الذي في نظرة السيدة، وسرعان ما أخذ بجمالها فنسي كل شيء، حتى الذي جاء من أجله، وأعادت السيدة…… سؤالها:
فأجابها عبدالله خجلاَ:
ــ أتيت لأكون مربياً ياسيدتي
بقيت السيدة… ساكنة، وكانا جد قريبين يتطلعان ببعضهما، لم يكن عبدالله قد رأى في حياته مخلوقاً أنيقاً بهذا الشكل، فكيف إذا كان هذا المخلوق امرأة ذات جمال شامخ، تتحدث إليه بهذا اللطف، وكانت السيدة….. تتطلع إليه وسرعان ما أخذت في الضحك بكل ما تملكه الشابة من مرح وجنون، وسخرت من نفسها إذ لم تكن تعرف من أين أتت سعادتها، اذن ها هو هنا هذا المربي الذي صورته لنفسها، يأتي ليوبخ ويجلد. وأخيرا قالت:
ــ ماذا، أيها السيد، أتعرف اللاتينية
أثارت عبارة (أيها السيد) دهشة عبدالله الذي فكر هنيهة وقال ببلادة:
ــ أجل سيدتي
وكانت السيدة… جد سعيدة، حتى تجرأت، وقالت له:
ــ أظنك لن توبخ هؤلاء الأولاد المساكين كثيراً
فقال عبدالله مندهشاً:
ــ أنا أوبخهم ولماذا
أضافت السيدة… بعد صمت قصير وبصوت تزيده انفعالاً كل دقيقة تمر:
ــ ستكون طيبا معهم، هل تعدني بذلك أيها السيد
كان وجه السيدة… قريبا من وجهه، فعبقت في أنفه رائحة ملابسها الصيفية فكسا الاحمرار وجهه وقال وهو يتنهد بصوت يفضحه:
ــ لا تخشي شيئا ياسيدتي، سأطيعك في كل شيء.
قال هذه الكلمات وتجرأ على أخذ يد السيدة…. ورفعها إلى شفتيه، دهشت هي لهذه الحركة. وأخيراً تنبهت لوجودها قرب بيتها مع هذا الشاب وهي لا ترتدي إلا قميصاً، فقالت له بصوت يظهر فيه الاحراج:
ــ لندخل أيها السيد
هما بالدخول، فتحت له باب الحديقة ودخل يتبعهما.
ــ عبدالله
التفت كلاهما بسرعة لجهة الصوت.
***
كان ستار يركض من جهة المعسكر، وحينما وصل إلى النبع حيث يتمدد عبدالله، نهض عبدالله مرتبكاً وقال له:
ــ هل حصل شيء
قال ستار وهو مازال يلهث:
ــ اركض، الملازم مجيد يطلبك، الآن وصلت برقية باللاسلكي وما أدري شكو بيهه، المهم طلبك فوراً.

صمت عبدالله مفكراً للحظات، نظر إلى المكان ثم تحرك صامتاً يتبعه ستار، وما أن ابتعدا خطوات حتى سمعا أصواتاً بالكوردية، التفتا، كانت شيرين وصبية صغيرة في السادسة تقتربان، لم تنتبها إليهما، نظر الجنديان لبعضهما دون أن ينطقا شيئاً، ثم استمرا في المشي باتجاه المعسكر بعجلة واضحة.

( 7 )

ريـنـــوار.. الكـــوردي

شمس الأصيل مازالت تضيء باحة ذلك البيت البغدادي العريق، الشرقي الطراز والمشيد من طابقين. وصاحبة الدار العجوز (أم طارق) تلقي الحبوب للطيور في القفص الحديدي، وثمة دجاجة سوداء وأخرى بيضاء تلتقطان ما يتساقط من حبوب بين يديها. تعالى صوت أغنية باللهجة المصرية من احدى الغرف في الطابق الثاني. رفعت أم طارق رأسها باتجاه الصوت ثم أخذت تجول بنظرها في أنحاء البيت وأخيراً رفعت نظرها إلى السماء.
في غرفته بالطابق الثاني كان الرسام (صباح) يقوم بمزج الأصباغ وأمامه حامل اللوحة وعليه لوحة من القماش الأبيض.
الغرفة واسعة وعريضة وتكاد تكون فارغة إلا من سرير حديدي قديم الطراز يتوسط الغرفة. هناك بعض رفوف الكتب على الجدران الجانبية، وعلى أحد الجوانب لوحة (اللوج) لرينوار، وعلى الجدار الآخر قرب السرير بورتريت لكافكا. في وسط الغرفة يتدلى من السقف مصباح مضىء، وعلى أحد جوانب السرير ثمة نافذة مغلقة يتسرب منها شعاع من نور، وعلى الجانب الآخر وضع غرامون قديم والى جانبه بضع اسطوانات موسيقية.
كان صوت الأغنية المصرية يتسرب من الغرفة المجاورة ضعيفا. ثمة قلق يطغى على حركات الرسام وملامح وجهه، أحياناً ينظر إلى اللوحة البيضاء نظرة بعيدة قلقة ومتفحصة، فجأة وضع لوحة الاصباغ جانبا ثم نظف أصابعه ببنطلونه وتوجه نحو الاسطوانات الموسيقية، أخذ أحدها ووضعها داخل الجهاز محركاً ابرته فتعالى صوت أوبرالي نسائي. القى صباح بنفسه على السرير وأخذ ينظر إلى اللوحة البيضاء التي أصبحت بمواجهته، بقي على هذه الحالة للحظات، سمع طرقاً على الباب، انتبه بسمعه فأوطىء الصوت الصادر من الجهاز، سمع طرقاً أوضح، ظن انها (أم طارق) جاءت لحاجة أو سؤال فقال وهو مستلق:
ــ ادخل.
فتح الباب ودخل رجل في النصف الثاني من ثلاثينه، ضخم الجثة، بطين، قاسي الملامح، خبيث النظرات، يبدو من ملامحه انه يبطن شيئاً في نفسه. كان الرجل مرتبكاً وكان يبتسم محاولاً مداراة الموقف وتبرير زيارته فتقدم قائلاً:
ــ تسمح أستاذ
نهض صباح من السرير واقفاً مستغرباً ثم قال بعد لحظات:
ــ تفضل خيراً
فقال الرجل مبتسماً بارتباك وهو يفرك كفيه أحدهما بالآخر:
ــ ما كو شي أستاذ، احنه جيران صارلنه شهور وما متعارفين، سمعت صوت الموسيقى يجي من غرفتك، كلت هاي خوش فرصة للتعارف، احنه مثقفين والمفروض نتعارف.
فقال صباح بعد ان انبسطت أساريره شيئاً ما.
ــ أهلاً وسهلاً، شنو الأخ فنان
فقال الرجل بارتباك:
ــ لا، آني، آني، آني موظف، بس اني أحب الفن.
كان من الواضح على ملامح الرسام انه غير مرتاح لهذه الزيارة وغير راغب بالتعارف، لكنه لم يبد البرود للرجل الآخر وانما كانت حركاته تنم على اللامبالاة، فقد استمر بمزج الألوان، أما الرجل الآخر فقد كان يبدو في حركاته وملامحه انه يريد تنفيذ مهمة أخرى غير التعارف الذي لم يتم بعد، لهذا فهو يتحرك بحيوية رغم احساسه بعدم رغبة الرسام بالتعارف فقال باسماً:
ــ اسمي طراد، طراد التكريتي.
ومد يده للمصافحة..
ــ أهلاً وسهلاً، قال صباح دون أن ينتبه له، أو يمد يده.
ــ الأستاذ شنو اسمه
سأل طراد مصراً على التعارف، انتبه الرسام لمجرى الحوار فالتفت للرجل الآخر رآه ماداً يده فمد هو بدوره يده للمصافحة دون رغبة قائلاً:
ــ صباح
ــ أهلاً وسهلاً أستاذ صباح، تشرفنا
وملأ طراد فرح غامر وكأنه حاز على سر ثمين وأخذ يجول بنظره في أرجاء الغرفة متمعناً، توقف عند لوحة (اللوج) لرينوار، اقترب منها.
ــ هاي اللوحة انته راسمهه أستاذ؟ كلش حلوة
نظر صباح إليه بسخرية وكأنه عرف هوية الشخص الذي يتحدث معه، فقال بسخرية
ــ هاي وين رحت، لو أقضي عمري بالرسم ليل ونهار لما كدرت ان ارسم هاي اللوحة، والحقيقة لو جنت شايف هاي المرية بحياتي ما جنت رسمتهه وانما جان تزوجتهه.
أجاب طراد وهو يتأمل اللوحة برغبة جنسية واضحة
ــ والله صدك تكول، اني ظنيت انته راسمهه
فقاطعه الرسام:
ــ هذا رينوار
فقال طراد باستغراب:
ــ رينوار، ما أعرفه، شنو هوه كردي
فأجابه صباح بغضب مكتوم:
ــ رينوار فنان فرنسي
شعر طراد بالارتباك لأنه بدأ يكشف جهله لكنه تدارك الموقف بمرح:
ــ اني فكرت ما معقول عند الأكراد رسام قوي مثل هذا الفرنسي، بس موذنبي أستاذ صباح الاسم غشني، اسمه مثل الأسماء الكوردية، بهار.. زركار.. ريبوار.وما ادري شنو
ثم تقدم طراد باتجاه حامل اللوحة ليرى ماذا يرسم صباح فلم يجد شيئاَ حيث ان اللوحة مازالت بيضاء.
ــ شنو راح ترسم أستاذ صباح؟
ودون أن يترك فرصة للرسام كي يجيب قال:
ــ أكيد راح ترسم لوحة عن انجازات الحكومة، راح تحصل خوش فلوس.
رمقه صباح بنظرة فاحصة ثم قال:
ــ لا، راح ارسم بورتريت لأمي
غمر طراد فرح كبير فقال:
ــ يعني انته رسام بورتريت، أكيد رسمت لوحات لكل جيرانه
ــ اني ما ارسم بورتريتات فقط
فقاطعه طراد:
ــ هذا جارنه اللي غرفته يم الدرج، اسمه علي الفيلي، اللي يقره الجريدة المشبوهة، وجهه كلش معبر، أكيد رسمته!
أجاب صباح بلا مبالاة:
ــ رسمته
استمر طراد:
ــ وهذا أبو لحية، المتدين اللي غرفته بجانب غرفة أم طارق، اسمه هاشم، يا أخي هذا مدمر أعصابي بصلاته، أكيد رسمته؟
أجاب صباح:
ــ رسمته، بس انته ليش تنزعج منه لهذا الحد!!
ارتبك طراد وقال:
ــ يا أخي أكرهه هذا الانسان، من اشوفه أتضايق، من أشوفه يصلي لو يقره قرآن احس بنفسي وكأني مجرم، من أشوفه يتوضه أحس بنفسي وسخ، ما أدري ليش، بعدين هوه انسان مو اجتماعي منعزل،، ولا كأنه عايش بالقرن العشرين.
فسأل صباح ساخراً:
ــ ليش احنه عايشين بالقرن العشرين
نظر طراد إليه بعتاب وقال:
ــ هاي شنو أستاذ صباح، ليش احنه وين عايشين، بالمناسبة عندي بطل عرك، شنو رأيك نشربه سويه!
فقال صباح:
ــ فكرة، بس مو هسه، دتشوف اني مشغول.
***
في هذه اللحظات رن جرس الباب الخارجي، لم يكن أحد في باحة الدار، خرجت العجوز (أم طارق) من غرفتها الموازية للممر الذي يفضي إلى الباب الخارجي، ذهبت ببطء كي تفتح الباب، اجتازت العتمة في الممر.
حينما فتحت (أم طارق) الباب كان وجه العجوز الكوردية أمامها، ارتبكت وسألت بلهجة عربية مفككة:
ــ هازه بيت علي الفيلي
صمتت أم طارق لحظة ثم قالت:
ــ بلى، علي الفيلي ساكن هنا، منو حضرتج؟
قالت العجوز بارتباك واضح:
ــ اني أم هيمن، احنه خالة علي
حدقت أم طارق فيها قليلا ثم رحبت بها فجأة على عادة البغداديات:
ــ أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، تفضلي، بس علي هسه ما موجود، تفضلي، تكدرين تنتظرين بغرفتي إلى ان يجي.
قالت أم طارق ذلك وفسحت الطريق للعجوز الكوردية فدخلت. اجتازتا كلاهما الممر المعتم، وحينما وصلتا إلى باحة الدار خرج طراد من غرفة الرسام وانحنى من أعلى السياج الذي يطل على الباحة متأملاً المرأة الكوردية. رفعت أم طارق رأسها باتجاهه وقالت:
ــ هذي خالة علي، ما تعرف عربي، جايه تزوره، فضلت أن تنتظر عندي.
لم تنتظر أم طارق الاجابة وانما دخلت غرفتها تتبعها العجوز الكوردية. بقي طراد وحيداً، كان الحقد الدفين في أعماق عينيه، نظر إلى غرفة الرسام ثم إلى الباحة وتحرك باتجاه غرفته، دخلها وصفق الباب خلفه، كانت الدجاجتان تلتقطان الحبوب المتناثرة على الأرض والطيور في قفصها والشمس قد انحدرت للغروب.


