تُعـد آنـا إندريفنـا آخمـاتوفـا (1889 - 1966 ) واحـدة من اهم الشعراء الروس على مـر تاريخهم. إن عالمها الشعري ضيق ونحيل مثل شعاع من الضوء يسقط في غرفـة مظلمة. إنها شاعرة المساء، اليقظـة، والوداع. لقد عاشت وماتت مثل الجميع في ظل الإرهاب الستاليني. إذ أُعـدم زوجها الشاعر غوميلوف في العام 1921،كما أُعتقل إبنها مرات عديدة، وارسل إلى معسكرات الإعتقال، اما هي فطردت من إتحاد الكتاب السوفيت، ومنعت من النشر لمدة زادت على العشرين عـاما، الى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد عاصرت آخماتوفا مسيرة الثورة الإشتراكية، ورأت كيف أختفى الشعراء، الكتاب، الفنانون، المفكرون، الساسيون، عامة الناس من الرجال والنساء في اقبية المخابرات، وعاصرت موت الشاعر ( أوسيب مندلشتام 9في أحد معسكرات الاعتقال، وإنتحار الشاعر ( مايكوفسكي )، ومقتل ( يسينين )، والمصير المأساوي للفنان المسرحي ( مايرخولد )، وفاجعة الشاعرة الروسية الكبيرة ( مارينا تسفيتايفا ).
لقد عاشت آخماتوفا مثل الجميع، لكنها عاشت بقوة وتالق، وبقلق إبداعي جليل، وبعظمة تليق بشاعرة عظيمة حقا. شاعرة أجبرت جلادها ( جدانوف ) ان يعترف بروعة شعرها من خلال شتيمة قذرة اطلقها، حينما قال: ( إنها عاهرة وقـديـسـة في الوقت نفسه. وكانها تكتب شعرها ما بين الملاءة والسرير).بينما قال عنها صديقها ورفيق دربها الشعري (أوسيب مندلشتام):( لقد حملت آخماتوفا الى الشعر الروسي طاقة هائلة، كما حملت إليه كل ثروات الشعر الرومانسي الروسي). ويكفيها مجدا حينما سئُل ( مندلشتام ) عن مكانته الشعرية في تاريخ الشعر الروسي فاجاب: ( يكفي إنني أعيش في زمن آنـا آخماتـوفا)!!.
لا أريد هنا أن أتحدث عن آنا آخماتـوفا، وأنما سـاعدها تقـدم نفسها بنفسها من خلال شهادة رسمية كتبتها على طلب إحدى الموسوعات الشعرية العالمية.
لكن لظرفها الشخصية،حيث كتبت شهادتها وهي في ظل النظام السوفيتي، لذا تجنبت أن تتحدث عن إعدام زوجها الشاعر الروسي نيقولاي غوميلوف، وعن طردها من إتحاد الكتاب ومنعها عن النشر ومنع ذكر إسمها او كتابة الدراسات عنها، او عن إعتقال إبنها الوحيد، مثلما أمتنعت عن ذكر كل ما له صلة بقمع السلطة السوفيتية لها. وقد سعيت
كلما أمكنني ذلك من التدخل والتعليق بايجاز على ما يمكن إيضاحه.
آنــــــا آخــمـــاتـــوفــــــــا
( 1889 – 1966 )
شـهادة شــخصـية
باختصـــــار ... عـــن نفـســــــي
ولـدتُ في 11 تمـوز من العـام 1889 في منطقــة ( بلشـوي فونتان – معناها النافورة الكبيرة) بالقرب من مدينة ( أوديسـا ). كان أبي مهندسـا ميكانيكيا في الأسطول البحري.
ولم يكن عمري عاما حينما أنتقلت عائلتي إلى منطقة ( تسارسكوي سيلو – معناها الضيعة القيصرية ) في الشمال. وهناك عشت حتى بلغت السادسة عشرة.
أولى ذكرياتي تعود إلى تسارسكوي سيلو: خضراء، حدائق ندية رائعة، حيث كانت مربيتي تذهب بي، ملاعب تتوسطها الجياد الصغيرة المبرقشة التي تنط وتتقافز، محطة قديمة، ولا شيء آخر. كل هذا جاء ذكره في قصيدتي الطويلة عن ( تسارسكوي سيلو).
كنت أقضي الصيف في منطقة ( سيفاستوبل) على ساحل البحر الأسود، وهناك بدأت علاقتي بالبحر. أكثر ذكرياتي وضوحا خلال هذه الفترة هي عن قرية ( خير سونس) بالقرب من منتجعنا.
تعلمت القراءة من خلال كتاب ( الألفباء) الذي وضعه للأطفال ( ليف تولستوي)، ومنذ الخامسة بدأت تعلم الفرنسية سماعا من خلال الدروس التي كانت تعطيها لي معلمة فرنسية بمعية الأطفال الأكبرسنا.
كنت في الحادية عشر من عمري حينما كتبت أول قصيدة شعر. ولم أبدأ الشعر مع بوشكين أو ليرمنتوف، وانما مع قصائد درجافين ونكراسوف التي كانت أمي تحفظهما غيبا.
درست في ثانوية ( تسارسكوي سيلو) للبنات، وقد كنت في البداية سيئة في دراستي، ورغم تحسني فيما بعد، إلا أني لم جيدة قط.
