د. برهان شاوي
الجحيـم المقـدس بُرهـان شـاويالاهـــــــداء
إلـى وطني الصغير، عائلتــي
إلى جميلـة
وحسـن ــ سامان
ورونـــاك
على صبرهم الجميل، وتحملهم معي عناء
هـــذه الرحلة الطـــويلة
بُرهــاناشــــارة
كتبتُ هذا العمل الأدبي في العام 1987، حينما حصلتُ على منحة الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول، الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 1983، والمخصصة (للكتاب الأجانب اللاجئين في المنفى) وكان عليّ أن أنجز هذا العمل في ستة أشهر فقط. وهذا ما كان.
في هذا النص حاولت أن أستخدم كل التقنيات في كتابة النص الدرامي المخصص للسينما، والتي تعلمتها أثناء دراستي للسينما في موسكو. وقد حاولت أن أتوقف عند مرحلة مهمة جداً، لكنها لم تدرس جيداً، من تاريخ شعبي العراقي، ألا وهي المرحلة - المنعطف ما بين افول سلطة الرئيس البكر وتسلم صدام حسين لزمام السلطة. وبالتحديد الفترة ما بين 1977 - 1979، وهي المرحلة التي صفيت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية التي كانت تمور في احشاء المجتمع العراقي. والحقيقة، حينما كتبت هذا العمل لم يكن في نيتي أن أدون حكاية سياسية، وانما حاولت أن أروي شذرات من تجارب شخصية لي، كما حاولت أن التقط بقايا أنين ووجع انساني، لأناس عرفتهم، لاحقني حتى في ليل المنفى البارد، الطويل.. الطويل.
وبتشجيع من المرحوم المفكر العراقي الراحل هادي العلوي نشرت مقاطع من هذا العمل في جريدة (الغد الديمقراطي) التي كانت تصدر في لبنان في نهاية الثمانينات، لكنني تركته بين أكداس الكتب والمخطوطات في مكتبتي، ونسيته، إلى أن عثرت عليه مؤخراً، حينما بدأت أرواحنا تنفض عن نفسها غبار المنفى، بعد سقوط الطاغية، وبعد هذا الخراب الجميل. فبادرت، متردداً، إلى تقديمه لصديقي الأديب والناقد الدكتور سلمان كاصد، لابداء ملاحظاته الأدبية والنقدية، لاسيما وهو الخبير، العارف، والمتمعن في مسارات الرواية العراقية، تاريخاً، وبنية، واسلوباً.. وكم كان ارتياحي عظيماً حينما شجعني على نشرها، دون أن أضيف إليها حرفاً زيادة، فله مني الشكر والعرفان.
بُـرهان
2003
أبوظبي
(1 )
عنـــــد نبــــع المـــــاء
الشمس اللاهبة تضـيىء السماء والسهل والجبال بنورها الباهر، والوادي الرحب يمتد بين سلسلتين من الجبال. والأشجار تتوزع بدون انتظام. في احدى الجهات عيون الماء تتدفق ولا تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا.
الماء الرقراق ينضح عنها ليسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعاً ورحباً في الجهة الأخرى. هناك قرية شبه مهجورة تتوسط الوادي، انها قرية (قاينجة) التي لا تبعد كثيراً عن المدينة الصغيرة (سيد صادق) التي تقع عند نهاية الوادي. مع انحراف السلسلة الجبلية ينفتح أفق رحب وتتقاطع الطرق التي تذهب إلى مدينة (السليمانية) وإلى (حلبجة).. مثلما ينزل الطريق ذاته شاقاً الوادي ذاهباً إلى مدينة (بنجوين).
في الطرف الآخر من الوادي، وعلى بداية سفح الجبل ترقد قرية صغيرة جداً، قرب عيون الماء. انها قرية (كاني سكان) التي لا تتعدى بيوتها العشرة.
في الطرف الآخر من القرية يقع معسكر للجنود الذين ألقت بهم أقدارهم السيئة إلى هذا المكان الجميل لكنه النائي عن الأهل والأصدقاء.