( 8 )

ضبـــاط.. وجنــــــــود....و...

غرفة الملازم مجيد تقع في منتصف المعسكر وهي غرفة طينية لكنها أكثر تماسكاً وتنظيماً في بنائها مقارنة مع غرف الجنود، وتبدو من الداخل أكثر حياة من حيث كونها رحبة ومضيئة بعدد من المصابيح، تفصلها ستارة شفافة في منتصفها حيث يبدو واضحاً سرير النوم وحقائب تخص الملازم أما النصف الأمامي فهو مكتبه المؤلف من كرسي دوار ومنضدة عليها بعض الملفات ودولاب لحفظ الأوراق ومقاعد وثيرة لجلوس الزائرين من الضباط أحياناً. وقرب الباب برميل متوسط الطول وتحته وعاء من الالمنيوم يستخدم كحوض عند غسل الأيدي والأقدام.
كان الملازم مجيد جالساً على كرسيه باسترخاء بينما كان ثمة ضابط يجلس بتوتر وتأهب ينظر بين لحظة وأخرى إلى الباب أو إلى الملازم مجيد ثم ينظر إلى الأرض ويجول ببصره في أرجاء الغرفة.
كان الملازم مجيد يقطع الصمت بسؤال أو تعقيب أو استفسار أو بالعكس.
دخل الجندي المراسل والمخصص واجبه فقط لخدمة الملازم مجيد، أدى التحية:
ــ سيدي، الجندي عبدالله عند الباب.
نظراً الضابط الآخر باتجاه الملازم ثم نهض وأدى التحية العسكرية وقبل ان يخرج قال له الملازم:
ــ ضابط صلاح، تكدر ترجع بعد ما انتهي من هذا الجندي.
أدى الضابط صلاح التحية ثانية وخرج، قال الملازم للجندي الخادم:
ــ فليدخل
خرج الجندي الخادم بعد أن أدى التحية العسكرية ثانية وبعد لحظات دخل عبدالله بارتباك فأدى التحية العسكرية وقال:
ــ اني الرقم 325758 الجندي المكلف عبدالله آدم كاتب في قلم الفوج الثالث لواء المشاة 38 التابع للفرقة السابعة التابعة للفيلق الأول، حاضر سيدي.
نظر الملازم مجيد اليه بامعان وتفحص ثم قال بهدوء وهو يمط كلماته:
ــ البارحة جانت عندك خفاره
فقال عبدالله سريعاً وهو في حالة تأهب عسكري:
ــ نعم سيدي
ــ متى؟
ــ من الساعة ثنتين وحتى الساعة أربعة فجر
نظر الملازم اليه بمكر وقال:
ــ وما شفت شي غريب
ــ لا سيدي
ــ أقصد ما شفت أحد دخل القرية؟
ــ لا سيدي
صمت الملازم مجيد وأخذ يتفحص الجندي الماثل أمامه بنظرات من يخبىء شيئا بينما كانت هذه اللحظات من الصمت بالنسبة للجندي عبدالله ثقيلة وبطيئة جداً.
استدار الملازم مجيد في كرسيه الدوار وقال:
ــ وصلتنا برقية تتضمن معلومات بان المخربين دخلوا القرية، في وقت حراستك ومن مكان النقطة اللي انته كنت تحرسها.
لم يعرف عبدالله بماذا يجيب، ارتبك لكنه ظل صامتاً. فجأة نهض الملازم واقفاً وأخذ يخطو جيئة وذهاباً من أمام الجندي في الفسحة الصغيرة التي بينه وبين منضدة الكتابة، ذاهبا باتجاه الستارة راجعاً باتجاه الغرفة، وبعد لحظات قال:
ــ تروح الليلة مع السرية الثالثة، تتفقدون القرية وتفتشونها جيداً، المعلومات تؤكد على وجود غرباء بالقرية.
***
أدى عبدالله التحية العسكرية واستدار هاماً بالخروج ظناً منه بان ليس هناك شيء آخر يريده الملازم منه، خمن ذلك من خلال حركة الملازم الذي استدار ثانية وجلس على كرسيه وأخذ يقلب ملفا بين يديه دون أن يرفع بصره للجندي الماثل أمامه. وما ان تحرك الجندي ووصل إلى عتبة الباب حتى ناداه الملازم ثانية:
ــ عبدالله
استدار الجندي بحركة سريعة وأدى التحية العسكرية ثانية لكن الملازم ظل صامتاً دون أن يرفع نظره عن الملف.
ــ انته حزبي
ارتبك الجندي، حاول أن يجد الجواب المناسب، أراد أن يشغل الملازم قليلاً كي يستفيد بعض الوقت من أجل ايجاد الجواب.
ــ عفو سيدي ما فهمت قصدك
نظر الملازم إليه وابتسامة ماكرة قد ارتسمت على وجهه
ــ أقصد انته بعثي
ــ لا سيدي
ففاجأه الملازم قائلاً:
ــ يعني انته شيوعي
ارتبك عبدالله بشكل واضح لكنه تماسك:
ــ لا سيدي،، اني موسياسي، اني مستقل
نظر الملازم اليه نظرة صريحة ماكرة مع ابتسامة لطيفة غير عدائية
ــ اذن شنو اللي جابك هنا؟
ــ الأوامر العسكرية سيدي
أحس عبدالله بالأمان حينما نظر إلى وجه الملازم مجيد فلم يجد فيه ما ينم على العداء، فكر، عليه أن يستفيد من هذا الموقف ما دام الملازم مجيد قد خلع عن وجهه القناع العسكري، سأل عبدالله بارتباك:
ــ سيدي تسمح لي بسؤال؟
فوجىء الملازم فرفع رأسه بتوتر ثم ارتخت ملامحه ثانية وقال:
ــ اسأل
ــ انته شنو اللي جابك هنا؟ أقصد انته من أهالي بغداد، فليش انته هنا، ما كدرت تبقى هناك؟
صمت الملازم للحظات، أغمض عينيه بألم ثم قال مع ابتسامة صداقة:
ــ الأوامر العسكرية.
صمت كلاهما، أحسا انهما خارج المعسكر وليست بينهما هذه القيود والطقوس العسكرية، انهما يعيشان لحظة انسانية حقيقية، قال الملازم مجيد وهو يتأمل وجه عبدالله:
ــ هذا ملفك أمامي، كل المعلومات تؤكد على انك شخص خطير
ــ الحقيقة سيدي
ــ بلا سيدي، احنا أصدقاء، أقصد الحياة العسكري تبقه عسكرية بس لما نكون وحدنا احنه اصدقاء.
غمرت عبدالله موجة من الحنان الاخوي فقال بدفء:
ــ شكراً جزيلاً ملازم مجيد على شعورك.
ابتسم الملازم مجيد وقال:
ــ بس انته لحد الآن ما جاوبتني؟