في العام 1905 إنفصل أبي عن أمي، فسافرت معها إلى الجنوب، وعشنا سنة كاملة في ( إفياتوري )، إذ درست إجبرت على الدراسة في البيت من أجل التحضير لإنهاء دراستي الثانوية التي إنقطعت.
كنت أشتاق إلى ( تسارسكوي سيلو) فكتبت عددا هائلا من القصائد التي لا حول لها ولا قوة. إلا أن أصداء ثورة 1905 ترددت ضعيفة في تلك الأقاصي التي كنت أعيش فيها.
أنهيت سنتي الدراسية الأخيرة في العام 1907 بمدينة ( كييف ) وسجلت في كلية الحقوق، في صف النساء. لقد كنت متحمسة للدراسة، لاسيما وأننا بدأنا بدراسة تاريخ القانون واللغة اللاتينية، لكن حماستي فترت حينما توغلنا في النصوص الجامدة فتركت الدراسة.
وفي نيسان ( أبريل) من العام 1910 تزوجت من (نيقولاي غوميلوف) ( شاعر روسي مهم وصاحب ورشة الشعراء مع ماندلشتام وبيلي، وقد كان ضابطا في الجيش القيصري، وقد وقف ضد الثورة الاشتراكية فألقي القبض عليه وأعدم في بداية العشرينات – ب ش ) وسافرنا لقضاء شهر العسل في باريس.( هناك تعرفت على الرسام مودلياني وربطتهما فيما بعد علاقة وطيدة، حتى أن ملامحها تكاد تكون في معظم أعمال مودلياني- ب ش ).
تجولت في الأزقة والحدائق الباريسية المتدفقة الحياة، تلك التي وصفها ( أميل زولا). (فيرنز) صديق ( أديسون) أشار ذات مرة إلى طاولتين في إحدى الأماكن قائلا:( هنا كان يجلس البلاشفة وهناك المناشفة ).
النساء حينها كن قد بدأن لتوهن بلبس البنطلونات، ودواوين الشعراء كانت تُشترى لوجود رسومات وتخطيطات هذا الفنان أو ذاك عليها. عندها قد أدركت بأن الرسم الفرنسي قد إبتلع الشعر الفرنسي.
وحين عودتي إلى ( بيتربورغ ) سجلت في الصف العالي لتاريخ الأدب. وفي هذه الفترة بدأت بكتابة أشعاري التي ضمتها مجموعتي الأولى. وحينما وقعت أمام ناظري مخطوطة ( صندوق من خشب السـرو) لأنوكتين أنينسـكي كنت مذهولة، فقرأتها ناسية أي شيء حولي.
كان واضحا في العام 1910 بأن ( الرمزية) تعيش أزمة خانقة. ( الرمزية الروسية تختلف في الكثير من طروحاتها وإشاراتها وفلسفتها عن الرمزية الفرنسية – ب ش ) وكنا رعيل الشعراء الشباب غير متحمسين للإقتراب من هذا التيار، فبعضنا إتجه إلى ( المستقبلية – فوتورزم) والبعض الآخر إلى ( الأكميزم – الذروة الروحية )، وكنت مع رفاقي في (الورشة الشعرية) أمثال: ماندلشتام، زنكيفج، ناربوت، قد أسسنا للاتجاه الثاني.
عندما حل ربيع العام 1911 كنت في باريس وشاهدت نجاحات أول باليه روسي يعرض هناك، وفي العام 1912 سافرت إلى شمال إيطاليا ( جنوة، بيزا، فلورنسا، بولونيا، فينيسيا).
إنطباعاتي عن فن الرسم والعمارة الايطالية كانت هائلة مثل رؤيا يذكرها المرء طول العمر.
وفي هذا العام نفسه صدرت لي أول مجموعة شعرية بعنوان ( المساء). وكانت قد صدرت بثلثمائة نسخة فقط أستقبلها النقاد بشكل طيب.
وفي الأول من أكتوبر من هذا العام أيضا ولد إبني الوحيد ( ليف ). ( سيعتقل الأبن حينما يصير رجلا لمرات ومرات، ويرسل الى معسكرات الاعتقال في سيبيريا، فتكتب عنه آخماتوفا أجمل قصائد الأمومة، بل نجد في قصيدتها قداس جنائزي إشارات متكررة له ولزوجها الراحل – ب ش ).
في آذار(مارس) من العام 1914 صدرت مجموعتي الثانية (إكليل الورد)، ولم تمر أكثر من ستة أسابيع، ومع بداية حزيران بدأ الناس يغادرون المدينة، إنها الحرب.
لقد بدا لنا هذه المرة بأننا نودع ( بيتربورغ) إلى الأبد. وفعلا، حينما عدنا مرة أخرى، لم نعد إلى بيتربورغ وإنما إلى (بيتروغراد). ومن القرن التاسع عشر دخلنا الى القرن العشرين، فكل شيء قد تغير، حتى ملامح المدينة نفسها. وأصبحت مجموعة أشعار عن الحب لشاعرة شابة طي النسيان، نعم لقد تغير الزمن!!.
لقد كنت أقضي فصول الصيف في أحد الأماكن، على بعد خمسة عشر فرسخا من (بيجنسكا). إنه مكان قبيح، فعلى مساحات واسعة من التلال حقول محروثة، طواحين، حدائق جدباء، مستنقعات جافة، قناطر، قمح، قمح، قمح.. وهناك كتبت معظم أشعار مجموعتي (السرب الأبيض).