أسفل المعسكر تمتد مقبرة القرية، حيث تتناثر القبور فيها ويحيطها سور واطىء من الحجارة. القبور تتناثر بدون انتظام ولا يميز أحدها عن الآخر سوى كمية الأحجار التي تحيط به أو ترتفع عليه، وكأنما يأبى البشر ماداموا أحياء إلا أن يتمسكوا بتمايز أحدهم عن الآخر حتى أمام الموت، رغم أنه ساواهم تحت جناحه في مملكة الظلام.
المقبرة تخص قرية (كاني سكان) فقط، وهي تضم قبور أبنائها الذين أعدموا في مقر الفرقة السابعة التابعة للفيلق الأول للجيش العراقي، كما تضم قبور الذين قتلوا أثناء تصديهم للجيش الذي أرسلته السلطة في بغداد ليحرق القرى والغابات والناس والأشياء وليجعل من كوردستان جحيماً.
الظهيرة لاهبة. لاح جندي من المعسكر، قفز حاجز الحجارة الذي يفصل المعسكر عن المقبرة ونزل راكضاً بحكم الانحدار الأرضي باتجاه القبور، توقف عند أحدها ثم فك حزامه وأنزل سرواله وأقعى يتغوط.
المقبرة والمعسكر أسفل القرية على سفح الجبل لذا تبدو من بعيد وكأنها فوقهما.
صعدت فتاة صغيرة بثيابها الكوردية المهفهفة سطح الدار، نظرت باتجاه المقبرة، جلست خافضة رأسها باتجاه باحة الدار، يبدو أنها نادت شخصاً ما، إذ سرعان ما صعدت إلى سطح الدار امرأة كوردية بثياب لاهبة حمراء وأخذتا تنظران باتجاه المقبرة، ثم بدأتا بتحريك أيديهما باشارات تبدو للرائي من بعيد وكأنهما تدعيان متجهتان لرب السماء.
إذ كثيراً ما كان الجنود يتبولون ويتغوطون عند قبور الأبناء الشهداء. ولقد ذهب بعض وجهاء القرية من المسنين إلى قائد المعسكر شاكين في أن هذه القبور هي لأبنائهم وأحبتهم وليس من العدل أن يتبول الجنود عليها وأمام أعينهم، فما كان من قائد المعسكر الا أن طردهم مهدداً فيما إذا رجعوا فانه سيجعلهم من سكان المقبرة وليس القرية، وسيجعل الجنود يتغوطون على قبورهم ليل نهار. فابتلع سكان القرية هذه الاهانات على مضض، حتى صار ديدنهم أن يراقبوا حركة تبول وتغوط الجنود، بل وكثيراً ما كانت احدى الأمهات تحس بفرح خفي حينما يمر اليوم ولم تر فيه من يتبرز عند قبر ابنها الشهيد.
ان من ينظر إلى قرية (كان سكان) قبل أن يصلها يرى الصبيان وأحياناً الكبار يقفون على أسطح البيوت متجهين بوجوههم نحو المقبرة.
***
الظهيرة لاهبة والوادي صامت إلا من خرير الماء الذي يجري في جداول. وعند النبع وتحت ظلال أشجار التوت كانتا جالستين. امرأة عجوز قد تجاوزت الخمسين بكثير، لكنها كعادة العجائز في الجبال تبدو نشيطة، ترتدي ثياباً قديمة، وجهها قاس وحاد الملامح، في نظرتها غضب ومرارة.. كانت العجوز تنقل نظراتها التائهة بين الجبال والقرية والسهل الممتد وبين وجه ابنتها الجميل والوحشي، والتي كانت مغمضة العينين وكأنها تحلم أو تحاول اقتناص وجه ما في ذاكرتها. انها كئية الوجه والملامح فتية الجسد. فتحت عينيها، ألقت على وجه العجوز نظرة غامضة ومستقرة، دون أن يرف لها جفن. لم تستطع العجوز أن تصمد في مواجهة هذه النظرة، فسرّحت بصرها باتجاه القرية التي لا تبعد كثيراً. دمدمت العجوز بلهجتها الكوردية السورانية بعد أن ألقت نظرة مستفهمة وسريعة على وجه ابنتها.
ــ يبدو أنه لم يبق غيرنا، لقد قتل الجميع، ويبدو أنهم أحرقوا قرية (حمه ره ش) ايضا.