في الخارج جاء الضابط صلاح، أراد أن يدخل، فوقف الجندي الخادم أمامه وأدى التحية قائلاً:
ــ الملازم مجيد بعده مشغول وية الجندي عبدالله سيدي
وقف الضابط للحظة ثم استدار باتجاه الغرفة التي يسكن فيها عبدالله.

في تلك اللحظات كان ستار في الغرفة الطينية التي يتقاسمها وعبدالله مع آخرين، أخذ الكتب من حقيبة عبدالله وخبئها في حقيبته ووضع الحقيبة تحت سريره، وحينما دخل الضابط صلاح الغرفة كان هو يرتب الفراش. ارتبك ستار حينما شاهد الضابط صلاح داخلاً، أدى التحية العسكرية دون أن ينطق شيئاً، اقترب الضابط بعد أن ارتسمت على ملامحه علامات الاشمئزاز والانزعاج من الغرفة وجوهاً الرطب، وسأل:
ــ وين سرير الجندي عبدالله؟
أشار ستار باتجاه السرير
ــ هذا سيدي
ــ طلع لي جنطته
اقترب ستار من السرير ثم انحنى وأخرج الحقيبة الجلدية، أشار الضابط بيده دون أن ينطق بان يضع الحقيبة على السرير. وضع ستار الحقيبة على السرير، أشار الضابط عليه بأن يفتحها، ففتحها، كانت فارغة إلا من منديل وأدوات حلاقة، ارتسمت الخيبة على ملامح وجهه، على عكس ستار الذي كان وجهه يعبر عن السرور الخفي، وفجأة رفع الضابط الوسادة فرأى كتاباً، أخذ الكتاب، قرأ غلافه وتصفحه، ثم خرج ارتسمت علامات الألم على وجه ستار، كيف لم ينتبه لهذا الكتاب، فلقد كان يتوقع أن تفتش حقيبته فقط.
***
ــ اني مو خطير، بس انت تعرف كلمن ما يصير عضو حزب بحزب البعث يعتبر خطير ويهدد أمن الدولة.
ــ بس المعلومات اللي في الملف تؤكد بانك شيوعي، ماركسي.
ارتبك عبدالله ثانية، فلربما هذه الصداقة المفاجئة هي فخ لاصطياده.
ــ ملازم مجيد، انته تعرف اني فنان واقره كل شي، وهذا ما يعني انه اني أعتنق أفكار الكتب اللي اقراها.
ــ على كل حال، انتبه، لانه اني مساعد أمر المعسكر فقط، والضابط صلاح رشيد هو اللي مسؤول عن التنظيم الحزبي، وهوه ضابط استخبارات، وبيده كل شي، درجته الحزبية أعلى مني، وفوق هذا هوه انسان حقود يمكن يؤذيك، انتبه.
ارتبك عبدالله من هذه الصراحة واحس بان الملازم مجيد يعرف الكثير عنه وعن نشاطاته السياسية السابقة، فقال كلمات مليئة بالعرفان:
ــ أشكرك جداً ومن كل قلبي، وأتمنى أن نلتقي في ظروف أخرى، حينما علاقتنا ليست علاقة ضابط وجندي.
صمتا كلاهما ثانية وفجأة سأل عبدالله:
ــ ملازم مجيد، انته ليش صرت عسكري، أقصد كان بامكانك أن تدرس في جامعات أخرى غير الكلية العسكرية.
ابتسم الملازم مجيد وقال:
ــ بصراحة معدلاتي كانت قليلة فلم يبق أمامي سوى أن أكون جندي أو أدخل الكلية العسكرية، فقلت لنفسي أصير ضابط أحسن من أن أصير جندي فدخلت الحزب وصرت ضابط، كان بودي أدخل أكاديمية الفنون الجميلة، لكن شتسوي، هاي هيه، ما يفيد الندم.
ثم ابتسم الملازم فابتسم الجندي معه، أراد عبدالله أن يسأله فسبقه الملازم قائلاً:
ــ أدري شنو راح تسأل، ليش جابوني هنا، اني أكلك، لانه ما عندي واسطة، لو جانت عندي واسطة جان هسه اني في بغداد، يم عائلتي وزوجتي وابني.

في المعسكر تقدم الضابط صلاح ثانية باتجاه غرفة الملازم مجيد، كان الكتاب مازال في يده، تقدم الجندي المراسل وأدى التحية وقبل ان ينطق شيئاً تجاوزه الضابط داخلاً إلى غرفة الملازم.

فوجىء الملازم مجيد بدخول الضابط وكذلك عبدالله، وبينما كان الضابط يؤدي التحية، نظر الملازم إلى وجهه نظرة سريعة وخاطفة فعرف بان ثمة شيئاً ليس على ما يرام.
تقدم الضابط صلاح ووضع الكتاب على المنضدة ونظرا بشزر واحتقار إلى عبدالله وقال:
ــ تكدر تشرح لي شنو معنه وجود هذا الكتاب في المعسكر؟
نظر عبدالله سريعاً إلى الكتاب، ارتبك، قال:
ــ هذا الكتاب اشعار مترجمة سيدي.
نظر الملازم إلى عبدالله والضابط، شعر بالغضب من تصرف الضابط فقال:
ــ ملازم صلاح، كان ممكن تخبرني بالموضوع قبل أن تطرحه عليه.
أحس الضابط بالارتباك والاهانة من ابداء ملاحظة على سلوكه أمام مجرد جندي، فقال بنبرة عالية أكثر مما تفترضه الطقوس العسكرية بين ضابط ورتبة أعلى منه، قال بشيء من التحدي:
ــ هذا الشيء من اختصاصي ملازم أول مجيد، اني المسؤول عن الأمن السياسي بالمعسكر.
أحس الملازم مجيد بالارتباك أيضاً، لكنه لم يتراجع فقال:
ــ رغم ذلك، اني آمر المعسكر هنا مادام سيادة الآمر غير موجود، وأي شيء يجب أن أعرف به قبل اتخاذ أي اجراء، مفهوم.
نظر الضابط صلاح بشزر إلى الجندي، كان منفعلاً فلم يطق صبراً، أدى التحية وخرج، صمتا كلاهما.. كان ثمة عذاب في وجه الملازم مجيد وخوفاً في وجه الجندي عبدالله.