هذه المجموعة صدرت في آب من العام 1917، وقد إستقبلها النقاد بشكل غير مرض وعادل، ولقد إعتبروها أقل مستوى من مجموعتي (إكليل الورد). شخصيا أعتقد أن هذه المجموعة ولدت في ظروف أشد قساوة، فحتى طرق المواصلات إنقطعت في تلك الفترة، وكان من الصعب إيصال أية نسخة منها إلى موسكو، فوزعت في ( بيتروغراد) فقط. حينها أغلقت الصحف والمجلات، لذا فقياسا لمجموعتي ( إكليل الورد) لم يكن هناك ضجيج أو إستقبال صاخب. فالجوع والفوضى أخذا ينتشران في كل مكان على نحو واسع، ومن الغريب اليوم ألا تؤخذ تلك الظروف بالحسبان.
وبعد ثورة اكتوبر اخذت بالعمل في مكتبة المعهد الزراعي. وفي العام 1921 صدرت مجموعتي ( مزامير الراعي) وفي العام 1922 صدرت مجموعتي (Anno Dommini) ( كلمة لاتينية معناها ياعصرنا ، وهنا تتجنب آخماتوفا الحديث عن إعتقال زوجها الشاعر غوميلوف، وطردها على أثر إعدامه من إتحاد الكتاب ، ومنعها من النشر لأكثر من عشرين سنة لاحقة – ب ش )
ومنذ منتصف العشرينات أوليت لإهتمامي لفن عمارة ( بيوتربورغ) القديمة ولبوشكين، ونتيجة بحثي في بوشكين وحياته كتبت ثلاثة أعمال عن ( الديك الذهبي) و(أودلف) لبنيامين كونستان وعن ( الضيف الحجري)، وقد نشرت هذه الاعمال جميعا فيما بعد، وكذلك أعمالي ( الأسكندرانية) و (بوشكين وضفاف البيفا) و (بوشكين في العام 1928) والتي قضيت في كتابتها ما يقارب العشرين عاما ، فقد صدرت فيما بعد ضمن كتابي ( مقتل بوشكين)، المهم.. منذ منصف العشرينات لم تنشر لي أية قصيدة جديدة.
في العام 1941 وخلال الحرب العظمى تركت (بتروغراد) التي صار أسمها (ليننغراد) ونقلت إلى موسكو بالطائرة. ( هنا تتجنب آخماتوفا الحديث عن فترة الارهاب الستاليني ومقتل ماندلشتام ومايرخولد وعشرات الكتاب ومضايقات باسترناك ومأساة صديقتها الشاعرة مارينا تسفيتايفا، لكنها خلدت لنا قصيدتها الكبيرة ( قداس جنائزي) التي جسدت فيها الكثير عن رعب هذه الفترة – ب ش ).
إبتداء من حزيران العام 1944 إنتقلت للعيش في طشقند، وكنت أتتبع أخبار مدينتي وما يجري على جبهات القتال، ومثل بقية الشعراء، سمح لي بقراءة الشعر علنا، فأخذت أقرأ قصائدي الوطنية للجنود والجرحى في المستوصفات العسكرية.
وفي طشقند عرفت لأول مرة ماذا يعني ظل الشجرة في قيظ الصيف، وماذا يعني صوت خرير الماء في الجداول، وهنا ايضا عرفت الطيبة الانسانية..، وكذلك في طشقند مرضت مرضا شديدا وطويلا، وفي هذه الفترة طرت الى موسكو مفعمة بالفرح بانتظار إنتصارنا النهائي، وفي تموز رجعت إلى ليننغراد.
وجه مدينتي الشبحي أرعبني، فكان لقائي بها نثرا..!، وفي هذه الفترة بدأت سلسلة مقالاتي التي كانت تحت عنوان ( في ضيافة الموت )، وهي عن قراءاتي للشعر في جبهات القتال والمستشفيات. لقد كان النثر يثيرني دائما، وكنت أراه مليئا بالأسرار، لذا حينما أمتدح الجميع بداياتي النثرية لم أثق بذلك، فأتصلت بالكاتب ( زوشينكو) الذي نصحني بحذف هذه الجملة أو تلك، إلى ان أصبح هو راضيا عن النص. لقد كنت سعيدة، ولكن بعد إعتقال ابني حرقت كل مخطوطاتي وأرشيفي. ( هنا تتجنب آخماتوفا أيضا الحديث عن إعتقالها، وطردها من إتحاد الكتاب السوفيت للمرة الثانية مع الكاتب زوشينكو وذلك بقرار من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي – ب ش ).
لقد كانت أسئلة الترجمة الفنية تثيرني دائما، وفي السنوات الأخيرة ترجمت الكثير، وانني أترجم حتى الآن. وفي العام 1962 أنهيت كتابة ( قصيدة بدون بطل) والتي قضيت أثنين وعشرين عاما في كتابتها.
في الشتاء المنصرم، الذي كان عام دانتي، سمعتُ الكلام بالايطالية ثانية، إذ كنت في روما وسيسيليا. وفي ربيع هذا العام 1965 سافرت إلى وطن شكسبير ورأيت السماء البريطانية والأطلنطي، وألتقيتُ بعدد من الأصدقاء القدامى، وتعرفت على أصدقاء جدد، ومررت بباريس.