لم تجبها الفتاة، نظرت بشرود إلى وجه أمها ثم استقرت نظرتها على عين الماء الجاري. نظرت إليها العجوز ثم التفتت إلى الشيء الذي استقرت عليه نظرة ابنتها، تنقلت نظرتها بين وجه ابنتها وعين الماء، خفضت وجهها بحزن‘ بعد لحظات رفعت وجهها ونظرت للسماء مدمدمة:
ــ ستقوم القيامة قريباً.
التفتت الفتاة إليها بحركة مفاجئة، نظرت إليها للحظة ثم خفضت وجهها ثانية وتاهت نظرتها غارقة لأعماقها، فجأة، نهضت العجوز واتجهت نحو الينبوع وأخذت تغسل وجهها، التفتت نحو ابنتها، كانت الفتاة قد استلقت بكامل جسدها على الارض وغطت وجهها باحدى يديها وطوت الثانية تحت رأسها. وقفت العجوز، سرحت ببصرها نحو المعسكر والمقبرة، تقدمت من ابنتها:
ــ من حسن الحظ أن هناك عيوناً أخرى قرب المعسكر وإلا كان الجنود قد جاءوا إلى هنا.
رفعت الفتاة رأسها دون أن تجيب، نظرت إلى أمها ثم غفت ثانية.
ــ يجب أن ننتظر هنا لحين الغروب حينما تنزل نساء القرية إلى النبع الآخر.
جلست العجوز متكئة بظهرها إلى جذع شجرة بينما استلقت أمامها ابنتها منكمشة على نفسها.. في هذه اللحظة بالذات تعالى صوت من بعيد، من جهة المعسكر وباللهجة العراقية:
ــ حيــة… حيــة
هرول أحد الجنود باتجاه المعسكر وبيده دلواَ يتساقط منها الماء. اختفى الجندي خلف سياج المعسكر. انتبهت الفتاة، رفعت رأسها باتجاه المعسكر، رأت اثنين من الجنود قد عادا مع حامل الدلو وبيد أحدهم بندقية، نزل الجنود نحو النبع الذي يقع أسفل المعسكر، في المسافة التي تمتد بينه وبين القرية. الجنود يلغطون بالعربية التي لم تفهمها العجوز وابنتها سوى قليلاَ. وفجأة دوى الوادي بصوت رشق من الطلقات، رددت الجبل صداه. فزت الفتاة والعجوز على أثره، وصعدت بعض النسوة إلى أسطح البيوت في القرية، بينما ترددت قهقهات الجنود وهم يختفون خلف سياج المعسكر.
(2)
الحـــرس الخفـــــر
وقت الأصيل صيفا، الشمس تنحدر للغروب، الجبال بنفسجية
. ومع هبوط الشمس إلى المغيب، تصير الجبال زرقاء ثم معتمة. في الليل تبدو الأشجار وكأنها أشباح والجبال كفضاء مظلم. ليس من أصوات سوى خرير الماء، وطنين الحشرات البرية.
الجبال صباحا، رنين الأجراس الصغيرة المعلقة برقاب الأبقار والماعز الذاهبة للمرعى، وزقزقة الطيور البرية.
الجبال، الأشجار، الحيوانات والسماء تبدو وكأنها كائنات عاقلة، وكأنها تفكر وتتكلم وتبتسم وتغني بل ويبدو الانسان وكأنه جزء منها.
عند الغروب، نهضت العجوز وابنتها، توجهتا نحو القرية، اقتربتا من الينبوع الذي يرتاده أهل القرية، كانت هناك صبية في التاسعة تستعد للرجوع إلى القرية بعد أن غسلت أوانيها.
انتبهت الصبية للقادمتين، حدقت فيهما بفضول، اجتازتاها، لحقت بهما وأخذت تسير جنبهما، كانتا أسرع منها في المشي بسبب ما تحمل، أخذت تسرع كي تستطيع اللحاق بهما.. انتبهتا لها.. لم تعيراها اهتماماً.. وفجأة.. تعثرت الصبية لكنها لم تسقط وانما دوت قدورها وصحون الطعام الألمنيومية.. توقفتا.. همتا بالمشي.. لكنهما انحنتا دون كلام وأخذتا تساعدانها في جمع الصحون.. التفتا.. كانت الصبية تركض وراء القدر الذي بدأ يتدحرج سريعاً إلى حيث النبع.