( 9 )

إمــــــرأتـان

استدارت أم طارق، كانت تحمل صحناً كبيراً مليئاً بالبطيخ، وضعته على المنضدة أمام العجوز الكوردية التي كانت علامات التأثر والانفعال واضحة على وجهها من هذا الكرم وهذه الضيافة فقالت:
ــ اني ما يعرف كيف يشكرج اني سويت زحمه
ابتسمت أم طارق وجلست قبالتها وقالت:
ــ لا شكر على الواجب أختي، احنه حبايب، علي مثل ابني، اسم الله عليه شكد عاقل وابن حموله.
بدأتا تأكلان. كان وجه العجوز يموج بالانفعالات، نظرتها عميقة وبعيدة. كانت القرية تشتعل بالنيران، العجوز وابنتها تركضان، القرية تشتعل من بعيد. يخرج جواد أبيض من النيران انه يركض من الجهة المعاكسة، الجواد الأبيض يصعد الجبل.
انتبهت أم طارق إليها فقالت بلطف:
ــ ها وين رحتي، اختي
انتبهت العجوز، ابتسمت بحزن وتمتمت:
ــ اتذكرت من قصفو القرية بالقنبلة
تأثرت أم طارق وقالت رافعة يديها بالدعاء:
ــ ان شاء الله ايده تنكسراللي ذب القنبلة عليكم، يامجيب، اللهم انتقم من كل ظالم، اللهم.
لم تواصل أم طارق دعاءها، إذ سمعت حركة في الممر، وبسرعة خرجت من الغرفة.
الليل يغطي الباحة. عند الباب وفي عمق الممر ثمة رجل، ضغظ زر الكهرباء، أضاء الممر مصباح شحيح الضوء، يبدو رجل في الثلاثين، وسيم الوجه، مديد القامة، يحمل في يده كيسا وفي الاخرى جريدة مطوية وكتاب، عبر الممر إلى الباحة، قابلته أم طارق عند باب غرفتها فبادرها بالتحية:
ــ مساء الخير أم طارق
ــ مساء النور عيوني
وقبل ان يخطو متجهاً لغرفته بادرته:
ــ عيني علاوي، عندك خطار
وقف علي ونظر بدهشة لصاحبة الدار ثم قال:
ــ اني عندي خطار؟
ابتسمت أم طارق وقالت:
ــ أي، بلى، انته، خالتك من العصر تنتظرك، تفضل، هيه عندي بالغرفة.
ودخلت غرفتها، تبعها علي ايضا.
***
في الطابق الثاني كان طراد متكئاً على المسند المطل على الباحة، نظر إلى علي الفيلي وهو يدخل الغرفة بحقد دفين كمن يحفي شيئاً.

(10)

خـيــــــانــة

في الباحة الصغيرة التي أمام الغرفة، كانت شيرين وصاحبة الدارجالستين، وبالقرب منهما صينية مليئة بالبطيخ الأصفر والأحمر. كان وجه شيرين يعبرعن شرود، نظرات تائهة، وجه جامد وحركات ميكانيكية، بينما كان وجه صاحبة الدار مليئاً باللطف والحيرة والارتباك معاً. كان يبدو من وجهها بانها تود أن تقول شيئاً الا انها مرتبكة، وأخيراً حزمت أمرها:
ــ شيرين
انتبهت شيرين ونظرت إليها نظرات تؤكد بانها صاحية، واصلت المضيفة:
ــ شيرين، اليوم وعند السحر، وقبل طلوع الفجر، دخل البيشمركة القرية، لقد كانوا هنا، بقوا قليلاً جداً.
اتسعت نظرات شيرين، كانت منفعلة من الخبر، ومستغربة، واصلت المضيفة:
ــ كنت أتوقع أن يكون زوجي معهم، ولكن للأسف لم يكن، أمك تحدثت معهم، سيمرون الليلة عند الفجر أيضاً، انهم قصدوا قرية (باني بنوك) لكن سيرجعون الليلة بالتأكيد، وستذهبين معهم.
فوجئت شيرين، لم تقل شيئاً، غارت نظراتها للأعماق مباشرة، نكست رأسها للحظة، رفعت رأسها ونظرت لوجه المضيفة التي واصلت الحديث حينما فهمت بانها غير معترضة بل لقد لمحت شيئاً من الهدوء والراحة قد غمر وجهها.
ــ هناك معسكرات للعوائل في المناطق المحررة، ستكونين هناك في مأمن، أنا لا أتضايق من وجودك أبداً أبداً، على العكس، وجودك يسليني ويدفع عني الوحشة، لكن مختار القرية يتعاون مع الحكومة، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث، انه يتشمم الأخبار وينقلها إلى آمر المعسكر، لذلك سيكون ذهابك مع البيشمركة آمن وجودك هنا.
نظرت شيرين إلى صاحبة الدار، ترقرقت الدموع في عينيها، انحنت بحنان على كتفها وأجهشت بالبكاء، ظلت للحظات وهي تبكي، احتارت صاحبة الدار، فوجئت، أخذت تمسح على كتفها وتحاول تهدئتها:
ــ شيرين، أختي العزيزة، لماذا تبكين، يجب أن تفرحي، ستكونين في حماية البشمركة.
رفعت شيرين رأسها كانت ثمة ابتسامة اعتذار على وجهها وتتألق في نظراتها، نظرت احداهما بوجه الآخر لحظات ثم ابتسمتا.
سمعتا طرقاً خفيفاً على الباب، انتبهتا، كان ثمة نباح كلب يأتي من بعيد، غابت الابتسامة عن الوجوه وحل الوجل والانتباه محلها، نهضت صاحبة الدار وقالت قبل أن تذهب لفتح الباب:
ــ من هنا
لم يجب الطارق، ذهبت المضيفة إلى قرب الباب ووقفت محاذية له وسألت:
ــ من هنا
جاء صوت نسائي مرتبك:
ــ أنا أم سالار، افتحي، أنا
فتحت المضيفة الباب وقالت:
ــ هذا أنت أم سالار، ما الذي قد حصل.
دخلت العجوز إلى منتصف الباحة، وقبل أن تسلم أو تجلس قالت:
ــ المختار ذهب إلى المعسكر ظهر اليوم وأخبر الحكومة بكل شيء.
فغرت شيرين والمضيفة فاههما، نظرت كلاهما للأخرى، تقدمت المضيفة التي كانت قرب الباب ثم قالت العجوز:
ــ اجلسي، اجلسي، أحكي لنا بالتفصيل
تقدمت العجوز أم سالار، وقبل أن تجلس قالت:
ــ مساء الخير، نسيت أن أقولها لكما عند الدخول.