أنا لم أهجر كتابة الشعر، ففيه أجد علاقتي مع الزمن، ومع الحياة الجديدة لوطني، فحينما كتبت أشعاري كنتُ أعيش تلك الايقاعات البطولية لتاريخنا. إنني سعيدة لأنني عشتُ كل هذه السنوات، ورأيتُ كل تلك الأحداث الملتوية.
آنا أندريـفـنـــا آخمـــاتوفــــا
1965
قــُــــداس جنــــائـــزي
يعد بعض نقـاد الأدب قصيدة ( قُـداس جنـائزي) لأخماتوفا، واحـدة من قصتائد القرن العشرين
المهمة، من حيث انها شهادة مرعبة على الأرهاب الستاليني، إذ كتُبت القصيدة ما بين الأعوام
1935 - 1943، ولم تُنشر لا في حياة الشاعرة ولا بعد موتها، الى أن اندثرت دولة الاتحاد
السوفيتي.
في هذه القصيدة لم تهتم آخماتوفا بالتعبير الرشيق، والاستعارة الخلابة كثيرا، بقدر ما حاولت
أن تنقل تجربة الرعب والموت في اقبية السجون.
فـي مثـابة مقـدمــة
خلال سنوات الأرهاب الستاليني المرعبة، كنتُ سجينة لمدة سبعة عشر شهرا ضمن طابور
من النساء في إحدى سجون ليننغراد. كان ثمة شخص ما قد إعترف ضدي. وذات مرة وقفت
خلفي امرأة مزرقـة الشفاه، وبالطبع لم تكن تعرفني، ولم تسمع باسمي، ومن شدة الرعب والبرد
همست في أذني سائلة( حيث كان الجميع يتحدثون بهمس):
- أتستطيعين ان تصفي كل هذا الذي يجري هنـا؟
فأجبت: نعــم
وهنـا أرتسمت ما يشبه البسمة على هذا الذي كان وجهـا ذات يـوم..!
ليننغراد - الأول من نيسان ( ابريل) 1957
إهــــــداء
أمـام هـذه الآلام تنحني الجبـال إجـلالا ً
وتتوقـف النهـار العظيمــة عن الجريان
غير ان بوابـات السجن ثـابتــة..
وخلفنــا( كهوف النفـي) والوحشة القاتلـة..!
لأجـل إنسان مـا تهـب هذه الـريح النـدية
لأجـل إنسان مـا يتـورد الشـفق..؛
نحـن لا نعـرف شيئا..؛ فالأمـر لنا سيَان
نحـن لا نسمـع ستوى قلقلة الأقفـال
التي يغُـلق علينا بهـا عنـد النـوم..؛
ووقـع خطـى الجنــود الثقيــلة..!
أستيقظنا فجـرا..
وكأنما علينـا ان نذهـب لصـلاة القـداس..
فأخترقنـا العاصمــة المقفـرة..؛
تقـابلنـا هنـاك كـالمـوتـى..
كانت الشمـسُ منخفضـة، ونهـر ( النيفا) يبدو ضبابيـا..؛
وفي البعيـد كتان الأمـل يغنـي..
وفجـأة..
صـدر الحــكم..؛
فأنهمـرت الدمـوع من المـآقي..
وكأنما الحيـاة أُقتلعـت من القـلب..
وكأنما أصطـدم المـرءُ بشيء مـا..؛
أمـا هي فتمايلت، وحيـدة..
أيـن هــُن الآن اللـواتي أُرغمـتُ على صـداقتهـن..
خـلال أعـوام أعتـقالي؟؟
أية أحـلام تراودهـن الآن في عـواصف سيبيريا؟؟
ما الـذي يتراءى لهــن حينمـا يبـزغ الهــلال؟؟
لكـنَ، أذن ، ياصـديقـاتي تحيـة الــوداع..!
آذار ( مارس ) 1940
مــــدخـــــــل
كـان هذا حينما إبتسـم الميتُ
مبديا فـرحا هـادئا..؛
حينما قـادته ثـرثرته البريئـة
إلى سـجون مدينته ليننغـراد.
وحينما جـُـن من التـعـذيب..؛
نفي الى المعسـكرات القصيـة،
بينمـا أنشـدت القاطـراتُ أغنيـة الوداع صـافرة..!
فـوقنا تعــلو نجــوم المــوت..
بينمــا تـلوت روسـيا ألمــا
تحـت العـقب الحـديدية الداميــة..!
وتحـت قضبـان عربات ( الزمهرير الأسـود)
التي تقــلُ المعتقــلين..!!
( 1 )
قـادوك عنـد الفجــر
فتبعتـك كما يتبـع المــرء جنــازة..؛
بكـى الأطفــالُ في الغـرفة المظـلمــة..
بينمـا إتقــدت الشـمـوع في لـوحات القديسين..!
عـلى شـفتيك برودة الأيقـونات..
وعـلى جبينـك عـرق المـوت البـارد..
سـأكون، إذا، كاحـدى نساء الرمـاة ( الستريلشكيين)
اللـواتي تصـاعد عويلهـن عنـد جـدارالكـرملـين..!
1936
( 2 )
بهــدوء يجـري الـدونُ الهــاديء..