من جهة المعسكر، وفي النقطة التي تقع على مشارف القرية كان أحد الجنود يحمل بندقيته بلا مبالاة. انه في بداية نوبة حراسته الليلية، نظر باشفاق إلى الصبية وهي تركض.. ثم نظر إلى القدر المتدحرج فابتسم، ثم التفت، أطال النظر إلى المرأتين. المسافة بين الجندي والمرأتين ليست بقليلة. تحركت المرأتان، الجندي يتابعهما بنظره. جاء من خلفه جندي آخر يحمل صينية فيها رزي وشيء من المرق. نظر الجندي الثاني لصديقه الحارس لحظة.. ابتسم.. تقدم.. وضع الصينية على الأرض.
الجندي (بالعربية): أكو شي.
تمتم الجندي الحارس بحزن: لا.. ما كو شي.
الجندي: لعد تعال نتعشى الآن.
الحارس: ما عندي شهية، أكل انته واترك لي شوية.
الجندي (مازحاً): تعال يمعود، ما دام الأكل حار تعال أكل..
ترك الحارس بندقيته جانبا وتقدم من صينية الطعام. التفت إلى القرية ثم تربع جالساً. كان الجندي الأول الآخر قد بدأ بالأكل.
عند النبع، أمسكت الصبية بالقدر وعادت تصعد ثانية. العجوز وابنتها وصلتا القرية وهما تطرقان أحد الأبواب، بينما بدأ هدير المولد الكهربائي يدوي من جهة المعسكر، وبعض المصابيح بدأ بالاضاءة. الظلام بدأ يخيم على الجبل.
( 3 )
شـكســـبير والجنــــود
خرجت امرأة كوردية شابة من الغرفة وهي تحمل صينية صغيرة مليئة بالأقداح، جلست قرب الموقد الذي يقع في جانب تلك الباحة التي تسبق الغرفة. أقداح الشاي في الصينية، وفي أحد الجوانب طفلان يفترشان الأرض نائمين، وفي القرب منهما تتمدد الفتاة، بينما تجلس العجوز وقد مدت رجليها باستقامة. في وسط الباحة كان الفانوس مضيئاً.
قالت المرأة الشابة وهي تصب الشاي في الأقداح:
ــ وحينما وصلت مفرزة الجيش و(الجحوش) إلى القرية لم يجدوا أحداً سوى المختار وبعض المسنين لأن الرجال صعدوا إلى الجبل، وحينما لم يجدوا أحداً قتلوا ثلاث أبقار كانت في طريقهم.. مسكينة (فاتي) لقد قتلوا بقرتها الوحيدة، أما البقرتان الباقيتان فهما للمختار المسكين، رغم انه مع الحكومة.
عبست العجوز، نظرت بشكل خاطف لابنتها وقالت بحزن:
ــ حتى الحيوانات لم تسلم من شرهم، لكم رأيت، وكم سأرى، لقد قتل أخي وزوجي وها نحن نرى أبناءنا يقتلون أمامنا.. ابني الكبير (هيمن) سجين في (أبي غريب) ببغداد.. وهذه (شيرين) كما ترينها، لقد قتلوا خطيبها، إذ جرح في احدى المعارك ولم يستطع الاختفاء من الجيش فأفرغوا في جسده ثلاثين طلقة، لا أدري متى سينتهي كل هذا.
***
الليل في الخارج قد طوى الجبال والسهل وما فيهما تحت جناحيه. هدير المولد الكهربائي يدوي في المعسكر.
عند نقطة الحراسة المحاذية للقرية كان الجندي نفسه في واجب حراسته، زميله كان متمدداً على بطانية كالحة السواد لا يمكن تمييزها في الظلمة، بيده راديو صغير يتنقل به بين الاذاعات. فجأة وضع الراديو الذي كان يبث أغنية فرنسية من اذاعة مونت كارلو جانبا وسأل بلهجته الجنوبية:
ــ عبدالله.. كل لي.. شلون انته متعلم وخريج معهد الفنون وعندك شهادة شطولهه، ودزوك لهنا.. ليش ما دزوك على اختصاصك.