( 11 )

لـيـــالـي الجنـــدي عـبد اللـه

دخل عبدالله غرفة السيدة، فوجىء بانها تبكي:
ــ أوه ياسيدتي، هل حصل مكروه؟
ــ كلا ياصديقي، ناد الأولاد لنذهب في نزهة.
أخذته من يده واتكأت عليها بطريقة ظنها عبدالله متعمدة، وقالت له دون أن تتطلع إليه:
ــ حدثوك عني بانني الوريثة الوحيدة لعمة غنية، وهي تغرقني بالهدايا، ان أولادي يتقدمون بشكل مدهش لدرجة أحب معها أن أرجوك قبول هدية صغيرة مني اعترافاً بالجميل، ليس الأمر سوى بعض النقود لتشتري بعض الملابس، ولكن
ازداد احمرار وجهها ثم توقفت عن الكلام.
ــ ماذا سيدتي؟
فتابعت وهي تخفض رأسها:
ــ وجدت من غير المفيد أن يعرف زوجي بهذا الأمر.
فقال عبدالله وكانت عيناه تلتمعان ببريق الغضب:
ــ انني فقير لكنني لست خسيساً، هذا الأمر لم تفكري فيه كما يجب، سأكون حقيراً لو أخفيت هذا الأمر الذي يتعلق بحالتي المالية عن زوجك.
دهشت السيدة، كانت شاحبة ومرتجفة، وانتهت النزهة دون أن يجد أحدهما حجة لاستئناف الحديث.
***
دخل ستار الغرفة الطينية فرأى عبدالله مستلقياً على سريره بكامل ملابسه العسكرية، وهو يحتضن كتاباً سميكاً يقرأ فيه سانداً اياه على صدره فبادره:
ــ ها، شصار، شنو راد الملازم. اجه الضابط صلاح، فتش الجنطة، كل الكتب خليتهه عندي بس شاف كتاب واحد جوه المخدة.
ترك عبدالله الكتاب لحظة، ظل مستلقياً، اقترب ستار منه وجلس على حافة السرير، كان وجه عبدالله غاضباً ومنفعلاً مثلما كان عند السيدة، لكنه نظر إلى ستار وقال:
ــ الليلة لازم نطلع استطلاع على القرية، هذا الحقير صلاح راح يقود الهجوم.
صمت ستار لحظة ثم سأل:
ــ وانته شنو علاقتك بالموضوع، انته تابع لسرية المقر.
لم يدر عبدالله بماذا يجيب، كانت ملامحه تؤكد بانه لا يود الحديث وانه مازال في أجواء الكتاب الذي يقرأ فيه، لكنه مط كلامه مواصلاً:
ــ ما أدري يكولون الأكراد دخلوا القرية بوكت خفارتي وما بلغت عليهم.
سأل ستار وفي نظرته شيء من الشك والتساؤل:
ــ يعني صحيح الخبر، المخربين دخلوا القرية؟
صمت عبدالله لحظات ثم قال:
ــ دخلوا
ارتسمت الدهشة والخوف على ملامح ستار:
ــ شفتهم؟
قال عبدالله بلا مبالاة:
ــ طبعاً شفتهم، من بعيد.
ارتبك ستار، نظر حوله في الغرفة خائفاً أن يسمع أحد حديثهما:
ــ وليش ما خبرت عنهم؟
صمت عبدالله للحظة ثم قال بلا رغبة واضحة في الكلام:
ــ يا أخي هذوله ناس مظلومين، يطالبون بحقوقهم.
ارتبك ستار وقال:
ــ عبدالله شتكول، يمعود لا يسمعك أحد.
ابتسم عبدالله بمرارة وقال سائلا:
ــ اسألك بالله، انته من أي ولايه؟
أجاب ستار بارتباك:
ــ من الناصرية
ــ بأي لغة تحجي؟
ــ أحجي بالعربي
ــ تعرف كوردي؟
ــ لا، ليش تسأل
ــ انتظر لحظة، شفت بكل هاي الأماكن واحد يحجي عربي غير العسكر؟
ـ لا أكو أكراد يحجون عربي، عربي مكسر
ــ شفــت
ــ شــنو؟
ــ احنه غربه بهذا المكان يا ستار، هاي موكاعنه، مو ولايتنه، مو لغتنه، احنه نريد نفرض عليهم سلطتنه بالقوة، وهم الأكراد ما يريدون، لذلك شايلين سلاح بوجه الحكومة، وهذا حقهم.
صمت ستار، لم يدر ماذا يقول، ارتسمت علامات الحيرة والارتباك والخوف على وجهه، فسأل:
ــ هذوله اللي يقاتلون مخربين، ليش أكو أكراد ويه الحكومة؟
ابتسم عبدالله وقال:
ــ الأكراد اللي ويه الحكومة خونه، ناس خانوا شعبهم ورضوا بالمناصب والفلوس، مثل مختار القرية اللي يقبض ثلاثين دينار كل شهر من العسكر.
صمت ستار للحظات، امتد الصمت بينهما، ثم ابتسم فجأة وقال:
ــ صدك يكولون انته واحد خطير، سمعت الضابط صلاح يكول لضابط الرواتب انه أفكارك هدامه، من هاي يخافون منك.
ابتسم عبدالله وقال:
ــ الحقيقة دائماً تخوف.
ابتسم ستار وهو ينهض متجهاً نحو باب الغرفة وكأنه يهرب من الحديث:
ــ الحقيقة، الحقيقة، هيج حقيقة وراهه مشاكل وقيل وقال وهجمان بيوت، هيج حقيقة ما تنراد.
ابتسم عبدالله وقال:
ــ ما كو وره الحقيقة غير المشاكل، هذا قانون، على كل حال شكراً.
توقف ستار عند الباب وقال:
ــ عله شنو تشكرني
ابتسم عبدالله وقال:
ــ عله اخفاء الكتب عندك.
قال ستار وهو يهم بالخروج:
ــ آني أخوك، وبالمناسبة، أفكارك هاي عن الأكراد دوختني، أخاف أكعد يمك واحجي وياك، أخاف تقننعني بأشياء ما أريد اقتنع بيهه.
قال ذلك وخرج. بقي عبدالله لحظات ينظر إلى سقف الغرفة ثم أخذ الكتاب وواصل القراءة.
***
الظلام يغمر الوادي والجبل، وهدير المحرك يدوي، وفي الطرف الخلفي من المعسكر في المنطقة البعيدة عن القرية كان ستار وجندي آخر يلعبان بالنرد ويقهقهان وأمام كل منهما كأساً مليئة بالشاي، كانا يجلسان بالقرب من الغرفة الطينية التي ارتفعت عليها لوحة كتب عليها بخط ردىء (الحانوت)، وعلى اللوحة كان ثمة مصباح يضيء. جاء جنديان آخران، وقفا ينظران إليهما ويتابعان حركة النرد، بينما خرج من الحانوت عسكري برتبة عريف، اقترب منهما أيضاً ثم وقف فوق رأسيهما ووضع كفه وسط طاولة النرد وقال مازحاً:
ــ العب لو أخرب الملعب.
ضحك الجميع وقالوا بصوت واحد:
ــ تلعب، تلعب.
رفع العريف واستمر ستار والجندي الآخر يلعبان، استمر الجو مرحاً لكن العريف قاطعهم قائلاً:
ــ الليلة عدنه مناورة صغيرة بالقرية.
لم يكن للخبر وقع مفاجىء فالجنود يعرفون ذلك، لكن العريف واصل كلامه بطريقة تضفي الأهمية على كلامه:
ــ السرية الأولى وسرية الاسناد راح يرافقون السرية الثالثة
فوجىء الجميع.. قال ستار:
ــ يعني القضية جدية.
ــ يكولون المخربين البارحة دخلوا القرية، واكو كردية غريبة الآن بالقرية يمكن عدهه علاقة وية المخربين.
في هذه اللحظة نهق حمار فضحك الجميع.
***
دخل عبدالله الحديقة، اتخذ مجلسه المعتاد قرب السيدة وسرعان ما ازداد الظلام، أراد أن يمسك بيد بيضاء كان يراها قربه مستندة إلى ظهر الكرسي، أمسك بها، ترددت اليد قبل أن تنسحب من يده بطريقة تدل على الوقار، وكان عبدالله مستعداً للقبول بذلك ومتابعة الحديث بمرح عندما سمع خطى زوجها تقترب. وكانت الكلمات القاسية التي سمعها منه هذا الصباح لاتزال ترن في أذنيه فقال في نفسه:
ــ أليست هذه طريقة للسخرية من هذا المخلوق الغارق في النعمة، ان أخذ يد امرأته وفي حضوره أجل سآخذها لأثبت له مقدار احتقاري.
تكلم زوجها في السياسة بغضب:
ــ لقد أصبح اثنان أو ثلاثة صناعيين في المدينة أغنى مني ويريدون مزاحمتي في الانتخابات.
قرب عبدالله كرسيه من كرسي السيدة وكانت الظلمة تخفي كل الحركات، وتجرأ فوضع يده قريباً من الساعد الجميل الذي كان الثوب يتركه عارياً، واضطرب، فقرب خده من هذا الذراع الجميل وتجرأ فوضع عليه شفتيه.
ارتجفت السيدة فأسرعت وأعطت يدها لعبدالله وفي نفس الوقت أبعدته قليلاً فقد كان زوجها على بعد أربع خطوات منهما، ولما كان الزوج يتابع شتائمه للناس فقد أغرق عبدالله اليدالتي أعطيت له بوابل من القبل الحرى.
***
ــ حضرت سلاحك؟
قال ستار ذلك وهو يدخل الغرفة فرأى عبدالله مازال مستلقياً على سريره وبيده الكتاب.. كان وجه عبدالله يفيض بالانفعال، بل هناك شيء من الارتباك في نظراته كمن كشف أسراره، لم يجب على سؤال ستار.. اقترب ستار منه، استغرب لحالته فسأله:
ــ شبيك، مريض؟
فقال عبدالله وهو يخفض عينيه:
ــ لا، ما بيه شي، جنت أقره
قاطعه ستار:
ــ عله كل حال، حضر بندقيتك، نظفهه، زيتهه، لانه خلال ساعة ونصف راح يصير تفتيش عام على السلاح.
تحرك ستار باتجاه السرير ورفع الوسادة، كان تحتها مخزن الطلقات، تناوله ثم التفت إلى عبدالله قائلا:
ــ آني رايح آخذ بندقيتي من المشجب، بعدين أروح يم عريف جاسم.
خرج ستار مسرعاً، بقي عبدالله وحيداً ساكناً، وفجأة عاوده انفعاله، رفع الكتاب، وغرق بلهفة واضحة مع الكتاب.