والقمــرُ الأصفــر يدخــل الى الــدار..
يـدخـلُ القمــرُ بقـبعـة مـائلـة..
ويـرى ظـلامـا..
هــذه إمــرأة وحيــدة..!
الـزوج فـي القبــر، والأبــن في السـجن..
صـلوا، إذا، مـن أجـــلي.
( 3 )
لا.. هــذه لـسـتُ أنـا، وإنمــا غيـري..
ومـا جــرى يجـب أن يغطــى بوشــاح أســود..
وأن تحمــل المصـابيح ليـلا ً.
( 4 )
بـودي أن أعـَـرف بـك أيتهــا السـاخرة..؛
يامحبـوبة جميـع الصديقـات..
ياأثيمــة ( تسارسكوي سيلو ) المـرحة..
مـا الـذي يعصـف بحيـاتك..؟
فمثل التي وقفت ثلاثمئة سـاعة مع هـديتك..
ستظلين واقفـة أمـام الصـليب،
لتقهـري بهـا ثـلوج ليـلة رأس السنة..
وكمـا تهـز شـجرة الحـور نفسها عند السجن..؛
بلا صـوت..
سـتزهـق كـم مـن الأرواح هنــاك..!!!
( 5 )
سـبعة عشر شهـرا أصـرخ..
أنـاديك كـي ترجـع الى البيـت..
ألقـي بنفسـي أمـام قـدمي الجــلاد..
أنـت أبنــي.. وأنــت رعبــي..!
لقـد ألقــى العـالم بنفسـه في الفـوضى..
إننـي لا أمتـلك الـوضـوح..
مـن تُرى أمسـى وحشـا، ومن ياتُرى بقـي إنسانا..؟؟
وهـل سيكون عـلي َ إنتظــار لحظـة الإعــدام طـويلا..؟
هـل الـورود متـربة فقط..؟
هـل للصـوت فـوح البخــور..؛ وهـل لـه من أثـر..؟
إلـى أيـن مـن ليس (الى أيـن)..!
وفـي أعمـاق عي،ي مباشـرة
هنـاك قـريبا من النهـاية..
أحمـلُ معـي نجمـة هـائلـة.
( 6 )
بخفــة تطـير الآسـابيع
مـا الـذي جـرى..؛ لا أعـرف..
كيـف حـالك يابُنـي وأنت في السـجن..؟
هـل رأيتـم الليـالي البيضـاء..؟
كيـف هـي الليـالي الجـديدة..؟
إنهــم، بنظــرات ملتهبـة، وغـاضبـة..
يتحـدثون عـن صليبك العــالي..
وعـن مـوتـك..!!!!
1939
( 7 )
قــــرار الـحــكــــــــم
وهـوت الكلمــةُ الحجــرية
عـلى صـدري الـذي لا زال يخفــق..
لا شـيء..؛ لقـد كنتُ أخمـن ذلـك..؛
لـذا ســأواجـه الأمــر بشكل مـا..
لــدي اليـوم أعمــال كثيـرة..
يجــب القضــاء عـلى الـذاكــرة..
يجـب أن تـتـحـجــر الــروح..
يجـب معــاودة الحيــاة ثـانيـة..
لا..
ليس المنـاجاة الصيفيـة الحـارة..
أو الأعيــاد التي تحـت نـافـذتي..
وأنمــا..
يــوم هــاديء.. وبيــت مهــجــور.
صيف 1939
( 8 )
إلــــى .. المــــــــــوت ..!
مـا دمت سـتأتي..؛ فلـم ليس الآن..؟
إننـي أنتظــرك.. إننــي متعبــة..؛
لقـد أطفـأت النــور، وفتحــت لك الأبـواب..
أيهــا البسـيط..؛ والســاحر..
إتخــذ، مـن أجـل مجيئـك، شـكلا مـا..
إقتحمنــي مثـل قـذيفــة ســامة..
أو تســلل عـلى القضبــان مثـل قـاتل محتــرف..
أو مثـل إسـطورة تخلقهــا أنــت..،
لكنهـا معـروفـة للجميع لحـد التقيـوء..
كـي أرى أطــراف قبعتــك الـزرقـاء..
وأرى حـارس البيت شـاحبا، ومـرتعبــا..
فكــل شـيء سـواء الآن..
ونجمــة القطــب تتـلألأ..
وعيـون أحبتــي تشـعُ ضـوءا َ أزرق..،
بينمـا عـذاباتـي الأخيـرة تـرق.
19 أغسطس 1939
( 9 )
غطــى الجنـونُ نصـف روحــي بأجنحتــه..
حينمــا كـان يحتســي نبيـذ النـار..
ملقيـا بــي فـي وديــان الظــلام..!
أدركتُ بأن عـلي َ
أن أتـرك النصــر لــه..
مصغيــة إلـى أشـيائي..؛
مثـلمـا أصـغي لهـذيانات غـريبــة..؛
فهـو لـن يسمــح لأي كـان، ولأي شــيء..
إنــه سيحملنــي معــه..
( مثلمـا إبتهــلتُ إليـه كثيـرا
من أجل هـذا..):
فليسـت عيـون ابني المـرعـوبة..؛
التـي تتقــد ألمــا..
وليسـت ذاك اليـوم حيث أرعـدت السمـاء..
وليست سـاعـة الـزيارة في السـجن..