تحرك الجندي عبدالله ذهابا وايابا بصمت في حدود نقطة الحراسة، نظر إلى القرية ثم التفت مازحا إلى زميله الذي استقبل هذه اللحظات من الصمت كجزء من الجواب، ثم قال:
ــ يبدو انهم توهموا.
قال الجندي بعجلة وارتباك:
ــ كيــف
ضحك عبدالله وقال:
ــ اعتقدوا انه في معهد الفنون الجميلة يدرسون القتل والذبح.
أصابت هذه الاجابة الجندي الآخر بخيبة لما تنطوي عليه من سخرية فقال دون أن يخفي خيبته في ثنايا صوته:
ــ لا، صحيح، شنو السبب، أنت الجندي الوحيد اللي متخرج من معهد بمعسكرنه، حتى نواب الضباط ما مخلصين اعدادية، كلهم من الصف الثالث متوسط ودخلوا دورات عسكرية، بس المساعد وآمر الفوج عندهم شهادات عالية.
مرت لحظات من الصمت، فجأة مرت بقرة بالقرب من السياج الواطىء، انتبها لها، ضحك الجندي الآخر وقال:
ــ خوفتني، عبالي اجونه المخربين.
صمت عبدالله، اقترب من زميله وسأله بحرارة:
ــ ستار، كلي، تعرف شكسبير
جفل الجندي ستار من السؤال وأجاب:
ــ لا، منو هذا شكسبير
استمر عبدالله بنفس الحرارة:
ــ مو مشكلة، اسمع، شكسبير في مسرحية (ماكبث) يكول:
ما الحياة إلا ظل يمشي.. ممثل مسكين يقضي ساعته على المسرح ثم يمضي.. حكاية يرويها معتوه.. ملؤها الصخب والعنف ولا تعني أي شيء.
قال ستار بتردد:
ــ ما فهمت
أجابه عبدالله وهو يستدير إلى نقطة الحراسة:
ــ أحسن
فجأة سمع حركة خطوات قادمة، تأهب عبدالله وصرخ:
ــ قـف
توقفت الخطوات، غطى ستار نفسه بالبطانية وكأنه نائم، صاح عبدالله ثانية:
ــ قدم نفسك
سمع صوت من الظلمة:
ــ اني ضابط الخفر.
تقدمت الخطوات، صرخ عبدالله:
ــ قف
تقدمت الخطوات، صرخ عبدالله:
سر الليل
قال الواقف في الظلمة:
ــ القادسية
اخفض عبدالله بندقيته، وقال:
ــ تفضل
تقدم ضابط الخفر، وكان برتبة نائب ضابط، استعد له عبدالله وأدى التحية العسكرية، ابتسم نائب الضابط، سأل:
ــ ما كو شي
أجاب عبدالله
ــ لا
فجأة صرخ نائب الضابط:
ــ استعد
استعد عبدالله بارتباك، اقترب نائب الضابط منه وقال بلهجة آمرة مليئة بالحقد والتهديد:
ــ مو هيجي يجاوبون، لازم تكول، لا سيدي ما كو شي، مو بس تكول لا، وين انته كاعد، بمعهد الفنون، هنا ما كو ميوعة.. هنا احنه عسكر، مو خنافس، مفهوم
أجاب عبدالله بارتباك:
ــ مفهوم
عندها صرخ نائب الضابط ثانية:
ــ كول مفهوم سيدي
أجاب عبدالله:
ــ مفهوم سيدي.
وقف نائب الضابط لحظات غاضبا ومحدقا بوجه عبدالله، ثم استدار وابتعد مختفيا في الظلمة.
ظل عبدالله ساكنا في مكانه، رفع ستار البطانية عن وجهه وقال:
ــ هذا الحقير عذافه، يمته الله يلخصنه منه، زوجته الكحبة ما خلت حسرة بكلب واحد، ومن يروح هوه بالاجازة تضربه بالنعال وما تخليه يتقرب منهه، وهنا يصير بطل براسنه، هوه يضوج منك، لانه انته خريج وعندك شهادة.