( 12 )

الـهـجـــــــوم

الظلام يغمر الأرض، انها الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
دخل العريف جاسم الغرفة الطينية حيث ينام عبدالله وبقية الجنود. كان بكامل عدته الحربية، ضغط زر الكهرباء فأضاء المصباح بنور شاحب، انتبه بعض الجنود، تقدم العريف جاسم من أول سرير قرب الباب وايقظ الجندي الراقد ثم قال بصوت مسموع:
ــ استيقاظ.
استيقظ الجنود بحركة سريعة وبدأوا بتجهيز أنفسهم، قال العريف متهكماً:
ــ بعد نص ساعة نتحرك، تكونون جاهزين ومجتمعين وسط المعسكر، مفهوم؟
أجاب اثنان من الجنود معاً:
ــ مفهوم
نظر العريف إليهم وهم يرتدون حاجياتهم للحظات، ثم خرج.
***
في ساحة المعسكر كان أكثر من ستين جندياً يصطفون بكامل عدتهم العسكرية، وكان الضابط صلاح والملازم مجيد يقفان هناك ايضاً، تراكض من بعيد جندي يحمل جهازاً لاسلكياً، وصل وسط الساحة وانتظم في الطابور، ومن خلف الصف المنتظم تراكض أربعة جنود كان بينهم عبدالله وستار، انتظموا جميعهم ضمن الصف. من طرف المعسكر تقدم العريف جاسم مع مع يقارب عشرين جنديا في صف منتظم، فانتظموا جميعاً في طابور طويل.
وقف الملازم مجيد على مبعدة من الطابور الواقف أمامه، التفت إليه الضابط صلاح رشيد بحركة عسكرية، تقدم وأدى التحية قائلاً:
ــ سرايا الاسناد والمقر والأولى جاهزة للاستطلاع سيدي.
رد الملازم مجيد التحية العسكرية بأخرى قائلاً:
ــ يمكنكم التحرك حسب الخطة المرسومة، الهجوم واطلاق النار عند الضرورة فقط، أما إذا تأكدت المعلومات فأبيدوهم إلى آخرهم.

***

في الغرفة ببيت المضيفة كان أربعة من البيشمركة بملابسهم الكردية وأسلحتهم وكانت شيرين وصاحبة الدار معهم أيضاً، كانوا متعبين ومتوتري الأعصاب. قال أحدهم بالكوردية:
ــ لم يكن مناسبا ارسال شيخ أمين وشيخ فاتح لبيت المختار في مثل هذا الوقت، وضعنا لا يسمح بذلك.
فأجاب أحدهم والذي كان يبدو قائدهم:
ــ يجب أن نتأكد من صحة المعلومات، يجب تأديبه هذا الكلب.
فقال الآخر:
ــ ليس لدينا وقت، خاصة وان علينا اصطحاب الأخت شيرين، حركتنا بالتأكيد ستكون أبطأ، ثم لماذا تأخروا.
فقال قائد المجموعة بشيء من القلق:
ــ لقد تأخروا فعلاً
في هذه اللحظة بالذ1ت سمعوا حركة قرب الباب، دخل أحد البيشمركة بصحبة رجل أعزل وكان واضحاً من ملابسهما بان أحدهما مختار القرية.
ما أن وصلا إلى باب الغرفة ورأى مختار القرية بقية الرجال حتى انهار وأخذ بالتضرع والتوسل وتقبيل الأيدي.
ــ صدقوني، لم أخنكم، لم أقل لآمر المعسكر أي شيء، صدقوني، انني رجل مسكين، علي أن أطاوعهم، انني جبان، لا أستطيع أن أكون بيشمركة، كما لا أستطيع أن أتحمل تهديداتهم لي، صدقوني.
كان المختار يتنقل بين الرجال، ينحني ليقبل أيديهم وأرجلهم. قال أحدهم:
ــ ابن الكلب، الناس يموتون من جراء خياناتكم، أشرف رجالنا وأبنائنا، يموتون، عوائلنا تتشرد وأنتم تمدون أيديكم القذرة للعدو من أجل أن تأكلوا اللحم وتشربون الماء الزلال وتنامون في الدفء. لا نريد من الجميع أن يكونوا بيشمركة، لا نريد منكم شيئاً، فقط نريد أن لا تمدوا أيديكم للعدو.
كان المختار يبكي منهاراً:
ــ أقبل أيديكم، أقبل أرجلكم، اعفوا عني.
التفت قائد المجموعة إلى الرجل الذي قاد المختار وسأله:
ــ أين شيخ أمين؟
فقال الآخر:
ــ ذهب للاستطلاع في القرية.
التفت القائد للمختار، سأله:
ــ هل لديك سلاح؟
فأجاب البيشمركة قبل أن يفتح المختار فمه:
ــ لقد صادرنا بندقية كلاشنكوف، انها مع الشيخ أمين، كما صادرنا مبلغ مائة دينار، انها معي.
قال قائد المجموعة:
ــ الآن ليس عندنا وقت لنحاسبك، ثم اننا ندرك ان العدو يضغط على الناس ويهددهم، اننا نفهم ذلك، لكننا نرفض الخيانة، ان الخونة لا يستحقون حتى ولو اطلاقة رصاصة نرميهم بها، لذا فاننا نقطع أذانهم وأنوفهم.
كان المختار منهاراً تماماً وكان الجميع متوتري الأعصاب، فجأة حدثت ضجة عالية عند الباب الخارجي ودخل شيخ أمين متوتراً ونافراً وقال بصوت مسموع:
ــ القرية محاصرة، الخائن قد بلغ عن دخولنا.
أشرع الجميع أسلحتهم، بينما لم تستطع المرأتان الوقوف، انهارت شيرين، احتضنت صرة ملابسها الصغيرة وجلست بذهول، لم تطق صاحبة الدار إذ أخذت النعال وانهالت على المختار بالضرب بينما خرج الرجال إلى باحة الدار لمواجهة الجيش.
***

خلف صخرة كان عبدالله وستار وجندي آخر في وضع انبطاح، كل منهم قد أشرع بندقيته باتجاه القرية، كان الظلام دامساً والصمت شديد يقطعه أحياناً نباح لكلب أو وصوصة حشرة ليلية.
على مبعدة منهم كان جنود آخرون في حالة تأهب مماثل، كانت القرية مطوقة، فجأة ومن الطرف الآخر انطلق رشق من الطلقات باتجاه بيت المضيفة، انطلق سيل من الطلقات، لم يعد واضحا من الذي كان يرمي، ثم تعالى صوت اطلاق قنابل مختلطاً بصراخ النساء وبكاء الاطفال ونباح الكلاب. كان عبدالله يائساً. أراد أن يبكي، لم يستطع، لم يعد قادراً على تحمل معاناته، أحس بانه بعيد.. بعيد.. التف بكل جسده إلى السماء وأشرع بندقيته إلى الفضاء المظلم وأطلق سيلاَ من الرصاص.