ولا الأكــف الـرقيـقة البـاردة..
لا..وليسـت الجفـون التي ترتعـش في الظــلال..
ولا الصـوت الخفيـف.. البعيــد..؛
إنمــا الكلمــات..
وحــدهـا هي العــزاء الأخيـــر.
4 حزيران 1940
( 10 )
الصـــــلــــب
( لا تبـكي عـلي َ ياأمــــي
أنــا هنــا فــي القبــــر)..!!
( أ )
بـارك جـوقُ المـلائكـة السـاعة العظيمــة..
وفتحــت السـماءُ أبــواب النــار..؛
خـاطب الأبـن أبــاه :
لمـــاذا تـركتنــي..!
ثم التفــت إلـى أمـــه:
آه.. لا تبـكي عــلي َ.
( ب )
بـكـت المجـدليـةُ، وأرتعشـت..
وتحـجــر أعــز الأتبــاع..
أمــا هنـاك حيثُ وقفـت الأمُ صـامتــة..؛
فـلـم يجــروء أحــد عـلى النظــر..!
1930 - 1943
خـــاتــمــــــــة
( 1 )
رأيـتُ كيـف تتهــدم الـوجــوه..،
وكيـف يطـلُ الخـوف من تحـت الجفـون..
وكيـف أن بضعــة خطــوط مسمارية على الورق..؛
تحفــر الآلآم عـلى الخــدود..!
كيـف أن خصـلات الشعـر
تسطـع ، فجـأة، كالفضـة
بعـد أن كانت رمـادية وسـوداء..!
كيـف أن البسمــات تـذبـلُ
عـلى الشفـاه المستكينـة..؛
وكيـف يرتجـف الـرعبُ نفسـه
في الضحكــات الجـافـة..؟
بينمـا أصـلي أنـا..؛ لا لنفسـي فحسـب
وأنمـا للجميــع..
ولكــل مـن وقـف معــي هنــا..؛
فـي البـرد القـارص,,، وفـي لهيــب تمــوز
عنـد الجــدران الصفيحيــة الحمــر.
( 2 )
وثـانيـة تقتربُ سـاعةُ التذكــر..؛
إننـي أبصـرُ، أصغــي، وأحس بكــن:
أنـت يامـن قـادوك نحـو النـافـذة دفعــا
وأنـت يامـن لن تطـأ قدمـاك الأرض ثانيـة..
ثم أنـت ياذات الـرأس الجميل والمرتعـش..
ويامن قـلت: إنني هنا كما في بيتــي..؛
أودُ أن أسمي الجميـع..
غير انهـم خطفـوا قـائمة أسمائهـن..فعـذرا..!
نسجتُ لهـن وشـاحا عـريضـا..
من كلمــاتهـن الشاحبة والبائسـة..،
أتذكـرهن دائمـا، وأبدا..
وحتى في فجـائعي المقبـلة سـوف أتـذكرهـن..
لـن أنساهن حتى ولو أغلقـوا فمـي المــرير..
هأذا الـذي يصـرخ بالمـلايين من الشعب..
وهـن فليتدكرنني أيضـا..
وليكـن في مساء يـوم دفنــي..
وإذا مـا أرادوا ذات يـوم
أن ينصبوا لـي تمثـالا..
أمنـح موافقـي..ولكـن
لا تنصبوه قـرب البحـر حيثُ ولـدتُ..
فلقـد قصمـتُ مع البحـر مواثيقي..
وليس في الحديقـة القيصيرية حيثُ ردم المستنقع..
فثمـة ظـلال تبحث عني هناك بلا هـوادة..
وأنمـا هنـا.. حيثُ أبقـوني واقفة ثلاثمئة سـاعة
حيثُ لـم يُفتـح لـي أي بـاب..
حيثُ كنتُ أرتعـدُ خـوفـا..؛ ووددتُ المـوت
ووددتُ نسيان قاطـرات ( الزمهرير الأسود)..
نسيان قـرع البـاب الكـريه..
وعـويل تـلك العجـوز التي بـدت كحيـوان جـريح..
فـدع الثـلج يتساقط كما الـدمـوع
مـن تـلك المـآقـي الحجـرية الجـامدة..
ولتنـوح حمـامة السـجن بعيـدا..بعيـدا
ولتبحــر السـفن في نهـر ( النيفـا ) بهـدوء
آذار ( مترس ) 1940
* ( النيفـا) نهر سهير يمر بمدينة بيتربورغ
*(الزمهرير الأسود): ( تشورني ماروز) أسم القاطرات التي كانت تنقل
المعتقلين الى أعماق سيبيريا
*(السترليتس): هم الجنود الرماة الروس في القرون القديمة
قـصــــائـــد أخـــــــرى
المـلك ذو العيـون الـرماديـة
المجـدُ لـك أيهـا الألــمُ الـذي لا يهـدأ..
فلقـد مات أمس المـلك ذو العيـون الرمـاديـة..!
مساء خـريفي..مسـاء خـانق..
بينما قـال زوجـي، حينما عـاد، بهـدوء:
( أو تعرفي، إنهم، ولحسن الحظ، وجـدوا الجثـة..
عند شـجرة البلـوط الهـرمة..
مسكينة المـلكة..تلك الفتية؛ إبيض شعر رأسها
في ليلـة واحـدة ).