صمت عبدالله لحظات ثم قال معلقا:
ــ طز بيه وبالشهادة، حمار
***
في تلك اللحظات كانت العجوز وصاحبة الدار قد بقيتا صاحيتين، أما الاطفال وشيرين فقد تغطوا بشرشف رقيق. قالت صاحبة الدار:
ــ ولكن إذا لم تعثري على ابن أختك في بغداد
قالت العجوز وهي تنقل نظراتها بين وجه ابنتها والمضيفة:
ــ ليست هذه بمشكلة، لدي عنوانه، ثم ان البغداديين طيبون، سيدلونني على العنوان إذا سألت.. مشكلتي شيرين، كيف ستبقى هنا وحدها، لقد أرادت أن تأتي معي لزيارة (هيمن) ولكن كما ترين أنا لا أدري إلى أين أذهب.
قالت المضيفة وهي ترمق شيرين بنظرات حانية:
ــ لا تقلقي من هذه الناحية، شيرين مثل أختي تستطيع أن تبقى هنا إلى حين ترجعين بالسلامة.
نظرت المرأتان إلى شيرين بحنان، وأطالتا النظر، وكأنما كلا منهما تحدث نفسها عن القدر الذي ينتظر هذه الفتاة الجميلة.
( 4 )
يـا عــــــذاب الـلـغــــــــــة
معسكر كبير يمتد بعيدا عن الشارع العام الذي يوصل ما بين مدينة (سيد صادق) ومدينة (السليمانية). انه معسكر (عربت). على الطريق الاسفلتي نقطة عسكرية للتفتيش، ولم تكن نقطة التفتيش هذه سوى سيارة عسكرية وجنود مدججين بالسلاح.
جندي ما يبدو من بعيد وهو يتبول واقفاً، جنديان آخران يتفحصان سيارة (زيل) العسكرية السوفيتية، من أسفلها، وفي الجزء الخلفي منها يجلس أربعة جنود مع أسلحتهم بكسل ولا مبالاة. وعلى الطريق العام جندي مسلح يتوسط الطريق، وعلى مبعدة منه عسكري برتبة عريف، يقف ولا يدري ماذا يفعل، يمسك طاقيته بيده ويجول بنظره في الأفق.
من جهة (سيد صادق) بدت سيارة (بيكم) قادمة، وما أن اقتربت من نقطة التفتيش حتى اتضح من يجلس فيها. انها العجوز إلى جانب السائق، وفي قسم السيارة الخلفي هناك أربعة أغنام.
أشار الجندي إلى السائق وسأله بالعربية:
ــ من وين جيت
ارتبك السائق ثم أجاب بلغة عربية غير سليمة
ــ والله يا حزرة الجندي، هاتم من هلبجه
فقال الجندي ساخراً وبلا مبالاة:
ــ شنو (هاتم).. (هاتم) شنو
ارتبك السائق وسعى لتوضيح ما قاله
ــ اني اجه من حلبجه
فقال الجندي متهماً:
ــ يعني من عند المخربين
ارتبك السائق أكثر
ــ والله اني ما يعرف مخربين حزرة الجندي
تضايق الجندي فصاح:
ــ ولك شبليتني بـ(حزرة) الجندي، انطيني هويتك
فتش السائق جيبه بارتباك ثم اعطاه هويته، نظر الجندي إليها ثم إلى السائق متفحصا وعلق قائلاً:
ــ شكلك شكل مخرب، انتو الأكراد كلكم مخربين من صغيركم إلى جبيركم.
فجأة نظر إلى العجوز وقال:
ــ هلو.. هاذي منو يابه
ارتبك السائق وقال ملطفاً الحوار:
ــ هازي أمي حزرة الجندي، رايهن للخسته خانه
فقال الجندي ساخراً:
ــ وين، للماي خانه
أجاب السائق مكرراً
ــ لا حزرة الجندي، للخسته خانه
ابتسمت العجوز رغم ارتباكها للجندي، تحرك الجندي من مكانه ليفتش حمولة السيارة:
ــ وشنو عندك ليوره
نزل السائق عن موضع القيادة وتبع الجندي قائلاً:
ــ هاذي مه ر حزرة الجندي
علق الجندي وهو يتفق الأغنام وأسفل السيارة
ــ شكلت، أسلحه
ارتبك السائق:
ــ لا، حزرة الجندي.. مه ر.. نعجات
قال الجندي بتذمر واضح
ــ شتورطنه بيكم، أي احنه شجابنه عليكم، لعنة الله على ذاك اليوم الأسود، عرب وين طنبورة وين.