( 13 )

ولـلـنــــاس حـكـــايــات

غرفة شبه معتمة، ثمة رف من الكتب على الجدار الأيسر، وفي الجهة الأخرى ثمة سرير واطىء، وعلى الجهة المقابلة له أفرشة مطوية، قرب باب الغرفة ثمة طباخ غازي ودولاب صغير لحفظ الأواني والصحون، وعلى مقربة منضدة يجلس حولها علي الفيلي والعجوز الكوردية. كانت كؤوس الشاي فارغة.
أخذت العجوز دورق الشاق وصبت لكليهما. على وجهيهما ملامح حزن وتوتر واضح. أخذ علي علبة السكر وصب ملعقتين في كأسه، وبدأ يحرك السكر في الشاي بملعقته، بينما التهمت العجوز ملعقة من السكر واحتفظت في فمها ثم أخذت جرعة من الشاي.
قال علي الفيلي بالكوردية بعد لحظات من الصمت:
ــ في هذا الظرف ليس من المناسب القيام بزيارة هيمن يا خالتي، لقد سمعت ان من يذهب لزيارة سجين يعتقلونه هو أيضاً، فالسلطة لا ترحم أحداً والطغيان وصل حداً لا يطاق.
ــ لقد كانت السلطة هكذا دوماً، لكن يجب أن أزوره مهما كانت العواقب. لقد قررنا أن نذهب مع البيشمركة إلى الأراضي المحررة لذلك تركت شيرين هناك، وربما الآن ذهبت معهم، ثم ان (ئارام) كما قلت البارحة ذهب معهم أيضاً، يجب أن أزور هيمن في السجن وأخبره بحالتنا.
ــ ولكن ياخالتي، يمكنكم أن تأتوا لتعيشوا معي هنا في بغداد. سأحاول استئجار بيت كبير، أما عن (ئارام) فكما قلت لك بانه زارني قبل أن يقطع دراسته الجامعية ويلتحق بالبيشمركة، ولكن كما عرفت منه بانه يحاول السفر إلى أوروبا. أما بالنسبة لكم فتعالوا للعيش معي في هذه المدينة أو أية مدينة أخرى تختارونها.
ــ لا يا ابني، نحن لم نتعود العيش في المدن.
***
ـ هذي مدن اللعنة والفساد، الطغيان بلغ حد الجنون.
قال هاشم ذلك ثم التفت إلى شخص آخر كان يجلس على سجادة انبسطت على الأرض. كانت غرفة هاشم تختلف كلياً عن غرفة الرسام أو علي الفيلي. رفوف الكتب تغطي جدارين، أما الجدار الثالث فقد زين بآيات قرآنية، وفي احدى الزوايا ثمة دولاب مقفل.
كانت الغرفة مضاءة بالمصباح الكهربائي رغم ان الشمس تضىء باحة الدار.
استدار هاشم نحو الباب وأغلقه بالمفتاح من الداخل:
ــ الآن الهجمة موجهة ضد الشيوعيين.
ــ انهم ينالون جزاءهم، لم يأخذوا درساً من الماضي، انهم جزء من سلطة الطغيان والفساد، أليسوا حلفاء للحزب الحاكم وشركاءهم في الجبهة؟
ــ بالمناسبة، أصبحت المساجد ملاذاً للمطاردين من الحمر الذين هربوا من المدن الأخرى إلى بغداد، لاسيما وقت الظهيرة وعند اشتداد الحر.
ــ هذا يعني انها أصبحت وكراً للمخابرات أيضاً.
ــ أكيد، المهم، مجموعة عمار بن ياسر ستقوم بالمهمة حسب الخطة المرسومة ان شاء الله.
ــ علينا الحذر، بل أقصى الحذر، ان السلطة مرعوبة من مسيرة النهضة الاسلامية في ايران، وان رعبها هذا سيدفعها لاستخدام أقصى أشكال القوة.
ــ علينا أن نرد عنفهم بالعنف إذا اقتضى الأمر، قال تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) صدق الله العظيم.
ــ بارك الله فيك، ولكن قل لي، هل تعرف سكان هذا البيت.
صمت هاشم لحظات ثم قال ببطء:
ــ لا أستطيع أن أجزم القول، أعتقد ان جاري في الطابق الأرضي من الشيوعيين لانني لاحظت ذات مرة في جيبه جريدتهم المنافقة، أما سكان الطابق الثاني فيبدو لي أن أحدهم طالب جامعي، أما الآخر فلم أستطع أن أعرف عنه شيئاً أكيداً، رغم ان سلوكه يبدو مريباً لي أحياناً.
فقال الآخر وفي صوته نبرة قلقة لكنها حازمة:
ــ هل أنت مطمئن لاخفاء قطع السلاح عندك هنا.
صمت هاشم لحظات مفكراً ثم قال:
ــ لحد الآن لم يساورني القلق.
ــ لكن الحذر واجب وأن بغداد مليئة بالجواسيس.
ــ صدقتم.
ــ لذا يجب الحذر ثم الحذر، ان الاسلام بحاجة لأبنائه الأوفياء، لأبنائه المؤمنين، من أجل اعلان الثورة على الكفر والالحاد، على الطغيان والفساد، قال تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
فقال هاشم بخشوع:
ــ صدق الله العلي العظيم، أحسنتم.

***
ــ تعبت من هذا الوضع.
قالت المرأة العارية والمتمددة على السرير أمام الرسام صباح:
ــ أبقي، جم دقيقة لاخ ونسوي استراحة.
كان صباح منهكا بالرسم وكانت المرأة العارية متمددة بكل عنفوان جسدها المثير بينما كان هو يرسم هيكلاً عظمياً مستلقيا بنفس الوضع. كان صباح في حالة هياج واضح، تقدم من المرأة، جلس قرب السرير، انتبهت المرأة لحالته، وضع لوحة الأصباغ على الأرض وبدأ بخلع قميصه، ابتسمت المرأة استجابة، ثم قالت:
ــ اتفقنا عله أن ترسمني فقط.
انتبه طراد لقهقات العاهرة في غرفة صباح، ابتسم، كان لايزال في فراشه، كان الصراخ يصله أحيانا، مد جذعه الأعلى إلى الأرض وأخذ مجلة جنسية كانت ملقاة هناك، بدأ يقلب المجلة مد يده تحت البطانية وأخذ يداعب نفسه.
في باحة الدار كانت أم طارق ترمي الحبوب للحمام في القفص، رفعت رأسها للسماء، كانت السماء زرقاء، زرقاء، زرقا.


( 14 )

ولــكن الجبـــال تـــدور

في باحة المعسكر القريبة من غرفة الملازم مجيد، ثمة جثث ملقاة على الأرض، صفت بطريقة منتظمة، وبالقرب منهما تنكمش شيرين على نفسها بذهول. كانت جثث لخمسة رجال وامرأة وطفلين. لقد قتل الجميع ليلة أمس، حتى مختار القرية قتل ضمن الهجوم ولم يبق على قيد الحياة سوى شيرين. لقد نقلت الجثث إلى المعسكر واعتقلت شيرين، وهاهي تنتظر مصيرها الغامض، وحيدة وسط الأعداء.
كانت شيرين ذاهلة، كانت تنظر إلى جثتي الطفلين البريئين ثم تنقل بصرها بين الجثث الأخرى لكنها تعود محدقة ثانية إلى جثتي الطفلين.
يمر أحيانا بعض الجنود فينظرون الجثث ثم إلى شيرين، منهم من يبصق على الجثث ومنهم من يركلها بقدمه.
الدخان مازال يتصاعد من القرية إثر الحرائق التي أشعلها الجيش في الليل، ثمة عجوز تجلس أمام بيتها المهدم تبكي وتلطم وجهها ورأسها، انها العجوز أم سالار وقربها جثتان لكلب وشاة.. صوت بكاء نسوي يتعالى مع بكاء الاطفال يأتي من بيوت بعيدة.
***
دخل نائب الضابط ابراهيم غرفة ادارة الفوج، كان عبدالله منهمكاً بتنسيق بعض الأوراق في ملف كبير، ثمة حزن يرتسم على وجهه.
قال نائب الضابط وهو يجلس على كرسيه خلف المنضدة:
ــ لازم تروح اليوم ايفاد.
انتبه عبدالله، نظر إلى نائب الضابط، كان في عينيه حزن كبير، استمر نائب الضابط:
ــ لازم تآخذ هاي البنت الكوردية، هناك لازم بالسليمانية يتحققون وياهه، أول مرة بالفرقة السابعة بالسليمانية وبعدين بالفيلق الأول بكركوك.
صمت عبدالله للحظات ثم سأل:
ــ يمته لازم أروح؟
ــ هسه، بعد ربع ساعة، بس يوقع الملازم مجيد كتاب الايفاد.
سأل عبدالله ثانية بعد لحظات من الصمت:
ــ والجثث
ــ الجثث، مو مشكلة، نحفر الهه حفرة كبيرة وندفنهن سوه.
غطى عبدالله عينيه بكفه فجأة، لمح نائب الضابط فقال:
ــ عبدالله، بلا عواطف رجاء، هذوله أعداءنا، ويه الأعداء لازم نتجرد من العواطف.
فقال عبدالله بحزن:
ــ والأطفال، هذوله أبرياء.
فقال نائب الضابط بارتباك:
ــ الأطفال، لا، لا، بس، هم من يكبرون يشيلون سلاح بوجهنه.
لم يستطع عبدالله أن يقول شيئاً، نهض نائب الضابط، وقبل أن يخرج قال:
ــ حضر نفسك، تحتاج للبندقية وياك، من ترجع تآخذ اجازتك الدورية.
قال ذلك وخرج، بقي عبدالله صامتاً وحزيناً.
في باحة المعسكر كانت سيارة الزيل العسكرية مستعدة للانطلاق، وكان الملازم مجيد والضابط صلاح ونائب الضابط ابراهيم هناك.
جاء عبدالله راكضاً مع بندقيته من جهة غرفة الادارة المجاورة لغرفة النوم، أدى التحية العسكرية وظل واقفاً، بادره الملازم مجيد:
ــ عبدالله، دير بالك، انتبه.
ــ صار سيدي
أعطاه الملازم مجيد كتاباً رسمياً موجهاً لقيادة الفيلق الأول متضمناً تفاصيل ما جرى والاجراءات التي اتخذت. أخذ عبدالله الكتاب وأراد أن يذهب إلى مقدمة السيارة ليصعد فصاح به نائب الضابط ابراهيم:
ــ هاي وين، تعال، اصعد ليوره.
التفت عبدالله متعجبا، وجاء ليصعد في القسم الخلفي من السيارة، وحينما أطل بوجهه على القسم الخلفي فوجىء بوجود شيرين منكمشة في الزاوية، تجمد لثوان عن الحركة ثم صعد ببطء. لا يدري لماذا أحس بالارتباك والخجل.
تحركت السيارة خارجة من المعسكر ونازلة باتجاه النبع، أخذت السيارة تبتعد، كان الملازم وبقية العسكر في مكانهم، وحينما وصلت منتصف الطريق بين المعسكر والطريق العام كانت القرية والمعسكر يختفيان تدريجياً، وكانت الجبال تدور، استغرب عبدالله، حدق إلى الجبال بذهول، لم يصدق عينيه لكن الجبال كانت تتحرك وتدور.