بين الأحجـار وجـدوا غـليونه..؛
حينمـا مضـى إلى عمـله الليـلي..
سأوقظ ابنتـي الآن..
سأمس عيونهـا الـرمـادية..
فمـن خـلف النـافذة تهمـس شجـرة الحـور:
لـقــد رحــل مـلك عـن هـذا العــالـم .
عن مجموعة ( المساء ) 1910
قبـــو الـذكـريـات
لا ليس صحيحا بانـني أعيشُ حـزينـة..
وان الـذكريات تنسـل منـي..
وإنني ضيفـة مقيمـة عنـد الذكـرى..
وانهـا تعـذبني..!
فحينمـا أهبـط الى القبـو، وبيـدي فانـوسي..
يبدو لـي ثمـة صمـت أخـرس
يدوي علـى درجـات السلم الضيـق..!
ويتعالـى دخـان فـانوسـي..
ولا أستطيع الـرجـوع..،
بينمـا أعـرفُ بأنـني ذاهبـة إلى عـدوي..
فـأرجـو..
وأبتهـل..
لكـن ليس هنـاك سـوى الظلمــة..
والسكـون..!!
إذن..
إنتهـى إحتفـالي..!
فها هي ثـلاثـون سنة قـد مـرت..،
منـذ أن قـادوا النسـاء إلى هنـا..
وهنـا..
مـات سيد الفجـور من وهـن الشيخوخـة..
لقـد تأخــرتُ..ياللفـاجعـة..
ليس عـلي أن أظهـر في الأماكـن العـامة..
لكنـي ألمـس الجـدران المـرسـومـة
وأتلمـس دفء المـوقـد..
ياللعـجــب..
فمـن خـلال هذا الجـدار الـرطب..
كـل هـذا العـذاب..
وهـذه الحكمــة..!!
إتقـدت زمـردتان خضراوتان..
ثمـة قطــة تمــوء:
لنـذهب إلى البيـت..!
لكـن..
ايـن بيتـي؟؟
بـل أيـن عقـــلي..؟؟
من مجموعة ( اليراع ) 1940
كـليـوباتــرا
كـم مـن ظـلال الليـالي الجميـلة
تضــم قصــور الاسـكندرية؟؟
بوشـكين
بعـدما قبـلت شفتي ( إنتـونيو ) الميتتين..
وبعـدما سكبت الدمـوع أمام القيصر الجديد..
وحينمـا خانها الخدم والحاشية..
تعـالى ضجـيج طبـول النصـر
تحت نظـرات النسر الرومـاني..،
حيث تستعرض آخـر الأسيرات جمـالها..
همس ذاك الفـارع الطـول بقـلق: هيـا ياأنـت..
ومثـل عبـدة..
دفع بهـا للسـير أمـام ناظـريه..
بـل..
ولـم يلتفـت بعنقـه ،حتـى ولـو فضـولا..!!
غـدا سيعتنون بالأطفــال..آه..
لـم يبـق من الوقـت إلا القـليل..
إذ عليهـا ان تتبادل المـزاح مـع السـادة الجـدد..!!
وبيـد غير مرتعشـة..
ألقـت بالأفعتى السـوداء
عـلى ذلـك الصـدر الأسمـر..مـودعـة..!!!
من مجموعة ( اليراع ) 1940
شـجـرة الـصـفـصـاف
نمـوتُ في السكون اللازوردي..
في غـرفة أطفـال هذا القـرن الفتـي..
لـم أود سـماع صـوت الإنسـان..،
بينمـا كنتُ أفهـم صـوت الـريح..
لقـد أحببـتُ النباتات الشـائكة..،
عشبـة ( راعي الحمام )، والقـراص..
بكـرامة عشن معـي كل العمـر..
فهـن يتأوهـن معـي..،
حـين تـولول أغصـاني باكيـة..!
ويروحـن عنـي، حينمـا ينتابني الأرق..
لكـن..ياللغــرابة..
عـشـتُ أكثـر منهـن..!!!
هناك ثمـة رغـوة عـالقة لأصـوات غريبـة..
لصفـصـافات أختريات يقـلن شيئـا مـا..
تحـت سـمائنـا..!
السـماء القـديمة نفسـها..
وأنـا أصـمـتُ..
وكـأنمـا مـات أخــي..!!!
من مجموعة ( اليراع ) 1940
الهــلاك المـحـبب
لقـد جلبتُ لنفسـي هـلاكـا محبـبا..
بـلايـا واحـدة إثـر أخـرى..
فيالمـصيبـتي..!!
إن هـذه القـبـور هي نبـؤة لكلمـاتـي..!
ومثـل غـربان تحـوم..،
يوخـزني دمـي النقـي ، الحـار..
وهـكـذا أغتصبت حبـي
أعنيـة وحشية بهيـجـة..!
معـك أحـسُ بالعـذوبة..، وبالقيـظ..
فـأنت قـريب مثـل القـلب في الصـدر..
أعطـني يـدك.. وأستمـع بهـدوء..
إنـني أتـوسلُ إليـك : إذهــب
ودعـني لا أعـرف أين أنـت..!
لا تنـاديه..
فسيكون ناكـرا للجميـل..
إذا مـا كـان حيـا..
وتنـكر لحبــي..!