في هذه اللحظة التفت العريف إلى الجندي وصاح به:
ــ هاي شبيك أبو خليل
فقال الجندي بتذمر:
ــ ما كو شي عريفي، ما كو شي
ثم أشارللسائق بالتحرك، بعد أن سلمه هويته.
صعد السائق إلى موضعه، تحركت السيارة مبتعدة عن نقطة التفتيش، ظل الجندي واقفا ببلاهة في موضعه، وصعد الجندي الذي كان يتبول إلى السيارة، بينما ذهب جندي آخر بعيداً كي يتغوط.
السائق حزين والعجوز منكسرة. تأوه السائق ضارباً عجلة القيادة بغضب مكتوم وكأنه يبكي:
ــ دنيا حيز
في هذه اللحظة واجه السيارة رتل من المجنزرات والسيارات المحملة بالعتاد والجنود، وعدد من المصفحات العسكرية، توقفت السيارة، منتحية جانباً من الطريق كي يمر الرتل العسكري.
السيارة مازالت واقفة، والرتل قد مر، تحركت السيارة، تبدو من بعيد كنقطة ملونة تتحرك، بينما الجبال شامخة وعالية.
( 5 )
لـلـصــــبــر حــــدود
في محطة نقل المسافرين إلى بغداد سيارتان، المحطة غير مزدحمة، دخلت سيارة ثالثة وأخذت مكانها خلف السيارة الثانية.
المحطة متداعية، بناء قديم يتألف من سور يحيط بمساحة واسعة من الأرض. في أحد الجوانب ثمة مقهى متداع لا يحوي سوى مقعدين عليهما حصيران مهترئان وكذلك بعض الصفائح التي تستخدم كمقاعد. السيارة التي يجب أن تتجه إلى بغداد مازالت غير ممتلئة بالركاب، في داخلها فتى في العشرين قروي الملامح بملابس كردية، وشيخ تجاوز الستين، أما العجوز فقد جلست في مقعد مجاور للشباك في مؤخرة السيارة، وفي المقدمة شاب في الثلاثين بملابس أوروبية الطراز مع امرأة جميلة تبدو أنها زوجته. سائق السيارة يحتسي الشاي وهو ينظر إلى الأرض نظرات طويلة وثاقبة لكنه يبدو لمن يراه وكأنه يفكر بشيء ما بعيد. فجأة نظر إلى صبي كان ينظف الزجاج الأمامي للسيارة ثم صرخ بالكوردية:
ــ خولا، لماذا لا تنادي
التفت الصبي إلى السائق وقال متذمراً:
ــ من أنادي، لا يوجد أحد، بغا.. بغا..
فجأة دوى صوت هدير وصخب إذ دخلت شاحنة عسكرية محملة بالجنود، وقفت في منتصف المحطة، ثم بدأ الجنود يتقافزون منها مع حقائبهم ويركضون باتجاه السيارة يقذفون حقائبهم داخلها من الشبابيك كي يحجزوا مقاعدهم.. تكدس الجنود عند باب السيارة يتدافعون ويتصارخون من أجل الدخول، انهم في اجازة دورية وهاهم يستعجلون العودة إلى ذويهم وبيوتهم البعيدة، في المدن الجنوبية الملتهبة ووسط العراق الدافىء.
أخذ الجميع مقاعدهم ولم يبق خارجاً سوى اثنين يبدو من ملابسهما وشاراتهما العسكرية بأنهما من ذوي المراتب وليسا من الجنود العاديين.