( 15 )

جثـة الأبــن تسـمع نــواح الأم

كانت العجوز الكوردية واقفة وسط الغرفة شبه المعتمة وذات الأثاث الأنيق، كانت لا تدري ماذا تفعل، ظلت تنظر إلى أثاث الغرفة، فجأة دخل ثلاثة رجال، كان أحدهم يرتدي بدلة سوداء ويضع على عينيه نظارة سوداء أيضاً، جلس على الكرسي بينما ظل الآخران واقفين، عرفت انه الرئيس، نظر إليها للحظات ثم سألها:
ــ شتريدين.
فقالت العجوز بارتباك وبعربية غير سليمة:
ــ اني يريد ابني هيمن.
فصرخ بها الرجل ـ الرئيس ـ :
ــ أي هيمن؟
قالت العجوز:
ــ هيمن ابني.
فقال الرئيس بلهجة آمرة:
ــ ما عدنه هيج اسم
فقالت العجوز بنبرة فيها توسل:
ــ بس اني يعرف ابني هيمن هنا، اني اجه زيارة قبل نيم سال.
فصرخ الرئيس:
ــ شنو
ارتبكت العجوز وقالت:
ــ اني اجه هنا زيارة، شفت هيمن هنا.
فصرخ الرئيس ثانية:
ــ كلت ما عدنه هيج اسم، افتهمي، روحي من هنا ولا ترجعين مرة ثانية، ولا تسأليني عنه.
ارتبكت العجوز، شعرت بالرعب لكنها جمعت كل شجاعتها وقالت:
ــ اني يعرف ابني هيمن هنا، اني ما يروح اذا ما يشوف ابني هيمن.
فصرخ الرئيس بغضب:
ــ ما عندي وقت لهذي السخافات، تسمعين، كلت ما عدنه شخص بها لاسم.
فقالت العجوز بتوسل مازجة الكوردية بالعربية:
ــ دست ماج ده كم، اني يريد يشوف ابني.
ــ شنو
ــ اني يبوس ايدك، اني يريد يشوف ابني.
فقال الرئيس بغضب:
ــ أحسن لج تروحين من هنا وما تشوفين أحد.
فقالت بتوسل أقرب للبكاء:
ــ اني يريد يشوف ابني
صمت الرئيس لحظات ثم قال أمراً:
اخذوهه للثلاجات، (ثم أكمل بسخرية) خلي تشوفه ابنهه.
صعقت العجوز حينما سمعت كلمة الثلاجات، تقدم الرجلان منها واقتاداها خارجا، بقي الرئيس في الغرفة وحيداً، فتح علبة سجائره الكوبية الفاخرة اللف، أخذ سيجاراً واشعله ثم نفث دخانه، كانت الغرفة معتمة وكان هو متلاشياً ولم يبد منه سوى جمرة السيجارة المتقدة.
***
كانت العجوز تمشي مع الرجلين في ممرات واسعة على جانبيها ثلاجات، وكان واضحا بان المكان هو لحفظ الجثث. كانت العجوز مرتعبة ومنذهلة، لقد حدست ما جرى لابنها لكنها لا تريد أن تصدق ذلك. دخلوا قاعات، واجتازوا ممرات وأخيراً دخلوا قاعة بيضاء واسعة، وقفا فوقفت العجوز، نظرا إليها، نظرت إليهما برعب وترقب، وأخيراً سحب أحدهم مقبضا فخرجت جثة متمددة على حديدية، تقدمت العجوز خطوة، حدقت برعب هائل، كانت الجثة قد تجمدت ولكن آثار التعذيب مازالت واضحة عليها وثمة ندوب لطلقات رصاص، نظرت العجوز بوجه يعصره ألم عظيم، انحنت على الوجه الميت، انحدرت دموعها، تشوه وجهها من الألم وبكت بحرقة شديدة، شديدة، كانت أناتها تخرج من أعماق القلب، احتضنت رأس ابنها وأخذت تنعاه بالكوردية وبصوت عال:
يا طفلي الصغير.. ياطفلي
لماذا ذهبت بعيداً ياصغيري
لماذا تركت أمك وحيدة ياصغيري
لماذا رحلت ياصغيري
لقد بكيت ولم اسمعك ياصغيري
لقد تألمت ولم أعرف ياصغيري
لقد قتلوك ياصغيري
لقد كانوا كثرة وأنت وحيداً ياصغيري
لقد عذبوك وأمك لم تعرف ياصغيري
آخ ياصغيري المسكين
ما الذي سأقوله لاختك شيرين
ما الذي سأخبر به أخاك ئارام
كيف رحلت ولم تودعنا ياصغيري
كيف تركت أمك للألم ياصغيري
لقد حلمتُ أن تدفني أنت ياصغيري
لكنك رحلت قبلي ياصغيري
ياطفلي المسكين.. ياطفلي الصغير
كانت تبكي وتندب بالكوردية، لم يفهم الشرطيان مما قالت شيئاً، لكنهما كانا يدركان وضعها، ظل الشرطيان واقفين، ثم أشارا لبعضهما بانهاء الوضع، فأخذها أحدهما من كتفها ورفعها من الجثة بينما دفع الشرطي الآخر بالجثة إلى الداخل.
أخذت تصرخ، أرادت أن ترى الجثة لكنهما أمسكاها، حاولت أن تتملص منهما، أخذت تسبهما بالكوردية:
ــ مجرمين، قتلة، كلاب، كلكم قتلة ومجرمين، لعنة الله عليكم وعلى رئيسكم المجرم.
لم يطق الشرطيان هذا الوضع فأخذ كل منهما ذراعاً منها وسحلاها على الأرض، كانت العجوز شبه مغمى عليها من الألم، كانت رغم ذلك تصرخ، اختفى الشرطيان والعجوز في الممرات، كانت تصرخ وتبكي، وفجأة ساد صمت مختلط برهبة راعشة، التفت الشرطيان، كانت العجوز قد فارقت الحياة، نظر كل منهما للآخر، ثم استمرا بسحبها.
كانت جثة الابن صامتة في عتمة الثلاجة والبرد، كان رأس الجثة مغمض العينين، كانت صرخات الأم تصل إلى أذني الجثة، انحدرت دمعتان من عيني الجثة الصامتة
 
الجزء الاول

يتبـع
Designed by NOURAS
Managed by Wesima