من مجموعة ( anno Domini )
1921
الــظــــــــل
مـا الـذي تعـرفـه هذه المـرأة عـن سـاعة المـوت ؟
أوسـيب مندلشتـام
دائمــا لـدي أجمـل الثيــاب..
دائمـا المتفــردة..
والأبهــى بيـن الجميـع..!
فـلم تأتـيني من قـاع السنوات القتيـلة..
والذكـريات المفترســة..
تتـأرجـح أمـامي..
بينمـا صـورة وجهـك الجانبيـة
عـلى زجـاج العـربة المظـلمـة..؟
وكمـا سألوا ذات مـرة:
هـل أنت مـلاك أم طـائر ؟
أو كمـا وصـفك شـاعر :
أنـت مـن القـش..!
ينهمـر الضـوء الشفيف بأنسـياب
مـن عينيك القوقازيتيـن..
عبـر أهـدابك السـوداء..
أيهـا الظـل.. !!
لكـن السـماء الصـافية..
فـلوبيـر..
الـسهـاد..
والليـلك المتفتــح..
وأنـت، أيتهـا المـرأة الثلاثينية..
ويـومك العـادي، الخـالي من السحاب..
كـلهـا أهـاجت ذكـريـاتـي..
فـلا تنتصـب مثل هـذه الـذكريات أمـامي..
أيهـا الظــل..!
من مجموعة ( اليراع ) 1940
ذكرى الشمس
ذكرى الشمس في القلبِ تخبو ..
عشب أصفر
الريحُ تلوي الغصون الفتية
بصعوبة ...
وفي القنوات الضيقة يتجمد الماء
فهنا أبداً لا يحدثُ شيء ... أبداً ..
وشجرةُ الصفصاف تمتدّ في السماء الفارغة
كمروحةٍ ثاقبة ..
لربما كان في سعدنا
أنني لم أصبح زوجتكَ
فذكرى الشمس تنطفئ في القلب ..
في ليلةٍ واحدة .
1911
من مجموعة ( المساء )
أحمينــي أيتهــا الــريــح
أحمينـي.. أحمينــي أيتهـا الـريح
فأحبـابي لـم يأتـوا بعــد
وفــوقي يعــلو مســاء تـائـه
وكـذلـك أنفـاس الأرض الهـادئة.
لقـد كنتُ مثـلك حـرة أيتهـا الـريـح
ولكننـي تمـاديـتُ في العيـش أطــول،
وهـانـذا،
جســدي بارد ويـداي فارغتـان لا ادري لمـن أمـدهما؟
أغــلقي هـذا الجــرح الغـائر الأسـود
ولملمي هـذا الظـلام المسـائي
وأسـمحي للضبــاب الأزرق العــالي
أن ينشــد المـزامير لــي،
كـي أنســل إلى أقــاصي الحــلم
بهــدوء...، ولـوحـدي.
هــزي الشـجرة العاليــة لتتمــايل
لمقــدم الــربيــع.
9-19 كييف
من مجموعة المســاء
القصيدة في الأصل بدون عنوان
إلــى الكســندر بـلــوك
لقد جئـتُ الشـاعر ضيــفة ،
فـي منتصـف نهــار يـوم الأحــد..!
حيث الشـمس القـرمـزية
فـوق الدخــان الأزرق الكثيــف..
كــم كـان مضيفــي الصـمــوت
واضحــا فـي نظــرته إلــي..!
عينــاه
ينبغــي أن يتـذكرهما كل إنســان
والأفضــل لـي، وأنـا الحــذرة
أن احــدق فيها أبـدا.
لكنــي سـأتذكر حــوارنا
والظهـيرة الداكنــة ليــوم الأحــد
فـي المنــزل الـرمـادي العــالي،
عنــد البــوابة البحــرية للنيــفا.
1914
من مجموعة إكليل الـورد
القصيدة في الأصل بدون عنوان
مــا عــــدتُ أبتســـــم
مـا عــدتُ أبتسـم
فالــريح الجـليدية تجمــد شـفتي..
فقــدتُ أمــلا آخــر
بينمــا سـتكون هنـاك أغنيـة أخــرى
للسـخرية والشتيمـة..!
مــؤلــم ومعــذب للـــروح
هــذا الحــب، الصــوت.
1915
من مجموعة السـرب الأبيض
القصيدة في الأصل بدون عنوان
صـــــــلاة
أعطنـــي أمــر سـنوات المــرض،
الإختنـــاق ، الســهاد، الــرمضــاء،
الأســم ، الطفــل، الـدرب..
مـن أجــل أن يصبــح الغيــم..!
هبـــني أســرار الأغـــاني..
هــكـذا ســأصـلي من أجــل آلآمـــك،
التي تغطـــي روســيا المكفهـــرة ســحابا
وأشـــعة مجيـــدة.
1915
من مجموعة السرب الأبيض
ســألتُ اليمــامة
سـألتُ اليمـامة :
كم تبقـى لـي من العمــر؟
فأرتعشـت قمــم الصنوبر
وسقط شعاع أصفـر عـلى العشـب،
لكـن لا صـوت في الدغــل النــدي!!
وهــا أنـا أعــود للبـــيت ،
جبهتــي ملتهبــة
تمسهــا ريـح باردة.
1919
من مجموعة Anno Domini
القصيدة في الأصل بدون عنوان
ترجمة وتقـــديم د. بـُرهــان شــاوي