سارع أحد رجال الانضباط العسكري الذي كان يرافق عملية سفر الجنود بالصعود إلى داخل السيارة، نظر إلى الركاب المدنيين وأشار إلى الفتى القروي والرجل المسن بترك مقاعدهم قائلاً بالعربية:
ــ انتو، انزلوا
التفت الجميع إليهما وارتسمت علامات الدهشة على بعض الوجوه. ثمة وجه لا مبال، وجه شفوق، وجه مؤيد، وجه مستغرب. حاول الفتى القروي أن يبدو وكأنه لم يفهم ما طلب منه أو كأنه لم يكن هو المقصود لكن العسكري صرخ بهما بعد لحظات:
ــ انتو مو بشر، ويا من اتكلم انزلو
أحس الفتى القروي بالاهانة لاسيما أمام الجنود الذين بسنه، أراد أن يجيبه، ولكن كيف وهو لا يجيد العربية، همّ أن يتكلم بالكوردية وقبل أن ينطق صرخ العسكري به:
ــ انطيني هويتك
ثم توجه العسكري إلى الشيخ المسن قائلاً:
ــ وانته، رجلك بالكبر وتعاند
ذعر الفتى القروي، صمت، بحث في جيوبه ثم أعطى العسكري هويته، أما الشيخ فقد تزحزح عن مكانه وهو يتمتم:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله
كان الشاب الكوردي مع زوجته قد شاهد ما جرى، حاول أن يدافع عنهما فقال للعسكري بلهجة عربية سليمة:
ــ هذوله صارلهم أكثر من ساعة هنا
وقبل أن يتم كلامه قاطعه العسكري صارخاً به:
ــ انته انزل وياهم، بلا كاف ولا لام.. فاهم
شعر الشاب بالاهانة والاحراج لاسيما أمام زوجته التي كانت علامات الغضب قد ارتسمت على ملامحها، صمت للحظة مفكراً وكأنه يزن الموقف، نزل بصمت تتبعه زوجته وسط نظرات الجنود الذين لم يودوا أن يصعد مسؤولوهم معهم لأنهم سيحرمون حينذاك من تداول النكات والمرح طوال الطريق.
فجأة، تزحزحت العجوز من مكانها نازلة تتبع الفتى القروي والشيخ. نظر العسكري إليها في دهشة أول الأمر ثم قال بسخرية:
ــ وانتي ليش نازلة، شنو تسوين تضامن، انزلي، إلى جهنم.
اقترب السائق حينما رأى الركاب المدنيين قد نزلوا، سألهم (بالكوردية) متعجباً:
ــ ما الذي جرى
أجابته العجوز مشيرة إلى العسكري:
ــ اسأل هؤلاء
اقترب السائق من العسكري الذي كان قد نزل من السيارة وسأله بالعربية:
ــ شنو صار أخي
فرد العسكري بسخرية
ــ ماكو شي
سأل السائق بانكسار
ــ بس هذوله ليش نزلو
هز العسكري كتفيه بلا مبالاة:
ــ يعجبهم
حرك السائق يديه كمن لم يفهم شيئاً، لكنه كظم غيظا في ملامحه، استدار إلى الجهة الأخرى من السيارة صاعداً إلى موضع القيادة، بينما ذهب العسكري إلى الشاحنة العسكرية، أما المدنيون فقد تجمعوا في المقهى.
مضت السيارة وجاءت السيارة التي تليها لتأخذ محلها، في المقهى كان الشاب مع زوجته صامتين أما العجوز فكانت تنظر بعجز ويأس، تأفف الشيخ ثم قال محاولاً كسر الصمت المخيم:
ــ لا فرق، تأخير ربع ساعة أو نصف ساعة، هذا ليس مشكلة، سنصعد السيارة الثانية، صبرنا سنين، وسنصبر نصف ساعة أخرى، المهم سنصل.
لم يطق الفتى القروي فأجابه بصوت عال:
ــ ليست المشكلة في التأخير، وانما في المعاملة، انهم يحتلون أرضنا ويعاملوننا كالكلاب.. ثم ما أعطى صبركم وانتظاركم، ها، قل، ان للصبر حدود.
تمتم الشاب مؤيداً:
ــ نعم، إن للصبر حدود.
نظرت زوجته إليه بحنو رغم علامات الغضب والحقد التي كانت ترتسم على وجهها، أخذت يده بحنو، نظر إليها بألم.
كانت العجوز تنظر إليهما بأمومة وألم. أما الشيخ فقد أخفض رأسه ثم نظر إلى السماء وكأنه يبحث عن شيء، عن جواب.
يتبع